اعلان

Collapse
No announcement yet.

تابع : الهجرة النبوية الشريفة والدروس والعبر المستفادة منها

Collapse
X
  • تصنيف
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts

  • تابع : الهجرة النبوية الشريفة والدروس والعبر المستفادة منها

    تابع

    تلكم أيها الأحبة أحداث الهجرة ،
    وفيها من الدروس والعبر ما يضيق عنه المقام .


    فمنها :


    (1) درس في الهجرة :

    لقد أذن الله تعالى لنبيه وأصحابه بالهجرة لما ضاقت عليهم الأرض ،
    ومنعتهم قريش من إقامة دين الله .
    إن الهجرة بالمعنى الشرعي ليست مجرد الانتقال من بلد إلى آخر فحسب ،
    بل هي هجرة عامة عن كل ما نهى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم،
    حتى يكون الدين كله لله .

    هجرة من الذنوب والسيئات ...
    هجرة من الشهوات والشبهات ...
    هجرة من مجالس المنكرات ..
    هجرة من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة .

    *****

    (2) الصبر واليقين طريق النصر والتمكين :

    فبعد سنوات من الاضطهاد والابتلاء قضاها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة
    يهيأ الله تعالى لهم طيبة الطيبة ، ويقذف الإيمان في قلوب الأنصار ،
    ليبدأ مسلسل النصر والتمكين لأهل الصبر واليقين

    إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوافِيالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَيَقُومُالْأَشْهَادُ


    إن طريق الدعوة إلى الله شاق محفوف بالمكاره والأذى .
    لكن من صبر ظفر .. ومن ثبت انتصر ..

    (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) .

    *****
    (3) درس في التوكل على الله
    والاعتصام بحبل الله :


    لقد كانت رحلة الهجرة مغامرة محفوفة بالمخاطر التي تطير لها الرؤوس .
    فالسيوف تحاصره عليه الصلاة والسلام في بيته وليس بينه وبينها إلا الباب ..
    والمطاردون يقفون أمامه على مدخل الغار ..
    وسراقة الفارس المدجج بالسلاح يدنو منه حتى يسمع قراءته ..
    والرسول صلى الله عليه وسلم في ظل هذه الظروف العصيبة متوكل على ربه واثق من نصره .
    فمهما اشتدت الكروب ومهما ادلهمت الخطوب يبقى المؤمن متوكلاً على ربه واثقاً بنصره لأوليائه .

    فالزم يديك بحبل الله معتصماً *** فإنه الركن إن خانتك أركان

    *****
    (4) درس في المعجزات الإلهية :

    هل رأيتم رجلاً أعزلاً محاصراً يخرج إلى المجرمين ويخترق صفوفهم فلا يرونه
    ويذر التراب على رؤوسهم ويمضي ..
    هل رأيتم عنكبوتاً تنسج خيوطها على باب الغار في ساعات معدودة ..
    هل رأيتم فريقاً من المجرمين يصعدون الجبل ويقفون على الباب
    فلا يطأطيءأحدهم رأسه لينظر في الغار ..
    هل رأيتم فرس سراقة تمشي في أرض صلبه فتسيخ قدماها
    في الأرض وكأنما هي تسير في الطين ..
    هل رأيتم شاة أم معبد الهزيلة يتفجر ضرعها باللبن .

    إن هذه المعجزات لهي من أعظم دلائل قدرة الله تعالى ،
    وإذا أراد الله نصر المؤمنين خرق القوانين ، وقلب الموازين

    {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون }.

    *****
    (5) درس في الحب :

    وقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم :
    " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " .

    إن هذا الحب هو الذي أبكى أبا بكر فرحاً بصحبته صلى الله عليه وسلم . . .

    إن هذا الحب هو الذي جعل أبا بكر يقاوم السم وهو يسري في جسده
    يوم أن لدغ في الغار لأن الحبيب ينام على رجله .

    إن هذا الحب هو الذي أرخص عند أبي بكر كل ماله ليؤثر به الحبيب
    صلى الله عليه وسلم على أهله ونفسه .

    إن هذا الحب هو الذي أخرج الأنصار من المدينة كل يوم في أيام حارة
    ينتظرون قدومه صلى الله عليه وسلم على أحر من الجمر .
    فأين هذا ممن يخالف أمرالحبيب صلى الله عليه وسلم
    ويهجر سنته ثم يزعم أنه يحبه !!!

    يا مدعي حب أحمد لا تخالفه *** فالحب ممنوع في دنيا المحبينا

    *****
    (6) درس في التضحية والفداء :

    لقد سطر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صفحات مشرقة من التضحية ،
    والمغامرة بالأنفس والأموال لنصرة هذا الدين ..
    لقد هاجروا لله ولم يتعللوابالعيال ولا بقلة المال فلم يكن للدنيا بأسرها
    أدنى قيمة عندهم في مقابل أمر الله وأمر ورسوله صلى الله عليه وسلم .

    فيوم أن بات علي في فراشه صلى الله عليه وسلم وغطى رأسه
    كان يعلم أن سيوف الحاقدين تتبادر إلى ضرب صاحب الفراش ،
    ويوم أن قام آل أبي بكر عبدالله وأسماء وعائشة ومولاه عامر
    بهذه الأدوار البطولية كانوا يعلمون أن مجردا كتشافهم قد يودي بحياتهم .

    هكذا كان شباب الصحابة فأين شبابنا ..

    أين شبابنا الذين يضعون رؤوسهم على فرشهم
    ولا يضحون بدقائق يصلون فيها الفجر مع الجماعة .

    نعم .. لقد نام شبابنا عن الصلاة يوم أن نام علي مضحياً بروحه في سبيل الله ،
    فشتان بين النومتين .

    أين شبابنا الذين كلّت أناملهم من تقليب أجهزة القنوات ومواقع الشبكات .
    أين هذه الأنامل من أنامل أسماء وهي تشق نطاقها
    لتربط به سفرة النبي عليه الصلاة والسلام .
    ويوم القيامة ستشهد الأنامل على تضحية أسماء ،
    وستشهد على الظالمين بما كانوا يعملون .

    *****
    (7) درس في العبقرية والتخطيط
    واتخاذ الأسباب :


    لقد كان صلى الله عليه وسلم متوكلاً على ربه واثقاً بنصره يعلم أن الله كافيه وحسبه ،
    ومع هذا كله لم يكن صلى الله عليه وسلم بالمتهاون المتواكل
    الذي يأتي الأمور على غير وجهها .
    بل إنه أعد خطة محكمة ثم قام بتنفيذها بكل سرية وإتقان .

    فالقائد : محمد ، والمساعد : أبو بكر ، والفدائي : علي ، والتموين : أسماء ،
    والاستخبارات : عبد الله ، والتغطية وتعمية العدو : عامر ،
    ودليل الرحلة : عبدالله بن أريقط ، والمكان المؤقت : غار ثور ،
    وموعد الانطلاق : بعد ثلاثة أيام ، وخط السير : الطريق الساحلي .

    وهذا كله شاهد على عبقريته وحكمته صلى الله عليه وسلم،
    وفيه دعوة للأمة إلى أن تحذو حذوه في حسن التخطيط والتدبير
    وإتقان العمل واتخاذ أفضل الأسباب مع الاعتماد على الله مسبب الأسباب أولاً وآخراً .

    *****
    ( 8 ) - درس في الإخلاص :

    ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :
    " إنه ليس أحدٌ أمنُّ علي في نفسه وماله من أبي بكر "

    فقد كان أبو بكر
    } الذي يؤتي ماله يتزكى{
    ينفق أمواله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الدعوة إلى دين الله .

    لكن السؤال هنا هو
    لماذا رفض صلى الله عليه وسلم أخذ الراحلة من أبي بكر إلا بالثمن ؟

    قال بعض العلماء :

    إن الهجرة عمل تعبدي فأراد عليه الصلاة والسلام أن يحقق الإخلاص
    بأن تكون نفقة هجرته خالصة من ماله دون غيره . وهذا معنى حسن ،
    وهو درس في الإخلاص وتكميل أعمال القرب التي تفتقر إلى النفقة
    ( كنفقة الحج ، وزكاة الفطر ،وغيرها من الأعمال )
    فإن الأولى أن تكون نفقتها من مال المسلم خاصة .

    *****
    (9) درس في التأريخ الهجري :

    التأريخ بالهجرة النبوية مظهر من مظاهر تميز الأمة المسلمة وعزتها .
    ويعودأصل هذا التأريخ إلى عهد عمر رضي الله عنه .
    فلما ألهم الله الفاروق الملهم أن يجعل للأمة تأريخاً يميزها
    عن الأمم الكافرة استشار الصحابة فيما يبدأبه التأريخ ،
    أيأرّخون من مولده عليه الصلاة والسلام ؟ أم مبعثه ؟ أم هجرته؟ أم وفاته ؟ .
    وكانت الهجرة أنسب الخيارات . أما مولده وبعثته فمختلف فيهما ،
    وأما وفاته فمدعاة للأسف والحزن عليه .
    فهدى الله تعالى الصحابة إلى اختيار الهجرة منطلقاً للتأريخ الإسلامي .

    وظلت الأمة تعمل بهذا التأريخ قروناً متطاولة ، حتى ابتليت في هذا العصربالذل والهوان ،
    ففقدت هيبتها ، وأعجبت بأعدائها ، واتبعتهم حذو القذّة بالقذّة ،
    حتى هجرت معظم الدول المسلمة تأريخها الإسلامي فلا يكاد يعرف
    إلافي المواسم كرمضان والحج ، وأرخت بتواريخ الملل المنحرفة .

    لقد نسينا تاريخنا فأنسينا تأريخنا .. وأضعنا أيامنا فضاعت أيامنا ..
    ومالم نرجع إلى ديننا الذي هو عصمة أمرنا ..
    فسلامٌ على مجدنا وعزنا .. والله المستعان .

    وإن مما يفخر به كل مسلم ما تميزت به هذه البلاد بلاد الحرمين
    ومهبط الوحي ومهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم
    من اعتماد التأريخ الهجري النبوي تاريخاً رسمياً لكافة مرافقها ،

    *****

    نسأل الله أن يحفظها وجميع بلاد المسلمين بحفظه ،
    وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان ، ويعز دينه ويعلي كلمته ،
    إنه جواد كريم ، والحمد لله رب العالمين ،
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


    *******************************************

    كلام أم معبد في وصف رسول الله
    صلى الله عليه وسلم


    قَالَتْ أُمّ مَعْبَدٍ في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم :


    ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ أَبْلَجُ الْوَجْهِ حَسَنُ الْخُلُقِ لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَةٌ وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صعْلَةٌ وَسِيمٌ قَسِيمٌ
    فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ وَفِي صوَتِهِ صَحَلٌ وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ.
    وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ أَحْوَرُ أَكْحَلُ أَزَجّ أَقْرَنُ شَدِيدُ سَوَادِ الشّعْرِ إذَا صَمَتَ عَلاهُ الْوَقَارُ
    وَإِذَا تَكَلّمَ عَلاهُ الْبَهَاءُ أَجْمَلُ النّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ وَأَحْسَنُهُ وَأَحْلاهُ مِنْ قَرِيبٍ.
    حُلْوُ الْمَنْطِقِ. فصل لا نَزْرٌ ولا هَذَرٌ كَأَنّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَنحدرنَ،
    رَبْعَةٌ لا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ ولا تَشْنَؤُهُ مِنْ طُولٍ.
    غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ فَهُوَ أَنْضَرُ الثلاثَةِ مَنْظَرًا، وَأَحْسَنُهُمْ قَدًا.
    لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفّونَ بِهِ. إن قَالَ اسْتَمَعُوا لِقَوْلِهِ.
    وَإن أَمَرَ تَبَادَرُوا إلَى أَمْرِهِ مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ. لا عَابِسٌ وَلا مُفْنِدٌ.
    قولها ( ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ) أي ظاهر الجمال،
    ( أَبْلَجُ الْوَجْهِ) أي مشرق الوجه مضيئوه،
    ( حَسَنُ الْخُلُقِ)( لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَة) الثجلة عِظَمُ البطن مع استرخاء أسفله
    ( وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صَعْلَة) أي صغر الرأس
    ( وَسِيمٌ ) المشهور بالحسن كأنه صار الحسن له سمة
    ( قَسِيمٌ) الحسن قسمة الوجه ، أي كل موضع منه أخذ قسما من الجمال
    ( فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ) اشتد سوادها وبياضها واتسعت
    ( وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ) أي طول
    ( وَفِي صوَتِهِ صَحَلٌ) أي شبه البُحة
    ( وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ) أي طول العنق
    (وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ)
    (
    أَحْوَرُ) اشتد بياض بياض عينيه مع سواد سوادهما
    ( أَكْحَلُ) أي ذو كُحْلٍ، اسودت أجفانه خلقة
    ( أَزَجّ أَقْرَنُ) أَي مَقْرُون الحاجبين من غير اتصال
    ( شَدِيدُ سَوَادِ الشّعْرِ)
    (
    إذَا صَمَتَ عَلاهُ الْوَقَارُ) أي الرزانة والحِلْم
    ( وَإِذَا تَكَلّمَ عَلاهُ الْبَهَاءُ) من الحسن، الجلال والعظمة
    ( أَجْمَلُ النّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ وَأَحْسَنُهُ وَأَحْلاهُ مِنْ قَرِيبٍ حُلْوُ الْمَنْطِقِ)
    (
    فصْلٌ لا نَزْرٌ وَلا هَذرٌ) أي لا قليل ولا كثير أي ليس بقليل فيدل على عِيِّ ولا كثير فاسد
    ( كَأَنّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَنحدرنَ) أي كلامه محكم بليغ
    (رَبْعَةٌ) (لا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ) أي لا تزدريه لقصره فتجاوزه الى غيره بل تهابه وتقبله
    (وَلا تَشْنَؤُهُ مِنْ طُولٍ) أي لا يُبْغَضُ لفرط طوله
    ( غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ فَهُوَ أَنْضَرُ الثّلاثَةِ مَنْظَرًا) (وَأَحْسَنُهُمْ قَدًّا)أي قامة
    ( لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفّونَ بِهِ. إذَا قَالَ اسْتَمَعُوا لِقَوْلِهِ. وَاذَا أَمَرَ تَبَادَرُوا إلَى أَمْرِهِ)
    (
    مَحْفُودٌ) أي مخدوم
    ( مَحْشُودٌ ) الذي يجتمع الناس حوله
    (لا عَابِسٌ)( وَلا مُفْنِدٌ) المنسوب الى الجهل وقلة العقل،
    الـمـُفْنِد أي لا فائدة في كلامه لكبرٍ أصابه .

    صِفَةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم

    كان المصطَفى
    رَبْعَةً مِنَ الرِّجَالِأي مَربوعَ الخَلْقِ مُعتدِلَهُ لا مِنْ قِصَارِ الرّجَالِ ولا مِنَ الطِّوال
    لكِنَّهُ كانَ إلى الطولِ أقرب،
    وكانَ بعيدَ ما بينَ الْمَنكِبَين أي عريضَ ما أعلى الظَّهرِ والصَّدرِ وهو دليلُ النجابةِ،
    والمنْكِبُ مَجْمَعُ العَضُدِ والكَتِفِ.

    وفي الصَّحيحِ مِنْ طريقِ البراءِ بنِ عازب
    أنَّ شعرَهُ كانَ يبلغُ شحمةَ أذنِهِ أي إذا أخذَ منهُ،
    وفي روايةٍ
    يوفّرُهُ مرة أخرى فيكونُ وَفْرَةً وهو الشعر الذي يَصِلُ شحمةَ الأذنِ،
    وفِي روايةٍ:
    كان شعره يبلغُ شحمةَ أذنِهِ كان يضربُ منكِبيه مرةً،
    ومرَّة يطولُ حتى يعلوَ ظهرَهُ.
    قال عياض:
    والْجمعُ بين هذه الروايات أن ما يلي الأذن هو الذي يبلغُ شحمةَ أذنيه
    والذي بينَ أذنيه وعاتقِهِ وما خلفَه هو الذي يضرِبُ مَنكبيه
    وقيل بل يَختلِفُ باختلافِ الأوقات،
    فإذا لَم يقصِّرْهُ بلغَ المنكبَ وإذا قَصَّرَهُ كان إلى أنصَافِ أُذُنَيهِ، وكانَ يَفْرِقُ شعرَهُ
    ولا يَحلقُ رأسَه إلا لأجل النسك وكان يجعلُ شعرَهُ أربعَ ضفائِرَ
    ويَجعلُ كُلاًّ مِنْ أذُنيه بين ضفيرتين وكانَ شعرُهُ حِلقًا حِلقًا
    ولَم يكن سَبْطَ الشعر ولا جَعدَ الشعر.
    وكانَ الْمصطفى
    أبيضَ اللَّونِ مُشْرَبًا بالحُمرَةِوالإشرابُ خلطُ لونٍ بلون كأنَّ أحدَ اللّونينِ سُقِيَ بالآخر،
    وفي صحيحِ البخاريِّ عن أنسٍ:
    كانَ أزهرَ اللَّونِأي أبيضَ مُشرَبًا بِحُمرَةٍ
    وكانَ أشكلَ العينينأي يُخالِطُ بياضَ عينيهِ حُمرةٌ وهو محمودٌ مطلوب،
    واسعَ العينينطويلَ شِقِّ العَين،
    وكان أدعجَ العينينِوالدَّعَجُ شِدَّةُ سوادِ العينِ وقيلَ هو شِدَّةُ سوادِ العينِ معَ شِدَّةِ بياضِها.

    وفي الصَّحيحِ عن أنسٍ أنه
    رَجْلٌ جَعْدُ الشعرِ ومرادُهُ أنه ليس بِسَبِطٍ وهو المنبسطُ المسترسل الذي لا تَكسُّرَ فيه ولا بِجعدٍ
    وهو ما بضدِّهِ بل كان بينَ ذلك كما جاء في الخبرِ الآخر،
    وكان كَثَّ اللّحيةِأي كثيرَ شعَرِها غليظَه،
    وكانَ أشعرَ الصَّدرِأي كثيرَ الشَّعَرِ على صدرِهِ رَقيقَ المَسرُبَة وفُسّرَ بأنه الشَّعر الْمُسْتدَقّ
    مِنَ السُّرةِ إلى مُحاذاةِ اللَّبة وهو شعَرٌ يَجري كالقضيبِ ليسَ في بطنِهِ ولا ظهرِهِ غيره،
    وكان شَثْنَ الكفينِ والقدمينأي غليظَهما مِنْ غير قِصَرٍ ولا خُشونَةٍ
    فالمرادُ غِلَظُ العُضوِ في الخلقَةِ لا خشونَةَ الجلدِ وذلكَ يستلزِمُ قوةً في القبضِ والمشيِ
    وهو محمودٌ في الرجال،
    والكفين تَثنِيَةُ كَفٍّ وهي الراحَةُ معَ الأصابعِ سُمّيت به لأنها تَكُفُّ الأذى عَنِ البدنِ.

    وكانَ
    إذا مَشَى كأنما ينحَطُّ مِنْ صَبَبٍأي ينحَدِرُ مِنْ مكانٍ عالٍ،
    وكان إذا مشَى كأنما يَتَقَلَّعُ أي يُخرِجُ قدميهِ مِنْ صَخْرٍ أي قويَّ المَشيِ كأنهُ
    يرفعُ رِجليهِ مِنَ الأرضِ رَفعًا قويًّا مُسْرِعًا لا كَمَنْ يَمشي اختيالاً،
    ويقارب خطاه
    وكان يُقبِلُ بكُلِّهِ أي بكلِّ جسمِهِإذا التفت فلا يُسارِقُ النظرَ ولا يلويَ عُنقَهُ
    في حالِ تَلفُتِهِ فكانَ يُقبِلُ جَميعًا ويُدبرِ جَميعًا أي بِجَمِيعِ أجزاءِ بدنِهِ
    فإذا توجَّهَ إلى شىءٍ توجَّهَ بِكُلّيتِهِ ولا يُخالِفُ ببعضِ جسَدِهِ بعضًا،
    وكانَ عرقُهُ إذا رَشَحَ جسَدُهُ الشريف كاللؤلؤِ فِي البياضِ والصَّفاءِإذا نظرَ إليه الرائي،
    وكان ريحُ عرقِهِ أطيبُ مِنَ المسكومِنْ ثَمَّ كانت تَجمعُهُ أم سُلَيم سَهْلَة أو رَملَة
    أو الرُّمَيصَا في قارورةٍ وتجعلُهُ في طِيبِها كما رواهُ مسلمٌ وغيرُهُ،
    وفي بعضِ طُرُقِهِ وهو أطيبُ الطيبِ فهو لعمري والله أطيبُ طِيبٍ وأفضلُهُ،
    وفي حديثِ وائلِ بنِ حِجْر عندَ الطبرانِيّ والبيهقيّ
    قد كنتُ أصافِحُ رسولَ الله أو يَمَسُّ جلدي جِلدَهُ فأتعرّفُهُ بَعْدُ فِي يدي
    وإنه لأطيَبُ رائحةً مِنَ الْمِسكِ،
    وفِي حديثِهِ عندَ أحمدَ أُتِيَ رسول الله بدلوٍ مِنْ ماءٍ فَشَرِبَ منه ثُمَّ مَجَّ فيهِ
    ثُمَّ صَبَّهُ فِي البئرِ ففاحَ منها ريحُ الْمِسك.

    وروى أبو يَعلَى والبزّار بسَنَدٍ صحيح عن أنَسٍ رضيَ اللهُ عنه:
    كانَ إذا مَرَّ أي رسولُ الله في طريقٍ مِنْ طُرُقِ المدينة وُجِدَ منها رائحةُ المسك
    فيُقال مَرَّ رسول الله، يقول مَن ينعتُهُ أي يَصِفُهُ:
    ما رأيتُ مِثلَهُ قبلَهُ ولا بعدَهُ قطّ،
    وروى الشيخان عن البَراءِ بنِ عازبٍ رضيَ اللهُ عنه:
    لَم أرَ شيئًا أحسَنَ منه.
    وروى ابنُ أبِي سفيانَ فِي مُسندِهِ عن أبي إسحاقَ الهمَدانِيّ:
    قلتُ لامرأةٍ حَجَّت معَ المصطفى شبِّهِيهِ لِي فقالت:
    كالقمَرِ ليلةَ البدرِ ولَم أرَ قبلَهُ ولا بعدَهُ مِثلَهُ،
    وروى الدّارِمِيّ قال أبو عُبيدَةَ بنُ محمّدِ بنِ عمّارِ بنِ ياسر
    قلتُ للرُّبَيّعِ بنتِ مُعَوِّذ صفيْ رسولَ الله قالت:
    لو رأيتَهُ لقلتَ الشَّمسُ طالعِةً أي لرأيتَ شَمسًا طالعةً،
    وروى أحمد وغيره عن أبِي هريرة:
    ما رأيتُ أحسَنَ منْ رسولِ الله كأنَّ الشمسَ تَجري فِي وجهِهِ،
    وفِي لفظٍ تَخرُجُ مِنْ وجهِهِ.

    وكان أبلجَ الوجهِ أي مُشرِقُهُ نيّرُهُ ظاهرُ الوَضَاءَةِ والبهجَةِ والجمَال،
    قالَ البراءُ بنُ عازب رضي الله عنه:
    ما رأيتُ مِنْ ذي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمراء أحسنَ منه،
    رواه مسلمٌ وأبو داودَ.
    وقال أبو هريرة:
    كانَ أحسَنَ الناسِ صِفَةً وأجملَهُم، رواهُ الحسَنُ بنُ الضحَّاكِ في شَمائلِهِ،
    وقالَ ابنُ عباسٍ:
    لَم يقم مع شمسٍ قطُّ إلا غلَبَ ضوءُهُ ضوءَ الشمسِ ولم يقُم مع سراجٍ قطّ
    إلا غلبَ ضوءُهُ ضوءَ السّراجِ، رواهُ ابنُ الجوزِيّ،
    وقال نَفْطَويه في قوله تعالى:
    ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ الآية،
    هذا مَثَلٌ ضربَهُ الله لنبيّهِ،
    يقول: يكادُ نظرُهُ يدلُّ على نبوَّتِهِ وإن لَم يتلُ قُرءانًا
    لَم تَعِبْهُ ثَجْلَةٌ أي لَم يوجد في بدنِهِ شىءٌ يُعابُ به ثَجْلَةٌ ولا غيرُها،
    والثَّجلَةُ عِظَمُ البَطنِ مع استرخاءِ أسفلِهِ،
    ولَم يُعِبهُ رِقّةٌ وهُزالٌ وضَعْفُ تركيب، ولَم تُزْرِ به صَعْلَةٌأي لَم يُحتقر ولم يُستخفَّ به
    بسَبَبِ صِغَرِ الرأسِ أو الرقَّةِ والنحولِ في البدنِ،
    والأهدابُ منه فيها وَطَفٌ مِنْ طولِهاوفِي روايةٍ غَطَفٌ وهو أنْ يطولَ شعَرُ الأجفانِ
    ثم يَتَغَطَّف أي أن يطولَ وينعَطِفَ، والجِيدُ أي العنُقُ فيه سطَعٌ وهو طولُ العنقِ وارتفاعُهُ وسيمٌ،
    أي ومن صفاتِهِ الحسنُ والوضاءةُ فإنه صارَ الحسنُ له علامة،
    والصوت منه فيه صحَلٌوهو غِلَظٌ في الصوتِ وفي صوتِهِ شِبْهُ بُحَّةٍ،
    ومن صفاتِهِ أنه قَسِيمٌ والقسامةُ الحسنُ أي جَميلٌ كلُّهُ
    كثيفُ اللّحيةِ أزجُّأي مقوّس الحاجبين أي طويلُهما دقيقُهُما مُمتدُّهُما إلى مؤخَّر العين
    سوابغُ في غيرِ قرَن كان بِحَسَبِ ما يبدو للناظر من بُعدٍ أو بغيرِ تأمّلٍ أقرن
    وأما القريبُ المتأملُ فيبصرُ بين حاجبيهِ فاصلاً لطيفًا فهو أبلَجُ فِي الواقع أقرنُ
    بحسب الناظرِ من بُعْدٍ أو بغير تأمُّلٍ، والعَرَبُ تستَملِحُ البلَجَ والعجمُ تستحسنُ القرنَ
    ونظرُ العربِ أدقُّ وطبعُهُم أرقُّ،
    أجملُ الناسِ وأبهاهُم من بعيد وأحسنهُ وأحلاهُ من قريب، أي مَنْ رءاهُ مِنْ بُعْدٍ رءاهُ أجملَ
    من كلِّ أحد وأبهى، والبهاءُ حُسْنُ الهيأةِ إن تكلّمَ علا بكلامِهِ على مَنْ حولَهُ مِنْ جُلسائهِ
    وإن صمَتَ فعليهِ الوقارُأي الحلمُ والرّزانةُ، وفي روايةٍ إذا صمتَ فعليه البهاء
    وإذا نطقَ فعليهِ الوقار ،كأن مَنْطِقَهُ خرزاتُ نَظمٍ يتحَدّرْنَ أي منطِقُهُ يُشبِهُ خرزاتِ اللؤلؤِ المنظومِ
    إذا تحدّرت مِنْ فِيهِ وتساقطت.

    (فَصْلُ الكلامِ):
    أي كلامُهُ بَيّنٌ ظاهرٌ يَفْصِلُ بينَ الحقِّ والباطلِ ليسَ فيه هَذَرٌ
    أي ليسَ فِي كلامِهِ تكثيرٌ يَمَلّ سامِعُهُ، حُلوُ المنطِقِ لا نَزَرٌ ولا هَذَرٌ أي ليسَ كلامُهُ بقليلٍ لا يُفهَم
    ولا بكثيرٌ يُمَلُّ، ولَم يكن كلامُهُ بقليلٍ يدُلُّ على عِيِّ المُتَكَلِّمِ به.
    وكانَ المصطفى
    ليس بالطويلِ البائنِولا تقتحمُهُ عينٌ من قِصَر، أي لا يزدريهِ من ينظُرُهُ لقِصَرٍ
    ولا يحتقرُهُ فيتجاوزُ عنه إلى رؤيةِ غيرِهِ
    بل يهابُهُ ويُعظِّمُهُ لحُسنِ منظرِهِ وعِظَمِ قدرِهِ، تطوفُ رُفقتُهُ به ويدورونَ حولَهُ
    مع اهتمامِهِم بشأنهِ إذا أمرهم بشىء تبادروا له امتثالاً لأمرِهِ
    وإن قال قولاً أنصتوا له إجلالاً وإعظامًا،
    فهو عند أصحابِهِ مَحفُود أي مخدوم يُسرعون طاعةً له، مَحشُودٌ أي يجتمعُ الناسُ حولَهُ
    ليمتثلوا قولَهُ ويقتدوا بأفعالِهِ، ليس بعابِسٍ أي الكريهِ المُقلِي ولا مُفَنِّد
    وهو الذي لا فائدةَ لكلامِهِ لقلّةِ عقلِهِ.
    وكان مُفَخَّمًاأي مُعَظّمًا في الصّدورِ والعيون فخمًا أي عظيمًا في نفسِهِ
    يتلألأ وجههُ تلألؤَ القمرِ ليلة البدرِ أي يشرقُ وجههُ
    ويَسْتَنِير كاستنارةِ القمر ليلة بَدَارَتِهِ وهي ليلةُ أربعةَ عشَر،
    مُعتدلُ الخلْقِفي جميعِ صفاتِهِ ومعتدِلُ الصّورةِ الظاهرةِ بِمعنى أن أعضاءَهُ متناسبة،
    عريضُ الصدرِ عظيمُ الرأسِ عظيمُ الهامَ واسِعُ الجبين أي مُمتدُّهُ طويلُهُ وعريضُهُ
    وذلك مَحبوبٌ مَحمود، ضَليعُ الفَمِ أي عظيمُهُ واسِعُهُ والعربُ تتمدَّحُ به وتذمُّ ضيّقَهُ،
    وكان لِسَعَتِهِ يفتتحُ الكلامَ ويَختِمُهُ بأشداقِهِ وهو دليلٌ على قوّةِ الفصاحة،
    أقنَى العِرْنِين أي مُرتفعُ أعلى الأنفِ مُحدودِبُ الوسطِ منه،
    وهذا معنَى قولِ ابنِ الأثير هو السَّائلُ الأنفِ المرتفعُ وسَطُهُ،
    له نورٌ يعلوه يَحسَبُهُ مَنْ لَم يتأمّلْهُ
    أشَمَّ أي يَعْلو أوّلَ أنفِهِ وطولَ قصبتِهِ نورٌ ساطِع وإذا لَم يتأملهُ الناظِرُ يظُنُّهُ أشَمَّ الأنفِ،
    والشَّمم ارتفاعُ قصبَةِ الأنفِ وطولُها مع استواءِ أعلاه وإشرافِ الأرنبَةِ قليلاً،
    مُفَلَّجَ الأسنانِأي مفرَّجَ ما بينَ الثَّنايا والرَّباعِيَات،
    والفَلَجُ أبلغُ في الفصاحَةِ لأنَّ اللِّسانَ يتّسِعُ فيها بِخِلافِ الألَصّ،
    واللَّصَصُ تقاربُ ما بينَ الأضراس حتى لا تَرى بينها خَلَلاً.

    سَهلَ الخدّينِأي سائلَهُما غيرَ مرتَفِعِ الوَجنَتِينِ وذلكَ أعلى وأحلى عندَ العرب،
    أشنَبُ أي أبيضُ الأسنان بادِنٌ أي عظيمُ البدَنِ لكن لا مطلقًا
    بل بالنسبةِ لما ذكروهُ من كونِهِ شثنَ الكفين والقدمين،
    جليلَ المُشاشِومع ذلك كان متماسكًا أي يُمسِك بعضُ أجزاءهِ بعضًا
    مِنْ غير تزحزحٍ ولا استِرْخَاءٍ في اللَّحم ليسَ بسَمينٍ ولا ناحِل
    فهو معتدلُ الخلْقِ لأنه تعالى حَماهُ خَلقًا وخُلقًا مِنَ الإفراطِ والتّفريط،
    وكانَ طويلَ الزندين وهو ما انحسَر عنه اللحمُ من الذراع ،
    وفي الصَّحاح موصلُ طرفِ الذراعِ من الكفِّ، عنُقُهُ يُرى كجيدِ دُمية
    أي يراهُ الرائي كجيدِ دُميةٍ كصورةٍ مصورةٍ بيضاءَ مُشرَبَةً بحُمرة قد بولِغَ في تَحسينِهِا،
    وكان عنقُهُ مع ذلك كالفضةِ الصافية فشُبِّهَ عنقُهُ بالدُّمْيَةِ في الصَّفاءِ والاعتدال
    وظُرفِ الشكل وحُسنِ الهيأةِ والكمَالِ وبالفضةِ باللمعانِ والضياءِ والإشراقِ والجمال
    وكان بين حاجبيهِ عِرقٌ يُدِرُّهُ الغضبُ أي يحركُهُ ويُظهرُهُ ويُهيّجُهُ بإثارَةِ ما فيه
    من الدّمِ وفيه دليلٌ على كمالِ قوّتِهِ الغضَبية التي عليها مدارُ حمايَةِ الديار وقمعِ الأشرار
    وكمالِ الوقار وتمكّنِهِ من الغضبِ للجبارِ القهار إذا انتُهِكَ شىءٌ من محارِمِهِ.
    وكان إذا خطبَ علا صوتُهُ واحمرّت عيناه.

    وكان سائلَ الأطرافأي طويلَ الأصابعِ مُمتدَّها بلا احديدابٍ ولا تعقُّدٍ ولا انقباضٍ
    ولا تكسُّرِ جِلدٍ ولا تشنّجٍ،
    رَحْبَ الراحةِأي واسِعَ الكفِّ حِسًّا ومعنًى والراحةُ بطنُ الكفِّ،
    ضخمَ الكراديسأي عظيمَ رؤوسِ العظامِ غليظَها،
    ذريعَ المِشيةِأي سريعَ هيئةِ المشيِ
    واسِعَ الخُطوةِفهو مع كونِ مَشيِهِ بسكينةٍ كان يمدُّ خُطوتَهُ حتى كأن الأرض تُطوى له،
    وكانَ خُلُقَهُ القرءانأي ما دَلَّ عليه مِنْ أوامرِهِ ونواهيهِ ووعدِهِ ووعيدِهِ
    فهو لدى غضبِهِ غضبان ،أي كلُّ مكانٍ جاءَ فيهِ ما يدلُّ على غَضَبِ الله فهو غضبانٌ لأجلِهِ،
    يرضى بما يرضاه القرءانُ ويتأدّبُ بآدابهِ ويتخلّقُ بأخلاقِهِ ويلتزِمُ أوامِرَهُ
    ولا يغضبُ لنفسِهِ إلا إذا ارتُكِبت محارمُ الله فإنه حينئذ ينتقمُ من مُرتَكِبِها
    فإذا تُعُدّيَ الحقُّ لم يقم لغضبِهِ شىء أي لشدّةِ انتقامِهِ.

    وفي روايةِ الطبرانيّ فإذا انتهِكت حُرمَةُ الله كان أشدّ الناس غضبًا لله
    أي فينتقمُ من مرتكِبِ ذلك كما هو شأنُ أكابِرِ المرسلين،
    وقد بعثَهُ الله الرَّحمٰنُ بالإرفاقِ أي رفقًا بهذه الأمّة لكي يُتمّمَ مكارِمَ الأخلاق،
    وكان أشجعَ الناسأي أقواهُم قلبًا وأكثرُهُم جراءةً لِمُلاقاةِ العدوّ في مكانِ القتالِ،
    وطالَما استنجدَهُ الخائفُ عند خوفِهِ فأنجَدَهُ أي أعانَهُ ونصرَهُ كان أسخى الناس كَفًّا
    ما سُئلَ رسول الله شيئًا قطُّ يعنِي حاجةً مِنْ متاعِ الدُّنيا يُبَاحُ إعطائُها فقالَ لا،
    بل إنما يُعطيهِ أو يقولُ له مَيسُورًا مِنَ القولِ فيَعِدُهُ أو يَدعُوَ له،
    وليس يأوي إلى منزلهِ إن فَضَلَ أي بقيَ مما أُتِيَ به إليهِ من نحو غنيمةٍ درهَمٍ أو دينار
    حتى يُفرِّقَهُ على مُستحقّيه،
    وكان أصدَقَ الناسِ لهجةَأي لسانًا يعني كلامًا والمعنى كلامُهُ أصدقُ الكلام
    ولسانُه أصدقُ الألسنة،
    وكان أوفى الناسِ ذِمّةًأي عهداً وأمانًا وألينهُم عَرِيكَةً أي أحسنَهم معاشرَةً
    فكان على الغايةِ من التواضعِ وقِلّةِ النفور والخلافِ وهكذا كان حالُهُ
    مع جميعِ أمةِ الإجابة وكانَ أكرَمَهُم في عِشرة أي في حُسنِ صُحبة،
    من يُصاحبه ويُعاشره لا يحسبُ جليسَهُ أي مَنْ يُجالسُهُ
    أن سواهُ أقربَ منه إليهُ لعُظمِ إكرامِهِ له،
    وكان أشدَّ حياءً من العذراءِ في خِدرِهاأي يزيدُ على العذراءِ في خِدرها حياءً،
    وكان نظرُهُ إلى الأرض أكثرَ من نظرِهِ إلى السماءِ
    كما في خبر الترمذيّ ي
    عني نظرُهُ إلى الأرضِ حالَ السكوتِ وعدمِ التحدُّثَ أطولَ من نظرِهِ إلى السماء،
    والنظرُ كما في الصَّحاحِ بفتحتين تأملُ الشىء بالعين، والأرضُ الجِرمُ المقابلُ للسماء،
    وإنما كان نظرُهُ إلى الأرض أطول لأنه أجمعُ للفكرَ وأوسعُ للاعتبار،
    أو لأنه أكثرُ الناس حياءً وأدبًا مع ربِّهِ،
    أما في حال التحدُّثِ فكان يُكثرُ أن يرفعَ طرْفُهُ إلى السماء
    فلا تعارُضَ بين حديثِ الترمِذي وهذا وبين حديثِ أبي داود كان إذا جلسَ يتحدّثُ
    يُكثرُ أن يرفَعَ طرفَهُ إلى السَّماء،
    وكان لا يُثبتُ بصرُهُ في وجهِ أحد لِشِدّةِ حياءِهِ أي إذا نظرَ لشىء ما خفَضَ بصرَهُ
    لأن هذا شأن المتواضِعِ وهو متواضعٌ بسليقَتِهِ
    وشأن المتأملِ المتفكِّر وهو مَشغولٌ بالتفكُّرِ فِي ءالاءِ رَبِّهِ،
    وقيل هو كِنايةٌ عن لِينِ جانبِهِ ومزيدِ تواضُعِهِ، والطَّرفُ العَينُ وهو في الأصلِ تحريكُ الأجفانِ
    عند النظرِ فوضِعَ موضِعُ النظر وكان أكثرَ الناسِ تواضُعًا.

    كيف وقد خُيِّرَ بين أن يكونَ نبيًّا مَلِكًا أو نبيًّا عبدًا فاختارَ الثانية،
    وكان يُجيبُ كلَّ من دعاه من بعيدٍ أو قريب من عبدٍ أو حُرٍّ أو فقيرٍ أو غنيٍّ دنِيٍّ أو شريف،
    وكان أرحمَ الناسِ بكُلِّ مؤمن وبكلِّ طائفٍ فلا يختصُّ برحمتِهِ من يعقلُ
    بل تعمُّ رحمتُهُ من لا يعقِلُ كالوحشِ والطَّيرِ، وكان كل طائف يعروهُ أي يقصدُهُ
    حتى الهرّة فكانت تأتيه فكان يُصغي لها الإناء لتشربَ يفعلُ ذلك غيرَ مرّة
    بل كلُّ هرةٍ أتته يفعلُ بها ذلك، وكان أعفَّ الناس أي أنزههم عما لا يليقُ
    ومن عِفَّتِهِ أنه ليس يُمسكُ أيدي نساءِ من ليس لهنَّ يَملِكُ من رقٍّ ونكاح وفي الحديثِ:
    ((
    ما مسّت يدُ رسول الله يد امرأةٍ لا تحلُّ له قطُّ))
    وكان يُبايعُ النساءَ ويستغفرُ لهنّ امتثالاً لقولِهِ تعالى:
    ﴿واستغفر لَهُنَّ الله
    لكن لا يُصافحُ أيديهنّ بل مبايعتُهُ لهنَّ كلامٌ صالحٌ يعنِي بايعَهُنَّ بالكلامِ لا بالمصافحَةِ في اليدِ
    عند المبايَعَةِ، وكان أشدَّ الناس لأصحابهِ إكرامًا لهم
    ومِن ذلك أنه كان لا يَمُدُّ رِجلَهُ بين جُلسائهِ احترامًا لهم.
    وفي روايةٍ:
    كان أوقر الناسِ في مجلِسِه لا يكادُ يُخرجُ شيئًا من أطرافِهِ إكرامًا واحترامًا لهم
    ولم يكن يُقدّمُ رُكبتيه على جليسِهِ بل كان يُكرِمُهُ بتجنّبِ ذلك تواضعًا وإيناسًا ،
    ومن رءاهُ بديهةً أي رؤيةً بديهةً يعني فجأةً من غير مُخالطتهِ ومعرفِةِ أخلاقهِ
    وقبلَ النظرِ في أخلاقِهِ العَلِيّةِ وأحوالِهِ السَّنِيّة هابهُ وعظّمَهُ وخافهُ طبعًا أي بالطّبعِ
    وإن لم يرَهُ قبل ذلكَ لمِا علاهُ من صفاتِ الجلالِ ونعوتِ الكمال، ومن خالطَهُ وعاشرَهُ أحبّهُ
    لما يُشاهدُهُ من محاسنِ أخلاقِهِ ومزيدِ شفقتِهِ وتواضُعِهِ وباهرِ عظيمِ تألُّفِهِ وأخذِهِ بالقلوبِ
    فكانت تحنُّ إليه الأفئدة وتَقَرُّ به العيون وتأنسُ به القلوب فكلامُهُ نور ومدخَلُهُ نور
    ومخرَجُهُ نور وعمَلُهُ نور إن سكتَ علاهُ الوَقَار
    وإن نطَقَ أخذَ بالقلوبِ والبصَائرِ والأبصَار

    وصف رسول الله كأنك تراه - صلى الله عليه وآله وسلم - الشيخ الشعراوي
    https://www.youtube.com/embed/-Ha4qQElJIo


    وصف ام معبد للنبي صلى الله علية وسلم - د. عمر عبدالكافي - YouTube

    ـــــــــــــــــــــــــــ

    فتحــى عطـــــــــــا
    FATHY - ATTA

Working...
X