اعلان

Collapse
No announcement yet.

الحلم قبل العلم

Collapse
X
  • تصنيف
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts

  • الحلم قبل العلم

    رمضانيات
    ألحلم قبل العلم
    (ألحلم قبل العلم ) - بهذه العباره كان يرد فقيه مصرعلى كل من ناظرهم فأرادوا فرض آرائهم عليه لصغر سنه ؟ أو لكونه من الموالي - ( اصل اسرته من بلاد فارس ) - ، فقد اختط الشاب ابن الستة عشر ربيعا لنفسه منهجا مستقلا بين من أرادوا التمسك بحرفية النصوص الدينيه وبين أصحاب الرأي الذين أرادوا الاجتهاد فيما لا نص فيه في كتاب الله عز وجل أو حديث صحيح ؟؟ – لقد اتخذ الشاب رأيا فقهيا مستقلا وسطا بين أهل النصوص وأهل الرأي—
    اطلق لقب الموالي على من أسلم من أبناء بلاد الفتوحات الاسلاميه ، وكان " الليث بن سعد " ، أحد هؤلاء - أما من لم يسلموا من أهل الكتاب فقد لقبوا بأهل الذمه - ولد الليث بن سعد في مصر سنة 93 هجريه في احدى قرى محافظة القليوبيه بمصر - وقد شهد جور الحكام وبطش الولاة في صغره الى أن تولي "عمر بن عبد العزيز" خلافة الدولة الأمويه والليث لم يتجاوز العاشرة من عمره ، وقد صاحب تلك الفترة رخاء وعدل وبحبوحة عيش جعل الفتى يتذوق رغد الحياة بما فيها من جمال الطبيعة وما يصاحبها من انسياب المياه وخضرة الارض وعبق الزهور وروعة البساتين –
    عاش في كنف والده الذي كان يملك ثروة طائله - فحين أخذ " عمر بن الخطاب " برأي علي بن ابي طالب في طريقة توزيع الاراضي في البلاد المفتوحة فجعل تلك الاراضي لمن يفلحها ، عندها نال والد " سعد " نصيبا من تلك الاراضي الوافره الخصبه ، فعاش الفتى منعما اتيحت له الفرصه لينهل من العلم والادب فلا يشغله شاغل في البحث عنهما ؟؟ الى جانب هذا كان الفتى فارع القامه مليح الوجه مطمئن النفس ناعم البال حسن الصوت متوقد الذهن يتوق الى البحث واكتشاف المجهول ؟؟ وشجعه في ذلك والده الذي وفر له العيش الكريم وكل وسائل التعليم فاتجه الى الفسطاط حيث مسجد عمرو وهو اول مسجد اقامه المسلمون في افريقيا ، فاخذ يحضر حلقات العلم من حفظ للقرآن وتفسيره ودراسة الحديث والسنة والفقه الي جانب تعلم
    أصول اللغة العربية – كما أتيحت له الفرصة لدراسة علوم الاقدمين من مصريين ويونان ورومان وفرس وهنود وكل معطيات الحضارات التي زخرت بها مصر آنذاك – لقد اتقن اللغة العربية واللغة القبطيه كما اتقن اللغة اليونانية واللاتينيه وهما من لغات الميراث الحضاري آنذاك – كل هذا أتاح للشاب ثقافة غنية لم تتح لأحد من غيره في زمنه .
    كان يدافع عن مبدئه الفقهي الوسطي ما بين أصحاب النص واصحاب الرأي بكل أدب ودماثة خلق وطيب معشر - والتف حوله العديد من زملائه الطلاب مما شجعه على الاستزادة من العلم دون أن يرضى باتخاذ حلقة خاصة به أو مجلسا للافتاء كونه صغير السن ومن الموالي - وليس من العرب الفاتحين - ثم انه فوجئ بموت أبيه فعاد الى قريته ليدير شؤون الأسرة وما خلفه والده من ثروة طائله !!
    خرج الى العمرة والحج وهو في العشرين من عمره والتقى العديد من الفقهاء من أهل السنة وأهل الرأي ، حيث التقى ب " مالك بن انس " وهو في مثل سنه وباحث عن العلم أيضا ، التقاه في حلقات الدرس التي يديرها فقهاء العصر آنذاك ، وتبادلا الرأي ونشأت بينهما مودة وألفه – وقد شعر الليث ان صاحبه فقير الحال فأخذ يمده بما يحتاجه من مال - فلما اهداه أنس طبقا من رطب أعاد الليث اليه الطبق مملوءا بالدنانير – وبعد عودته الى مصر كان الليث يزور ابن انس كلما ذهب للحج أو العمره – بل ظل يصله بمائة دينار سنويا ، ولما كتب اليه أنس مرة أنه مدين بدينار أرسل له الليث خمسمائة دينار، ولم ينقطع عطاؤه له –
    كان الليث يشد الرحال الى أرجاء المعموره كلما سمع عن فقيه معتبر، فالتقى بالامام أبي حنيفه في مجلس مالك بن انس وتحاورا في بعض الامور الفقهيه - وقد سافر الى العراق وقد تجاوز الستين من عمره –
    على أن الليث لم يقتصر على طلب العلم ومخالطة العلماء وتبادل الآراء والأفكار معهم ، ولكنه كان كريم النفس سخي اليد - يصل زملاءه وتلاميذه بالمال كلما شعر بأن أحدهم بحاجة - ولما عاد من رحلته الاولى الى الحج بنى دارا كبيرة في الفسطاط لها نحو عشرين بابا وجعل لها حديقة تفوح منها روائح الزهور والاشجار ، واودع فيها الكتب وجعلها للأصدقاء وأصحاب الحاجات يدعوهم الى الطعام ويوزع الدناينر على المحتاجين منهم – طلبت منه امرأه رطلا من عسل فارسل اليها مائة وعشرين رطلا ، ولما سئل عن ذلك اجاب بان المرأه سألته على قدرها وقد أعطاها هو على قدره – وكان يطعم في اليوم ثلاثمائة من المساكين غير اصحاب العلم والاصدقاء – كان له ضيعة قرب بورسعيد فلا يدخل داره شيئا من خراجها بل يضعه في صرر يوزعه كله ، وكان لا يتصدق بأقل من خمسين دينارا --
    الى جانب ذكائه المتقد وعقله المستنير فهو يعتبر موسوعة في علوم الشريعة والادب واللغة والفلسفة والطبيعيات والرياضيات وحتى الطب – الى جانب كل هذا الذي يضاف الى كرمه وحسن خلقه وجمال خلقه فقد عاش منعما يعتني بمظهره وصحته فهى يعطي نفسه ما تحتاج اليه من سكينة وهدوء ويعطي قلبه حظه من المرح ، فقد كان شعاره ( أحسن كما أحسن الله اليك ولا تنس نصيبك من الدنيا ) – وكان له من الثياب بعدد أيام السنه فلا يرتدي ثوبا في يومين متتالين – وقد نادى بأنه ليس من حق أحد ان يحتفظ بمال الا بعد أن يبلغ كل الناس حد الكفاية – وأن ولاة الأمور مسؤولون أمام الله عن ذلك – وكان أكثر ما يستاء منه قبول أي من الولاة الهدية مهما بلغت – وكان لا يحب مجالسهم واذا طلبه أحدهم في مسأله طلب الليث الى الوالي ان يأتيه – ( فان مجيء الوالي اليه زين للوالي وذهابه الى الوالي شين عليه هو ) -
    ولما انتقل الحكم الى العباسيين بعد سقوط دولة بني اميه ، اصبح الليث سيد الفقهاء وارتفعت مكانته - فقد اشتهر بحسن الرأي ونفاذ البصيرة وبتفسير القرآن بروح النصوص دون الوقوف على ظاهرها – فحين المت بالخ
    ليفة العباسي هارون الرشيد نائبه - لم يجد لحلها بعد عن عجز علماء الأمصار عنها الا استدعاء الليث لأخذ رأيه – فقد جرى خلاف بين الرشيد وزوجته فقال لها : أنت طالق ان لم أدخل الجنه ، ثم ندم – طلب الليث الى الرشيد أن يأتي بمصحف ويتصفحه حتى اذا أتى على سورة الرحمن قال له اقرأ ، فلما وصل الى قوله تعالى : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) - قال له الليث : توقف وقل ،اني أخاف مقام ربي - فلما نطق بها الرشيد قال له الليث : انما هما جنتان وليس جنة واحده ، وبذلك فقد حرره من القسم - فكانت زبيده زوج الرشيد تستمع اليه خلف الستار مع جواريها فارتفع التصفيق والفرح ، وأقطعه الرشيد أرض الجيزه فتضاعفت ثروته فازاد تنعما وشبابا وعافيه وازداد كرما وسخاءا – فأخذ يطعم كل صلاة ما كان يطعمه للفقراء والمحتاجين كل يوم – كان له آراؤه ومواقفه في الافتاء فهو ينهى تماما عن هدم الكنائس – وكان يفتي بأن حماية البرئ أولى من عقاب المذنب ولان يفلت عشرة مذنبين خير من ظلم برئ واحد – وكان يبحث عن الأحاديث التي تحض على مكارم الأخلاق والتي ترسم صورة المجتمع الفاضل الذي تسوده العدالة والمودة والاخاء ويشعر الانسان فيه انه أخ للانسان –
    توفاه الله عام 175 هجريه وقد شيعته جموع غفيره ما شهدت الفسطاط مثلها من قبل وقد بكاه المصريون بكاءا حارا - ولكن بكل أسف ضاع معظم ما كتبه في الحديث والفقه حسدا من نفر من القادة والولاة والمتعصبين ولما جاء بعده الامام الشافعي قال : ( ما فاتني أحد أسفت عليه كالليث بن سعد ) – ونظر فيما بقي من آثاره فقال : ( الليث أفقه من مالك الا أن قومه أضاعوه وتلاميذه لم يقوموا به ) – ولما زار قبره بكى وقال : ( لله أنت يا امام – لقد حزت أربع خصال لم يكملهن عالم – العلم والعمل والزهد والكرم )

Working...
X