فيقال له: أما اختلافهم فثابت، وقد كان سببه اختلافهم في فهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومراده لا عصيانه كما زعمت.
قال القرطبي في سبب اختلافهم: «وسبب ذلك أن ذلك كله إنما حمل عليه الاجتهاد المسوغ، والقصد الصالح، وكل مجتهد مصيب، أو أحدهما مصيب ، والآخر غير مأثوم بل مأجور كما قررناه في الأصــول ».1
ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعنفهم ولا ذمهم بل قال للجميع: دعوني فالذي أنا فيه خير2 وهذا نحو ما جرى لهم يوم الأحزاب حيث قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة 3 فتخوف ناس فوات الوقت ، فصلوا دون بني قريظة ، وقال آخرون لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما عنف أحد الفريقين.4__________________
1 المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي 4/559.
2) تقدم ذكر الحديث وتخريجه في الصفحة السابقة.
3) تقدم تخريجه ص 253.
4) انظر: المفهم 4/559.
[ 278 ]
وقد نبه المازري -رحمه الله- على وجه اختلافهم هذا فقال: « إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب، مع صريح أمره لهم بذلك، لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة، دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر على الامتناع، لما قام عنده من القرائن بأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك عن غير قصد جازم، وعزمه صلى الله عليه وسلم كان إما بالوحي وإما بالاجتهاد، وكذلك تركه إن كان بالوحي فبالوحي وإلا فبالاجتهاد، وفيه حجة لمن قال بالاجتهاد في الشرعيات ».1
فتبين أن اختلافهم ناشئ عن اجتهاد في فهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم ومراده، وإذا كان علماء الأمة من بعدهم قد اختلفوا في فهم النصوص اختلافاً كبيراً في مسائل كثيرة إلى أقوال متعددة ولم يُذَموا بذلك لما تضافرت به النصوص من رفع الحرج عنهم، بل أجرهم على الاجتهاد على كل حال، فكيف يذم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باختلافهم في مسألة جزئية مجتهدين، بعد أن عذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعنف أحداً منهم بل أخذ بقول الطائفة المانعة من كتابة الكتاب، ورجع إلى قولها في
__________________
1) نقله عنه ابن حجر في فتح الباري 8/134، كما نقله النووي في شرحه لصحيح مسلم 11/92، وبينهما اختلاف يسير، والذي يظهر أن في نقل ابن حجر تصرفاً واختصاراً.
[ 279 ]
ترك الكتابـة.
وأما ما ادعاه الرافضي من أن اختلاف الصحابة، وما ترتب عليه من عدم كتابة النبي صلى الله عليه وسلم لهم ذلك الكتاب هو الذي حرم الأمة من العصمة إلى آخر كلامه في هذا...
فقد تقدم الرد عليه مفصلاً بما يغني عن إعادته هنا وليراجع في موضعه. 1
وأما استدلاله بقول ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب 2 ، فلا حجة له فيـــه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في معناه: « يقتضي أن الحائل كان رزية، وهو رزية في حق من شك في خلافة الصديق، واشتبه عليه الأمر، فإنه لو كان هناك كتاب لزال الشك، فأما من علم أن خلافته حق فلا رزية في حقه ولله الحمد ». 3
ويوضح هذا أن ابن عباس -رضي الله عنهما- ما قال ذلك إلا بعد ظهور أهل الأهواء والبدع ، من الخوارج والروافض. نص على هذا
__________________
1) انظر: ص 227 ومابعدها.
2) تقدم تخريجه ص277.
3) منهاج السنة 6/25.
[ 280 ]
شيخ الإسلام ابن تيمية 1 والحافظ ابن حجر.2
وأيضاً فقول ابن عباس هذا قاله اجتهاداً منه، وهو معارض بقول عمر واجتهاده، وقد كان عمر أفقه من ابن عباس قطعاً. قاله ابن حجر.3
قلت : بل هو معارض بقول عمر، وطائفة من الصحابة معه، كما جاء في الحديث: فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك .4
ويعضد هذا القول موافقة النبي صلى الله عليه وسلم له بعد ذلك وتركه كتابة الكتاب، فإنه صلى الله عليه وسلم لو أراد أن يكتب الكتاب ما استطاع أحد أن يمنعه، وقد ثبت أنه عاش بعد ذلك أياماً باتفاق السنة والرافضة فلم يكتب شيئـــاً.5
وأما ادعاؤه أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بذلك الكتاب أن ينص على خلافة علي - رضي الله عنه - بعد أن حكى ذلك عن الرافضة، زاعماً أنه ليس هناك تفسير معقول غيره:
__________________
1) انظر: منهاج السنة 6/316.
2) انظر: فتح الباري 1/209.
3) انظر: فتح البارى 8/134.
4) تقدم تخريجه ص 277.
5) تقدم تقرير هذه المسألة ص 229.
[ 281 ]
فالجواب على هذا أن ادعاءه أن هذا قول الرافضة -على الإطلاق- كذب ظاهر، خلاف المشهور من عقيدتهم.
فالرافضة يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على خلافة علي، ونصبه وصياً من بعده، بأمر الله له قبل حادثة الكتاب، ولهم في ذلك مبالغات كبيرة، حتى زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم عُرِجَ به إلى السماء الدنيا مائة وعشرين مرة، في كل مرة يوصى بولاية علي.
جاء في كتاب بصائر الدرجات للصفار فيما يرويه عن أبي عبد الله أنه قال: «عرج بالنبي صلى الله عليه وآله إلى السماء مائة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وقد أوصى الله النبي صلى الله عليه وآله بولاية علي والأئمة من بعده أكثر مما أوصاه بالفرائض».(1)
هذا وقد نقل إجماعهم على هذه العقيدة شيخهم المفيد في مقالاته حيث قال: « واتفقت الإمامية على أن رسول الله صلى الله عليه وآله استخلف أمير المؤمنين عليه السلام في حياته، ونص عليه بالإمامة بعد وفاته، وأن من دفع ذلك دفع فرضاً من الدين ».(2)
وبهذا يظهر كذب هذا الرجل وتلبيسه فيما ادعاه: من أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بذلك الكتاب النص على استخلاف علي، ونسبته هذا القول
__________________
1) بصائر الدرجات ص99.
2) أوائل المقالات ص44.
[ 282 ]
إلى الرافضة. فأي معنى لهذا عندهم إذا كانت الرافضة تعتقد أن النص على ولاية علي واستخلافه قد جاء من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في أكثر من مائة وعشرين مرة في كل مرة يعرج به إلى السماء ويوصى بها، ثم تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم أمته ذلك على ما تدعي الرافضة في نصوص متواترة قبل حادثة الكتاب.
ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: « ومن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي فهو ضال باتفاق عامة الناس، من علماء السنة والشيعة، أما أهل السنة فمتفقون على تفضيل أبي بكر وتقديمه، وأما الشيعة القائلون بأن علياً كان هو المستحق للإمامة فيقولون: إنه قد نص على إمامته قبل ذلك نصاً جلياً ظاهراً معروفاً، وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب».(1)
وعلى كل حال فسواء ثبت هذا القول عن بعض الرافضة، أم انفرد به هو فلا صحة له، إذ لا دليل عليه، وإنما مبناه على الظنون والأوهام الكاذبة، التي لا تستند لدليل من عقل أو شرع، بل الأدلة على خلافه كباقي عقائد الرافضة، وعلى فرض صحته -مع استحالة ذلك- فلا حجة فيه للرافضة، بل هو حجة عليهم في إبطال دعوى
__________________
1) منهاج السنة 6/25.
[ 283 ]
الوصية لعلي - رضي الله عنه - وهذا ظاهر، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أراد من ذلك الكتاب النَّصَ على خلافة علي في ذلك الوقت المتأخر من حياته، دل هذا على عدم نصه عليها قبل ذلك، إذ لا معنى للنص عليها مرتين، وإذا ثبت باتفاق أهل السنة والرافضة أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ولم يكتب ذلك الكتاب، بطلت دعوى الوصية من أصلها.
وإذا تقرر هذا: فليعلم أن العلماء اختلفوا في مراد النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الكتاب، فذهب بعضهم إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب كتاباً ينص فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف. نقله النووي، وابن حجر عن بعض أهل العلم.(1)
وقيل: إن مراده صلى الله عليه وسلم من الكتاب: بيان ما يرجعون إليه عند وقوع الفتن، وقد ذكر هذا القرطبي ضمن الاحتمالات المرادة من الكتــاب.(2)
وقيل: إن المراد بيان كيفية تدبير الملك، وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم، وتجهيز جيش أسامة. وبهذا قال الدهلوي3) مستدلاً على ذلك بما كان النبي صلى الله عليه وسلم
__________________
1) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي 11/90، وفتح الباري لابن حجر1/209.
2) انظر: المفهم 4/558.
3) انظر: مختصر التحفة الإثني عشرية ص251.
[ 284 ]
أوصى به في حديث ابن عباس المتقدم.1)
والذي عليه أكثر العلماء المحققين: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن ينص على استخلاف أبي بكر - رضي الله عنه -ثم ترك ذلك اعتماداً على ما علمه من تقدير الله تعالى.
وقد حكى هذا القول سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله2) وإليه ذهب القرطبي3)، وشيخ الإسلام ابن تيمية4)، والسويدي.5) وذكر القاضي عياض: أن الكتاب كان في أمر الخلافة وتعيينها من غير أن يشير إلى أبي بكر.(6)
وقد استدل من قال بهذا القول بما جاء في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها-قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ادعي لي أبا بكر وأخاك، حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمن ، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا
__________________
1) انظر: ص 277 من هذا الكتاب.
2) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي 11/90.
3) انظر: المفهم 4/558.
4) انظر: منهاج السنة 6/23-24-316.
5) انظر: الصارم الحديد في عنق صاحب سلاسل الحديد (الجزء الثاني)، ص48.
6) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم 2/890.
[ 285 ]
أبا بكر).(1)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: « وأما قصة الكتاب الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يكتبه، فقد جاء مبيناً كما في الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها-»2)، ثم ساق الحديث.
فهذه أقوال أهل العلم المعتد بأقوالهم، ليس فيها قول واحد يؤيد ما ذهب إليه الرافضي، بل تدل في مجموعها على بطلان ما ادعاه.
على أن الذي عليه أكثر العلماء في المراد بالكتاب هو النص على استخلاف أبي بكر، كما دل على ذلك حديث عائشة في الصحيحين وهو من القوة بمكان والله أعلم.
وأما طعن المؤلف على عمر - رضي الله عنه - وزعمه بأنه قد اتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا يعي ما يقول، وقال: (إنه يهجر) ولم يمتثل قوله، وقال: (عندكم كتاب الله)، (حسبنا كتاب الله).
فجوابه: أن ما ادعاه أولاً بأن عمر اتهم رسول الله بالهجر وأنه لا يعي ما يقول فهذا باطل. وذلك أن هذه اللفظة (أهجر) لا تثبت عن
__________________
1) هذه الرواية أخرجها مسلم في صحيحه : (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق) 4/1857، ح2387، وأخرج الحديث البخاري - مع اختلاف في اللفظ- في صحيحه: ( كتاب الأحكام، باب الاستخلاف) فتح الباري 13/205، ح7217.
2) منهاج السنة 6/23.
[ 286 ]
عمر - رضي الله عنه - أصلاً وإنما قالها بعض من حضر الحادثة من غير أن تعين الروايات الواردة في الصحيحين -والتي احتج المؤلف بها- قائلها، وإنما الثابت فيها ( فقالوا ما شأنه أهجر)1)، هكذا بصيغة الجمع دون الإفراد. ولهذا أنكر بعض العلماء أن تكون هذه اللفظة من كلام عمر.
قال ابن حجر: « ويظهر لي ترجيح ثالث الاحتمالات، التي ذكرها القرطبي، ويكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام، وكان يعهد أن من اشتد عليه الوجع ،قد يشتغل به عن تحرير ما يريــد».(2)
وقال الدهلوي: « من أين يثبت أن قائل هذا القول هو عمر مع أنه وقع في أكثر الروايات (قالوا) بصيغة الجمع ».(3)
وقد ذهب إلى هذا السويدي وذكر أنه قد صرح بذلك جمع من متأخري المحدثين ومنهم ابن حجر.(4)
وهذا الذي صرح به العلماء هنا هو ظاهر قول النووي حيث يقول في معرض شرحه للحديث: «... وهو المراد بقولهم هجر، وبقول عمر غلب عليه الوجع»، فقد فرّق بين القولين فتأمله..
__________________
1) تقدم نص الحديث بكماله وتخريجه ص277.
2) فتح الباري 8/133.
3) مختصر التحفة الإثني عشرية ص250.
4) انظر: الصارم الحديد (الجزء الثاني) ص16.
[ 287 ]
فثبت بهذا افتراء الرافضي وظلمه بنسبته هذه اللفظة لعمر من غير دليل، بل ظاهر الأدلة على خلافه، على أن هذه اللفظة لا مطعن فيها على عمر لو ثبتت عنه،كما أنه لا مطعن فيها على من ثبتت عنه من الصحابة. وما ادعاه المؤلف من نسبة قائلها رسول صلى الله عليه وسلم إلى أنه لا يعي ما يقول -حاشاه ذلك- باطل لا يحتمله اللفظ وبيان ذلك من عدة وجـــوه.
الوجه الأول : أن الثابت الصحيح من هذه اللفظة أنها وردت بصيغة الاستفهام هكذا (أهجر؟) وهذا بخلاف ما جاء في بعض الروايات بلفظ (هجر، ويهجر) وتمسك به المؤلف فإنه مرجوح على ما حقق ذلك المحدثون، وشراح الحديث: منهم القاضي عياض1)، والقرطبي2)، والنووي3)، وابن حجر.4)
فقد نصوا على أن الاستفهام هنا جاء على سبيل الإنكار على من قال: ( لا تكتبوا ).
قال القرطبي بعد أن ذكر الأدلة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الخطأ في التبليغ في كل أحواله، وتَقَرُرِ ذلك عند الصحابة: « وعلى هذا
______________________
1) انظر: الشفا 2/886.
2) انظر المفهم 4/559.
3) انظر شرح صحيح مسلم 11/93.
4) انظر فتح الباري 8/133.
[ 288 ]
يستحيل أن يكون قولهم ( أهجر )، لشك عرض لهم في صحة قوله، زمن مرضه، وإنما كان ذلك من بعضهم على وجه الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة، وتلكأ عنه، فكأنه يقول لمن توقف: كيف تتوقف أتظن أنه قال: هذيانا، فدع التوقف وقرب الكتف، فإنه إنما يقول الحق لا الهجر، وهذا أحسن ما يحمل عليه».(1)
قلت: وهذا يدل على اتفاق الصحابة على استحالة الهجر على الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث إن قائليها أوردوها على سبيل الإنكار الملزم، الذي لا يشك فيه المخالف، وبه تبطل دعوى الرافضي من أصلها.
الوجه الثاني: أنه على فرض صحة رواية (هجر) من غير استفهام، فلا مطعن فيها على قائلها، لأن الهجر في اللغة يأتي على قسمين: قسم لا نزاع في عروضه للأنبياء ، وهو عدم تبيين الكلام لبحّة الصوت، وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان، كما في الحميات الحارة، وقسم آخر: وهو جريان الكلام غير المنتظم، أو المخالف للمقصود على اللسان لعارض بسبب الحميات المحرقة في الأكثر.
وهذا القسم محل اختلاف بين العلماء في عروضه للأنبياء، فلعل القائل هنا أراد القسم الأول ، وهو أنا لم نفهم كلامه بسبب ضعف ناطقته ، ويدل على هذا قوله بعد ذلك
__________________
1) انظر: المفهم 4/559.
[ 289 ]
( استفهموه ).(1)
الوجه الثالث: أنه يحتمل أن تكون هذه اللفظة صدرت عن قائلهاعن دَهَشٍ وحَيْرةٍ أصابته في ذلك المقام العظيم،والمصاب الجسيم، كما قد أصاب عمر وغيره عند موت النبي صلى الله عليه وسلم قاله القرطبي.(2)
قلت: وعلى هذا فقائلها معذور أياً كان معناها، فإن الرجل يعذر بإغلاق الفكر والعقل، إما لشدة فرح أو حزن، كما في قصة الرجل الذي فقد دابته ثم وجدها بعد يأس فقال: ( اللهم أنت عبدي، وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح ).(3)
الوجه الرابع: أن هذه اللفظة صدرت بحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبار أصحابه، فلم ينكروا على قائلها، ولم يؤثموه، فدل على أنه معذور على كل حال ، ولا ينكر عليه بعد ذلك إلا مفتون في الدين ، زائغ عن الحق والهدى، كما هو حال هذا المسكين المعرض نفسه لما لا يطيق.
وأما ما ادعاه من معارضة عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ( عندكم كتاب الله ، حسبنا كتاب الله ) وأنه لم يمتثل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أراد من كتابة الكتاب :
_____________________
1) انظر: مختصر التحفة الإثني عشرية ص250.
2) المفهم 4/560.
3) أخرجه مسلم من حديث أنس - رضي الله عنه - (كتاب التوبة، باب الحض على التوبة...) 4/2104، ح2747.
[ 290 ]
فالرد عليه:
أنه ليس في قول عمر هذا، أي اعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم امتثال أمره كما توهم هذا الرافضي، وبيان هذا من عدة وجوه:
الوجه الأول: أنه ظهر لعمر - رضي الله عنه - ومن كان على رأيه من الصحابة، أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بكتابة الكتاب ليس على الوجوب، وأنه من باب الارشاد إلى الأصلح، وقد نبه على هذا القاضي عياض، والقرطبي، والنووي، وابن حجر.(1)
ثم إنه قد ثبت بعد هذا صحة اجتهاد عمر - رضي الله عنه - وذلك بترك الرسول صلى الله عليه وسلم كتابة الكتاب ، ولو كان واجباً لم يتركه لاختلافهم،لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف.ولهذا عد هذا من موافقات عمر- رضي الله عنه -.(2)
الوجه الثاني : أن قول عمر - رضي الله عنه -: ( حسبنا كتاب الله ) رد على من نازعه لا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم (3) وهذا ظاهر من قوله: ( عندكم كتاب الله ) فإن المخاطب جمع وهم المخالفون لعمر - رضي الله عنه - في رأيه.
__________________
1) انظر: الشفا 2/887، والمفهم 2/559، وشرح صحيح مسلم 11/91، وفتح الباري 1/209.
2) انظر: فتح الباري لابن حجر 1/209.
3) نص عليه النووي في شرح صحيح مسلم 11/93.
[ 291 ]
الوجه الثالث: أن عمر - رضي الله عنه - كان بعيد النظر، ثاقب البصيرة، سديد الرأي، وقد رأى أن الأولى ترك كتابة الكتاب -بعد أن تقرر عنده أن الأمر به ليس على الوجوب- وذلك لمصلحة شرعية راجحة للعلماء في توجيهها أقوال.
فقيل: شفقته على رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يلحقه من كتابة الكتاب مع شدة المرض، ويشهد لهذا قوله: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع ) فكره أن يتكلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشق ويثقل عليه1) مع استحضاره قوله تعالى: { ما فرطنا في الكتاب من شيء }(2)، { تبياناً لكل شيء }.(3)
وقيل: إنه خشي تطرق المنافقين، ومن في قلبه مرض، لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة، وأن يتقولوا في ذلك الأقاويل نص على ذلك القاضي عياض وغيره من أهل العلم.4)
وقيل : إنه خشي أن يكتب أموراً ربما عجزوا عنها فاستحقوا
__________________
1) انظر: الشفا للقاضي عياض 2/888، وشرح صحيح مسلم للنووي 11/90، وفتح الباري لابن حجر 1/209.
2) سورة الأنعام آية 38.
3) سورة النحل آية 89.
4) انظر: الشفا 2/889 ، وشرح صحيح مسلم للنووي 2/92.
[ 292 ]
العقوبة لكونها منصوصة ، ورأى أن الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد، لما فيه من الأجر والتوسعة على الأمة.(1)
قلت : ولا يبعد أن يكون عمر - رضي الله عنه - لاحظ هذه الأمور كلها، أو كان لاجتهاده وجوه أخرى لم يطلع عليها العلماء، كما خفيت قبل ذلك على من كان خالفه من الصحابة، ووافقه عليها الرسول صلى الله عليه وسلم بتركه كتابة الكتاب، ولهذا عد العلماء هذه الحادثة من دلائل فقهه ودقة نظره.
قال النووي: « وأما كلام عمر - رضي الله عنه - فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث، على أنه من دلائل فقه عمر، وفضائله، ودقيق نظره».(2)
الوجه الرابع : أن عمر - رضي الله عنه - كان مجتهداً في موقفه من كتابة الكتاب، والمجتهد في الدين معذور على كل حال، بل مأجور لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم اخطأ فله أجر )3)، فكيف وقد كان اجتهاد عمر بحضور
__________________
1) انظر: الشفا 2/889، وفتح الباري 8/134.
2) شرح صحيح مسلم 11/90.
3) رواه البخاري من حديث عمرو بن العاص في: (كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد...) فتح الباري 13/318، ح7352، ومسلم: ( كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد) 3/1342، ح1716.
[ 293 ]
رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يؤثمه، ولم يذمه به، بل وافقه على ما أراد من ترك كتابة الكتاب.
وأما قوله : إن الأكثرية الساحقة كانت على قول عمر، ولذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عدم جدوى كتابة الكتاب، لأنه علم بأنهم لن يمتثلوه بعد موته.
فجوابه: ( أن هذا الكلام مع ما فيه من الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم ، والطعن على الصحابة بمجرد التخرص والظنون الكاذبة، فهو دليل على جهل صاحبه. وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمور بالتبليغ سواء استجاب الناس أم لم يستجيبوا، قال تعالى: { فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ }1)، وقال تعالى: { فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين }2)، فلو كان الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بكتابة الكتاب، ما كان ليتركه لعدم استجابة أصحابه، كما أنه لم يترك الدعوة في بداية عهدها لمعارضة قومه وشدة أذيتهم له، بل بلغ ما أُمر به، وما ثناه ذلك عن دعوته، حتى هلك من هلك عن بينة، وحيا من حيي عن بينة.
فظهر بهذا أن كتابة الكتاب لم تكن واجبة عليه، وإلا ما
__________________
1) سورة الشورى آية 48.
2) سورة النحل آية 82.
[ 294 ]
تركها، وقد نص على ذلك العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر -رحمهما الله-.1) وحينئذ يكون توجيه إرادته له أولاً، ثم تركه له بعد ذلك: ما ذكره النووي حيث قال: « كان النبي صلى الله عليه وسلم همّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحي إليه ذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك ونسخ ذلك الأمر الأول».(2)
وبهذا يظهر بطلان طعن الرافضي على الصحابة في هذه الحادثة، وينكشف زيف ما ادعاه في حقهم. وبيان توجيه مواقفهم التوجيه الصحيح اللائق بمقاماتهم العظيمة في الدين من خلال النصوص وكلام أهل العلم في ذلك.
فللـــــه الحمـــد والمنــــة.
__________________
1) انظر: منهاج السنة 6/315-316، وفتح الباري 1/209.
2) شرح صحيح مسلم 11/90.



URL رابط عكسي
نبذة عن الرابط العكسي




الرد بإقتباس

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معناه: « يقتضي أن الحائل كان رزية، وهو رزية في حق من شك في خلافة الصديق، واشتبه عليه الأمر، فإنه لو كان هناك كتاب لزال الشك، فأما من علم أن خلافته حق فلا رزية في حقه ولله الحمد ».. لله ما أعجبكم من قوم .. عندما نقول أن ألرسول ألكريم نصب عليا وصيا و أماما من بعده بنصوص تذكرها كتبكم قبل كتبنا .. تقوم ألدنيا ولا تقعد .. و نصبح من أتباع أبن سبأ .. ومجوس ويهود وخنازير .. في حين يحول ابن تيميكم هذا ألحديث ألى أثبات ألنص لأبي بكر .
<<<<< 
العلامات