|
سيرة سجين: السجن غول كبير يلتهم سنوات العمر
سيرة سجين: السجن غول كبير يلتهم سنوات العمر
يتحدث هذا السجين الذي تخرج من الجامعة المغربية، بمرارة عن تجربة السنوات التي قضاها محروما من حريته في عالم ما وراء القضبان... ويحكي بدرجة كبيرة من الأسف حكاية الزواج الصفقة الذي اهتدى إليه ليخلصه من البطالة، فقاده إلى السجن... ولا يغيب عن باله أن يتساءل حول مصير الشخص الذي يغادر بوابة السجن في اتجاه عالم قد لا يرحب به معتبرا إياه كائنا جرثوميا غير مرغوب فيه...
لا يليق بي بصفتي إنسانا عاقلا أن أجهد نفسي وأكلفها عناء تذكر ما بذلت مجهودا أكبر لنسيانه، حتى لا أضيف إلى هموم الغير همومي، والحال أن لكل واحد منا من الهموم ما يكفيه أو يزيد عن اكتفائه الذاتي منها... لكن لا بأس، مادام المقصود من هذا التذكر الأمر هو العبرة لمن كان عاقلا وأراد أن يعتبر، والعاقل من اتعظ بغيره... على سبيل التمهيد سأحاول تسليط بعض الضوء على هذا الغول الرهيب الذي لا يتوانى في قضم أعمارنا قطعة قطعة... لا تستغربوا إنه السجن بالمغرب أو كما يحلو للبعض تسميته: «مؤسسة الإصلاح وإعادة الإدماج»! وهنا أتساءل انطلاقا من تجربتي الشخصية قائلا: عن أي إصلاح وأي إدماج يتحدثون؟! اللهم إذا كان إدماجا في عالم الرذيلة والانحراف والإجرام من جديد، بعد تلقين «الخرجين» دروسا تكوينية في هذا المجال طبعا... ولمن يشكك في هذا الاستنتاج أن يستفسر حول نسبة العائدين إلى السجن بعيد الإفراج عنهم بأيام قلائل أو بضعة أشهر على أسوأ تقدير... ومن الأمور التي لا ينكرها إلا جاحد، كون بعض أولئك الذين ظلمتهم أقدارهم، يتسابقون للعودة إلى المعتقل، ويوصون قبيل الإفراج عنهم «عشرانهم» بالحفاظ على ما ائتمنوهم عليه قائلين«إيوا تهلا، غادي نمشي نتبحر شي سيمانة أُولاَ زوج ونرجع»، ثم يضيف «راك عارف بلا منوصيك.!!». وحين يقدر للواحد منهم مغادرة السجن، فإن أول ما يفكر فيه هو اصطياد أول صفقة مهمة سواء لحسابه أو لحساب غيره، ويجنى من ورائها بعض الربح، حتى لا يدخل السجن مجددا على «الخاوي» فيتعرض لسخرية غير مرغوب فيها من أمثاله، وأما بالنسبة له فهو «راجع راجع»، لا محالة، في ذلك. نصيحة لابد منها وقبل أن أسرد تفاصيل تجربتي السجنية، أنصح كل شخص يعتبر السجين مجرما 100% لأنه إنسان من درجة دنيا، وخلق للسجن وينبغي تجنبه، أنصحه بالعدول عن هذه الأفكار المفرطة في بدائيتها، بحيث ينبغي على هذا الشخص أن يتعامل مع السجين في حدود لا تخدش كرامته ومشاعره، ويحاولة مساعدته ومساندته حسب طاقته... لماذا هذه النصيحة؟ السجين حتى إن كان مذنبا، فقد نال جزاءه، وبالتالي فهو ليس جرثومة خبيثة أو «فيروسا» فتاكا حتى نتحصن منه ونسرع في التخلص منه والقضاء عليه بكل الوسائل... ومن هنا أقول عن قناعة: لا لتهميش السجناء، وإقصائهم من الحياة، أو استفزازهم ولو بنظرة ذات معنى... وأشير بهذه المناسبة إلى أن كل إنسان -مهما كان- معرض في لحظة ضعف أو قوة من حياته لأن يخوض غمار هذه التجربة المنبوذة... خريج جامعي كنت حينها حديث التخرج من الجامعة (الجائحة) بعد أن حصلت على الإجازة التي تعادل شهادة العطالة، وقد ضاقت بي الدنيا كما ضقت بها، بعد أن هانت علي نفسي كأي متهور غِرٍٍ، وشئت أن أضحي بثلثي سنوات عمري في سبيل علم لا ينفع، و«أعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع»... لم أكن أملك من الماديات سوى تلك الوريقة التي سلمتني إياها الوزارة المعنية اعترافا منها أوتحقيرا لي على مثابرتي في تحصيل واستيعاب «القناطر المقنطرة» من العلوم والمعرفة، مختزلة إياي طيلة تلك السنين بِحَرها وصقيعها وبؤسها وشقائها، في مجرد مطبوع من ورق لا يساوي قيمة الورق نفسه، لأنه عملة لا يجوز تداولها في سوق الشغل التي لا تجوز فيها غير العملة الصعبة في مغرب التجاوزات... تجرعت إلى آخر قطرة كأس يأسي المحشو ببعض الأمل، لأن الأمل كان بعض إيماني... وكانت السنون تطوي السنين ولا شيء يذكر... ثم انطلق الخطاب الجديد، فشربت كما أمثالي نخبا من طعم آخر، ولا جديد يستحق الذكر إلا وعودا جوفاء في قالب جديد، وشعارات فطيرة بإيقاعات جديدة لم تعد تطرب أحدا... خضت تجارب شتى وجربت وصفات لم تزد وبالي إلا وبالا... حتى البحر ركبته طمعا وتحديا ملونا بألوان الأمل، ولا أمل بعد أن باعنا «الحراك» لرجال الأمن ليتم إلقاء القبض على الفرقة بعد عشر دقائق من الإبحار... حكاية الزواج تزوجت في لحظة ضعف وتحت إكراهات لا مجال لذكرها، عساي أجد من يمدني بالقوة والشجاعة... كانت الزوجة غاية في الروعة والمثالية، لكني ظلمتها حين شذ رأيي مرة عن مبادئي وخالف قناعاتي، ففكرت في آخر ما كنت سأفكر فيه لولا حاجتي وحاجة والدي إلى الضروريات المادية بالأساس... وما فائدة عقل ترامت فيه خلال عقدين من الزمن ألوان وأشكال من المعارف والعلوم إن لم ينفع في حل المشاكل؟ وما المانع من التجربة إذن؟! طعنت نفسي قبل أن أظلم تلك الزوجة التي كانت إنسانة بالمعنى الكامل للإنسانية، وكان ذنبها أنها فقيرة مثلي... جربت كل الحيل التي أعرفها، واستعرت من المكائد الرجالية ما لا أعرفه حتى أتخلص من زوجتي التي كانت ملاكا في صورة إنسان... ووحده الله يعلم كم كان يعتصر قلبي خلال وبعد كل حصة إذلال واحتقار لهذه الزوجة المصدومة... ولطيبوبتها الزائدة، كانت تعتذر عن أشياء لم تكن موجودة إلا في مخيلتي الحقيرة، وتتوسل إلي أن ألعن الشيطان وأعود إلى رشدي... لكني تماديت في ارتداء قناع فعال، عجل بنجاحي في إقصائها من دربي بإذن ومباركة الشياطين، وما أكثرهم... استبدلت زوجتي بشريكة شمطاء استبدلت حبيبة وزوجة عظيمة بأرملة شمطاء تكبرني ب 16 سنة تقريبا، فقط لأن هذه الأخيرة تملك نصيبا من «وسخ الدنيا»... عملت تحت إمرتها سنة كاملة كزوج ومراقب ثم مسؤول تجاري لديها في الشركة التي تملكها، قبل أن أكتشف حقيقة أمرها لأنها نصابة محتالة ومهربة، وتورط ضحاياها كإجراء وقائي... وجدتها فرصة مناسبة لجلب المزيد من المال وتحسين مستوى رصيد مالي حققته في ظرف قياسي لحسابي وعلى حسابها... إلى أن جاءت فرصة اعتبرتها صفقة العمر، فانتقلت بموجبها إلى ثاني نقطة في مخططي... واجهت السيدة المحترمة بحقيقتها، مهددا إياها إن لم تقبل استقالتي من الزواج والعمل معا، بأنني سأفضح كل شيء وأكون سببا في الزج بها إلى حيث تستحق، زاعما أمامها بأني شريف وأصيل ولا أرضى لنفسي الكسب الحرام... ثارت في وجهي وجاء ردها أسرع وأخطر مما توقعت «شفتي أنت، والله حتى اندمك ونغرقك إلا ذكرت كلمة الطلاق مرة أخرى، أما الخدمة فشغلك هاذاك، ولكن بعدما نتحاسبو»، وأضافت قائلة «راني شارياك أمولاي، وإلا قال لك عقلك شي حاجة... أهلا وسهلا، وغادي تعرف مع من راك تلعب»، وختمت اللقاء بقول المهم «راني ضاربة حسابي فراسي من زمان، ودابا تشوف وتعرف»... ما حسبته صيدا صار قيدا اتضح لي تماما أن ما حسبته صيدا صار قيدا، بعد أن تم إشعاري بكوني مطلوبا من المحكمة للتحقيق معي في معاملات مشبوهة كنت بطلها... وقبل أن أحاول شيئا فوجئت باستقدامي بالقوة العمومية إلى الضابطة القضائية إثر تعدد الشكايات من طرف زبائن متضررين... وأودعت السجن في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات... أقنعتني صاحبتنا خلال أول زياراتها لي مرفوقة بدفاع هي من نصبته، بأني «غارق» لا محالة... وفهمت من خلال كلامها وتلميحات المحامي، أنها تساوم صمتي مقابل مفاوضاتها مع بعض خصومي المدعين، وأما هي فلن تسجل ضدي أية شكاية، بل سوف تقف إلى جانبي وستسامحني لكوني «عزيز عليها بزاف وخا جرحتها» على أساس أن أعيد أكبر قدر ممكن من المال المختلس... وعدتها بما شاءت، وانصرفت.. ولتشجيعي على صمتي دفعت بأحد المدعين إلى تقديم تنازله عن متابعتي لاقتناعه بأن ما حدث لم يكن مقصودا، بل مجرد خطإ في الحسابات... لا أنكر هنا ما فعلت تلك المرأة من أجلي، لكنه يبقى دون مستوى تعهداتها... وحصل ذات مرة أن سمعت، بعد إحدى حلقات التحقيق، أحد معارفها بالمحكمة يقول «كيفما كان الحال، المتهم ماشي مصلحتو يقول كل شي، راه ما يجبد على راسو غير البلا وينوض عليه النحل»... مرت سنوات السجن ثقيلة خلال المدة التي قضيتها بالسجن (ثلاث سنوات وشهرين اثنين وأحد عشر يوما بالتمام والكمال)، عشت أبشع حالات البؤس والإحباط... وشتان ما بين ما يصرح به المسؤولون والواقع المعيش. ففي السجن تتداخل المصالح الشخصية، وتسود الزبونية والرشوة كقاعدة أساسية، وتنشط فيه مافيات حقيقية، تروج داخل أسواره المنيعة كل الممنوعات بما فيها الخطيرة والمحظورة... وتمارس في زوايا جدرانه كل الممارسات الحيوانية التي يندى لها الجبين، ولا حسيب... وباختصار فإن «الفلوس» تجعل من السجن فندقا وإن كان من النوع الرخيص، فقد تتمكن من تمضية اليوم أو بعضه خارج الزنزانة... وينبغي أن تدفع لتشتري كل شيء، ولكل شيء ثمنه، حسب قيمته وخطورته... وفي بعض الأحيان، تكلفك حتى أدنى حقوقك المشروعة ثمنا... والويل كل الويل لمن ليس لديه ما يدفع أو يعطي، فقد يجد المسكين نفسه تحت رحمة بعض الأوباش والسفلة، ولا خيار له غير الاستسلام لجبروتهم الذي لا ينتهي، ولا حق له حتى في الاحتجاج، وما عليه إلا أن يتحمل دون تحفظ ما يجود به السجانون من شتم وسب وتهديد وضرب أحيانا... وحين يوسوس له شيطانه بشيء ف«الكاشو وما أدراك ما الكاشو في انتظاره»... السجن أهون مما بعده اليوم، وقد مضى على مغادرتي السجن أربعة أشهر و 23 يوما، لم أستسغ العيش في حالة إقصاء وتهميش وتجاهل، وإن استسغت الصبر على السجن نسبيا... يكفيني أنني خسرت كل شيء، خسرت مستقبلي وتلاشت أحلامي التي تحطمت وتناثرت شظاياها على أرض لا تطيقني ولم أعد أطيق العيش فوقها ولا حتى تحتها... حتى معارفي الذين كانوا بالأمس القريب، يلتمسون مودتي، فقد صاروا -اليوم- وكأنهم أصحاب نعمتي يتنكرون لي، وفي أحسن الأحوال يختلقون عذرا بلطف ماكر ويتسللون بعيدا... والقليل القليل منهم، من يتقبل الأمر ويحلله بشكل منطقي ويعطيه البعد الذي يستحقه... لا أنكر أنني مذنب ونلت جزائي، لكن مثل هذه التصرفات تعني بالنسبة لي الكثير، ولعلها سبب من الأسباب التي تزيد في تعقيد نفسية الخارج لتوه من السجن، فيلوذ في الأخير إلى أحضان شبح الحبس، وهكذا...
|