اعلان

Collapse
No announcement yet.

قفزه عمياء

Collapse
X
  • تصنيف
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts

  • قفزه عمياء


    يظن البعض ان قفزه عاليه في الظلام قد ترفعه الى مصاف
    المثقفين اصحاب الفكر الناضج ، وينسى ان السقوط بعد تلك القفزه
    قد يسبب له كسورا في بدنه، وخللا في تفكيره ، وأمراضا مؤلمه لمن يحيطون به ، هكذا كان حال من اعتلوا ابراج الدبابات وقاموا بالانقلابات العسكريه ،
    وأخذوا يضعون النظريات وكأنهم انبياء عصرهم ، وقبل ان
    نخوض في الموضوع لا بد ان نقف على معنى الثقافة والمثقف، وما
    هو دور المثقف الحقيقي فيما يجري في عالمنا العربي والاسلامي من
    مآسي وفتن .
    لقد خاض الكثير من المفكرين والفلاسفة والكتاب في معنى
    الثقافه، واعطوها شتى الاشكال والتعريفات ، وربطوها بالعولمة
    وما آلت اليه من معاني فضفاضه واسعه، وقد اتفقت تلك المعاني على
    ان الثقافة مجموعة القيم والسلوكيات العامه والرموز والتطورات
    والابداعات التي تعبر عن الهوية الحضارية لمجتمع من المجتمعات ،
    وهي تعكس مدى التخلف والتطور التي تكتنف العلاقات بين
    افراد ذلك المجتمع - - - ---
    اما المثقف فهو الانسان الذي استوعب انماط الحياة، ووصل
    الى النضج الكافي من الوعي والادراك والاطلاع على ما يجري حوله من
    احداث، وكون لنفسه رؤيا واضحه وموقف ثابت من البيئة من
    حوله ومن مجتمعه وامته؟؟ يتابع حركة الحياة من حوله، ويتفاعل
    ايجابيا مع الاحداث وتطورها بقلب مستنير وفكر واسع وضمير
    حي . ان المثقف الناضج المستنير، هو الذي يملك القدرة على ادراك
    العلاقات المنطقيه بين الاشياء: يربط بين الزمان والمكان، بين الكم
    والكيف، بين الاسباب والنتائج، بين الذاتي والموضوعي، بين الاهمية
    والتفاهه، بين الحق والباطل . هو الذي يميز بين الخير والشر، هو
    الذي يعي معنى المصلحة العامه وأهميتها لامته، ويقف معها ايجابيا
    ويناصر قضاياها في كل الظروف والاحوال؟؟
    أكاد ازعم ان الغالبية العظمى ممن اعتلوا ابراج الدبابات
    وقاموا بانقلابات في اقطارنا العربية، كانوا يفتقرون الى النضج
    الكافي والوعي والادراك السليم للعلاقات المنطقيه بين المتغيرات
    المختلفه، بحيث يجعل منهم قادة أكفاء يقودون الامة نحو بر الامان ، ( بصرف النظر عن النوايا ) . قد يكون قائد الانقلاب خبيرا في مجاله
    العسكري بحيث يستطيع ادارة معركة حربيه، ولكنه غير ناضج في
    المجال السياسي والفكري والثقافي لادارة دوله ، فقد يرى في النفوذ الذي
    يتمتع به، أو الى رؤية اطماعه على انها رغبة جامحة في السيطرة على
    الآخرين، فهو في هذه الحالة لا يفكر، وانما يلجأ الى التبرير فيدعي
    لنفسه انه يسير وفقا لما تقتضيه الحكمة والمصلحة ، بينما هو في الواقع يكون
    مدفوعا باللاشعور وما احتواه من مشكلات انفعاليه؟؟ واذا تجرأ
    احد على محاولة الكشف عن هذا الوهم الذي يعيش فيه، وما فيه من
    مجافاة للمنطق، فانه يصبح العدو اللدود الذي يجب ان تكتم
    أنفاسه او يزاح من الطريق ؟ ، لعل هذا ما جرى في الانقلابات العسكريه التي ورثتنا توالي الهزائم والانحرافات ، والتي ولدت الفساد والتفسخ والاقليمية
    الضيقه والانانية المفرطه، ومن ثم الفتن بشتى أشكالها والهزائم
    المتتابعه - - - في معظم الحالات فان المثقف العربي الناضج لم يأخذ فرصته في توجيه رياح التطورات والاحداث في عالمنا العربي، ولم يعط الفرصة للقيام
    بدوره الحقيقي .
    ان الامم العظيمة تلجأ الى اصحاب الثقافة العاليه والفكر
    المستنير والنضج الكافي، كي يقودوها الى بر الامان حين تواجه
    ظروفا قاسيه ، لكننا في اعقاب هزيمة عام 1948 ، لجأنا الى اعتلاء
    الدبابات التي رسمت لنا طريق الدكتاتورية أملا في الخلاص مما
    نعانيه من تخلف وهزائم ، لكن النتائج كانت كارثية، مما اوقعنا في
    هزيمة عام 1967 . وتوالت الهزائم والانتكاسات ، وتراجعنا للخلف وهبطنا
    درجات متتاليه - - - وما زلنا مع الاسف نمارس نفس الاساليب ، ---
    ونتراجع تبعا لذلك؟؟
    ان الثقافة هي الحصن المنيع الاخير الذي يحافظ على كيان
    الامة، ولا خلاص لهذه الامة مما هي فيه من فتن طائفية وعرقية
    ومذهبيه وحزبية وجهوية وتخلف وانقسام، سوى اللجوء الى المثقفين
    من اصحاب الفكر المستنير والضمير الحي والوعي الكافي والنضج
    السليم، كي يقودوها الى الوجة الصحيحه، بعيدا عن التعصب
    المقيت والسياسات الفردية والافكار الضيقه ، يجب ان يتخلى
    اصحاب القرار عن الانانية الفردية والدعاوي الفارغه والتسلط،
    وان يضعوا حولهم نخبة من اؤلئك المستشارين المثقفين الحقيقيين
    المستنيرين ذوي الضمائر الحية، وليس اولئك الطبالون الانتهازيون
    من أصحاب المصالح الفردية الضيقه، الذي يصورون لهم كل ما
    يفعلونه وما يتخذونه من قرارات بانها العسل المصفى وينبوع
    الحكمه ؟ ..... والا فعليهم التنحي جانبا واعطاء الفرصه لمن هم
    جديرون بالقيام بادارة الدفة نحو وجهتها السليمه .
    وعلى المثقفين المخلصين، وحيثما كانت مواقعهم، ان يوجهوا
    جهودهم في سبيل توعية المجتمع وتوجيهه الوجهة الصحيحه ، من
    خلال اشاعة ثقافة المحبة والتسامح والعدل والمساواه والنزاهه
    والامل، مع نبذ ثقافة التطرف والعصبية الجاهلية والفساد والتشاؤم
    واليأس ، وافساح المجال لتنوع الافكار وبلورتها، وتقبل الرأي
    الآخر بما يخدم مصالح الامة العليا بعيدا عن الحروب الداخلية
    والتعصب الفكري والمذهبي والاقليمي والعرقي والعشائري؟؟؟
    ذلك ما يمكن ان يقوم به المثقف من موقعه ، حتى وان كان بعيدا عن مكانه
    الطبيعي في المشاركة في توجيه دفة القياده . وعليه اولا وقبل كل
    شئ ان يكون القدوة الصالحة في تصرفاته وافعاله وأقواله، حتى
    يظهر المصداقيه، ولا يقع في ازدواجية الشخصيه ؟
تشغيل...
X