اعلان

Collapse
No announcement yet.

Unconfigured Ad Widget

Collapse

القواعد المثلى في أسماء الله وصفاته العلا

Collapse
X
 
  • تصنيف
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts

  • القواعد المثلى في أسماء الله وصفاته العلا

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله، أما بعد فهذه قواعد في أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى وصفاته العلا( )، يسهل بها ضبط مذهب السلف في هذه المسائل العظام:
    قواعد في أسماء الله تعالى
    القاعدة الأولى: أسماء الله كلها حسنى
    أسماء الله كلها حسنى، أي بالغة في الحسن، قال تعالى: ولله الأسماء الحسنى، وذلك لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالا ولا تقديرا.
    مثال ذلك: (الحي) اسم من أسماء الله تعالى متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها.
    والحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره، فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال.
    ومثال ذلك: (العزيز الحكيم) فإن الله يجمع بينهما في القرآن كثيرا، فيكون كل منهما دالا على الكمال الخاص الذي يقتضيه، وهو العزة في العزيز، والحكم والحكمة في الحكيم، والجمع بينهما دال على كمال آخر؛ وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلما وجورا وسوء فعل كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسيء التصرف، وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل.
    القاعدة الثانية: أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف
    أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف، أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد، وهو الله عز وجل، وهي بالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص.
    وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن عليه كما في قوله تعالى: وهو الغفور الرحيم، وقوله: وربك الغفور ذو الرحمة، فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة، ولإجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال: عليم إلا لمن له علم، ولا سميع إلا لمن له سمع، وهذا أمر أبين من أن يحتاج إلى دليل.
    القاعدة الثالثة:
    أسماء الله إن دلت على وصف متعد تضمنت ثلاثة أمور:
    أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.
    الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله عز وجل.
    الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها، مثال ذلك: السميع يتضمن إثبات السميع اسما لله تعالى، وإثبات السمع صفة له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يسمع السر والنجوى، كما قال تعالى: والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير.
    وإن دلت الأسماء على وصف غير متعد تضمنت أمرين:
    أحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.
    الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله عز وجل.
    مثال ذلك: (الحي) يتضمن إثبات الحي اسما لله عز وجل، وإثبات الحياة صفة له.
    القاعدة الرابعة: دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة وبالتضمن والالتزام
    دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة وبالتضمن والالتزام( ).
    مثال ذلك: اسم (الخالق) يدل على ذات الله وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام.
    مثال آخر: اسم السميع يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة، وعلى الذات وحدها والسمع وحده بالتضمن، ويدل على الحي وصفة الحياة بالالتزام.
    واللازم من قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم إذا صح أن يكون لازما هو حق، وذلك لأن كلام الله ورسوله حق ولازم الحق حق، ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازما من كلامه وكلام رسوله، فيكون مرادا، فالقاعدة عند أهل السنة أن الصفة يلزمها لوازم لنفسها وذاتها، فلا يجوز نفي هذه اللوازم عنها لا في حق الرب ولا في حق العبد، ويلزمها لوازم من جهة اختصاصها بالعبد، فلا يجوز إثبات تلك اللوازم للرب، ويلزمها لوازم من حيث اختصاصها بالرب، فلا يجوز سلبها عنه ولا إثباتها للعبد، فعليك بمراعاة هذا الأصل، والاعتصام به في كل ما يطلق على الرب تعالى، وعلى العبد.
    مثال ذلك: (النـزول) هو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلق بالمكان الذي قصد له، وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه، وهذا المعنى حق في نفسه، لا يعقل كون الفاعل فاعلا إلا به، ونفيه عن الفاعل نفي لحقيقة الفعل وتعطيل له، أما كونه يستلزم انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه إلى مكان آخر يحتاج إليه، فهذا من لوازم هذه الصفة في المخلوق، وهو يمتنع إثباته للرب تعالى، لأنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به تعالى، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له.
    وأما اللازم من قول أحد سوى قول الله ورسوله فله ثلاث حالات:
    الحالة الأولى: أن يذكر للقائل، ويلتزم به، مثل أن يقول من ينفي الصفات الفعلية لمن يثبتها: يلزم من إثباتك الصفات الفعلية لله عز وجل أن يكون من أفعاله ما هو حادث، فيقول المثبت: نعم، وأنا ألتزم بذلك، فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالا لما يريد ولا نفاد لأقواله وأفعاله كما قال تعالى: قل لو كان البحر مددا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو جئنا بمثله مددا، وقال: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله، إن الله عزيز حكيم. وحدوث آحاد فعله تعالى لا يستلزم نقصا في حقه.
    الحالة الثانية: أن يذكر له، ويمنع التلازم بينه وبين قوله، مثل أن يقول النافي للصفات لمن يثبتها يلزم من إثباتك أن يكون الله تعالى مشابها للخلق في صفاته، فيقول المثبت: لا يلزم ذلك؛ لأن صفات الله مضافة إليه، لم تذكر مطلقة حتى يمكن ما ألزمت به، وعلى هذا فتكون مختصة به لائقة به، كما أنك أيها النافي للصفات تثبت لله تعالى ذاتا ووجودا، وتمنع أن يكون مشابها للخلق في ذاته ووجوده، فأي فرق بين الذات والصفات؟!
    وحكم اللازم في هاتين الحالتين ظاهر.
    الحالة الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتا عنه، فلا يذكر بالتزام ولا منع، فحكمه في هذه الحال أن لا ينسب إلى قائل؛ لأنه يحتمل لو ذكر له أن يلتزم به أو يمنع التلازم، ويحتمل لو ذكر له، فتبين له لزومه وبطلانه أن يرجع عن قوله؛ لأن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم.
    ولورود هذين الاحتمالين لا يمكن الحكم بأن لازم القول قول. فإن قيل: إذا كان هذا اللازم لازما من قوله لزم أن يكون قولا له؛ لأن ذلك هو الأصل لا سيما مع قرب التلازم. قلنا: هذا مدفوع بأن الإنسان بشر، وله حالات نفسية وخارجية توجب الذهول عن اللازم، فقد يغفل أو يسهو أو يغلق فكره، أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تفكير في لوازمه، ونحو ذلك.
    القاعدة الخامسة: أسماء الله التي يدعى بها توقيفية، أما ما يخبر بها عنه فليس توقيفيا
    ما يطلق على الله من الأسماء في باب الدعاء توقيفي، وما يطلق عليه في باب الإخبار لا يجب أن يكون توقيفيا؛ أي يجب أن نفرق بين أن يدعى بالأسماء، أو يخبر بها عنه، فإذا دُعي لم يدع إلا بالأسماء الحسنى كما قال تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، وذروا الذين يلحدون في أسمائه، وأما الإخبار عنه فهو بحسب الحاجة، فإذا احتيج في تفهيم الغير المراد إلى أن تترجم أسماؤه بغير العربية، أو يعبر باسم له معنى صحيح لم يكن ذلك محرما، فلو قال معطل: ليس هو بقديم، ولا موجود، ولا ذات قائمة بنفسها، وليس بشيء، ونحو ذلك، فقيل في تحقيق الإثبات: بل هو سبحانه قديم، موجود، وهو ذات قائمة بنفسها، وهو شيء، فهذا سائغ، وإن كان لا يدعى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدل على المدح كقول القائل: يا شيء، أو يا موجود.
    القاعدة السادسة: أسماء الله غير محصورة بعدد معين
    أسماء الله غير محصورة بعدد معين لقوله صلى الله عليه وسلم: « … أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، … أو استأثرت به في علم الغيب عندك»، وما استأثر الله به في علم الغيب لا يمكن أحدا حصره، ولا إحاطة به.
    أما قوله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها( ) دخل الجنة» فليس فيه حصر لها( )، وإنما غاية ما فيه أن هذه الأسماء موصوفة بأن من أحصاها دخل الجنة، كما تقول عندي مائة عبد أعددتهم للجهاد في سبيل الله، فلا ينافي أن لديك عبيدا غيرهم أعددتهم لغير ذلك.
    إذًا فمعنى الحديث أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة، وعلى هذا فيكون قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحصاها دخل الجنة» جملة مكملة لما قبلها، وليست مستقلة.
    ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تعيين هذه الأسماء، والحديث المروي في تعيينها ضعيف.
    القاعدة السابعة: الإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها
    الإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها، وهو أنواع:
    1 ـ أن ينكر شيئا منها أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، وإنما كان ذلك إلحادا لوجوب الإيمان بها وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميل بها عما يجب فيها.
    2 ـ أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين كما فعل أهل التشبيه، وذلك لأن التشبيه معنى باطل لا يمكن أن تدل عليه النصوص، بل هي دالة على بطلانه، فجعلها دالة عليه ميل عما يجب فيها.
    3 ـ تسمية الله بما لا يليق بجلاله، كتسمية النصارى له (الأب)، وذلك لأن أسماء الله كلها حسنى، فتسمية الله بما ينـزه عنه ميل بها عما يجب فيها.
    4 ـ أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام كاشتقاق العزى من العزيز، واللات من الإله، وذلك لأن أسماء الله تعالى مختصة به، لقوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص بالله عز وجل ميل بها عما يجب فيها.
    والإلحاد بجميع أنواعه محرم لقوله: وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 000000
    يتبع

  • #2
    جزاك الله خيرا وبارك الله فيك

    ====

    سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
    يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الأوهام والظنون، ولا تغيره الحوادث، ولا يصفه الواصفون، يا عالماً بمثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار، ولا تواري منه سماءُ سماء، ولا أرخى أرضا، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قعره.

    أسألك أن تجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك، وخير ساعاتي مفارقة من دار الفناء إلى دار البقاء، التي تكرم فيها من أحببت من أوليائك وتهين فيها من أبغضت من أعدائك.

    أسألك إلهي عافية جامعة لخير الدنيا والآخرة، مناً منك علىّ وتطولاً، ياذا الجلال والإكرام.

    تعليق


    • #3
      القاعدة الثامنة: الاسم للمسمى
      الاسم للمسمى، لقوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى وقال تعالى: أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى، فإذا قيل: هل الاسم هو عين المسمى أو غيره؟ قلنا: الاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلتَ: (قال الله كذا)، أو (سمع الله لمن حمده)، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلتَ: (الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي)، فالاسم ها هنا هو المراد لا المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال؛ فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى.
      القواعد في صفات الله تعالى
      القاعدة التاسعة: صفات الله تعالى كلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه
      صفات الله تعالى كلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كالحياة والعلم والقدرة والسمع والرحمة والعلو وغير ذلك، وقد دل على هذا السمع والعقل والفطرة:
      أما السمع فمنه قوله تعالى: للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء، ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم، والمثل الأعلى هو الوصف الأعلى.
      وأما العقل فقد ثبت بالحس والمشاهدة أن للمخلوق صفات كمال، وهي من الله، فمعطي الكمال أولى به.
      وأما الفطرة؛ فلأن النفوس السليمة مجبولة مفطورة على محبة الله وتعظيمه وعبادته، وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من علمت أنه متصف بصفات الكمال اللائقة بربوبيته وألوهيته.
      وإذا كانت الصفة نقصا لا كمال فيها فهي ممتنعة في حق الله تعالى؛ كالموت والجهل والنسيان والعمى والصمم ونحوها، أما إذا كانت الصفة كمالا في حال، ونقصا في حال لم تكن جائزة في حق الله ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، فلا تثبت له إثباتا مطلقا، ولا تنفى عنه نفيا مطلقا، بل لابد من التفصيل، فتجوز في الحال التي تكون كمالا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصا، وذلك كالمكر والكيد والخداع ونحوها، فهذه الصفات تكون كمالا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها، لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله أو أشد، وتكون نقصا في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكرها الله تعالى من صفاته على سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها كقوله تعالى: ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، وقوله: إنهم يكيدون كيدا وأكيدُ كيدا، وقوله: والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين، وقوله: إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم، وقوله: قالوا إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم.
      ولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانه فقال تعالى: وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم، والله عليم حكيم، فقال فأمكن منهم ولم يقل فخانهم؛ لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان، وهي صفة ذم مطلقا.
      القاعدة العاشرة: باب الصفات أوسع من باب الأسماء
      باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ وذلك لأن كل اسم متضمن لصفة كما سبق، ولأن من الصفات ما يتعلق بأفعال الله تعالى، وأفعاله لا منتهى لها كما أن أقواله لا منتهى لها، قال الله تعالى: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله إن الله عزيز حكيم.
      ومن أمثلة ذلك أن من صفات الله تعالى الإرادة والإتيان والنـزول إلى غير ذلك من الصفات التي لا تحصى، كما قال تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة، وجاء ربك والملك صفا صفا، وقال: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النـزول المتواتر: «ينـزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا».
      فنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد، ولا نسميه بها، فلا نقول إن من أسمائه المريد والجائي والآتي والنازل، ونحو ذلك، وإن كنا نخبر بذلك عنه ونصفه به، ـ كما تقدم بيانه في القاعدة الخامسة ـ، فبعضهم يقول مريد لبيان إثبات الصفة، وإلا فليس ذلك من أسمائه الحسنى، لأن الإرادة تتناول ما يحسن إرادته وما لا يحسن، فلم يوصف بالاسم المطلق منها، كما ليس في أسمائه الحسنى الفاعل ولا المتكلم، وإن كان فعالا مريدا متكلما بالصدق والعدل، فليس الوصف بمطلق الكلام أو مطلق الإرادة أو مطلق الفعل يقتضي مدحا أو حمدا حتى يكون ذلك متعلقا بما يحسن تعلقه به، بخلاف العليم والحكيم والرحمن والرحيم، فإن هذه كمالات في أنفسها لا تكون نقصا ولا مستلزمة لنقص البتة.
      القاعدة الحادية عشرة: صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ثبوتية وسلبية.
      صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ثبوتية وسلبية.
      فالثبوتية ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كالحياة والعلم والقدرة والاستواء على العرش، والنـزول إلى السماء الدنيا، والوجه واليدين، ونحو ذلك. فيجب إثباتها لله تعالى حقيقة على الوجه اللائق به بدليل السمع والعقل.
      أما السمع فمنه قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل، ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا، فالإيمان بالله يتضمن الإيمان بصفاته، والإيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله يتضمن الإيمان بكل ما جاء فيه من صفات الله، وكون محمد صلى الله عليه وسلم رسوله يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به عن مرسله، وهو الله عز وجل.
      وأما العقل، فلأن الله تعالى أخبر بها عن نفسه، وهو أعلم بها من غيره وأصدق قيلا وأحسن حديثا من غيره فوجب إثباتها له كما أخبر بها من غير تردد في الخبر، فإن التردد إنما يتأتى حين يكون الخبر صادرا ممن يجوز عليه الجهل أو الكذب أو العي بحيث لا يفصح عن ما يريد، وكل هذه العيوب الثلاثة ممتنعة في حق الله عز وجل فوجب قبول خبره على ما أخبر به.
      وهكذا نقول فيما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بربه وأصدقهم خبرا وأنصحهم إرادة وأفصحهم بيانا فوجب قبول ما أخبر به على ما هو عليه.
      والصفات السلبية ما نفاها الله سبحانه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلها صفات نقص في حقه، كالموت والنوم والجهل والنسيان والعجز والتعب.
      فيجب نفيها عن الله تعالى لما سبق مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل، وذلك لأن ما نفاه الله تعالى عن نفسه فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده لا لمجرد نفيه، لأن النفي ليس بشيء فضلا عن أن يكون كمالا، ولأن النفي قد يكون لعدم قابلية المحل له، فلا يكون كمالا كما لو قلت: الجدار لا يظلم. وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصا كما في قول الشاعر:
      قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
      وقول الآخر:
      لكن قومي وإن كانوا ذوي حسب ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
      مثال ذلك: قوله تعالى: وتوكل على الحي الذي لا يموت فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته.
      مثال آخر: قوله تعالى: ولا يظلم ربك أحدا نفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله.
      مثال ثالث: قوله تعالى: وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض فنفي العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته، ولهذا قال بعده: إنه كان عليما قديرا، لأن العجز سببه إما الجهل بأسباب الإيجاد، وإما قصور القدرة عنه، فلكمال علم الله تعالى وقدرته لم يكن ليعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض.
      وبهذا المثال علمنا أن الصفة السلبية قد تتضمن أكثر من كمال.

      تعليق


      • #4
        القاعدة الثانية عشرة: الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالاتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر
        الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالاتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر، ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية كما هو معلوم.
        أما الصفات السلبية فلم تذكر غالبا إلا في الأحوال التالية:
        الأولى: بيان عموم كماله كما في قوله تعالى: ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحدا، هل تعلم له سميا.
        الثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون كما في قوله: أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا.
        الثالثة: أن تكون الصفة كمالا في المخلوق، فينفيها الله عن نفسه؛ لئلا يتوهم أن الله متصف بها، فالولادة مثلا وإن كانت وصف كمال في المخلوق إلا أنه كمال مقترن بنقص، ولهذا نفاها عن نفسه فقال: لم يلد ولم يولد.
        الرابعة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين كما في قوله تعالى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين، وقوله: ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب.
        وطريقة أهل السنة والجماعة الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات كما دل على ذلك الكتاب والسنة، قال تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فأجمل في النفي وفصل في الإثبات.
        القاعدة الثالثة عشرة: الصفات الثبوتية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ذاتية وفعلية وذاتية فعلية.
        فالذاتية هي التي لم يزل ولا يزال متصفا بها، أي هي الصفات اللازمة لذاته تعالى كالحياة، والعلم والقدرة، والعلو، والوجه، واليدين، والعينين، والقدم، والساق.
        والفعلية هي كل صفة تعلقت بمشيئته وإرادته، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، وليست لازمة لذاته لا باعتبار نوعها، ولا باعتبار آحادها، ويعبر عنها بالأفعال الاختيارية، كالاستواء على العرش، والنـزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، وغيرها.
        وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين، كالكلام فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية، لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلما، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية، لأن الكلام يتعلق بمشيئته يتكلم متى شاء بما شاء كما في قوله تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.
        وكل صفة تعلقت بمشيئته تعالى فإنها تابعة لحكمته، وقد تكون الحكمة معلومة لنا، وقد نعجز عن إدراكها، لكننا نعلم علم اليقين أنه سبحانه لا يشاء شيئا إلا وهو موافق للحكمة كما يشير إليه قوله تعالى: وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما.
        القاعدة الرابعة العشرة: أسماء الله وصفاته من قبيل المتواطئ أو المشكك وليست من قبيل المشترك:
        من المعلوم أن الله سمى نفسه بأسماء، وسمى عباده بأسماء مختصة بهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، كما وصف نفسه بصفات، ووصف عباده بصفات مختصة بهم، توافق تلك الصفات إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، وليست صفات الله كصفات الخلق ولا أسماؤه كأسمائهم، فهل إطلاق هذه الأسماء على الله وعلى المخلوق من باب المشترك اللفظي، أو باب المتواطئ، أو المشكك( )؟
        فإذا قيل: الله سميع، والمخلوق سميع، فهل السميع هنا من باب المشترك؟ ونحن إذا فهمنا معنى السميع بالنسبة للمخلوق، فهل يقول قائل: إن السميع بالنسبة لله قد يكون له معنى آخر بعيدا جدا، كالبعد الذي بين آلة البصر والذهب اللذين يشتركان في إطلاق لفظ العين عليهما؟ لا شك أن هذا القول يؤدي إلى تعطيل أسماء الله وصفاته من معانيها اللائقة به تعالى.
        إذًا أسماء الله وصفاته وأسماء المخلوقين وصفاتهم لا يجوز أن يكون من باب المشترك اللفظي، بل هو من باب المتواطئ أو المشكك، لأن هناك معنى كليا يفهم من مطلق صفة السمع أو البصر أو الحياة أو الوجود، وإن كان سمع الله وبصره وحياته ووجوده، يخصه لا يشاركه فيه أحد من الخلق، كما أن سمع المخلوق وبصره وحياته ووجوده يخصه.
        وهذا الذي نقوله مذهب سائر الصفاتية كالأشعرية والكلابية والماتريدية وغيرهم.
        القاعدة الخامسة عشرة: يلزم في إثبات الصفات التخلي من محذورين عظيمين: أحدهما: التمثيل. والثاني: التكييف.
        يلزم في إثبات الصفات التخلي من محذورين عظيمين: أحدهما: التمثيل. والثاني: التكييف.
        فأما التمثيل فهو اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين، وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.
        أما السمع فمنه قوله تعالى: ليس كمثله شيء، وقوله: أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون، وقوله: هل تعلم له سميا، وقوله: ولم يكن له كفوا أحد.
        وأما العقل فمن وجوه:
        الأول: أنه قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينا في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات، لأن صفة كل موصوف تليق به كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات، فقوة البعير مثلا غير قوة الذرة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينها وبين الخالق أجلى وأقوى.
        الثاني: أن يقال كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابها في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله، وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق، فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصا.
        الثالث: أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء، ويختلف في الحقيقة والكيفية، فنشاهد أن للإنسان يدا ليست كيد الفيل، وله قوة ليست كقوة الجمل مع الاتفاق في الاسم، فهذه يد، وهذه يد، وهذه قوة وهذه قوة، وبينهما تباين في الكيفية والوصف فعلم بذلك أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه الاتفاق في الحقيقة.
        وأما التكييف فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا من غير أن يقيدها بمُمَاثِل، وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.
        أما السمع فمنه قوله تعالى: ولا يحيطون به علما، وقوله: ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا، ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا؛ لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تكييفنا قفوا لما ليس لنا به علم وقولا بما لا يمكننا الإحاطة به.
        وأما العقل فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته أو العلم بنظيره المساوي له أو بالخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله عز وجل، فوجب بطلان تكييفها.
        ثم أي كيفية تقدرها لصفات الله تعالى؟ إن أي كيفية تقدرها في ذهنك فالله أعظم وأجل من ذلك.
        وحينئذ يجب الكف عن التكييف تقديرا بالجنان وتقريرا باللسان وتحريرا بالبنان.
        القاعدة السادسة عشرة: صفات الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها
        صفات الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها، فلا نثبت لله تعالى من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته [انظر القاعدة الخامسة في الأسماء].
        ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه:
        الأول: التصريح بالصفة كالعزة والقوة والرحمة والبطش والوجه واليدين ونحوها.
        الثاني: تضمن الاسم لها، مثل: الغفور متضمن للمغفرة والسميع متضمن للسمع ونحو ذلك [انظر القاعدة الثالثة في الأسماء].
        الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها كالاستواء على العرش والنـزول إلى السماء الدنيا والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة والانتقام من المجرمين الدال عليها ـ على الترتيب قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ينـزل ربنا إلى السماء الدنيا» الحديث، وقول الله تعالى: وجاء ربك والملك صفا صفا وقوله: إنا من المجرمين منتقمون.

        تعليق


        • #5
          قواعد في أدلة الأسماء والصفات
          القاعدة السابعة عشرة: الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى وصفاته هي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا تثبت أسماء الله وصفاته بغيرهما
          الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى وصفاته هي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا تثبت أسماء الله وصفاته بغيرهما. وعلى هذا فما ورد إثباته لله تعالى من ذلك في الكتاب والسنة وجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما وجب نفيه مع إثبات كمال ضده. وما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما وجب التوقف في لفظه (كلفظ المكان والحيز والجهة والجسم وغيرها)، فلا يثبت ولا ينفى لعدم ورود الإثبات والنفي فيه، وأما معناه فيفصل فيه، فإن أريد به حق يليق بالله تعالى فهو مقبول، ولكن لا يجوز التعبير عليه إلا بالألفاظ الشرعية. وإن أريد به معنى لا يليق بالله عز وجل وجب رده.
          مثال ذلك: إذا قال القائل: إن الباري تعالى جسم. قيل له: أتريد أنه مركب من الأجزاء كالذي كان متفرقا فركب؟ أو أنه يقبل التفريق، سواء قيل: اجتمع بنفسه، أو جمعه غيره؟ أو أنه من جنس شيء من المخلوقات؟ أو أنه مركب من المادة والصورة؟ أو من الجواهر المنفردة؟ فإن قال هذا. قيل هذا باطل. وإن قال: أريد به أنه موجود أو قائم بنفسه، أو أنه موصوف بالصفات، أو أنه يرى في الآخرة، أو أنه يمكن رؤيته، أو أنه مباين للعالم، ونحو هذه المعاني الثابتة بالشرع والعقل. قيل له: هذه معان صحيحة، ولكن إطلاق هذا اللفظ على هذا بدعة في الشرع، مخالف للغة، فاللفظ إذا احتمل المعنى الحق والباطل لم يطلق، بل يجب أن يكون اللفظ مثبتا للحق نافيا للباطل.
          وإذا قال: ليس بجسم. قيل: أتريد أنه لم يركبه غيره، ولم يكن أجزاء متفرقة فركب، أو أنه لا يقبل التفريق والتجزئة كالذي ينفصل بعضه عن بعض؟ أو أنه ليس مركبا من الجواهر المنفردة، ولا من المادة والصورة، ونحو هذه المعاني أو تريد به شيئا يستلزم نفي اتصافه بالصفات بحيث لا يرى، ولا يتكلم بكلام يقوم به، ولا يباين خلقه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينـزل منه شيء، ولا تعرج إليه الملائكة ولا الرسول، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا يعلو على شيء، ولا يدنو منه شيء، ولا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين ولا محايث له، ونحو ذلك من المعاني السلبية التي لا يعقل أن يتصف بها إلا المعدوم؟ فإن قال: أردت الأول. قيل: المعنى صحيح، لكن المطلقون لهذا النفي أدخلوا فيه هذه المعاني السلبية، ويجعلون ما يوصف به من صفات الكمال الثبوتية مستلزمة لكونه جسما، فكل ما يذكر من الأمور الوجودية يقولون هذا تجسيم، ولا ينتفي ما يسمونه تجسيما إلا بالتعطيل المحض؛ ولهذا كل من نفى شيئا قال لمن أثبته: إنه مجسم، فغلاة النفاة من الجهمية والباطنية يقولون لمن أثبت له الأسماء الحسنى: إنه مجسم. ومثبتة الأسماء دون الصفات من المعتزلة ونحوهم يقولون لمن أثبت الصفات: إنه مجسم. ومثبتة الصفات دون ما يقوم به من الأفعال الاختيارية [كالأشاعرة] يقولون لمن أثبت ذلك إنه مجسم، وكذلك سائر النفاة. وكل من نفى ما أثبته الله ورسوله بناء على أن إثباته تجسيم يلزمه فيما أثبته.
          ودليل هذه القاعدة السمع والعقل: أما السمع فمنه قوله تعالى: وهذا كتاب مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون، وقوله: فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون، وقوله: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، وقوله: ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا وقوله: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا، إلى غير ذلك من النصوص الدالة على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن والسنة.
          وأما العقل فلأن تفصيل القول فيما يجب أو يمتنع أو يجوز في حق الله من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها بالعقل فوجب الرجوع فيه إلى ما جاء في الكتاب والسنة.
          القاعدة الثامنة عشرة: الواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف لا سيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها
          الواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف لا سيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها.
          ودليل ذلك السمع: فقوله تعالى: نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين، وقوله: إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون، وقوله: إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون. وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي.
          وقد ذم الله تعالى اليهود على تحريفهم، وبيّن أنهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان، فقال: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقله وهم يعلمون، وقال تعالى: من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويقولون سمعنا وعصينا الآية.
          وأما العقل؛ فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين، فوجب قبوله على ظاهره، وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة، بل لو أراد الله تعالى من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذي يفهمه المخاطب لكان كلفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه، بل بما يدل على نقيض مراده، وأراد منه فهم النفي بما يدل على غاية الإثبات، وفهم الشيء بما يدل على ضده. وهذا لا محالة يستلزم القدح إما في علم الله تعالى أو فصاحته أو بيانه ونصحه، فمع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يرد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته.
          القاعدة التاسعة عشرة: أسماء الله وصفاته من قبيل المحكم وليست من المتشابه:
          الواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف لا سيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها؛ أي أسماء الله وصفاته من قبيل المحكم وليست من المتشابه، فإن معناها واضح في لغة العرب، وأما الكنه والكيفية فهو مما استأثر الله بعلمه، وقد دل على ذلك السمع والعقل:
          أما السمع فمنه قوله تعالى: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب، وقوله تعالى: إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون، وقوله جل ذكره: وأنزلنا إليك الذكر لتبيين للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون.
          والتدبر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه ليتذكر الإنسان بما فهمه منه.
          وكون القرآن عربيا ليعقله من يفهم العربية يدل على أن معناه معلوم وإلا لما كان الفرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها.
          وبيان النبي صلى الله عليه وسلم القرآن للناس شامل لبيان لفظه وبيان معناه.
          وأما العقل؛ فلأن من المحال أن يُنـزل الله تعالى كتابا أو يتكلم رسوله صلى الله عليه وسلم بكلام يقصد بهذا الكتاب وهذا الكلام أن يكون هداية للخلق، ويبقى في أعظم الأمور وأشدها ضرورة مجهول المعنى بمنـزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم منها شيء؛ لأن ذلك سفه الذي تأباه حكمة الله تعالى، وقد قال الله تعالى عن كتابه: كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.
          هذه دلالة السمع والعقل على علمنا بمعاني نصوص الصفات.
          أما دلالتهما على جهلنا لها باعتبار الكيفية فقد سبق بيانه في القاعدة السادسة عشرة.
          القاعدة العشرون: جميع ما أخبر الله به عن نفسه في القرآن أو في السنة إنما هو عن ذاته:
          إن الخبر يكون عن اللفظ تارة، وهو قليل، ويكون عن مسماه ومعناه، وهو الأكثر، فإذا قلتَ: (زيد عندك، وعمرو قائم)، فإنما أخبرتَ عن الذات لا عن الاسم، فقوله تعالى: الله خالق كل شيء هو خبر عن ذات الله تعالى، فلا يحتاج المخبر أن يقول: خالق كل شيء بذاته، وقوله: الله ربكم، قد علم أن الخبر عن نفس ذاته، وقوله تعالى: الله أعلم حيث يجعل رسالته، وكذلك الخبر في قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى وقع عن نفس ذات الله تعالى، لا عن غيرها، فهذا خبر عن معنى لا عن لفظ؛ والمخبر عنه هو مسمى هذا الاسم العظيم، فالسامع قد أحاط علما بأن الخبر إنما هو عن ذات المخبر عنه، والمتكلم بذلك قد علمه أيضا، فلم يحتج أن يقول: إنه بذاته فعل وخلق واستوى، فإن الخبر عن مسمى اسمه وذاته، هذا حقيقة الكلام، ولا ينصرف إلى غير ذلك إلا بقرينة ظاهرة تزيل اللبس وتعيّن المراد، وكذلك جميع ما أخبر الله به عن نفسه إنما هو عن ذاته، لا يجوز أن يخص من ذلك إخبار واحد البتة.
          القاعدة الواحدة والعشرون: ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق وما يضاف إليه الكلام
          ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق وما يضاف إليه الكلام، فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق ومعنى آخر في سياق، وتركيب الكلام يفيد معنى على وجه ومعنى آخر على وجه.
          فلفظ (القرية) مثلا يراد به القوم تارة ومساكن القوم تارة أخرى. فمن الأول قوله تعالى: وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا، ومن الثاني قوله تعالى عن الملائكة ضيف إبراهيم: إنا مهلكو أهل هذه القرية.
          وتقول: صنعتُ هذا بيدي، فلا تكون اليد كاليد في قوله تعالى: لما خلقتُ بيدي؛ لأن اليد في المثال أضيفت إلى المخلوق فتكون مناسبة له، وفي الآية أضيفت إلى الخالق فتكون لائقة به، فلا أحد سليم الفطرة صريح العقل يعتقد أن يد الخالق كيد المخلوق أو بالعكس.
          وتقول: (ما عندك إلا زيد)، و(ما زيد إلا عندك)، فتفيد الجملة الثانية معنى غير ما تفيده الأولى مع اتحاد الكلمات، لكن اختلف التركيب فتغير المعنى به.
          إذا تقرر هذا، قلنا: إن أهل السنة والجماعة جعلوا الظاهر المتبادر من نصوص الصفات حقا يليق بالله تعالى، وأبقوا دلالتها على ذلك، ما لم يقم دليل متصل أو منفصل من الكتاب والسنة على نفي الظاهر، وقد تضافرت أقوال السلف على ذلك.
          هذا آخر ما كنت أريد أن أسطره، فأسأل الله أن ينفع به من شاء من خلقه، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وصلّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
          والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ( أخوكم أبو سارة )

          تعليق

          تشغيل...
          X