اعلان

Collapse
No announcement yet.

الفقه السياسي ضرورة شرعية لتحقيق النصر ودرء الفتن

Collapse
X
  • تصنيف
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts

  • الفقه السياسي ضرورة شرعية لتحقيق النصر ودرء الفتن

    الفقه السياسي ضرورة شرعية لتحقيق النصر ودرء الفتن



    المقدمة:



    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
    يا أيُّها الذينَ آمنوا اتَّقواْ الله حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَموتُنَّ إلاَّ وأنتُم مُّسلِمونَ [آل عمران:102]. يا أيُّها النَّاسُ اتَّقواْ ربَّكُم الذي خَلَقَكُم من نَفسٍ واحِدةِ وخَلَقَ مِنها زَوجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالاً كَثيراً ونِساءً واتَّقواْ اللهَ الذي تَساءَلونَ بهِ والأرْحامَ إنَّ اللهَ كانَ عَليكُم رَقيباً [النساء:1]. يا أيُّها الذينَ آمنوا اتَّقوا اللهَ وقُولوا قَولاً سَديداً * يُصلِح لَكُم أعمالَكُم ويَغْفِر لَكُم ذُنوبَكَم ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقد فَازَ فَوزاً عَظيماً [الأحزاب:70-71].


    أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسنَ الهدي هدي محمد ×، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار.

    ثم إن العلوم الشرعية ضرورة لازمة لنجاة العباد في الدنيا والآخرة، وشرف العلم بشرف المعلوم، وأشرف العلوم وأسماها على الإطلاق بالنسبة للفرد، علم التوحيد بأقسامه الثلاثة (الألوهية، الربوبية، والأسماء والصفات)، ثم تتفاوت درجات العلوم بقدر تفاوتها في حفظ مقاصد الشريعة الإسلامية، وإن من أسمى مقاصدها، حفظَ الضروريات لقيام الحياة الإنسانيـة، وأهمها: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
    فمن العلوم ما يكون مقصده حفظَ الدين، كتعلم ما هو معلوم من الدين بالضرورة من علوم التوحيد وبعض علوم الفقه، والعمل بأحكام الدين والحكم به والدعوة إليه والجهاد لأجله ورد الشبهات والبدع عنه. ومن العلوم ما يكون ضرورياً لحفظ النفس، كتحريم الاعتداء على الأنفس، والقصاص، وسد الذرائع المؤدية للقتل. ومنها ما هو ضروري لحفظ المال، كالحث على التكسب، وتحريم الاعتداء عليه، وتحريم إضاعته، وتعلم ما شرع من الحدود لحفظه، وتوثيق الديون والإشهاد عليها. ومنها ما هو ضروري لحفظ النسل، كأحكام النكاح، ومنها ما هو ضروري لحفظ العقل، كتحريم مفسدات العقل الحسية والمعنوية، ووجوب الحد على شارب الخمر.

    أما أعظم العلوم بالنسبة للجماعة - مع عظم علم التوحيد وأهميته للفرد والمجتمع - فهو ذلك العلم الذي يَحْفَظُ لها هذه الضرورات كلها، الدين ومنه التوحيد، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وقد اتفق العلماء على حقيقة هذا العلم، واختلفوا في تسميته، فالماوردي الشافعي سمّاه: ((الأحكام السلطانية))، وإمام الحرمين الجويني سماه: ((غياث الأمم))، وابن جماعة سماه: (تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام) وابن تيمية سماه: ((السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية)) وغيرهم.

    فكلٌّ مِن تسمية ابن تيمية هذه، والتي قبلها، و((غياث الأمم))، تدل على ما ذهبْتُ إليه من أن هذا العلم من أهم العلوم بالنسبة للجماعة، لأن الجهل به يؤدي إلى التصرف مع الآخرين بحماقة تضيع هذه الضرورات، أو بعضا منها.


    وممن كتب في هذا العلم الذي يَحْفظ للمجتمع هذه الضرورات كلها، من المعاصرين، الدكتور يوسف القرضاوي، سماه: ((السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها))، والدكتور خالد الفهد، سماه: ((الفقه السياسي الإسلامي))، والدكتور خالد العنبري، سماه: ((فقه السياسة الشرعية في ضوء القرآن والسنة وأقوال سلف الأمة))، وغيرهم مما يدل على أهمية هذا العلم بالنسبة للجماعة.

    وعليه فإن إسقاط هذا النوع من الفقه السياسي من الأمة، سواء كان ذلك بسبب إنكاره، أو بعدم تفعيله وتطبيقه، أو بفهمه خلاف الواقع، يترتب عليه مخاطر لا حصر لها تصيب من الأمة الإسلامية مَقَاِتلَ. وها نحن جميعا شيباً وشباباً، ذكوراً وإناثاً، صغاراً وكباراً، ندفع الثمن غالياً جراء تلك السياسة الدخيلة على الإسلام، التي جَرَتْ على ألسنة بعضِ الشباب المعاصرين، حين ألقَوْا بهذا الفقه من خلف أظهرهم، وتجردوا منه، بل ذهب بعض سفهاء الأحلام، حدثاء الأسنان منهم، إلى التصريح بإنكاره، والإنكار على العلماء الكبار العاملين به، بل طعنوا فيهم وفي علمهم، فخلا الجو لهم ـ حسب زعمهم ـ ليتصدروا الفتوى بلا علم في الشريعة، وبجهل في الواقع، فضلوا وأضلوا.

    وقد نقل لنا ابن القيم مؤيداً لما جرى بين شافعي وابن عقيل في تفسير قول الشافعي: ((لا سياسة إلا ما وافق الشرع)).


    فقال له ابن عقيل: ((السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ×، ولا نزل به وحي. فإن أردت بقولك: إلا ما وافق الشرع، أي: لم يخالف ما نطق به الشرع، فصحيح. وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فَغَلَطٌ وتغليط للصحابة. فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن، ولو لم يكن إلا تحريق عثمان المصاحف فإنه كان رأياً اعتمدوا فيه مصلحة الأمة، وتحريق علي  الزنادقة في الأخاديد، وقال:


    لما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبراً) ((1) ((الطرق الحكمية))، (ص 17-18).
    انتهى)).


    لذا فإنه من الواجب على فريق من العلماء العاملين، أن يولوا هذا العلم في هذا الزمان أولوية خاصة، وبأسرع ما يمكن لوقف نزيف الدم، والدمار الشامل المحدق بالأمة الإسلامية. كما وعلى شباب الصحوة أن يتعلموه جنباً إلى جنب، مع علوم التوحيد، والفقه وأصولــه، والقرآن وعلومـه، وعلوم اللغـة، ولا يرغبوا عنه بحجج لا يستقيم أمرهــا، ولا تقف أمام واجب التفقه في الواقع المطلوب مـن كل فرد بحسبه.

    وعليهم كذلك أن يعلموا عن أي الجهات يأخذونه ويتعلمونه، وعليهم أن لا يسلموا قيادتهم الفكرية لمفاهيم ونظرات حزب التحرير السياسية، المتأثرة بنظرية ماركس للتفسير المادي للتاريخ، ولا لمن أعجب بفكره، أو تأثر به، فإنها الطامّة الكبرى والهلاك بعينه. بل أصبحت هذه المفاهيم والنظرات السياسية التحريرية هي الحاكمة على تفكير كثير من الشباب والشياب والذكور والإناث دون شعور منهم، فخرج جل جهدهم وجهادهم عن المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، وتراهم بعد حين من بذل الجهود والطاقات، خاصة حدثاء الأسنان منهم ، يقومون بمراجعات فكرية لتصحيح الأفكار والاستغفار عن الأخطاء والأخطار.


    لذا فإن التقليل من شأن هذا العلم، أو فهمه على خلاف الواقع، يضعنا أمام مواجهة غير متكافئة مع ألد خصومنا وأعدائنا، الذين يتربصون بديننا وبالضرورات الأربع الأخرى وبغيرها الدوائر، مما يعرضنا إلى سخط الله تعالى، بل قد يدفع بنا الأمر إلى أن نكون من الأخسرين أعمالاً، مع اعتقادنا بأننا نحسن صنعاً، كما حصل لنا في بعض ديار المسلمين، ولا يزال الأمر مرشحاً للتكرار.


    ولكي نفقه واقعنا السياسي المعاصر، لا بد من توفر أمرين اثنين:

    • العمل بأحكام الشريعة الإسلامية، أولها علوم العقيدة، فأركان الإسلام الخمسة، والقيم الأخلاقية لتزكية النفس، كالعدل والصدق والأمانة والعفاف والرحمة، وغيرها.
    • معرفة الواقع معرفة صحيحة، بعيدة عن التضليل والخداع.

    لذا فإن هذه الدراسة اكتفت ببيان بعض الموضوعات ذات العلاقة بفقه السياسة الشرعية، وتَركَتْ للقارىء الرجوع إلى مَظانّ هذا العلم لاستدراكه لمن قصّر في الإحاطة به.



    يتبع باذن الله....

  • #2
    الرد: الفقه السياسي ضرورة شرعية لتحقيق النصر ودرء الفتن

    تعريفات أصولية


    تعريف قواعد الفقه السياسي



    القاعدة لغةً: هي الأساس. واصطلاحاً: حكم كلي ينطبق على جميع جزئياته أو أكثرها، لتُِعرَفَ أحكامها منه.

    القاعدة الفقهية: هي المبادىء العامة في الفقه الإسلامي التي تتضمن أحكاماً شرعية عامة تنطبق على الوقائع والحوادث التي تدخل تحت موضوعها([1]).


    ومن الأمثلة على القواعد الفقهية:
    ((الأصل في الكلام الحقيقة)). ((الأمور بمقاصدها)). ((اليقين لا يزول بالشك)). ((لا اجتهاد في مورد النص)). ((الأصل براءة الذمة)). ((المشقة تجلب التيسير)). ((الضرورات تبيح المحظورات)). ((الضرورة تقدر بقدرها)). ((لا ضرر ولا ضرار)). ((درء المفاسد أولى من جلب المصالح))، وغيرها.
    فالقواعد العامة وُضِعَتْ لتحقيق المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية, ونحن لن نتوسع في مباحث الفقه السياسي، في هذا البحث، ولكن أردنا إلقاء الضوء على أهمية هذه القواعد الفقهية في مجال السياسة الشرعية، أو ما يسميه البعض الفقه السياسي، فإن لهذه القواعد مصادرها الخاصة، فقد كُتب الكثير في هذا الباب قديماً وحديثاً([2]).


    الفقه السياسي:
    ((هو مجموعة الأحكام الشرعية التي تتناول الأحكام السياسية، كالحكم، وإدارة الدولة، والعلاقات الخارجية. وهذه الأحكام مستنبطة من مصادر الفقه الإسلامي، بالإضافة إلى الأعراف والتقاليد التي درجت عليها الدولة الإسلامية بما لا يتنافى والمبادىء الإسلامية)).([3])
    ويعرفه الأستاذ عبدالوهاب خلاّف بقوله:
    ((إن علم السياسة الشرعية يُبحث فيه عَمّا تُدَبّر فيه شؤون الدول الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق وأصول الإسلام، وإن لم يقم على كل تدبر دليل خاص))([4]).

    العمل السياسي:
    ((مجمل النشاطات والمواقف والآراء السياسية التي يتبناها الأفراد، أو الجماعات تجاه الدولة، أو الحكم))([5]).

    مدى الحاجة لقواعد الفقه السياسي:

    يتبع باذن الله...

    (1) ((المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية))، د. عبدالكريم زيدان، (ص90).

    (2) من هذه المراجع: ((الاشباه والنظائر))، للسيوطي، ((الفروق))، للقرافي، ((إعلام الموقعين))، لابن القيم، و((الاعتصام))، للشاطبي، وغيرها.

    (3) ((الفقه السياسي الإسلامي))، د. خالد الفهداوي، (ص: 78)، الطبعة الأولى، (2003).

    (4) ((السياسة الشرعية ونظام الدولة))، (ص21)، المطبعة السلفية، القاهرة، 1350هـ. عن كتاب ((الفقه السياسي الإسلامي))، د. خالد الفهداوي، (ص78).

    (5) المرجع السابق، (ص78).

    تعليق


    • #3
      الرد: الفقه السياسي ضرورة شرعية لتحقيق النصر ودرء الفتن

      مدى الحاجة لقواعد الفقه السياسي:

      لا شك أن الكتاب والسنة هما رأس مصادر التشريع الإسلامي، ولا شك كذلك في ضرورة توفر الضوابط والأصول العامة لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وهذه القواعد والأصول قد بسطت فيما يعرف بكتب أصول الفقه الإسلامي. وعلى طالب العلم أن يرجع إليها في مظانها ليستقيم أمر الفقه لديه، ومنه فقه السياسة الشرعية الذي نحن بصدد دراسة بعض مباحثه وفقهه المعاصر.
      ((فقواعد الفقه السياسي الإسلامي مرتبطة ارتباطاَ وثيقاّ بتحقيق مقاصد الشريعة وأهدافها العامة. والمصالح المرسلة تدخل ـ ضمناَ ـ في مصادر تلقي الأحكام الشرعية المنضبطة بقواعد كلية))([1]).
      ولبيان خطر التفريط بهذا الفقه، أو فهمه بخلاف الواقع، نضرب لذلك مثالاً نظرياً وآخر واقعياً:

      المثال النظري على أهمية الفقه السياسي:

      لو فرضنا وجود عدوين للمسلمين، الأول (س)، والثاني (ص)، وكان العدو (س) أشد عداءً للإسلام وللمسلمين، من العدو (ص) بعشرة أضعاف. ولكن لو استطاعت جهة مّا لظرف من الظروف، أن تُغيّر هذه الحقيقة لدينا، فأصبحنا ننظر إلى العدو الثانوي (ص) على أنه العدو الأكبر والأخطر علينا من العدو (س) أضعافا كثيرة. ماذا سيترتب على ذلك؟
      لا شك أننا سنوجه جميع طاقاتنا لمحاربة العدو الوهمي أو الثانوي (ص)، ونترك العدو الحقيقي الأكبر يفتك بنا، ولن نشعر ونحن نتجاهل الخطر الأكبر بأننا مُضَلّلون أو مخدوعون أبداً. لأننا نعتقد بصحة تصوراتنا وفهمنا للواقع، ولا نحسب أننا على غير هدىً البتة. ولك أن تتصور ما سيحل بالأمة الإسلامية إذا استمرت على هذه الحالة من التضليل السياسي الذي قلب الحقيقة واستنزف الطاقة.
      هذه نتيجة تصوراتنا الخطأ في تصنيف الأعداء، فكيف إذا ازداد الأمر بنا سوءا، فأصبحنا نرى المعروف منكرا والمنكر معروفاً كما هو حاصل معنا هذه الأيام؟
      ومن أمثلة هذه الحالة التي نرى فيها المعروف منكرا والمنكر معروفاً، ما أخبر عنه النبي × في زمن السنوات الخداعة، التي يُصَدّق فيها الكاذب ويُكَذّب الصادق، ويُخَوّنُ فيها الأمين ويُؤتمن الخائن. وهذه المظاهر الخداعة إنما نتجت عن الجهل في فقه الواقع السياسي، وقيام جهات مشبوهة بعكسه لدى المسلمين، فتنبه.

      المثال الواقعي على أهمية الفقه السياسي:

      وهذا مثال واقعي قديم دلّ على وقوع المسلمين في حبائل التضليل السياسي، حين رأوا المعروف منكرا والمنكر معروفاً، فصدقوا الكَذَبَة، وكذّبوا الصادقين، وأتمنوا الخونة، وخونوا الأمناء.
      كان هذا المثال في القرن الرابع من الهجرة في زمن الخلافة العباسية. فبعد أن وطدت الدولة الفاطمية العبيدية الشيعية أركانها في بلاد المغرب العربي، ((بعث عبيدالله المهدي أول خلفائهم جيوشه لافتتاح مصر، أكثر من مرة. وعلى الرغم من استيلائها سنة (302هـ-914م)، على بعض المدن المصرية كبرقة والاسكندرية والفيوم، إلا أنها ارتدت على أعقابها أمام المقاومة المصرية وجند الخلافة العباسية))([2]) في عهد الدولة الإخشيدية. وفي سنة (332هـ-944م) أعادت الجيوش الفاطمية الاستيلاء على الاسكندرية، ولكنها رُدّتْ مرة أخرى.
      [((وبعد هذا الفشل المتكرر الذي منيت به القوة العسكرية الفاطمية، أمام المقاومة المصرية وجند الخلافة العباسية، اعتمد المعز الفاطمي لإسقاط مصر على أسلوب الدعاية التحريضية من خلال ((دعاة يبثون دعوته خفية، ويبشرون بالفتح الفاطمي))([3]).
      واستمرت هذه الدعوات المشبوهة لعدة عقود في جو مشحون بالخلافات والفوضى والاضطراب في أواخر حكم الدولة الإخشيدية في مصر، فأخذ الشعب المصري ينقم على ولاة أمره، حتى وصلت المعارضة للخلافة العباسية إلى ذوي الشأن من الزعماء والجند، فقد كان فريق من أولئك الجند هم الذين دعوا الفاطميين إلى غزو مصر. وازداد سخط الشعب المصري على ولاة أمره، بعد أن تولى حكم مصر أسود خصي، اسمه (كافور).
      وكانت الدولة الفاطمية تجلب إليها الأنظار بقوتها وغناها، فأصبح سواد الشعب المصري يؤثر الانضواء تحت لواء دولة قوية فتية، (الدولة الفاطمية)، على الاستمرار في معاناة هذه الفوضى السياسية والاجتماعيةالتي سادت بلاد مصر. وهكذا ألفى الفاطميون حين مقدمهم إلى مصر، جواً ممهداً يبشر بتحقيق الفتح المنشود على خير الوجوه))] ([4]) أهـ. فتم لهم السيطرة على بلاد مصر في منتصف شعبان سنة 358هـ.
      فإذا علمت أن نسب الفاطميين الشيعة يعود على الأرجح إلى اليهود([5])، وليس إلى المجوس، أدركت مدى درجة الغثائية التي كانت تتسم بها الشعوب الغافلة المسلمة في بلاد مصر، حيث استطاعت الجاسوسية اليهودية أن تنفث سمومها في عقولهم، مستخدمة شتى أنواع الدعاية المغرضة، فجعلتهم ينظرون إلى الدولة الفاطمية بروح الإعجاب، فصدقوا الكَذَبَة، وائتمنوا الخونة. وكذّبوا الصادقين، وخونوا الأمناء ولاة الأمر في دولة الخلافة العباسية، بل تآمروا عليها وعلى ولاة أمورهم، وانضموا إلى السياسة اليهودية لإسقاطها، بل رحبوا بها وفرحوا بنصر الكَذَبَة الخَوَنَة عليها، فماذا كانت نتيجة عدم الوعي، والتضليل السياسي الذي أصيبوا به؟
      كانت النتيجة الدمار الشامل الذي أصاب الضرورات الخمس للحياة الإنسانية، فقد عطل الفاطميون الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء، وسبّوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادّعوا الربوبية. وصادروا الأملاك (التأميم)([6]).
      فلما علم الناس حقيقـة أمرهم ضاقوا بهم ذرعـاً، وسبّوهـم ولعنوهم، حتى أصدر فيهم علمـاء العصر فتـوى تحذر منهم ومن شرهم وتبين لهم حقيقة أمرهم، وما كـان لهؤلا العلماء ولا لغيرهم من العامــة، أن يخدعوا بهذه الدعـوة الباطنيــة الكاذبـة ابتداءً، لو أنهم درسـوا عقائدهـا ومذهبها، ولما رحبــوا بهذه الدولـة الباطنيـة فــي بلادهم.
      وهذا هو حكم علماء العصر فيهم، بعد أربع وأربعين سنة من احتلالهم لبلاد مصر، ينقله لنا ابن تغري بردي فيقول:
      ((السنة السادسة عشرة من ولاية الحاكم منصور على مصر: وهي سنة اثنتين وأربعمائة، فيها في شهر ربيع الآخر كتب الخليفة القادر العباسي محضراً في معنى الخلفاء المصريين والقدح في أنسابهم وعقائدهم وقرئت النسخ ببغداد، وأخذت فيها خطوط القضاة والأئمة والأشراف بما عندهم من العلم بمعرفة نسب الديصانية، قالوا: وهم منسوبون إلى ديصان بن سعيد الخرمي إخوان الكافرين ونطف الشياطين شهادة يتقربون بها إلى الله ومعتقدين ما أوجب الله على العلماء أن ينشروه للناس فشهدوا جميعاً أن الناجم بمصر وهو منصور بن نزار الملقب بالحاكم، حكم الله عليه بالبوار والخزي والنكال: ابن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد، لا أسعده الله. فإنه لما صار إلى المغرب تسمى بعبيد الله وتلقب بالمهدي هو ومن تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس، عليه وعليهم اللعنة، أدعياء، خوارج، لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب، وأن ذلك باطل، وزور، وأنهم لا يعلمون أن أحداً من الطالبيين توقف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج أنهم أدعياء. وقد كان هذا الإنكار شائعاً بالحرمين في أول أمرهم بالمغرب، منتشراً انتشاراً يمنع من أن يدلس على أحد كذبهم، أو يذهب وهم إلى تصديقهم، وأن هذا الناجم بمصر هو وسلفه، كفار وفساق فجار زنادقة ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون، قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية.
      وكتب خلق كثير في المحضر المذكور الذي حرر في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة منهم:
      الشريف الرضي، والمرتضى أخوه، وابن الأزرق الموسوي، ومحمد بن محمد بن عمر بن أبي يعلى العلويون، والقاضي أبو محمد عبد الله بن الأكفاني، والقاضي أبو القاسم الجزري، والإمام أبو حامد الإسفرايني، والفقيه أبو محمد الكشفلي، والفقيه أبو الحسين القدوري الحنفي، والفقيه أبو علي بن حمكان، وأبو القاسم التنوخي، والقاضي أبو عبد الله الصيمري. انتهى أمر المحضر باختصار. فلما بلغ الحاكم قامت قيامته وهان في أعين الناس لكتابة هؤلاء العلماء الأعلام في المحضر([7]).
      وفي ترجمة ابن الشواء، أورد كمال الدين عمر بن أبي جرادة أنشودة له، يصف فيها تمكن اليهود في عصره:
      يهود هذا الزمــان قد بلغوا

      غاية آمالهم وقــد ملـكوا
      العز فيهم والمـــال عندهم

      ومنهم المستشــار والملك
      يا أهل مصر قد نصحت لكم

      تهودوا قد تهود الفلك))([8])
      وقد صور لنا الأستاذ محمد عبدالله عنان، مشهد انتقام شعب مصر وجيشه الساخط من الدولة الفاطمية التي خُدِعوا بها، والتي طالما لعبت في عقولهم، وعاثت في أرضهم الفساد، وحكمتهم بالحديد والنار، في صفحة (209-210) من كتابه: ((الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية)). فكانت نهاية دولتهم في سنة (411)هـ.
      هذه إحدى التجارب المرّة التي لدغنا منها، ولم تكن هي الأولى أبداً، وليست الأخيرة قطعاً، فلا زلنا نلدغ من نفس الجحر اليهودي بأساليبه المتطورة مع الزمن بصور وأشكال متعددة، وحقيقته واحدة.

      الأسس الضرورية لفقه واقعنا السياسي:
      يتبع بإذن الله...

      (1) المرجع السابق، (78).

      (2) ((الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية))، لمحمد عبد الله عنان، (ص 18-22)، ط/3، 1983. بتصرف.

      (3) المصدر السابق، (ص29).

      (4) المصدر السابق، (ص1-29)، بتصرف. وقد اعتمد المؤلف على العديد من المراجع التاريخية، منها: كتاب: ((الخطط)) للمقريزي، (2/126-127). وكتاب: ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان في ترجمة القائد جوهر، (1/148). وانظر (3/440). وكتاب: ((اتعاظ الحنفاء)) (ص146-147).

      (5) كتاب: (( النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة)) ابن تغري بردي، _4/75-76). وكتاب: ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان، (3/82). وكتاب: ((معجم البلدان)) لياقوت الحموي، (5/230-231). وكتاب: ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي، (15/141- 142).

      (6) مصادرة الأملاك ذكرت في كتاب: (( الخطط أو المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار)) للمقريزي، (3/23). وكتاب: ((تاريخ يحي الانطاكي))، (ص206).

      (7) ((النجوم الزاهرة)) (4/ 229-231).

      (8) ((بغية الطلب في تاريخ حلب))، (2/696- 697)،ط/، 1988

      تعليق


      • #4
        الرد: الفقه السياسي ضرورة شرعية لتحقيق النصر ودرء الفتن

        الأسس الضرورية لفقه واقعنا السياسي:


        ينبثق الفقه السياسي أساساً من العقيدة الإسلامية، ومعززاً بالشعائر التعبدية، ومؤيداً بالقيم والأخلاق النبيلة. وهو يقوم على مجموعة من الأسس الضرورية لجلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، وهذه الأسس يعتمد بعضها على بعض وهي:

        أولا ً: فقه الواقـــع
        ثانياً: فقه الموازنات
        ثالثاً: فقه الأولويات
        رابعاً: فقه التغيير


        أولاً: فقه الواقع

        تعريفات:
        الفقه لغة:
        مطلق الفهم. )قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ([هود:91]، أي: لا نفهم كثيراً مما تقول، ومن دعاء الرسول × لابن عباس t: ((اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل))([1]). أي: فهمه معناه.
        الواقع:
        هو مجموعة الحقائق والسنن الكونية، ومنها الفطرة الإنسانية، وكلها محكمة، أي: لا تتبدل ولا تتحول. يضاف إلى الواقع كذلك كل ما يحدث من حوادث.
        فقه الواقع:
        هو فهم ومعرفة الحقائق والسنن الكونية، والفطر الإنسانية، معرفة يقينية. لتساهم في مواكبة الواقع المعاصر ومعايشته على أكمل وجه، إذ أن الشريعة الإسلامية دعت إلى التفاعل مع السنن الكونية للإفادة منها، والحذر من مخاطرها، ضمن الثوابت، والأصول التي لا يعذر المسلم بالخروج عنها.
        أهمية فقه الواقع:
        الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، بل هو المتفرد بالخلق دون غيره، ولا يسأل عما يفعل، فقد شــاءت الله تعالى أن يخلق هذا الكون بما فيه من أرض وسماوات وما بث فيهما من دابة، قال تعــالى: )وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ([الشورى:29]. وقال تعالى:)إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ([الأعراف:54]. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ): فيه مسألتان: الأولى: صدق الله في خبره فله الخلق وله الأمر خلقهم وأمرهم بما أحب.
        وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) أي:له الملك والتصرف.
        فالخلق: هو الكون بما فيه من جمادات وأحياء، وهو نتيجة لأمر الله تعالى بأن يكون، فكان. كما في قوله تعالى: )إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ([النحل:40]. وفقه هذا النوع يسمى: (فقه الواقع) الكوني.
        والأمر على عدة أحوال:
        · أمر الله تعالى وكلمته التي بها خلق الجمادات والأحياء، كما في قوله تعالى: )إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ([النحل:40]. )إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ([يس:82]. وهذا النوع من الأمر المتعلق بإيجاد المخلوقات، يسمى كذلك بـ (فقه الواقع) الكوني.
        · أمر الله تعالى لتدبير الكون بما فيه من جمادات وأحياء: )إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ([يونس:3]. )فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ([الروم:30]. وهذا الأمر هو السنن الكونية التي فطر الله تعالى الجمادات والأحياء عليها. كدوران الأرض حول الشمس، وإنزال الغيث، وتوسع الكون في الجمادات. وكغريزة التكاثر، والمأكل والمشرب، والنوم، والصحة والمرض، والتدين في الأحياء من البشر وأمثالهم. وهذا النوع يسمى كذلك بـ (فقه الواقع) الكوني.
        · أمر الله تعالى الأحياء، ومنهم الإنس والجن بطاعته وعبادته: )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ([الذاريات:56]. )مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة:117]. )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ([البقرة:21]. وهذا الأمر، هو الأمر الشرعي، الذي تعبد الله به عباده، فأرسل لغايته الرسل ، وأنزل الشرائع والكتب, وهو ما يسمى بـ (فقه الشرع).

        إذن هما سُنّتان حاكمتان:

        السنة الكونية (فقه الواقع) المتعلق بما نتج عن أمر الله من إيجاد الخلق ابتداءً، ثم تدبير شؤونهم ومعاشهم، وما يحدث لهم من حوادث.

        السنة الشرعية (فقه الشرع) المتعلق بأمر الله لعباده بالطاعة والعبادة، وهي أوامره المتعلقة بالفعل والترك. فلكي يحيى الإنسان الحياة الطيبة عليه أن يعلم هاتين السنتين، ثم يعمل بمقتضاهما. ومن فرط في معرفة أحداهما أو تجاهلها أو ظن في نفسه معرفتها فقد ضل سواء السبيل، ومن ضل سواء السبيل انقلبت حياته: من نعمة إلى نقمة، ومن أمن إلى خوف، ومن سعة في الرزق إلى جوع وفقر، ومن خير إلى شر.
        قال تعالى: )وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى([طه:124]. وهذا الأمر مبين في قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا([الأحزاب:70-71]. فالقول السديد (الصادق) بحاجة إلى سداد في معرفة الواقع، ولكي نحصل على الثمرات الواردة في الآية الكريمة، لا بد من اجتماع أمرين اثنين:

        · معرفة الخلق والأمر، أي: الواقع والشرع.
        · التقوى التي هي مقتضى تلك المعرفة.

        وهاتان السنتان الحاكمتان (الخلق والأمر) مهمتان ومطلوبتان لإصدار الأحكام ومن ثم الأعمال، وخاصة لأهل العلم المفتين والقضاة والرعاة الحاكمين.
        قال ابن القيم تحت عنوان:((تمكن الحاكم والمفتي بنوعين من الفهم)):
        ((ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:إحداهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً.
        والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه، أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر. فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجراً. فالعالم: من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه. وكما توصل سليمان صلى الله عليه وسلم بقوله: ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما، إلى معرفة عين الأم..))([2]) أهـ.
        ولهذا قال رسول الله ×: ((القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به. ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار. ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار))([3]).
        ويقول (ابن القيم) محمد بن أيوب الزرعي، محذرا من تبعات التقصير في معرفة الواقع والشريعة:
        ((...هذا موضع مزلة أقدام، وهو مقام ضنك ومعترك صعب. فَرّط فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرؤوا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بها مصالح العباد، وسدوا على نفوسهم طرقاً عديدة من طرق معرفة الحق من الباطل، بل عطلوها مع علمهم قطعاً وعلم غيرهم بأنها أدلة حق ظناً منهم منافاتها لقواعد الشرع.والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر. فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة، أحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها أمر العالم، فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث ما أحدثوه من أوضاع سياستهم، شر طويل وفساد عريض، وتفاقم الأمر وتعذر استدراكه.
        وأفرطت طائفة أخرى فسوغت منه ما ينافى حكم الله ورسوله، وكلا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي به قامت السماوات والأرض، فإذا ظهرت أمارات العدل وتبين وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وعلاماته في شيء، ونفي غيرها من الطرق التي هي مثلها أو أقوى منها، بل بين ما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط، فهي من الدين، لا يقال إنها مخالفة له، فلا تقول: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع بل موافقة لما جاء به بل هي جزء من أجزائه. ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحكم وإنما هي شرع حق))([4]).

        مصادر معرفة الواقع:

        يتبع بإذن الله...

        ________________
        المراجع:

        (1) متفق عليه.
        (2) ((إعلام الموقعين)) (1/87- 88).
        (3) رواه أبو داود، وابن ماجة والترمذي وصححه الشيخ الألباني.
        (4) ((بدائع الفوائد)) (3/674-676)، ط/1، مكة المكرمة، دار الباز للنشر.

        تعليق


        • #5
          الرد: الفقه السياسي ضرورة شرعية لتحقيق النصر ودرء الفتن

          مصادر معرفة الواقع:

          بما أن فقه الواقع معتبر لصحة الاعتقاد والتصورات وما يترتب على ذلك من صدق في الأقوال وصواب في الأعمال. فمن الواجب أخذ هذا الفقه من مصادره الصادقة المعتبرة، وأول هذه المصادر صدقاً الوحي بشقيه القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة النبوية الصحيحة، وهما منهج للحياة البشرية الكريمة الصالحة، سواء كان ذلك من جهة علاقة العبد بخالقه، أم علاقة العبد بالعبد، أم علاقته بالكون، وعلى الرغم من ذلك فقد ترك الوحي أموراً من الواقع، وخاصة فيما يتعلق بعلاقة العبد بالعبد أو علاقته بالكون لتقدير الناس للوصول إلى معرفة حقائقها. فقد أكد القرآن على ضرورة التحري عن أخبار الفساق قبل ردها أو الأخذ بها، قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ([الحجرات:6].
          وهذا التحري له طرقه ومصادره وأساليبه، وهو متطور مع الزمن لتطور أساليب الدجل والعمل الجاسوسي المنظم، فَتَرَكَ أمره للناس ولأفهامهم.
          وفي علاقة العبد بالكون، فقد أرشدنا الله تعالى إلى أدب آخر في التعامل مع الوحي كما في قوله تعالى: )يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ([البقرة:189].
          فقد جاء قوم وسألوا الرسول × عن الأهلّة، فأجابهم الوحي بعلاقتها بالمواقيت والحج فقط، ثم ردّ عليهم قصدهم الذي أرادوا منه معرفة ما وراء ذلك، كطبيعة القمر وخصائصه ومكوناته من خلال الوحي، فقال:)وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا(، بل أمرهم لمعرفة حقيقة القمر الكونية بأن يأتوا البيوت من أبوابها، أي: أهل العلم المتخصصين، قال تعالى: )وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا(،لأن القرآن الكريم لم يتطرق إلى بيان كل الحقائق العلمية والسنن الكونية عن الكون إن كان فيه ما يدل على ذلك، ولو قصد ذلك لاحتاج الأمر إلى أضعاف أضعاف عدد آيات القرآن الكريم، فَرَدّ أمر معرفة ذلك إلى أهل والعلم والاختصاص: )وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا(. ولذا قال تعالى: )سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ([فصلت:53]. أي بالعلم بالبحث والتنقيب.
          وقد يحتج بعضهم، بقوله تعالى: )مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ([الأنعام:38]. لفهم الواقع كله من خلال الوحي: القرآن والسنة فقط. وهذه الآية لا تدل على مرادهم، فالمقصود بالكتاب: هو أم الكتاب، أو اللوح المحفوظ. قال الطبري في تفسيرها بسنده عن ابن عباس: ((ما تركنا شيئاً إلا قد كتبناه في أم الكتاب)). وقال القرطبي: ((أي في اللوح المحفوظ)). ومما يدل على صحة هذا التأويل قول الرسول ×:((إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: ما أكتب قال: اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد))([1]) .
          ومن الأدلة على أن معرفة العبد لواقع هذا الكون، ليست محصورة بالوحي فقط، قول رسول الله ×:((أنتم أعلم بأمر دنياكم))([2]).
          ونص الحديث بتمامه:
          ((أن النبي × مرّ بقوم يلقحون فقال: لو لم تفعلوا لصلح قال: فخرج شيصاً فمر بهم فقال: ما لنخلكم قالوا: قلت كذا وكذا قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم))([3]).
          مع أن القرآن الكريم قد أشار إلى إحدى وظائف الرياح: (التلقيح)، أي تلقيح أزهار النباتات، كما في قوله تعالى: )وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ([الحجر:22]. لكن هذه السنة الكونية لا تصلح لتأبير النخل، وعُلم ذلك من الخبرة: الدراسة والتجربة.
          وعليه فإن الاعتماد على الوحي في معرفة ما يتعلقبقوانين الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات أو صناعة المتفجرات والقنابل النووية والكهرباء وغير ذلك يعتبر من الجهل الذي لا يقول به عاقل، ويدخل في ذلك كذلك أخبار الفرق والأحزاب والمذاهب وما اتفقت عليه، وما اختلفت فيه وأخبار الدول والملوك والأمراء والرؤساء والساسة والأفراد.
          ومن المؤسف أن يحمل البعض قول الرسول ×:((أنتم أعلم بأمر دنياكم)) على فراسة المؤمن، ففيه تعطيل واضح، بل قتل لمادة البحث العلمي لاكتشاف أسرار هذا الكون!!!

          (1) تخريج السيوطي : (ت) عن عبادة بن الصامت. تحقيق الشيخ الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: (2017) في ((صحيح الجامع)).

          (2) تخريج السيوطي:(م) عن أنس وعائشة. تحقيق الشيخ الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: (1488) في ((صحيح الجامع)).*

          (3) مسلم برقم (2363).

          تعليق


          • #6
            الرد: الفقه السياسي ضرورة شرعية لتحقيق النصر ودرء الفتن

            أمور مهمة لفهم الواقع:
            (أ) أصناف الناس في معرفة الحقيقة:
            يختلف الناس في معرفة الحقيقة وفهم الواقع على أربعة أصناف:
            الصنف الأول: من يريد معرفة الحقيقة عن طريق النظر في الشكل الخارجي فقط، كأن يمتدح شخصا ما لطول لحيته، أو لعمامته، أو للباسه المتواضع، وإن كانت هذه إحدى إشارات الصلاح، إلا أنها لا تكفي لمعرفة واقع الشخص معرفة يقينية. وهذا الصنف من أضل الناس.
            الصنف الثاني: من يريد معرفة الحقيقة عن طريق الأقوال والتصريحات الدعائية فقط، وإن كانت هذه إحدى إشارات الصلاح، إلا أنها لا تكفي لمعرفة واقع الشخص معرفة يقينية.
            وهذا الصنف مُعرضٌ للتضليل، وذلك لإمكانية وقوع الكذب، قال تعالى: )وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ([البقرة:8]. وقال تعالى: )وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ*وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ([البقرة:204-205].
            الصنف الثالث: من يريد معرفة الحقيقة عن طريق رؤية الأفعال فقط، وإن كانت هذه إحدى إشارات الصلاح القوية، إلا أنها لا تكفي لمعرفة واقع الشخص معرفة يقينية، وهذا الصنف مُعرض للتضليل كذلك، من صورتين:
            · صورة المنافق الذي يشهد الجمعة والجماعات، فلو نظرت إلى ظاهر عمله فقط، خُدعت به.
            · صورة المرائي ولو بأفضل الأعمال والطاعات، كقراءة القرآن والجهاد والصدقة، فهذا النوع يخالف ظاهره باطنه. والحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة t، الذي يخبرنا فيه النبي × عن أول ثلاثة تسعّر فيهم النار يوم القيامة أدل دليل على صحة ذلك. وقول النبي ×: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)).[رواه البخاري ومسلم وغيرهما].
            الصنف الرابع: من يريد معرفة الحقيقة عن طريق قراءة الأفكار والعقائد، فهذا الصنف لا يضل ولا يزل بإذن الله، ولا يلدغ من جحر واحد مرتين. وهذا الأسلوب هو الأدق والأصوب، ولا يستطيعه أو يُطيقه كثير من الناس.
            وأصحاب هذا الصنف هم الفقهاء في الواقع، ينذرون أقوامهم ويأخذون بأيديهم بعيداً عن مواطن الزلل والخديعة، قال تعالى:)وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ..([النساء:83].
            ونحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الصنف من الناس وتكثيره، في زمن السنوات الخدّاعات التي أخبر عنها النبي ×: ((ثم يأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدّقُ فيها الكاذب، ويُكذّبُ فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائـن، ويُخوّن فيهـا الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيـل: وما الرويبضة؟ قـال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة))([1]).
            كي يقوم أولئك بتصحيح الصورة، وإحقاق الحق، وتصويب الأوضاع، فكيف الحال بأمة ترى الصادق كاذباً والكاذب صادقاً ؟ وكيف بأمة ترى الأمين خائناً والخائن أمينا ً؟!

            يتبع باذن الله....
            أمثلة من الخدع التي وقعنا في شَرَكِها:
            _________________________________
            المراجع:

            (1) ((صحيح ابن ماجة))، رقم: ( 4036) عن أبي هريرة .

            تعليق


            • #7
              الرد: الفقه السياسي ضرورة شرعية لتحقيق النصر ودرء الفتن

              أمثلة من الخدع التي وقعنا في شَرَكِها:


              1- تظاهر مصطفى كمال أتاتورك اليهودي بالإسلام، حتى تمكن من القضاء على الدولة العثمانية، وسلخ تركيا علانية عن الإسلام([1]). فلو أن المسلمين لم يأمنوا جانبه، واحترسوا منه لاحتمال مخادعته للمسلمين بصفته يهودياً سابقاًلما لدغوا من جحره، فالغاية عند اليهود تبرر الوسيلة. وعلى رأس هذه الوسائل الكذب المبرمج والخديعة.

              2- التحالف القديم بين الإسلاميين والاشتراكيين بقيادة لينين في روسيا النصرانية قبل الثورة البلشفية الشيوعية([2])، وبعد نجاح الثورة تم الهجوم على الجمهوريات الإسلامية المستقلة. فلو أنهم لم يأمنوا جانبه، واحترسوا منه لاحتمال مخادعته للمسلمين بصفته شيوعياًلما لدغوا من جحره، فالغاية عند الشيوعية تبرر الوسيلة، وعلى رأس هذه الوسائل الكذب المبرمج والخديعة.

              3- قيام الرئيس جمال عبد الناصر الاشتراكي بالانضمام إلى الإخوان المسلمين حتى تمكن من استلام السلطة ليقضي على الحركة الإسلامية، ((فقد قرر مجلس قيادة الثورة في جلسته المنعقدة في 12/1/1954حَلّ جماعة الإخوان المسلمين، واتهمهم بقلب نظام الحكم، والاتصال بالإنجليز)) ([3]).

              يقول حسين محمد حمودة أحد الضباط الأحرار في جماعة الإخوان المسلمين بهذا الشأن: ((كانت الخلية الرئيسية في تنظيم الإخوان المسلمين داخل القوات المسلحة مكونة من سبعة ضباط هم: عبد المنعم عبد الرءوف وجمال عبد الناصر وكمال الدين حسن وسعد توفيق وخالد محي الدين وحسين حمودة وصلاح خليفة)).
              وقال: ((التقينا نحن السبعة وحضر اجتماعنا الصاغ محمود لبيب وكيل جماعة الإخوان المسلمين، وتكررت اجتماعاتنا مرة كل أسبوع في منزل عبد المنعم عبد الرءوف بالسيدة زينب، وفي منزل جمال عبد الناصر... وتكررت اجتماعاتنا الأسبوعيةولم تنقطع أبدا طيلة الفترة (1944- 1948) أربع سنوات وأربعة اشهر))([4]).
              فإن كان الإخوان المسلمون يعلمون أن جمال عبد الناصر كان عضواً في خلية شيوعية قبل الثورة اسمها الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني( حدتو)([5]) فتلك مصيبة، وإن كانوا لا يعلمون فالمصيبة أعظم. فلو أنهم لم يأمنوا جانبه، واحترسوا منه لاحتمال مخادعته للمسلمين بصفته شيوعياً، أو شيوعياً سابقاً على أقل تقدير لما لدغوا من جحره، فالغاية عند الشيوعية تبرر الوسيلة، وعلى رأس الوسائل الكذب المبرمج والخديعة.

              4- تظاهر ميشيل يوسف عفلق اليهودي بالنصرانية، ثم أُعْلن عن إسلامه بعد وفاته كذباً وزوراً([6]). وأمِنَه من أمِنَه من غثاء المسلمين، وساروا على نهجه الاشتراكي، وصدق بعض الغثاء قصة إسلامه الموهومة. فلو أنهم لم يأمنوا جانبه، واحترسوا منه لاحتمال مخادعته للمسلمين بصفته يهودياً أو شيوعياً، أو شيوعياً سابقاً، أو اشتراكياً على أقل تقدير ما لدغوا من جحره، فالغاية عند اليهودية والشيوعية تبرر الوسيلة، وعلى رأس هذه الوسائل الكذب المبرمج والخديعة.

              5- بعد نجاح الثورة الشيعية الإمامية الخمينية في إيران، أعلن عن قيام جمهورية إيران الإسلامية، قام عامة المسلمين بتهنئة بعضهم بعضاَ، وظنوا بهذه الثورة خيراً، علماً أن الخميني يعتقد بالخط الثوري الماركسي الشيوعي. . فلو أنهم لم يأمنوا جانبه، واحترسوا منه لاحتمال مخادعته للمسلمين بصفته شيعياً إمامياً، أو شيوعياً، أو اشتراكياً على أقل تقدير ما لدغوا من جحره، فالغاية عند الشيعة والشيوعية تبرر الوسيلة، وعلى رأس هذه الوسائل الكذب المبرمج(التقية)، والخديعة.

              6- والدجال وهو أسوأ خدعة منتظرة، وزمان خروجه قد يكون قد اقترب، فمن خُدِعَ بمن سبق ذكرهم، فكيف سينجو من فتنته؟ مع العلم أن علم تسخير الشعوب الذي تقوم عليه الاشتراكية اليهودية يزداد تطوراً مع الزمن.

              يتبع باذن الله...

              (ب) الكذب:

              ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
              المراجع

              (1) ((الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام))، عبد الله التل، (ص 75، 85، 90).

              (2) طارق حجي في كتابه ((أفكار ماركسية في الميزان))، ص 65، دار المعارف.

              (3) جريدة الجمهوربة، 15 يناير 1954، الصفحة الرئيسية.

              (4) ((أسرار حركة الضباط الأحرار)) (ص33).

              (5) المرجع السابق، (ص157)، وفيه قيام عبد الناصر بنقض الاتفاق بينه وبين الإخوان على الحكم بكتاب الله، وفتكه بالحركة الإسلامية (ص161-167)، وراجع كتاب: ((فشل حركة يوليو بعدائها للتيار الإسلامي)) للدكتور جابر الحاج (ص34).

              (6) نقل خبر إسلامه وسائل الإعلام في حينه. وقد ذكر يهودية أبيه يوسف عفلق، الذي اعتنق النصرانية، عن الموقع: www.moqatel.com/mokatel/DataBehoth/Siasia2/HezbBath/Mokatel3-1-2.htm

              تعليق


              • #8
                الرد: الفقه السياسي ضرورة شرعية لتحقيق النصر ودرء الفتن

                (ب) الكذب:

                الكذب هو عكس حقيقة الخلق، أو عكس الواقع، وهو من أقبح الأخلاق الذميمة، ومصيبة المصائب، وأشنعه ما كان عن قصد. قال تعالى:
                · )وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً([الاسراء:36].
                · )وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ([النور:7].
                · )فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ( [آل عمران:61].
                · )وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ([آل عمران:95].

                وجاء في الأحاديث:
                · ((ثم إن الصدق يهدى إلى البر، وإن البر يهدى إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقا. وإن الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا)) [متفق عليه].
                · ((ثم أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) [متفق عليه].
                · ((إن من أعظم الفرى، أن يدعيَ الرجل إلى غير أبيه، أو يري عينه ما لم تره، أو يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل)). [رواه البخاري].

                أنواع الكذب:

                يقسم الكذب من جهة قائله إلى قسمين هما:

                1. الكذب المؤسسي:هو الكذب المنطلق من عقيدة، أو مبدأ، أو دين، مثل الكذب في الديانة اليهودية المحرفة التي تجيز الكذب لأتباعها في تعاملهم مع غيرهم، سواء كان ذلك لجلب منفعة أو درء مفسدة، بل هو عندهم قربى يتقربون بها إلى الله بزعمهم. ومثلها العقيدة الإمامية الباطنية التي تتخذ الكذب والتّقيّة ديناً، بل فيها ـ على حد زعمهم ـ تسعةأعشار الدين.
                وأما الكذب في المبدأ الاشتراكي الصهيوني فهو الركيزة الكبرى عندهم. فأصحاب هذا النوع من الكذب يعاملون بالحذر الشديد، وتُحْمَل دعواهم على مبدأ المواراة والمداهنة واللف والدوران، ومن جهة هؤلاء يكون الخوف والاحتراس لباطنيتهم ولإفسادهم. فلو قالوا: ((نحن مع السلام أو نحترم الحريات الدينية أو أننا ننبذ الإرهاب)) وأمثال ذلك من الكلام الحسن، فلا يجب علينا قبول زعمهم وتصديقهم، بل علينا حمل هذه التصريحات على المراوغة والخديعة، وإلا أصبنا بنار تضليلاتهم السياسية وغير السياسية. فصاحب هذا النوع من الكذب تراه منشرح الصدر راضٍ عن فعله، بل يتقرب إلى الله تعالى بكذبه. ولا يجوز حمل هذا النوع من الكذب على أنه شخصي، ككذب زعماء اليهود والاشتراكيين والشيعة الإمامية، ولو حملنا هذا الكذب المؤسسي على أنه شخصي لضللنا، فكيف بنا إذا صَدّقناهم؟

                2. الكذب الشخصي:وهذا الكذب يصدر عن شخص يدين بدين يُحَرّم ممارسة الكذب بين أتباعه، ويحرم على أتباعه ممارسته على الآخرين([1]). ومن أمثلته، المسلم الذي يقع في جريمة الكذب، فالعاقل يُوَجّه الانتقاد إلى شخصه هو، لا إلى الدين الإسلامي الذي ينتمي إليه، ومن فعل ذلك فقد خلط الأمور وضلل الناس وأساء إلى الإسلام، وعلى هذا يقاس كل دين يحرم الكذب على أتباعه، كالنصرانية في الإنجيل. فصاحب هذا النوع من الكذب تراه يشعر بالذنب فيستغفر الله ويتوب إليه. إذن من الضلال البَيّنِ حَمْلُ الكذب المؤسسي على الكذب الشخصي، وبالعكس.
                وعليه فمن ثبت كَذِبُه المؤسسي وجب ترك روايته والتحذير من مقولاته، خاصة إذا اتخذ من الكذب وسيلة لتحقيق أهدافه، كما هو الحال في اليهودية والمبدأ الاشتراكي والإمامية الباطنية.

                وقد ذكر ابن تيمية عدداً من الطرق التي يُعلم بها كذب المنقول، منها:
                ((أن يَرْوي- أي الراوي- خلاف ما عُلم بالتواتر والاستفاضة، مثل: أن نعلم أن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة، واتبعه طوائف كثيرة من بني حنيفة فكانوا مرتدين لإيمانهم بهذا المتنبئ الكذاب. وأن أبا لؤلؤة قاتل عمر، كان مجوسياً كافراً. وان أبا الهرمزان كان مجوسياً أسلم. وأن أبا بكر كان يصلي بالناس مدة مرض الرسول × ويخلفه بالإمامة بالناس لمرضه. وأن أبا بكر وعمر دفن في حجرة عائشة مع ×.
                ومثل ما يعلم من غزوات النبي × التي كان فيها القتال، كبدر وأحُد ثم الخندق ثم خيبر ثم فتح مكة ثم غزوة الطائف. والتي لم يكن فيها قتال كغزوة تبوك وغيرها. وما نزل من القرآنفي الغزوات، كنزول الأنفال بسبب بدر، ونزول آخر آل عمران بسبب أحد، ونزول أولها بسبب نصارى نجران، ونزول سورة الحشر بسبب بني النضير، ونزول الأحزاب بسبب الخندق، ونزول سورة الفتح بسبب صلح الحديبية، ونزول براءة بسبب غزوة تبوك، وغيرها و أمثال ذلك.

                فإذا روى في الغزوات وما يتعلق بها ما يعلم أنه خلاف الواقع عُلِمَ أنه كذب. مثل ما يروي هذا الرافضي، وأمثاله من الرافضة وغيرهم من الأكاذيب الباطلة الظاهرة في الغزوات كما تقدم التنبيه عليه. ومثل أن يعلم نزول القرآن في أي وقت كان. كما يعلم أن سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة و الأنفال وبراءة نزلت بعد الهجرة في المدينة. وأن الأنعام والأعراف ويونس وهوداً ويوسف والكهف وطه ومريم واقتربت الساعة وهل أتى على الإنسان وغير ذلك نزلت قبل الهجرة بمكة. وأن المعراج كان بمكة. وأن الصُفّة كانت بالمدينة. وأن أهل الصفة كانوا من جملة الصحابة الذين لم يقاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا ناساً معينين بل كانت الصُفّةُ منزلاً ينزل بها من لا أهل له من الغرباء القادمين وممن دخل فيهم سعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وغيرهما من صالحي المؤمنين وكالعرنيين الذين ارتدوا عن الإسلام))([2]).


                (1) إلا في ظروف معينة مقيدة استثنائية.


                (2) ((منهاج السنة النبوية)) (7/437- 438).

                تعليق


                • #9
                  الرد: الفقه السياسي ضرورة شرعية لتحقيق النصر ودرء الفتن


                  (ج) قانون عامليالاقتناع هما التكرار والزمن، أو الغزارة والزمن:

                  وهذا القانون أهمها وأخطرها، وبه انتشرت أفكار حزب التحرير. فبالتكرار والزمن عبد غير الله، فأصبح عزير ابن الله عند اليهود، والمسيح ابن الله عند النصارى، وبهذا القانون أصبحت الأوثان والأصنام، والشمس، والقمر، والبقر آلهة عند الغثاء من الناس.
                  وبهذا القانون، انتشرت البدع والخرافات في الدين. و بالتكرار والزمن كذلك، عاد الناس إلى التوحيد ونبذ البدع والخرافات مرة أخرى. ويهمنا أن نوضح للقارىء الكريم علاقة هذا القانون في عصرنا الراهن بمصدر الشر على وجه الأرض، فاليهود اتخذوا الكذب وسيلة كبرى لتحقيق غاياتهم.
                  (د) السنوات الخداعة:
                  بما أن الكذب هو عكس للواقع وللحقيقة، تقوم عليه دعوات هدامة([1]) تقصد الفساد والإفساد في المجتمعات الإنسانية من خلال إثارة مجموعة منالأفكار والتصورات والمفاهيم الكاذبة. وبهذه التصورات المزعومة يعتقد الناس ـ أو فقل إن شئت الغثاء من الناس ـ بمجموعة من المصالح والمفاسد الموهومة. فتصبح هذه المصالح والمفاسد هي الحاكمة على تصرفات من اعتقد بها باعتبارها الحقّ الذي لا حق غيره، وما علموا أن هذه المصالح هي في الحقيقة مفاسد خالصة، بل هي خطة عدوهم فيهم، طالما ضَحّوا وتحالفوا مع أعدائهم ـ أمثال الاشتراكية والإمامية الباطنية الحاقدة ـ من أجل تحقيقها. وما علموا كذلك أن المفاسد التي تصوروها، إنما هي مصالح، أو أنها تصنف ضمن باب ((درء المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى)).
                  ومن أخطر الأساليب المُطَبّقة في هذا الباب اتهام الصادق بالكذب، والأمين بالخيانه، وبالعكس. ففي الوقت الذي يُخدع فيه الناس بالكَذَبَةِ الخَوَنة من الاشتراكيين الشيوعيين، والشيعة الإمامية، تجدهم يتهمون الصادق والأمين من الإسلاميين والوطنيين العادلين، فيعيش الناس في بيئة سياسية واجتماعية موبوءة، خداعة كما وصفها الرسول × في قوله: ((إن بين يدي الساعة سنين خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قيل: المرء التافه يتكلم في أمر العامة))([2]).
                  وبسبب هذه الحالة التي تصيب الناس، يصبح الناس ((غثاء كغثاء السيل)). فتجدهم ينطلقون مع هذا التيار الفكري المخادع، إلى الأهداف التي حددها لهم مسبقا، أو حيّدها، وهم لا يشعرون بخطته فيهم، ولا بوجوده أصلاً. فتجدهم يقاتلون إخوانهم، كقتالهم لبعض الدول الإسلامية التي لا زالت من خير الدول في تطبيق الإسلام، ويقاتلون أصدقاءهم، كبعض الدول الغربية غير المحاربة لنا في الدين، بل تجدهم ينصرون أعداءهم من الاشتراكيين اليهود، والإمامية الباطنية تحت باب التقاء المصالح في صراعنا مع الصليبية أو اليهود. فانطبق علينا قول الرسول الله ×: ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)). فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال:((بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن)). فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال:((حب الدنيا وكراهية الموت))([3]).

                  (1) مثل: اليهوديةوالاشتراكية والشيعة الإمامية وحزب التحرير.

                  (2) (صحيح)، ((السلسلة الصحيحة)). برقم (2253).

                  (3) ((السلسلة الصحيحة)) رقم (647)، قال الشيخ الألباني: صحيح.

                  تعليق


                  • #10
                    الرد: الفقه السياسي ضرورة شرعية لتحقيق النصر ودرء الفتن

                    (هـ) قانون إماتة الاحتمالات الحية وإحياء الاحتمالات الميتة:

                    يقوم هذا القانون على إثارة الغثاء ضد أمر موهوم لا وجود له، أو تضخيم أحد الأخطار المتوقعة قليلة الأثر. وفي المقابل يتم إماتة الخطر الأول والأعظم بعدم الإشارة إليه بالمرة، أو التقليل من خطره.

                    فقد عانى الناس ولا زالوا، من هذا القانون القاتل، إذ به يتوجه الناس لقتال السراب، ويتركون عدوهم الأكبر يعيث في الأرض الفساد. فقد قتلت الشيوعية (الشرق) من المسلمين، حوالي (200) مليون مسلم، في غضون (70) سنة فقط، في حين لم تقتل الصليبية (الغرب) من المسلمين ماضياً وحاضراً على مر التاريخ الإسلامي، أكثر من (5) ملايين مسلم، منهم مليون مسلم في الجزائر، وهدمت الشيوعية (الشرق) من مساجد المسلمين مئات الآلاف، في حين يزداد عددها في الغرب، وأغلقت الشيوعية (الشرق) مئات الآلاف من دور القرآن والمدارس الإسلامية، في حين يزداد عددها في الغرب.
                    وألغت الشيوعية (الشرق) اللغة العربية لغة القرآن الكريم، وانتشرت في الغرب. ثم بعد كل هذا مات الخطر الشيوعي (الشرق). مع العلم أنه يوجد حالياً في عام (1427هـ/ 2006م)، حوالي مائـة حزب يسـاري منتشرة في الدول العربيـة([1]). وليس المقصود أنها غير مؤثرة في واقعنا، بل هي على العكس تماماً، بل منها أنظمة قائمة على سدة الحكم. وبهذا فقد تضخم الخطر الغربي وتضخم لدى المسلمين!!!

                    ولم نلتفت إلى تحذير النبي × المتكرر: أن الخطر القادم من الشرق. ألا يدل ذلك أننا فعلاً غثاء كغثاء السيل، فقد وجهنا سيل الدعاية الفكري الجارف لأن نوجه كل عدائنا إلى الغرب ونترك الشرق، فاستجبنا لندائه.

                    ومن الصور التي ساعدت على قلب الحقائق وانعكاس فهم الواقع لدى المسلمين، أن أصحاب الأقلام والتحليل السياسي المتأثرين بدعاية حزب التحرير، المدافعة عن الماركسية الاشتراكية بطريقة مدروسة، يصفون دائماً وبكل إصرار، الجرائم التي ارتكبتها الاشتراكية في طول بلاد الإسلام وعرضها، بأنها من صنع الغرب، وبمخططات أمريكية على وجه الخصوص، ويتهمون حكام هذه الدول الاشتراكية التي ذاق فيها المسلمون أقسى أنواع العذاب والقتل والتشريد والجوع والفقر، بالعمالة لأمريكا أو لبريطانيا. كجرائم النظم الاشتراكية، في مصر والعراق وسوريا وليبيا واليمن، والجزائر، والصومال، وإثيوبيا واندونيسيا وأفغانستان وغيرها من الدول، بل ذهبت هذه الأقلام إلى صرف النظر عن جرائم الاتحاد السوفيتي نفسه، باعتباره صاحب النظرية الاشتراكية الأمريكية!!!

                    وكذلك جرائم الاشتراكية في البوسنة والهرسك، وكوسوفا، بل ذهبت هذه الأقلام إلى ما هو أبعد من ذلك، فاعتبرت تحرك حلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ضد الاشتراكيين الصرب، كان لتصفية الإسلام في دول البلقان، وهكذا يضلل الغثاء من الناس حين يصدقون هذه الأكاذيب والأكاذيب التي ليس لها حدود.

                    ومن الصور التي ساعدت على قلب الحقائق وانعكاس فهم الواقع لدى المسلمين كذلك، وصفهم لكل ما تقوم به أمريكا من تضييق وفرض عقوبات و حرب، تقصدها ضد الدول الاشتراكية العربية وغير العربية، إنما هو موجه ضد الإسلام والمسلمين، مثل حربها ضد نظام البعث العربي الاشتراكي العراقي، وتضييقها على النظام الاشتراكي في سورية، ومراقبتها الحثيثة والموجهة ضد إيران، والعقوبات على ليبيا والسودان. وجرائم الاشتراكية في البوسنة والهرسك، وكوسوفا كما مر من قريب.

                    وقد انتقل هذا الانحراف الأول المتمثل بالتضليل الإعلامي، إلى قلب الحقائق وانعكاس فهم الواقع لدى كثير من المسلمين، بفعل قانون التكرار والزمن، ومنهم إخوة لنا في العقيدة والمنهج الصحيح، القائم على الكتاب والسنة قولاً وعملاً، مما أدى إلى شق الصف الواحد الذي لازال متماسكا قويا إلى وقت ليس ببعيد، فأدى بهؤلاء الذين وقعوا في هذا التضليل الإعلامي ممن يرون الواقع بآذانهم لا بأعينهم، إلى انحراف ثان، وهو: تكفير بعضهم للأنظمة الإسلامية كلها، وخاصة الدول الإسلامية التي تعادي الاشتراكية اليهودية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ثم الأردن.

                    وهذا الانحراف أدى إلى انحراف ثالث: وهو رمي كبار علماء المسلمين، ممن لا يرون كفر هذه الأنظمة التي تعادي الاشتراكية، من باب: من لم يكفر الكافر ـ على حد زعمهم ـ فهو كافر، سواء كان هؤلاء العلماء يعملون داخل حكومات تلك الأنظمة، أو خارجها، وعلى رأس هؤلاء العلماء هيئة كبار العلماء في السعودية، وعلماء الأزهر الشريف في مصر، ومشيخة الشام، وأولهم الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله، فقد رموا كل هؤلاء العلماء وأمثالهم، بالخيانة ووصفوهم بالإرجاء، والتخذيل أو بـ (أئمة القعدة)، أو التزلف للسلاطين، فأدى ذلك إلى انحراف رابع وهو: التشكيك في منهج هؤلاء العلماء لدى بعضهم، والتحذير منهم، فأدى إلى تناحر فئتين من مدرسة واحدة، تراشقا بالتهم والخيانة، بل وصل الأمر ببعضهم إلى رمي الآخر بالكفر، عياذاً بالله.

                    هذه الانحرافات المتتالية التي قد تصل في المستقبل، إلى حد الاحتراب بين أصحاب الفئة الواحدة، بل وصلت، لتدلنا على مدى خطورة التهاون بفقه السياسة الشرعية في الإسلام، فالعالم لا غنى له عن هذا الفقه، الذي لا تكون النجاة من الفتن، إلا بضبطه وتأصيله تأصيلاً علمياً دقيقاً.

                    فقد أدت هذه الفتن إلى التطاول على خير الناس، إذ بمثلها أو بأسلوبها المشابه، البعيد عن التأصيل العلمي، قتل عثمان بن عفان t، حتى وصل الكره له إلى حد التذمر من حكمه ودعاء الله تعالى لتغيير حكمه.

                    فقد نقل لنا ابن كثير في قصة قتله، أن المرأة كانت تجيء في زمان عثمان إلى بيت المال فتحمل حملها من الخيرات من بيت المال، وتقول: ((اللهم بدل اللهم غير))([2]).
                    وهذه المرأة وأمثالها هي من المسلمين، الذين خدعوا بالدعاية السبئية الباطنية، ليست عدوة لله تعالى عن قصد أبداً، فكيف يكون أمر الدعاية المغرض مع من هم أدنى شأناً ومنزلة من عثمان t؟

                    تقول البروتوكولات:

                    ((ولضمان الرأي العام يجب أولاً: أن نحيره كل الحيرة بتغييرات من جميع النواحي لكل أساليب الآراء المتناقضة حتى يضيع الأمميون (غير اليهود) في متاهتهم. وعندئذ سيفهمون أن خير ما يسلكون من طرق هو أن لا يكون لهم رأي في السياسية: هذه المسائل لا يقصد منها أن يدركها الشعب، بل يجب أن تظل من مسائل القادة الموجهين فحسب. وهذا هو السر الأول. والسر الثاني([3])وهو ضروري لحكومتنا الناجحة ـ أن تتضاعف وتتضخم الأخطاء والعادات والعواطف والقوانين العرفية في البلاد، حتى لا يستطيع إنسان أن يفكر بوضوح في ظلامها المطبق، وعندئذ يتعطل فهم الناس بعضهم بعضاً))(5/81-82).

                    ((من الخطير جداً في سياستنا أن تتذكروا التفصيل المذكور آنفاً، فإنه سيكون عوناً كبيراً لنا حينما تناقش مثل هذه المسائل: توزيع السلطة، وحرية الكلام، وحرية الصحافة والعقيدة، وحقوق تكوين الهيئات، والمساواة في نظر القانون، وحرمة الممتلكات والمساكن، ومسألة فرض الضرائب (فكرة سرية فرض الضرائب) والقوة الرجعية للقوانين. كل المسائل المشابهة لذلك ذات طبيعة تجعل من غير المستحسن مناقشتها علناً أمام العامة. فحيثما تستلزم الأحوال ذكرها للرعاع يجب أن لا تحصى، ولكن يجب أن تنشر عنها بعض قرارات بغير مضي في التفصيل. ستعمل قرارات مختصة بمبادئ الحق المستحدث على حسب ما ترى. وأهمية الكتمان تكمن في حقيقة أن المبدأ الذي لا يذاع علناً يترك لنا حرية العمل، مع أن مبدأ كهذا إذا أعلن مرة واحدة يكون كأنه قد تقرر))(10/108-109).
                    ((وسنصور الأخطاء التي ارتكبها الأمميون (غير اليهود) في إدارتهم بأفضح الألوان. وسنبدأ بإثارة شعور الازدراء نحو منهج الحكم السابق، حتى إن الأمم ستفضل حكومة السلام في جو العبودية على حقوق الحرية التي طالما مجدوها ... وسنوجه عناية خاصة إلى الأخطاء التاريخية للحكومات الأممية..))(14/156-158).
                    ((وسنتقدم بدراسة مشكلات المستقبل بدلاً من الكلاسيكيات (Classics) وبدراسة التاريخ القديم الذي يشتمل على مثل (Examples) سيئة أكثر من اشتماله على مثل حسنة([4])، وسنطمس في ذاكرة الإنسان العصور الماضية التي قد تكون شؤما علينا، ولا نترك إلا الحقائق التي ستظهر أخطاء الحكومات في ألوان قاتمة فاضحة))(16/187-188).
                    ((غير أني سأسألكم توجيه عقولكم إلى أنه ستكون بين النشرات الهجومية نشرات نصدرها نحن لهذا الغرض، ولكنها لا تهاجم إلا النقط التي نعتزم تغييرها في سياستنا. ولن يصل طرف من خبر إلى المجتمع من غير أن يمر على إرادتنا. وهذا ما قد وصلنا إليه حتى في الوقت الحاضر كما هو واقع: فالأخبار تتسلمها وكالات (Agencies) قليلة([5]) تتركز فيها الأخبار من كل أنحاء العالم. وحينما نصل إلى السلطة ستنضم هذه الوكالات جميعاً إلينا، ولن تنشر إلا ما نختار نحن التصريح به من الأخبار)) (12/135-136).

                    . وبهذا يتذكر العقلاء، قول الرسول ×: ((إن بين يدي الساعة سنين خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة . قيل: وما الرويبضة ؟ قال: المرء (الرجل) التافه يتكلم في أمر العامة))([6]) .
                    وساحة هذا القانون،(قانون إماتة الاحتمالات الحية وإحياء الاحتمالات الميتة): الشعوب الغافلة (الغثاء) التي تسعى الصهيونية والشيوعية الاشتراكية إلى فصل قوتها عن القوى الحاكمة، بل جعل قوة الشعب سنداً إلى جانبهم، وهذا الأسلوب من أمضى الأساليب المستخدمة لإسقاط الأنظمة، لأن تحالف القوى الحاكمة مع شعوبها يحول دون هدم اليهود للدول المستهدفة. وليت المسلمين يدركون ما يحاك ضدهم، وما ينتظرهم من مصائب بعد سقوط الأنظمة المعتدلة الإسلامية والوطنية المتبقية في ديارنا ـ السعودية، والأردن وأخواتهما ـ التي طالما تعمل اليهودية للفصل بينها وبين شعوبها، وقد نجحت في تحقيق ذلك نجاحاً ساحقاً بأساليب شتى.
                    تقول البروتوكولات الصهيونية اليهودية:

                    ((إننا نخشى تحالف القوة الحاكمة في الأمميين (غير اليهود) مع قوة الرعاع العمياء، غير أننا قد اتخذنا كل الاحتياطات لنمنع احتمال وقوع هذا الحادث. فقد أقمنا بين القوتين سداً قوامه الرعب الذي تحسه القوتان، كل من الأخرى. وهكذا تبقى قوة الشعب سنداً إلى جانبنا، وسنكون وحدنا قادتها، وسنوجهها لبلوغ أغراضنا))([7]).
                    الأمثلة التطبيقية على هذا القانون:
                    يتبع باذن الله
                    ـــــــــــــــــــــــ

                    (1) ((الأحزاب السياسية في العالم العربي))، إصدار مركز القدس للدراسات السياسية، (ص150-200). وهو عبارة عن توثيق لفعاليات المؤتمر الذي عقد في عمّان 12-13 حزيران/2004.

                    (2) ((البداية والنهاية))، (7 / 194).

                    (3) هذان السران من أخطر الأسرار السياسية، وعليهما تبنى النتائج الخطيرة المشار إلى بعضها في الفقرة التالية لهما (من كلام المترجم).

                    (4) أي:إن اليهود سيدرسون يومئذ للشباب صفحات التاريخ السود ليعرفوهم أن الشعوب عندما كانت محكومة بالنظم القديمة كانت حياتها سيئة ولا يدرسون لهم الفترات التي كانت الشعوب فيها سعيدة، لكي يقنعوهم بهذه الدراسة الكاذبة الزائفة أن النظام الجديد أفضل من القديم، وهذا ما يجري في روسيا الآن. وفي كل بلد عقب كل انقلاب سياسي(من كلام المترجم).

                    (5) أي الوكالات الإخبارية، ويلاحظ أن معظم هذه الوكالات تخضع لليهود الان، فمعظم ما كانوا يشتهونه قد تحقق لهم الآن(من كلام المترجم).

                    (6) (صحيح )، ((السلسلة الصحيحة))، للشيخ الألباني رحمه الله، رقم (2253) .


                    (7) البروتوكول: (9).

                    تعليق


                    • #11
                      الرد: الفقه السياسي ضرورة شرعية لتحقيق النصر ودرء الفتن

                      الأمثلة التطبيقية على هذا القانون:


                      هذه بعض الأمثلة الواقعية التي أظهرت مدى تأثرنا بقانون(إماتة الاحتمالات الحية وإحياء الاحتمالات الميتة)).

                      1. ألم تنتقد الشعوب الغافلة سياسة السعودية والأردن، في حين هدأت ونامت ضد سياسة الاشتراكية اليهودية في ليبيا الذي اقترح تسليم المسجد الأقصى لليهود وبناء مسجد آخر، واقترح إنشاء دولة إسرائيلية فلسطينية سماها (إسراطين)؟؟؟ علماً بأن القذافي ربته أمّه (زمردة) اليهودية؟؟؟

                      2. ألم تنتقد الشعوب الغافلة وجود القوات الأمريكية في السعودية ودول الخليج، بينما لا ترى القوات الروسية والخبراء الروس بعشرات الآلاف في الدول الاشتراكية العربية، مثل سوريا والعراق واليمن الجنوبي سابقا، وإيران الفارسية؟؟؟

                      3. ألم يَثُرْ العالم الإسلامي، بل العالم كله ضد تنفيذ قرار التحالف بإزالة النظام الاشتراكي في العراق، في حين سكت العالم إلى حد كبير أمام قرار الحرب ضد حركة طالبان؟؟؟!!!.

                      4. ألم يتحرك العالم الإسلامي ومؤسساته الرسمية ليستنكر جريمة الاعتداء على القرآن الكريم ـ وهذا حسن ـ في حين هدأ الشارع الإسلامي ومؤسساته ضد قيام الاشتراكية في أوزبكستان ـ وهي إحدى الجمهوريات الإسلامية ذات الاستقلال الصوري عن الاتحاد السوفيتي السابق ـ في تلك الأثناء، بقتل (750) مسلم؟ لماذا؟ لأن جريمة الاعتداء على القرآن الكريم كانت على يد أمريكا المعادية للاشتراكية اليهودية، علماً أن معاداة الاشتراكية هي في الحقيقة ضد المشروع الصهيوني الأكبر للسيطرة على العالم كله، لذا ثارت الشعوب. وأما الجريمة الثانية التي قتل فيها (750) مسلما كانت على يد الاشتراكية ربيبة اليهودية، فتجد الشعوب قد تخدرت.

                      5. ألم تثر الصحافة العالمية ضد معاملة الأمريكان للسجناء في سجن أبو غريب ولا زالت منذ أكثر من ثلاثة أشهر، في حين لم تسمع تلك الصحافة بجرائم الاشتراكية والمقابر الجماعية في نفس السجن في حكم البعث الاشتراكي، بل لم تعرف الصحافة، ولا نحن معها اسمه قبل ذلك، إلا قليلاً؟؟؟!!!

                      6. أين حركة الغثاء ضد بناء جدار الفصل العنصري في فلسطين على يد اليهود؟؟؟!!!

                      7. أين حركة الغثاء ضد المقابر الجماعية وهتك الأعراض المنظم من الاشتراكيين في البوسنة والهرسك وكوسوفو والعراق والصومال والاتحاد السوفيتي والصين؟؟؟
                      ألم تقتل الاشتراكية من المسلمين حوالي (200) مليون مسلم، ولا زالت تقتل؟؟؟ ألم تهدم مئات الآلاف من المساجد ولا زالت تهدم؟؟؟ ألم تُلْغِ اللغة العربية في الصين والاتحاد السوفيتي، ولا زالت ملغاة في الصين؟؟؟

                      8. ألم تنتقد الشعوب الغافلة سياسة السعودية ودول الخليج النفطية، في حين لم تتطرق إلى نقد سياسات الدول النفطية الاشتراكية، التي أحرقت النفط في آباره، أو أهدته إلى أسيادها اليساريين بأرخص الأثمان؟

                      9. هل يسمع أحد بـ (قانون لينين) الذي يقضي بالعمل على إقامة دولة لليهود في فلسطين، وبناء على هذا القانون أقيمت دولة إسرائيل؟ بينما هل يجهل أحد (وعد بلفور)؟ ...إلخ.

                      إذن هناك حقائق كبيرة وخطيرة جدا تموت ولا تذكر، وأخرى حقيرة تحيا وتضخم على حساب الأولى!!

                      فمن الذي أمات الأولى وأحيا الثانية لدى الغثاء من الناس، وكيف يتم ذلك؟ وهل لهذا القانون دورٌ في فتنة الدجال؟ أسئلة بحاجة ماسة إلى إجابات صادقة!!
                      تقول بروتوكولات حكماء صهيون:

                      ((وبفضل هذه الإجراءات سنكون قادرين على إثارة عقل الشعب وتهدئته في المسائل السياسية، حينما يكون ضرورياً لنا أن نفعل ذلك))([1]). وهذا ما هو حاصل بالفعل، تثور الشعوب للدفاع عن اليهود وابنتها الاشتراكية، وتهدأ أمام مخططاتهم وجرائمهم.

                      (و) سياسة التشهير:

                      يتبع باذن الله..........

                      ـــــــــــــــــــــــــــ
                      المرجع:
                      (1) البروتوكول: (12).

                      تعليق

                      تشغيل...
                      X