الـوافــــدون

الـوافــــدون

لم تكن تلك المساحة في التعايش مقصورة على المسلمين فيما بينهم، بل شملت غيرهم من ذوي الملل، وقبل الإسلام أيضًا كان العرب وغيرهم يعتمدون على مكارم الأخلاق في التعايش والانتفاع بين الدول والقبائل..

لا يختلف اثنان عند النظر في نصوص الشريعة على أنها أعطت للتعايش بين بني البشر مساحة فسيحة لتوطيد قواعد العيش المشترك، ومدّ جسور الانتفاع بالآخر ونفعه، وهذا ما جعله الله أساسًا بين الناس في استدامة معيشتهم ونموها واستمرارها. وعند قوله تعالى: (ليتخذ بعضهم بعضًا سخرياً) قال الطبري: "جعل تعالى ذكره بعضًا لبعض سببًا فى المعاش في الدنيا" وهذا ألصق وأقعد في التفسير.

ولم تكن تلك المساحة في التعايش مقصورة على المسلمين فيما بينهم، بل شملت غيرهم من ذوي الملل، والأمثلة لا تكاد تحصر، وقبل الإسلام أيضًا كان العرب وغيرهم يعتمدون على مكارم الأخلاق في التعايش والانتفاع بين الدول والقبائل.

وهذا "حلف الفضول" الذي عقد في الجاهلية، كان سببه واقعة شذت عن معاملة أهل البلد لوافد من غيرهم، كان تاجرًا من زبيد معتمدًا على التغرب في إعالة أهله وذويه، فحبس عنه العاص بن وائل حقه، ولم يجد من ينصره لمكانة العاص، فصعد على تبّة ينادي بمظلمته، فقام الحلف وتعاهدوا على نصرة المظلوم، وذهبوا إلى العاص وانتزعوا منه حق الزبيدي ودفعوه إليه، فكان النبي صلى الله عليه وآله يذكر فضل هذا الحلف لأنه كان أحد الحاضرين.

قد يكون لنا في هذه الواقعة أسوة للتعامل مع إخواننا القادمين إلينا لطلب الرزق في هذه البلاد المباركة، التي فتحت أبوابها للمسلمين وغيرهم، وأغدقت على المقيمين فيها بحسن التعامل انطلاقًا من الحس الوطني الذي تتمتع به قيادته المباركة، غير أن كثيرًا مما يُشتكى منه يخرج مخرج التصرفات الفردية المسيئة للصورة البهية التي رسمتها المملكة في التعامل مع الوافدين، وقد تكون "وسائل التواصل الحديثة" حلت محل "تبة الزبيدي" فربما هناك الكثير والكثير من الوقائع التي تشابه واقعة العاص والزبيدي، ويستقوي فيها الظالم على المظلوم، مستغلًا الوضع الإصلاحي في البلد وليّه إلى طريق لم تكن مرسومة له وحاشا، والالتفات إلى وأد بعض المعاملات الفردية التي تصنف كإساءة هو واجب تقوم به الجهات المختصة، تمشيًا مع مبادئ إسلامنا وأخوتنا، وليس هذا مقتصرًا على معاملتنا للوافد إلينا، فنحن أيضًا نحتاج لتلك المعاملة الإنسانية الحسنة، عند قدومنا على دول أخرى ونرجو منهم حسن التعامل كما هو دأب أسلافهم، فحين كان المسلمون في أول أمرهم في خوف وظلم، أعطاهم النبي صلى الله عليه وآله الإذن بالهجرة إلى الحبشة، وقال: "إن فيها ملكًا لا يظلم في ملكه أحد" وما هو إلا وقت يسير حتى أصبح أهل الأرض يهاجرون إلى المدينة يبتغون فيها دينهم ورزقهم، في كنف رسول كريم لا يظلم في دينه أحد، وبقيت -وستبقى بإذن الله- هذه البلاد رمزًا وملاذًا تهوي إليه الأفئدة من كل حدب وصوب.

والذي يتوجب علينا نحن المواطنين، هو عين ما تريده منا قيادتنا الحكيمة ويطلبه منا ديننا قبل ذلك، من المعاملة الحسنة والأخلاق الفاضلة، وأن نعترف بأن المنفعة متبادلة بين المواطن والوافد المقيم، اتكاء على الآية المذكورة في صدر المقال، فمحاولة تشويه صورة المقيم الوافد، وتحميله ما لا يتحمله نوعُ ظلمٍ تأباه القيم والأخلاق الإسلامية الحنيفة!

ومع كل ما قد يواجهه المقيم من ظلم الكفيل وتشويه الإعلام فإن كثيراً ممن حولنا يغبط من يسافر إلينا طلبًا لدنياه وآخرته، فيجب أن تبقى هذه البلاد مثالاً يحتذى به، في حسن إدارة التعايش واحترام الآخرين، بدءًا من حين انطلق أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ومن معه صوب المدينة، وحطوا رحالهم فيها، فدامت إقامتهم، فكانت المدينة تحوي أخلاطًا وأنواعًا من الناس، تساووا في حقوقهم وواجباتهم، وفتح هذا التعايش الراقي أبوابه حتى لمن جاورهم من اليهود، لولا غدرهم ومكرهم، ليبقى الإسلام رافعًا لراية الإنسانية حقيقةً لا ادعاءً، ويبقى المسلمون يترجمون قول الله تعالى (إنما المؤمنون إخوة) على واقعهم في صورة خلدها القرآن الكريم، بوصفهم (رحماء بينهم).

ضع تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) المطلوبة في الأماكن المحددة. لا يسمح كود HTML.

العودة للأعلى