اعلان

Collapse
No announcement yet.

حوار بين عملاقين

Collapse
X
  • تصنيف
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts

  • حوار بين عملاقين


    رمضانيات
    حوار بين عملاقين

    عملاق اتصف بالبطش والجبروت وبالحزم والعزم والقسوة - قائد عسكري فذ وسياسي قوي ، يهتز رعبا من سماع اسمه الكبار والصغار – كان رجل المرحلة في توطيد أركان الدولة الأمويه – سير الفتوح وخطط المدن وبنى مدينة واسط في العراق عاصمة له - ولي الحجاز فأخمد فيها الثورات بقوة السلاح ومنها ثورة عبد الله بن الزبير ابن السيده أسماء بنت أبي بكر والذي صلب في مكه – ولما استشار أمه بالاستسلام أوالمقاومه للنهاية حين علم أن نهايته قد حانت بعد أن تخلى عنه أتباعه وقد هدد بالصلب - فأجابته امه أسماء : ان كنت تعلم أنك على حق وتدعو الى حق فاصبر حتى تموت في سبيله ، فما يهم الشاة سلخها بعد ذبحها ؟؟ ولما رأته بعدها مصلوبا على جذع نخلة في مكه بعد أيام من صلبه قالت قولتها المشهوره : أما آن لهذا الفارس أن يترجل !!
    ولي " الحجاج بن يوسف الثقفي " ( وهو أحد أمراء بني أميه ) ، ولي العراق مدة طويله ، وأول وصوله اليها القى خطبته الشهيره والذي مطلعها : أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني ، يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق اني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها واني لصاحبها --- درءا للفتن واظهارا للقوة والحزم في القضاء على الثورات والخروج على الحكم ؟؟؟ دانت له الجزيرة العربية والبحرين واليمن وخراسان شرقا وانتصر في كل حروبه على الثورات وسير الجيوش للفتوحات أيضا ، وكان حازما قاسي القلب في قراراته لا تلين له عزيمة في قمع الخارجين على الدولة ، فكان يعتبرهم خارجين من الدين حتى أنه قتل بعض الأتقياء والفقهاء ومنهم " سعيد بن جبير" – وقد ترك الحجاج على مر العصور جدلا لا ينتهي بين الانسان المتجبر الطاغي ، وبين الحازم العنيد رجل المرحلة ؟؟ ---
    عملاق آخر ولكن من صنف آخر ، كان تابعيا ( حبشي الأصل ) ، عالما بعلوم الفقه والحديث والدين عموما – تقيا ورعا عابدا شجاعا في قول الحق ، أخذ علومه عن عشرة من الصحابة منهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ( حبر الأمه ) وعن أم المؤمنين عائشه – رضي الله عنهم جميعا – سكن الكوفه ونشر فيها العلم – وكان لسعيد بن جبير لسانا صادقا وقلبا خاشعا لا يخشى في الله لومة لائم ----
    حاول الحجاج أن يستميله الى صفه وقد أغراه بالمال فلم يزحزحه عن قول الحق – وكيف يقبل وكان شعاره - الساكت عن الحق شيطان أخرس - فهو لا يهاب الطغاة ، فكان ايمانه لا يتزعزع بان الموت والحياة ، والأرزاق كلها بيد الله – انحاز الى ثورة عبد الرحمن بن الأشعث التي قامت في سجستان – ولما فشلت لزم مكة يتعبد فيها - فبعث الحجاج بمن يأتيه به ، فلما جاءه سعيد بن جبير - دار هذا الحوار بين الطرفين :-
    الحجاج: ما اسمك ؟
    سعيد : سعيد بن جبير.
    الحجاج: بل أنت شقي بن كسير.
    سعيد: بل أمي كانت أعلم باسمي منك.
    الحجاج: شقيتَ أنت، وشقيتْ أمك.
    سعيد: الغيب يعلمه غيرك.
    الحجاج: لأبدلنَّك بالدنيا نارًا تلظى.
    سعيد: لو علمتُ أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهًا.
    الحجاج: فما قولك في محمد.
    سعيد: نبي الرحمة، وإمام الهدى.
    الحجاج: فما قولك في علي بن أبي طالب، أهو في الجنة أم في النار؟
    سعيد: لو دخلتها؛ فرأيت أهلها لعرفت.
    الحجاج: فما قولك في الخلفاء؟
    سعيد: لست عليهم بوكيل .
    الحجاج: فأيهم أعجب إليك؟
    سعيد: أرضاهم لخالقي .
    الحجاج: فأيهم أرضى للخالق؟
    سعيد: علم ذلك عنده .
    الحجاج: أبيتَ أن تَصْدُقَنِي .
    سعيد: إني لم أحب أن أكذبك .
    الحجاج: فما بالك لم تضحك ؟
    سعيد: لم تستوِ القلوب ! وكيف يضحك مخلوق خلق من طين والطين تأكله النار.
    وبدأ الحجاج يهدد سعيدًا بالقضاء عليه، ودار هذا المشهد بينهما :
    الحجاج: ويلك يا سعيد !!
    سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار.
    الحجاج: أي قتلة تريد أن أقتلك ؟
    سعيد: اختر لنفسك يا حجاج، فوالله ما تقتلني قتلة إلا قتلتك قتلة في الآخرة.
    الحجاج: أتريد أن أعفو عنك ؟
    سعيد: إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عُذر .
    الحجاج : اذهبوا به فاقتلوه.
    فلما خرجوا ليقتلوه، بكي ابنه لما رآه في هذا الموقف، فنظر إليه سعيد وقال له : ما يبكيك ؟ ، ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة؟ وبكي أيضًا صديق له، فقال له سعيد: ما يبكيك؟ فرد الرجل : لما أصابك.
    سعيد: فلا تبك، كان في علم الله أن يكون هذا، ثم تلا: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد:22] ثم ضحك سعيد، فتعجب الناس وأخبروا الحجاج، فأمر بردِّه،
    فسأله الحجاج : ما أضحكك؟
    سعيد: عجبت من جرأتك على الله وحلمه عنك.
    الحجاج : اقتلوه.
    سعيد: {وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين} [الأنعام: 79].
    الحجاج: وجهوه لغير القبلة.
    سعيد: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115].
    الحجاج: كبوه على وجهه.
    سعيد: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: 55].
    الحجاج : اذبحوه.
    سعيد : أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، خذها مني يا حجاج حتى تلقاني بها يوم القيامة، ثم دعا سعيد ربه فقال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي.
    مات سعيد شهيدًا في 11 رمضان 95 هـ الموافق 714 - مات ولسانه رطب بذكر الله – ومات بعده الحجاج بأسبوعين بعد أن رأى الأحلام المزعجه وأصابه المرض القاتل - لم يسلطه الله على أحد من بعد مقتل سعيد بن جبير اذ تقبل الله دعوة سعيد ---


تشغيل...
X