ذكريات رمضانيه

دعوت صديقي على طعام الافطار ، وبعدها جلسنا في شرفة منزلي تحت ظل القمر ، واخذ يحتسي فنجان القهوة بهدوء ، ويستعيد ذكرياته امامي عن رمضان ، بعيدا عن السياسة وهمومها وقبل صلاة التراويح فقال :

وجدت نفسي محشورا بين مجموعة كبيره من طالبات كلية الفنون التطبيقيه في اتوبيس رقم 12 المتجه نحو حي المنيل بالقاهره ، وذلك في منتصف ستينات القرن الماضي ؟؟ مر الاتوبيس بمشواره من امام كلية الفنون التطبيقيه حيث صعدت مجموعه كبيره من الطالبات ، ثم اتجه نحو كلية الهندسة التي كنت احد طلابها ؟؟ وبعد انتظار طويل صعدت بداخله ، واذا اجدني في ازدحام شديد اقف بين الطالبات لا استطيع الحركه ولا باي اتجاه من شدة الازدحام والفتيات تحيط بي من كل جانب بل بجواري مباشرة ؟؟ كان الوقت بعد العصر في رمضان !! ماذا افعل ؟؟؟
اغمضت عيوني وصرت اتصبب عرقا وكان الجو حارا ، وصرت اتمتم بأدعية اكرر فيها بعد كل دعاء : ( اللهم اني صائم ) –
خف الازدحام قليلا بعد اول محطة ، عندها فتحت عيوني واذا بفتاة تتفرسني ، فاطرقت رأسي حياء . ثم اعلن عن وصول الاتوبيس الى المحطه رقم 12 التي اريد ؟؟ ترجلت من الاتوبيس واذا بالفتاة قد قفزت سريعا من الاتوبيس ولحقت بي وهي تنادي : لو سمحت لو سمحت – يا أخ !!
توقفت وقلت : افندم ؟؟
بادرتني بالقول : ربما تستغرب من تصرفاتي ، ولكن ثق تماما اني فتاة بنت اصول ، ووالدي مفتش اللغه العربيه بوزارة التربيه والتعليم ؟؟؟ واستطردت : اسمي مديحه ، طالبه بكلية الفنون الجميله ---
قلت : تشرفنا ، وماذا تريدين مني ؟؟
قالت : قلت لك قد تستغرب ؟؟ ولكن لا بأس ، لقد رأيتك مغمض العينين في الزحمة داخل الاتوبيس ، وانت تمتم بكلمات لم اسمعها جيدا فدفعني حب الاستطلاع والفضول ان أعرف ما كنت تتمتم به ؟؟ اليس هذا غريبا ؟؟
قلت : لا تظني اني مصاب بلوثة عقليه ، فانا اردد ادعية رمضانيه ، وبعد كل دعاء ودعاء اردد : (( اللهم اني صائم ، اللهم انك عفو تحب العفو فاعف عني )) ، اما بالنسبة للادعيه فهي كثيره واهمها قبول العمل والثبات على الحق والاخلاص في العمل والنجاح في مهمتي ----
قالت : لكنك لم تعرفني باسمك ؟؟
قلت لعل ذلك لا لزوم له ؟؟ على اية حال اسمي ( نضال ) ، وانا من فلسطين --- هل تعرفين فلسطين ؟؟
قالت : لقد ازعجني سؤالك !! وهل هناك انسان في مصر لا يعرف فلسطين ولا يفديها بروحه وروح كل ابنائه واخوانه واحبابه ؟؟ ثم ربما تزداد دهشتك حين تعرف ان منزلي ما زال بعيدا محطتين من هنا ، وساضطر لركوب الاتوبيس القادم مرة اخرى حتى اصل ؟؟
قلت : ولم كل هذا العناء ؟؟ وما شأنك بشاب التقيته صدفة في الاتوبيس ؟؟
قالت : مارايك لو جئت معي لتناول الافطار ، فاهلي من الملتزمين دينيا ، وابي من اصل صعيدي ؟؟
ولا يغرك مظهري ، فانا ايضا احمد الله على اني اصلي واصوم واعرف واجباتي الدينيه ---
قلت مازحا : اخشى ان الاقي الضرب من والدك ؟؟؟ وكيف تجرئين على احضار شاب معك للبيت ؟؟
قالت : لا تخش شيئا فوالدي عالي الثقافة ، وقد ربانا على الصدق والاخلاق الفاضله وعلى الثقة بكل تصرفاتنا ؟؟ وانا واثق انك انسان على خلق رفيع ، وهل تعرف سورة القصص في القرآن الكريم معرفة جيده ؟؟
قلت وما علاقة سورة القصص بالموضوع ؟؟
قالت : حين تقرأها بفهم وتدبر سوف تعرف الجواب بنفسك ، ولكن الان ادعوك ان تاتي معي ----
قلت : اشكرك يا آنسه ، ارجو ان تعفيني من ذلك ، فورائي واجبات يجب ان اقوم بها ، علي ان اقوم برسم بعض المخططات ومراجعة بعض المحاضرات ، ثم ان مهمتي العامه التي جئت من اجلها تنحصر في اكمال دراستي دون اشغال فكري باية امور اخرى !! فهناك من ينتظرون عودتي بحرارة وقد اتممت دراستي لاقوم بتسديد المبالغ التي استدانوها كي يوفرون لي مصاريف التعليم ؟؟ وكل همي الآن ينصب على اكمال تلك المهمه التي جئت من اجلها ؟؟ ولا مجال للتفكير في اي أمر آخر !!!
قالت : حقا انك شاب غريب ؟؟ من يرفض دعوة فتاه جميله !! الست جميله في نظرك ؟؟ ---
قلت : انت جميله باخلاقك اولا ، ثم انت انسانه طيبه حين حاولت التعرف على من تعتقدين انه على خلق رفيع ، وارجو ان يكون حدسك في محله ؟؟؟ ( اللهم اجعلني خيرا مما يظنون واغفر لي مالا يعلمون ) ---
قالت : اذن هل هذه نهاية الطريق ؟؟
قلت : لا ليست نهاية الطريق ، فامامك محطتان كي تصلين الى منزلكم وتسلمي على الاهل ؟؟
قالت : ربما نلتقي ثانية في الاتوبيس ، ولكن لا تغمض عينيك ولا تتمتم مرة ثانيه حتى لا اضطر للحاق بك لمعرفة ما تقول -------