|
قسوة لا تحتمل... من الكره إلى الحب الصارخ
دأبت السينما الأمريكية على الخروج مما تُقوقع نفسها فيه من نمطية أو تكرار في ما تقدمه من نتاجات على مدار العام، فتقدم بين الفينة والأخرى أفلاما يغلب على طابعها العام شيئا من التجديد إن كان على مستوى الموضوعة الرئيسة أو في طريقة الإخراج أو في استخدام المؤثرات الخاصة.
وما فيلم (قسوة لا تحتمل Intolerable Cruelty -2004) إلا مثالا نموذجيا عن محاولات مخرجي هوليود للتجديد على مستوى القصة حصرا، فعلى الرغم مما يقاسيه المجتمع الأمريكي من كوارث أخلاقية، فان فيلم (قسوة لا تحتمل) يأتي ليعيد الأمور في نصابها الطبيعي، وينجح في شد المشاهدين نحو مفاهيم الحب والزواج والتسامح.
تدور أحداث الفيلم حول مايلز ماسي (جورج كلوني) محامي دعاوى الطلاق الذائع الصيت، وصاحب الشهرة الواسعة في الدوائر القانونية حيث يعرف بقدرته الفائقة على إقناع هيئة المحلفين بالانتصار لموكليه وحصولهم على اكبر المكاسب في التسويات المتعلقة بالأموال والممتلكات الزوجية، يدخل المحامي في ورطة عندما تخسر مارلين ريكسروث (كاثرين زيتا جونز) ثروة كبيرة بسبب انتصاره لدعوى زوجها السابق، لذا فإنها تقرر الانتقام منه، فتبدأ باستغلال جمالها الباهر للإيقاع به في حبائل حبها، على الرغم من كونه متشائم من علاقات الحب والزواج، لكنه يقع صريعا في الفخ لتنقلب العلاقة من القسوة والكراهية إلى الحب الرومانسي الصارخ.
يعالج الفيلم هذه القصة في إطار كوميدي شيق يبتعد عن التصنع والتقليد، لا سيما إن السيناريو يفسح المجال أمام (كلوني، وجونز) في تقديم أداء متمكن، يثبتان فيه قدرتهما الفائقة في السيطرة على أدواتهما التمثيلية، عبر الحركات اللماحة والمفاجأة، من دون ابتذال أو انزلاق في مهاوي الدراما الهابطة. علما انه لم يعرف عنهما اشتراكهما بأدوار كوميدية إلا نادرا، فكلوني يعد من الممثلين المعروفين بأدائهم للأدوار الجادة، كما في فيلم (صانع السلام-1997) إخراج ميمي ليدر، ودوره في فيلم (ثلاثة ملوك-1999) إخراج ديفيد راسل، وفيلم (سولاريس-2001) إخراج ستيفن سودربيرغ، ولاحقا اخرج بنفسه فيلما رائعا بعنوان (اعترافات العقل الخطير-2002). أما زيتا جونز فهي ابنة المسرح الإنكليزي الجاد، وقدمت للسينما أدوارا مهمة نالت إعجاب الكثيرين، كما في فيلم (قناع زورو- 1998) إخراج مارتن كامبل، وفيلم (الفخ-1999) إخراج جون أميل، وفيلم (إخلاص متناهي-2000) إخراج ستيفن فريرز ....وغيرها.
أخرج هذا الفيلم (جويل كوين) عن سيناريو مثير كتبه أخيه (ايثان كوين)، وفيه يحاولان الأخوان كوين تحقيق معادلة صعبة في الانتصار للطبيعة الإنسانية على كل أشكال الانحدار في العالم، فدائما تظل هناك مساحة للحميمية المتبادلة بين البشر، والتي بها يكون العالم اجمل مما نتصوره بحواسنا المحدودة. والذي يتمعن فيما قدمه الأخوان كوين من أفلام يكشف بوضوح طبيعة أسلوبهما الكوميدي الخفيف المتميز، فمنذ نجاحهما في فيلم (بارتون فينك-1991) وهما لا زالا يعرضان وجهات نظرهما المهمة بطريقة يغلب على طابعها الإغراق في الكوميديا، ويشهد لهما في هذا الإطار تقديم كوميديا من نوع آخر، كوميديا تسعى لتعرية المجتمع، وابراز دور الأفراد في صنعه.
وأخيراً نلاحظ أنه على الرغم من أن شخصيات هذا الفيلم كانت تتحدث أكثر مما ينبغي؛ فالفيلم يعج بالحوار، إلا أنه لا يزال يُمثِّل رحلة مثيرة في أروقة المحاكم وبلاوى المحامين.
|