مشكور اخي ابو عبد الله
تحياتي
..................................
عندما تسأل غريغ سيمز كيف انتهى به الحال إلى التشرّد في شوارع واشنطن العاصمة، سوف يخبرك عن الأعاصير التي ضربت فلوريدا الصيف الماضي ودمّرت المجمع السكني الذي كان يقيم فيه، وحطّمت سيارته، وقتلت ربّ عمله.
تمكّن سيمز وزوجته وابنته، بفضل قليل من المال كان قد حصل عليه من رب عمل سابق، من الانتقال من ولاية فلوريدا إلى منطقة واشنطن العاصمة. ولكن وبعد مضي ثلاثة أشهر، وفيما كان جالسا في غرفة استقبال إحدى المنظمات التي ترعى المشرّدين، يصف هذا الرجل البالغ من العمر 46 عاما حياته بالـ"مأساوية". وليست زوجة سيمز بأفضل حظاً منه، فهي مشردة أيضا تقضي وقتها في ملجأ للنساء. أما ابنتها فقد وافق أحد أقاربهما على استضافتها.
وبغضّ النظر عن الأسباب التي أوصلته إلى هنا بحذائه البالي وحقيبة جمّع فيها كل الأوراق والمستندات الخاصة به، فإن سيمز يريد الخروج من هذا الوضع المأساوي.
إلا أن الخروج من هذا الوضع ليس بسهولة الانزلاق فيه.
ويصف محاولاته للحصول على عمل بقوله: "أشاهد كل هذه المحلات التي تعلّق لافتات تقول إنها بحاجة لأيدٍ عاملة، وما أن أدخل أحدها سائلاً عن عمل حتى يسارعون إلى مطالبتي بالخروج، إذ ليس بوسعك أن تدخل أيا منها وتطلب عملا وأنت ترتدي أسمالاً بالية".
ومع هذا يحقّق سيمز بعض الدخل عن طريق القيام بوظائف مؤقّتة هنا وهناك. هو دخل يكفي لقضاء ليلة في أحد الفنادق، ويكفيه عناء النوم على قارعة الطريق أو في أحد الملاجئ.
سيمز واحد من حوالي 3.5 مليون أميركي، أي بنسبة تقريبية هي 1% من المجتمع الأمريكي، من الذين من المرجح أن يبقوا مشرّدين طوال السنة. ويمثل الأطفال حوالي 39% من مجموع المشرّدين. هذا ويُقدر عدد المشرّدين الذين يجوبون شوارع أميركا في كل ليلة بـ842 ألف نسمة، وفقا لإحصاءات وزارة الصحة والخدمات البشرية. كما يتّفق الخبراء عموما على أن المشكلة تزداد سوءاً.
وتعمل شبكة واسعة من المنظمات الأهلية والقومية والكثير منها مموّلة تمويلاً خاصاً، يعمل فيها رجال ونساء متخرّجون حديثا من الجامعات ويحملون قيماً مثالية، على حلّ هذه الأزمة بمساعدة المشرّدين في التعامل مع نظام إداري يُعرف بالبرود والسلبية. وفيما يتمّ خفض الميزانيات المخصصة لخدمات الرعاية الصحية وخدمات المشردين عبر أرجاء البلاد، باتت منظمات مثل منظمة الطلاّب القومية للمسؤوليات المشتركة مصدر الأمل الوحيد لفئة من السكان تعيش أوضاعا متردّية. وتدير هذه المنظمة ملاجئ للمشردين ولأصحاب الدخول المتدنية في 15 مدينة منتشرة عبر أرجاء البلاد.
ورغم الحاجة الماسّة للخدمات التي تقدّمها هذه المنظمات، فإن السؤال هو: هل هذه الخدمات كافية بحد ذاتها لحل المشكلة؟
يقول مايكل ستوبس مدير المنظمة الأهلية للائتلاف القومي من أجل المشرّدين، وهي شبكة قوميّة من المدافعين عن حقوق المشردين: "ليس لدينا ما يكفي من الأسرّة في الملاجئ، وليست لدينا خدمات الدعم الكافية لإعانة المشردين الجدد، أظن أن الكثير من المنظمات تقوم بعمل رائع من حيث إطعام هؤلاء الناس، غير أننا لا نعالج جذور مشكلة الفقر، ولهذه الأسباب تستمر مشكلة المشردين".
ويعتقد ستوبس أن جذور مشكلة الفقر تتضمن النقص في عدد المساكن المعتدلة الكلفة، ووجود حد أدنى من الأجور أقل بكثير من الحد المطلوب لسد احتياجات الأسر.
ولكل مشرّد قصته الخاصة كيف انتهى به المطاف إلى هذه الحال.
تقول امرأة تبلغ من العمر 42 عاما وتجلس أمام مدخل إحدى المباني في واشنطن العاصمة إنها هربتْ من بيت أهلها قبل سنوات عديدة ولم تعدْ إليه قط. وتضيف: "كان لديّ طفل، واكتشفتُ فيما بعد أنني حامل بآخر فهربت". وحين سؤالها عن طفلها الأول، تقول: "لا أعرف أين هو". ومهما تكن الأسباب، فإن معظم المشرّدين الذين تمّ التحدّث إليهم حين إعداد هذه المقالة يعتبرون الحياة في الشارع بائسة تماما.
في عام 2002، قدّر برنامج الرعاية الصحية للمشرّدين أن 59% ممن يترددون عليه ذكور، وأن 53% منهم تتراوح أعمارهم بين الـ20 والـ44. كما أن المشرّدين ينتمون إلى فئات عرقية شديدة التنوّع: حوالي 36% بيض، و40% من ذوي الأصول الأفريقية، و21% من أصول لاتينية. أما الـ3% الباقية فهي إما من سكان أميركا الأصليين أو من ذوي الأصول الآسيوية. وتنتشر الظاهرة في المناطق الحضرية والريفية. ففي ولايتي نيوهامشير وفيرمونت في شمالي شرق البلاد، يُعرف عن المشردين إقامتهم لمناطق سكنية خاصة بهم في الغابات.
غير أن أكثر فئات المشردين نمواً من حيث العدد وأكثرها تعرضا للخطر هي العائلات التي يعوّلها أب بمفرده، بما فيها الأمهات اللواتي لديهن أطفال.
حياة شاقة
تقول جميلة لارسون الأخصائية الاجتماعية في واشنطن العاصمة، البالغة من العمر 31 عاماً، والتي تعمل متطوعة في أحد الملاجئ منذ أربع سنوات: "كان من الصعب بالنسبة لي أن أرى انعكاس التشرد في عيون الأطفال، لقد نشأ الكثير من هؤلاء الأطفال في ملاجئ، وليس هذا بمكان مناسب للطفل ليقضي فيه ولو ليلة واحدة".
وتشعر لارسون بأن الأسر بحاجة لتلقّي المزيد من الدعم لرعاية الأطفال صحيا، والمزيد من فرص التدريب المهني.
كما أن هناك حاجة ماسة لتوفير إسكان مدعوم لهؤلاء الناس بحيث لا يقتصر على توفير مجرّد سقف يعيشون في ظله بل خدمات إسناد ورعاية أيضا. وتشير الدراسات التي أعدتها منظمة التعاون من أجل إسكان مدعوم إلى تناقص خدمات الطوارئ الناجمة عن حالات التسمّم، وزيادة في الدخل بنسبة 50% لمن يقيمون في مشاريع الإسكان المدعوم. تقول لارسون: "برامج الإسكان التقليدية ليست ناجعة، كما أن الكثير من هذه الأسر غير مستقرة بما يكفي لتعول نفسها بمفردها. إنها بحاجة لبيئة أكثر دعما يتوفر بها عدد من الأخصائيين الاجتماعيين".
ويقدم مايكل ستوبس من الائتلاف القومي من أجل المشردين بعض الإحصاءات لتعزيز هذه الحجة، قائلا: "متى قمتُ بوضع هؤلاء الناس في أماكن دائمة، وليس في ملاجئ مؤقتة، حيث يتوفر لهم مكان دائم للعيش وكل الدعم اللازم، فإن معدل النجاح بالنسبة للأسر هو 76%، في حين أن المعدل بالنسبة للأسر التي يعيلها أب بمفرده هو 61%".
وإذا ما أردت أمثلة عملية حول كيف يمكن للإسكان المدعوم أن يسهم في الحد من مشكلة المشردين فما عليك إلا النظر في حالتي نيويورك وسان فرانسيسكو لترى الفارق.
وهناك أسباب عديدة تفسر الفارق بين نيويورك وسان فرانسيسكو. فنيويورك، فضلا عن حصولها على ميزانية أكبر، تنفق معظم المال المخصّص للمشردين على الإسكان الرخيص. أما سان فرانسيسكو فتنفق ثُمن ميزانيتها المخصصة للمشردين على الإسكان المدعوم وتفضل بدلا من ذلك الإنفاق على برامج أخرى مثل برنامج الطوارئ الطبية. وأخيرا، تقوم نيويورك بتنفيذ قوانينها التي تمنع الاستجداء والتسكع بشكل صارم.
وهذا النهج القائم على مقاربتين متكاملتين، أي الإسكان الرخيص وتنفيذ القانون، هو الذي حد من كون مشكلة المشردين في نيويورك ظاهرة للعيان، حسب الخبراء. وفي مقابلة أجريت معه السنة الماضية، أبلغ والتر بيرنز المخبر في شرطة نيويورك صحيفة سان فرانسيسكو كرونيكل:
"الأمر المهم في هذا الشأن هو أنه كانت لدينا مساكن مدعومة تقدّم خدمات الرعاية والإسناد، والملاجئ التي يذهب إليها المشردون. إن نهجنا يتسم بالثبات، ففي كل مرة يخرج فيها موظفونا إلى الشارع ويجدون مشردا يطرحون عليه أحد أمرين: إما الذهاب إلى أحد الملاجئ أو الانتقال إلى مكان آخر، وإذا ما رفض فكرة الذهاب إلى ملجأ، فإننا كنا نجبره على الانتقال من مكان لآخر على نحو مستمر".
غير أن خدمات الإسكان تتطلب الكثير من المال. وفي وقت تعاني فيه كل مدينة وولاية من ضائقة مالية تجبرها على خفض ميزانياتها بشكل كبير، فإن فرصة حصول المشردين على المعونة التي يحتاجونها تتضاءل باستمرار.
مخاطر صحية
ومن بين الأمور الملحّة أيضاً هي الحاجة الماسّة للرعاية الطبية، حيث إن حوالي نصف المشرّدين البالغين يقولون إنهم يعانون من مشكلات صحية حادة. كما يشير ربع المشردين إلى أنهم يعانون من التهابات وأمراض معدية مثل السل والربو.
وتقوم مؤسسات مثل منظمة الرعاية الصحية للمشردين بالعمل من خلال عيادات تتنقل في الشوارع لتزويد المشردين بخدمات الرعاية التي يحتاجونها في أماكن تواجدهم.
يقول غريغ سيمز الذي تشرّد جراء أعاصير فلوريدا السنة الماضية: "بإمكانك الحصول على رعاية طبية، لكنك لن تحصل على علاج للأسنان، عليك أن تذهب إلى عيادات المدينة، ويتعيّن عليك تسجيل اسمك". لكن الانتظار قد يطول.
وتعاني المشردة جيري البالغة من العمر 50 عاما وابنها جوي، 26 عاما، من مشكلات صحية مزمنة لا يمكن علاجها في عيادة عادية. فهي تعاني من تعقيدات ناجمة عن عملية أجريت لها على النفق الرسغي، مما يجعلها تعاني من آلام مبرحة باستمرار. أما ابنها فيعاني من حالات صرع دورية. ولم يرغب الاثنان في الإفصاح عن اسميهما الأخيرين خشية أن يتعرف إليهما أحد في الشارع. وفيما كانت جالسة مع ابنها على مقعد في أحد مناطق واشنطن العاصمة، قالت جيري: "الكثيرون لا يعرفون أنني مشرّدة، وسأشعر بخجل شديد لو ظهرت صورتي على صفحات الجرائد، إنه لأمر مخجل بما فيه الكفاية أن يكون المرء متسولا".
وقد طُرد الاثنان من شقتهما في آب/أغسطس 2004 لأن زوجة المالك كانت تخشى من أن تقام ضدها وضد زوجها دعوى قضائية في حالة ما إذا أُصيب جوي في المبنى أثناء إحدى نوبات الصرع.
ويحاول الاثنان الآن توفير ما يكفي من المال لتأجير مكان جديد. وتأتي معظم النقود من التسول حيث يجمعان أكثر من 30 دولار في بعض الأيام. لكن ما يحصلان عليه في أيام أخرى لا يتجاوز بضعة دولارات.
بين المثالية والتطبيق
ينتشر الكثير من المشردين على طول جادة نيويورك الواقعة في شمالي واشنطن العاصمة بالقرب من الملعب الكبير.
وجادة نيويورك شارع مليء بمواقف السيارات والبيوت المغطاة بالألواح الخشبية حيث تنتشر حولها القمامة. ويقوم البعض بالتمشي في وسط الشارع حاملين لافتات من الورق المقوّى يتسولون بها. وينام آخرون على طول سياج معدني ملفوفين في بطانيات من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين.
وهناك من يجدون طريقهم إلى مدرسة بيري، وهي عبارة عن مبنى من الآجر يبعد قليلا عن جادة نيويورك. وبداخل المبنى، ووراء الجدرايات الزاهية توجد مكاتب منظمة الطلاّب القومية للمسؤوليات المشتركة التي لها فروع للمشردين وذوي الدخول المتدنية في 15 مدينة في أرجاء البلاد.
وفي أيام الخميس، يجلس أناس مثل غريغ سيمز أمام أجهزة الكمبيوتر يطبعون سيرهم الذاتية أو يطالعون قوائم الوظائف الشاغرة. ويقوم هؤلاء أحيانا بالاتصال برب عمل محتمل.
في السنة الماضية، قام 400 متطوّع معظمهم من طلاّب الجامعات بخدمة أكثر من 3 آلاف مشرد في كافة أنحاء البلاد. ويخضع المتطوّعون لبرامج تدريب صارمة. ويركز معظم هذا التدريب على كيفية وصل المشردين بالنظام الإداري.
جِنْ أوستينوسكي طالب في السنة الأولى في الجامعة الأميركية في واشنطن يبلغ من العمر 19 عاما، ويقضي فترة تدريب هنا لمدة تتراوح ما بين 14 إلى 16 ساعة أسبوعيا.
يقول أوستينوسكي: "أنا من منطقة مغمورة في ولاية بنسلفانيا حيث ينتمي الجميع إلى الفئات العليا من الطبقة المتوسطة.. لقد ظننت حين قدمت إلى هنا بأنه يوجد بعض المشردين الذين لا أعمال لهم، لكن لم تكن لديّ أدنى فكرة عن الوضع الذي وُضعوا فيه".
والهدف الرئيسي لمنظمة الطلاّب القومية للمسؤوليات المشتركة هو توظيف التوجّهات المثالية للطلاّب ومهاراتهم البحثية لمساعدة المشردين على استئناف حياتهم من جديد.
تقول كيرستين لودال المديرة التنفيذية والمؤسِّسة المشارِكة للمنظمة: "غالبا ما يكون هؤلاء المشردون عائلات وليسوا فرادى، أو أمهات يقمن بإعالة عائلاتهن بمفردهن ويعملن في أكثر من وظيفة. إننا لا نهتم بالفقراء العاملين فحسب، بل إننا نهتم بالمشردين العاملين. لقد فتحت تجربتنا أعين الكثير من الطلاّب على حقيقة أن هذه المرأة تعمل في وظيفتين وتحاول أن تكون أما جيدة في الوقت ذاته".
ويمكن لإصرار الطلاّب ومثاليتهم أن يشكلا مزيجا فعالا كما تقول لودال. خذ على سبيل المثال ذلك البند الخاص بكوبونات المعونة الإسكانية في القانون رقم 8، والمصممة لمساعدة الناس في السكن في مكان ملائم.
تقول لودال: "لا يوجد عدد كافٍ من الملاّك أو العقارات يوازي الكوبونات الممنوحة من حيث العدد. ولذا فإن الأمر ينتهي بأن يكون لديك أناس حصلوا على كوبونات دون أن يتوفر لهم مكان يقيمون فيه. لدينا طاقم يعمل لشهور وشهور بالتنسيق مع طلاّبنا المتطوعين للعثور على المساكن الشاغرة. وقد طوّر هؤلاء قاعدة بيانات على شبكة الإنترنت تتضمن أسماء كل الملاّك الذين يقبلون التعامل بالكوبونات الصادرة بموجب القانون
رقم 8".
مبادرات إيمانية
يقع مقر سنترال يونيون ميشن، وهو مبنى رمادي من الآجر يتكون من خمسة طوابق في ركن من حي في واشنطن العاصمة كان ذات مرة بؤرة للمظاهرات التي عمت المدينة في الستينات من القرن الماضي. والمبنى عبارة عن ملاذ للمشردين، وبوسعك في بعض الأيام أن ترى طابورا طويلا من الرجال المشردين يجلسون على قارعة الطريق بانتظار دورهم للدخول إليه.
وأول ما تلاحظه عند عبورك أبواب الزجاج غير القابل للكسر كم هو حار ورطب هذا المكان، وكأنه صالة ألعاب رياضية. ويعدّ هذا أمرا مرحبا به مقارنة بالبرد القارص خارج المبنى في ليالي تشرين الثاني/نوفمبر. ويتحدّث موظف الاستقبال الضخم الجثة مع شخص آخر على الهاتف قائلا له إنه على وشك أن يعلم شخصا ما "درسا في التواضع". وهناك لوحة إعلانات خلفه كتب عليها: "ليس هناك من عذر مقبول للانتكاس" و"رجاء التزام الهدوء في البهو".
غير أن ثمة ضوضاء، الكثير منها في الواقع، تنبعث من غرفة ذات سقف مرتفع تقع على يمين البهو. وفي تلك الغرفة يجلس أكثر من 20 مشرداً على كراسٍ من البلاستيك يغنون ويصفقون بصوت عالٍ مردّدين كلمات إحدى الأغاني الدينية.
وتقدّم سنترال يونيون ميشن ما يصفه المدافعون عن حقوق المشردين بالخدمات الأربع: الصابون، والحساء، ومكان للنوم، ومصلى للعبادة. ويُطلب من الرجال بعد تناولهم وجبة من الدجاج والأرز في قاعة طعام كبيرة التوجه إلى مصلى لحضور موعظة دينية والصلاة. وسيحصل كل واحد منهم على فرصة للاستحمام وعلى فرصة للنوم على واحد من الأسرّة الـ80.
وفي هذه الليلة يقوم جوزيف غيثر، 41 عاما، بدور المرشد. ويندفع غيثر، الذي جاء إلى هذا الملاذ بعد خروجه من السجن عام 2001، عبر الردهات يملأه حماس منقطع النظير وكأنه يستعرض بيته الجديد أمام عدد من الزائرين. ويفتح غيثر باباً تلو الآخر. أحد هذه الأبواب يفضي إلى غرفة يذاكر فيها البعض استعداداً لامتحانات معادلة الشهادة الثانوية، فيما يفضي آخر إلى المطبخ الكبير حيث يقوم البعض بالتنظيف بعد وجبة العشاء. وهناك أيضا مكتب المحامي المقيم الذي يلوح لنا من وراء مكتب أنيق ومنظم.
وفيما يصل المصعد إلى طابق آخر يقول غيثر وهو يتحدث دون توقف: "لقد تسبب لي جهلي في دخول السجن. ثم جئتُ إلى هذا المكان حيث تركتُ تلك التجربة ورائي. لم أتعرض للانتكاس. إن وجودي في هذا المكان يستوجب أن أتقدم بالشكر إلى الرب".
ويتمتع هذا المكان بشعبية بين المشرّدين سواء أكانوا يبحثون عن فرصة ثانية في الحياة أم يريدون مجرد الاستحمام أو تناول وجبة ساخنة، حيث إن خُمس المشردين يأكلون وجبة واحدة في اليوم أو أقل من ذلك.
ويقوم دوغلاس البالغ من العمر 46 عاما والمتطوع للعمل هنا بالليل منذ عدة أشهر، بتشغيّل المصعد القديم. يقول دوغلاس: "المكان مزدحم على الدوام، وكثيرا ما نضطر لرد بعض الناس على أعقابهم، أعني أننا نفعل هذا كل ليلة".
وبموجب برنامج الحكومة الجديد للمبادرات الإيمانية، ستكون منظمات مثل سنترال يونيون ميشن مؤهلةً لتلقي منح فيدرالية.
يقول مدير مكتب المبادرات الإيمانية والمجتمعية جيم تاويي: "إننا نقوم بتغيير لوائح ونظم لا طائل من ورائها وتثبّط عزيمة المنظمات التي تعمل مع الحكومة لخدمة أولئك المحتاجين. إننا نمد الجسور إلى المنظمات القاعدية لكي تتواصل هي بدورها مع الحكومة الفيدرالية التي تحتاج لمساعدتها".
وبينما أظهرت البرامج الإيمانية فعاليتها في توفير فرصة ثانية في الحياة للكثير من الناس، فإن هناك تحفظات أخرى على مثل هذه المبادرات.
يقول روجر بيلون نائب الرئيس للشؤون القانونية في معهد كاتو للسياسة العامة، وهو معهد أبحاث مرموق: "العامل السلبي في الموضوع هو أن هذه المنظمات تميل للاتكال على التمويل الحكومي، وينتهي بها المطاف لأن تخسر السيطرة على برامج عملها، ومن ثم استقلاليتها. وهذا أمر يبعث على القلق إلى حد بعيد".
انعدام الأمن
على الرغم من الازدحام الليلي في ملاجئ المشرّدين مثل ملجأ سنترال يونيون ستيشن، إلا أن قضايا السلامة الشخصية تدفع الكثير من المشردين مثل جيري وجوي إلى النوم في العراء خاصة أثناء الشهور الدافئة.
يقول جوي: "إن النوم في الملجأ أكثر خطورة من النوم في العراء". ويقدر جوي أنه ووالدته ينامون في العراء في 75% من الوقت.
وينظر مشردون آخرون إلى الوضع بنفس الطريقة. يقول غريغ سيمز: "يخشى الناس من الذهاب إلى الملاجئ لانعدام الأمن فيها، وإذا ما أراد أحد ما القيام بعمل ضدك، فإنك ستشعر بأنك أفضل حالا فيما لو كنت في الشارع. لقد أقمت (في ملجأ)، وتصادف أن دخل اثنان من المقيمين هناك في عِراك. وتُرك الاثنان وشأنهما، ثم تم استدعاء الأمن. إنهم لم يحاولوا حتى وقف المعركة، قائلين إن أيا منهما لم يكن مسلحا".
بيد أن للشارع مشكلاته هو الآخر. يقول جيك آشفورد وهو جندي سابق أنهى خدمته العسكرية، يبلغ من العمر 42 عاما، ويمضي لياليه بين الملاجئ والمنتزهات العامة: "الشوارع خطرة لأن هناك مارّون قد يقومون بمضايقتك أو الاعتداء عليك".
ويضيف أن مجموعة من الرجال اعتدوا عليه بالضرب قبل أسبوعين: "لقد ركلوني، لكنني التقطتُ زجاجة وضربتُ واحدا منهم على ظهره بسرعة، ولم يتصل أحد بالشرطة، وانتهى الأمر".
ويدّعي الائتلاف القومي من أجل المشردين أن الجرائم ضد المشردين آخذة في التفاقم في الوقت الحالي، وأن السلطات تتباطأ في التحقيق في هذه الجرائم. إن 90% ممن يرتكبون هذه الجرائم دون سن الـ18.
يقول دَغْ هاوسمان الذي يعمل في المقر الرئيسي للائتلاف والبالغ من العمر 22 عاما: "السبب الرئيسي في ارتكابهم لهذه الجرائم هو الضجر، ففي مدينة لاس فيغاس، قامت مجموعة الشباب بتهشيم رأس رجل مشرّد مستخدمة قطعة من الخرسانة المسلحة".
برد قارص
مع انخفاض الميزانيات الحكومية في أرجاء البلاد، يتوقف مصير المشردين إلى حد كبير على المبادرات الإيمانية والمجموعات الطلاّبية والأخصائيين الاجتماعيين والمنظمات مثل الائتلاف القومي من أجل المشردين. لكن إلى أي مدى بوسع هؤلاء أن يكونوا فعالين ومؤثرين؟
إن تقييم ما تقدمه هذه الهيئات من معونة على نحو دقيق صعب بقدر صعوبة الحصول على صورة دقيقة لأوضاع المشردين في البلاد.
لكن هذا لا يمنع المتطوعين في منظمة الطلاّب القومية للمسؤوليات المشتركة من محاولة إحداث تغيير في حياة المشردين يوميا، وعلى المستوى الفردي. وهناك من جهة أخرى، المشردون أنفسهم الذين يحاولون البقاء على قيد الحياة من دقيقة إلى أخرى ومن ساعة لأخرى.
يقول غريغ سيمز فيما يهز رأسه: "إنني مصاب بالهلع، إنني أعيش في رعب مستمر".
منقول

مشكور اخي ابو عبد الله
تحياتي
..................................
يوجد حاليا 1 عضو يستعرضون هذا الموضوع. (0 عضو و 1 زائر)
العلامات