اعلان

Collapse
No announcement yet.

الضوء الاخير

Collapse
X
 
  • تصنيف
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts

  • الضوء الاخير

    الضوء الأخير:

    ـ الجزاء من جنس العمل ـ سيد العفاني ـ الجزء الثاني ـ . نترك لهذه السيدة صاحبة القصة لتحكي لنا قصتها وترويها كما عايشتها بنفسها عسى أن تكون عبرة لغيرها . تقول صاحب القصة : أنا زوجة وأم لفتاة بالسنة النهائية بإحدى الكليات النظرية ، ولي ابن شاب متزوج ولديه طفلان ، وزوجي ضابط عسكري بالمعاش ، ومنذ أن بدأت حياتي مع زوجي ونحن نعيش حياة رغيدة ، وقد استعنت طوال حياتي الزوجية على تربية أولادي بمربيات عديدات ، لا

    أتذكر عددهن من كثرتهن ، ولا عجب في ذلك ، فقد كانت كل واحدة منهن لا تمكث عندي أكثر من شهرين ، ثم تفر من قسوة زوجي العدواني بطبعه ، والذي لا أعرف هل اكتسب عدوانيته هذه من خلال رحلة حياته أم أنها وراثية فيه ، فقد

    كان يتفنن في تعذيب أي مربية تعمل عندنا ، ولا أنكر أني شاركته في بعض الأحيان جريمته . ومنذ خمسة عشر عاماً ، وابنتي في السابعة من عمرها ، وابني في المرحلة الإعدادية جاءنا مزارع من معارف زوجي ، ومن أبناء بلدته ، يصطحب معه ابنته الطفلة ذات الأعوام التسعة ، فاستقبله زوجي بكبرياء وترفع . وقال المزارع البسيط : إنه أتى بابنته لتعمل عندنا مقابل عشرين جنيهاً في الشهر ووافقنا ، وترك المزارع المكافح طفلته الشقراء ، فانخرطت الطفلة في البكاء ، وهي تمسك بجلباب أبيها ، وتستحلفه ألا يتأخر عن زيارتها ، وألا ينسى أن يسلم لها على أمها وأخوتها ، وانصرف الرجل دامع العينين ، وهو يعدها بما طلبت ، وبدأت الطفلة حياتها الجديدة معنا ، فكانت تستيقظ في الصباح الباكر قبل أن يستيقظ طفلاي لتساعدني في إعداد طعام الإفطار لهما ، ثم تحمل الحقائب المدرسية ، وتنزل بها إلى الشارع ، وتظل واقفة مع ابنتي وابني حتى يحملهما أتوبيس المدرس ، وتعود للشقة فتتناول إفطارها ، وكان غالباً من الفول بدون زيت ، وخبز على وشك التعفن ، وفي بعض الأحيان قد نجود عليها بقليل من العسل الأسود أو الجبن ، ثم تبدأ في ممارسة أعمال البيت من تنظيف وشراء الخضر والمسح ، وتلبية النداءات حتى منتصف الليل ، فتسقط على الأرض كالقتيلة وتستغرق في النوم ، وعند أي هفوة أو نسيان أو تأجيل أداء عمل مطلوب ينهال عليها زوجي ضرباً بقسوة شديدة ، فتتحمل الضرب باكية صابرة . ورغم ذلك فقد كانت طفلة في منتهى الأمانة والنظافة والإخلاص لمخدوميها ، تفرح بأبسط الأشياء ، وتشدو بحزن خافت يعبر عن شوقها لبلدتها وأمها وأخوتها وهي تغسل الأطباق . ورغم اعترافي بأني كنت شريكة لزوجي في قسوته على الخادمات ، وتفننه في تعذيبهن ، حتى أنه كان أحياناً يختلق الأسباب لضرب أية خادمة تعمل عندنا ، إلا أنه كانت تأخذني الشفقة في بعض الأحيان بهذه الفتاة لطيبتها ، وانكسارها وإخلاصها ، فأناشد زوجي ألا يضربها ، وأقول له : إنها قد كبرت وتعودت على طباعنا ، وتحملتنا كثيراً فلا داعي للاستمرار في ضربها ، فكان يقول لي مقهقهاً : إنه لو لم يضربها فإنها ستطلب منه أن يضربها ، لأنها قد تعودت عليه ، وأن هذا "الصنف" من الناس لا تجدي معه المعاملة الطيبة . واستمرت الفتاة تتحمل العذاب في صمت وصبر ، وأتذكر الآن بأنني حين يأتي العيد ويخرج طفلاي مبتهجين مهللين ، بينما تبقى هذه الطفلة التي تماثلهما في العمر ، تنظف وتغسل دون شفقة ، وبعد أن تنتهي من أعمالها الشاقة ترتدي فستاناً قديماً لكنه نظيف ، لأنها كانت تحرص على نظافة ملابسها البسيطة ، أما أبوها فلم تره تلك الطفلة إلا مرات معدودة بعد عملها عندنا ، فقد انقطع عن زيارتها بعد شهوراً ، وبدأ يرسل أحد أقاربه لاستلام أجرتها الشهرية ، كما لم تر أمها وأخوتها إلا في ثلاث مناسبات محدودة : الأولى حين مات شقيقها الأكبر في حادث عند عودته من الأردن ، وكانت الفتاة المحرومة تعلق أملاً كبيراً على عودته ، وتحلم بأن ينتشلها من العذاب الذي تعانيه عندنا ، فإذا به يلقى مصرعه ، وتفقد آخر أمل لها فبكته بحرقة وسراً حتى يراها زوجي ، فتلقى عقاباً على يديه . والمرة الثانية لم تكن تعطفاً منا عليها ، وإنما كانت تخلصاً منها في الحقيقة وهي كانت مريضة بمرض معد ، وخشينا على طفلينا من انتقال العدوى إليهما ، فأبعدناها إلى بلدتها بحجة أن ترى أمها وأخوتها . وكانت المرة الثالثة عند وفاة أبيها ، بعد أن دخلت مرحلة الصبا ، واستقر الحزن والانكسار في قلبها . كنا نعاقبها إذا أخطأت أي خطأ ، وكان لابد أن تخطئ ، كأي طفلة ، وكأي إنسان ، فقد كان زوجي يصعقها بسلك الكهرباء ! وكثيراً ما حرمناها من وجبة العشاء في ليالي البرد القاسية ، فباتت على الطوى جائعة ، ولا أتذكر أنها نامت ليلة لمدة سنوات طويلة دون أن تبكي !. وسوف يتساءل الكثير ، ولماذا تحملت كل هذا العذاب ولم تهرب بجلدها من جحيمنا الذي تعيش فيه ؟؟ وأقول بأن الفتاة

    حين قاربت سن الشباب خرجت ذات يوم لشراء الخضراوات ولم تعد ، فسأل زوجي البواب عنها ، وعرف أنها كانت تتحدث لفترات طويلة مع شاب يعمل لدى جزار بالشارع نفسه ، وأنه من المحتمل أن تكون قد اتفقت معه على أن يتزوجها وينتشلها من هذه الحياة ، فلم يمض أسبوع حتى كان نفوذ زوجي قد تكفل بإحضارها من مخبئها ، واستقبلناها عند عودتها استقبالاً حافلاً بكل أنواع العذاب ، فقام زوجي بصعقها بالكهرباء وتطوع ابني بركلها بعنف ؟ بينما بكت ابنتي وهي تقول لأبيها : حرام يا بابا حرام حرام ففقد سيطرته على نفسه واستدار إليها وضربها هي أيضاً ، وكانت المرة الأولى في حياتها التي يضربها فيها أبوها !. وعادت الفتاة لحياتها الشقية معنا ، واستسلمت لمصيرها ، واستمر الوضع كما كان عليه ، إن تخطئ أو تؤجل عمل شيء بعض الوقت ، فيضربها زوجي ضرباً مبرحاً ، ونخرج في الإجازات إلى المصايف والملاهي ، ونترك لها بقايا طعام الأسبوع لتأكله إلخ . شيئاً فشيئاً بدأنا نلاحظ عليها أن الأكواب والأطباق تسقط من يديها ، وأنها تتعثر كثيراً في مشيتها ، فعرضناها على الطبيب ، فأكد لنا أن نظرها قد ضعف جداً ، وأنه ينسحب تدريجياً ، وأنها لا ترى حالياً ما تحت قدميها ، أي أنها أصبحت شبه كفيفة ، ورغم ذلك فلم نرحمها ، وظلت تقوم بكل أعمال نظافة المسكن ، وتخرج لشراء الخضر كما كانت تفعل ، بل وكثيراً ما صفعتها إذا عادت من السوق بخضراوات ليست طازجة ، وكثيراً ما كانت تأتي بخضراوات غير طازجة لضعف بصرها الشديد ، فأشفقت عليها زوجة البواب ، فكانت تجلسها في مدخل العمارة وتذهب هي لشراء الخضراوات لها ، حتى تنقذها من الإهانة والضرب ، واستمر الحال هكذا لفترة من الزمن ، ثم خرجت الفتاة ذات يوم من البيت بعد أن أصبحت كفيفة تقريباً ، ولم تعد إليه مرة أخرى ، ولم نهتم بالبحث عنها هذه المرة . ومضت السنوات ، فأحيل زوجي للتقاعد ، واستقبل حياة الفراغ ، وفقد المنصب والنفوذ ـ أسوأ استقبال فتضاعفت عصبيته وثوراته ، وانفلاتاته إلى حد غير محتمل ، ومع ذلك فقد تحملته بسبب العشرة . وتخرج ابني في الجامعة وعمل ، ثم أراد أن يخطب إحدى زميلاته ، فخطبناها له ، وهي فتاة رائعة الجمال ، وتزوجها وسعدنا بها ، واكتملت سعادتنا حين عرفنا أنها حامل ، ثم جاءت اللحظة السعيدة ، ووضعت مولودها فإذا بنا نكتشف لصدمتنا القاسية أنه كفيف لا يبصر ، وتجولت الفرحة إلى سحابة كثيفة من الحزن القاتم ، وبدأنا الرحلة الطويلة مع الأطباء بلا فائدة . واستسلم ابني وزوجته للأمر الواقع ، وانطفأ الأمل في قلبيهما ، وأدخلنا حفيدنا الموعود بالعناء حضانة للمكفوفين ، وقررت زوجة ابني ألا تحمل مرة أخرى خوفاً من تكرار الكارثة ، لكن الأطباء طمأنوها إلى أن هذا مستحيل ، لأنه لا توجد صلة قرابة بينها وبين زوجها تؤكد العوامل الوراثية ، وشجعوها على الحمل وإنجاب طفل آخر يعيد البسمة إلى حياتها وزوجها ، وشجعناها نحن أيضاً على ذلك على أمل أن يرزق ابننا بطفل طبيعي يخفف من حزنه وصدمته في طفله الأول . وحملت زوجة ابني ، وأنجبت طفلة جميلة شقراء ! نزلت إلى الحياة ، فتوقفت قلوبنا حتى زف الطبيب البشري بأنها ترى وتبصر ، كالأطفال العاديين ، وسعدنا بها سعادة مضاعفة ، وانهالت عليها وعلى شقيقها اللعب والملابس والهدايا ، وبعد سبعة شهور ، لاحظنا عليها أن نظرها مركز في اتجاه واحد لا تحيد عنه ، فعرضناها على أخصائي عيون للاطمئنان على سلامة عينيها ، فإذا به يصدمنا بحقيقة أشد هولاً ، وهي أنها لا ترى إلا مجرد بصيص من الضوء ، وأنها معرضة أيضاً لفقد بصرها ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ورأى زوجي ذلك ، فأصيب بحالة نفسية فسدت معها أيامه ، وكره كل شيء ، ثم تطورت حالته حتى نصحنا الطبيب بإدخاله مصحة نفسية لعلاجه من الاكتئاب ، وانقبض قلبي ، وأحسست بهموم الدنيا تطأ صدري بقسوة ، وفي ضيقي وأحزاني تذكرت فجأة الفتاة الكسيرة التي هربت من جحيمنا كفيفة بعد أن أمضت معنا عشر سنوات ، ذاقت خلالها أهوال الصعق بالكهرباء والضرب والهوان والحرمان ، وساءت نفسي ـ في جزع : ـ هل هذا عقاب الله لنا على

    ما فعلنا بها ؟ وأصبحت صورة هذه الفتاة اليتيمة التي أهملنا علاجها وتسببنا في كف بصرها تطاردني في وحدتي ، وتعلق أملي في عفو ربي عما جنينا في أن أجد هذه الفتاة ، وأكفر عما فعانا بها ، ورحت أسأل عنها الجميع حتى دلنا أحد الجيران إلى مكانها ، وعلمنا أنها تعمل خادمة بأحد المساجد ، فذهبت إليها وأحضرتها لتعيش معي ما بقي لي من أيامي ، ورغم كل قسوة الذكريات ، فقد فرحت بسؤالي عنها وسعيي إليها لأعادتها ، وحفظت العشرة التي لم نحفظها ، وعادت معي تتحسس الطريق وأنا أمسك بيدها ، وفرحت بسماع صوت ابنتي الشابة التي طالما أحبتها هذه الفتاة الطيبة في طفولتها وصباها ، وبسماع صوت ابني الذي عرف الهم طريقه إلى قلبه ، واستقرت الفتاة معنا ، وأصبحت أرعاها ، بل وأخدمها هي وحفيدي الكفيفين وأملي ودعائي لربي أن يغفر لي ما كان ، وأن أقول لمن نضبت الرحمة من قلوبهم : إن الله حي لا ينام ، فلا تقسوا على أحد فسوف يجيء يوم تطلبون فيه الرحمة من أرحم الراحمين ، وتندمون على ما فعلتم بقوتكم وجبروتكم


    مع تحياتي

    عصام زايد

    ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

    ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

    للاطلاع على كل ما هو جديد
    زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

  • #2
    الرد: الضوء الاخير

    الاخ العزيز خادم علي
    تحياتي لك
    وشكرا لمرورك الكريم
    الذي اسعدني
    مع تحياتي

    عصام زايد

    ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

    ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

    للاطلاع على كل ما هو جديد
    زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

    تعليق


    • #3
      الرد: الضوء الاخير

      الف شكر لك اخ الغالي عصام
      قصة جميلة جدا
      يعطيك الف عافية

      تعليق


      • #4
        الرد: الضوء الاخير

        الاخت العزيزة والغالية بنت الشام
        تحياتي لك
        اشكرك على ردك الجميل
        واشكرك على تواصلك معي
        مرورك اسعدني
        مع تحياتي

        عصام زايد

        ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

        ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

        للاطلاع على كل ما هو جديد
        زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

        تعليق

        تشغيل...
        X