الحضاره

سئلت في احد التعليقات عن مدى تصوري لمعنى الحضاره ، وما تعنيه الحضاره الاسلاميه ، والتي ينكرها السائل كلية، بل يعتبرها تخلفا وانحطاطا منذ 1400 سنه كما قال ؟؟
الحضارة ايها السائل هي حصيلة التطورات الدينية والمادية التي يشهدها مجتمع ما او امة معينه، نتيجة لتظافر جهود أفراده للتأقلم مع الظروف المعيشية التي يواجهونها، للوصول إلى السمو الروحي والمادي الذي يتطلعون إليه - هي قدرة الانسان على اقامة علاقة فضلى سوية قوية سليمه مع خالقه ومع البشر الذين يعيش معهم، وكذلك مع البيئة من حوله وما فيها من ثروات يستغلها ويطوعها بالطرق والوسائل التي تمكنه من استثمارها لصالحه وللبشرية عموما - كلما زادت هذه العلاقه سموا كلما ارتقى المجتمع، وكلما هبطت هذه العلاقه كلما ادت الى فشل المجتمع أو الامه -
ينبهر بعضنا في ايامنا هذه بالحضارة الغربيه والتي هي بلا شك متقدمة في جوانب عديده مثل حقوق الانسان الى يعيش على ارضها وحقوق الحيوان ، وفي استخدامها للثروات وتطويعها في علوم وتكنولوجيا متقدمه لخدمة الانسان ، ولكنها في جوانب اخرى متخلفه تخلفا عميقا ؟ ان انكار وجود الله هو قمة التخلف عند بعض الفئات، ومن ينكر وجود الله او الشرك البين به ، لا يمكن ان نطلق عليه انسانا متحضرا مهما بلغ من العلم والمعرفة الماديه ، ثم اقامة علاقه خارج مؤسسة الزواج ، او التعاطي بالمخدرات والقمار والربا والخمور واقامة بيوت الدعاره ، ثم الكيل بمكيالين في التعاطي بعنصرية مع بعض الفئات في نفس المجتمع ، او عدم قبول الاخر واضطهاده ، او ايقاع الظلم وفرض التبعية وفرض الهيمنة على الشعوب الاخرى واحتلالها وامتصاص خيراتها ، كل ذلك لا يمكن ان يسمى حضاره راقيه ؟؟
تقوم الحضارة الاسلاميه على اسس ثلاث :
علاقة الانسان بالله عز وجل ، بتطبيق احكامه وشريعته .
علاقة الانسان بالانسان، بداية من راس الهرم وهو الاسره ، ثم الارحام والجيران والاصدقاء ثم المجتمع والامه .
علاقة الانسان بالماده وكل ما يتصل بها مثل النظام الاقتصادي والجيش والبيئة واستثمار الثروات والتكنولوجيا بطرق نافعه وغيرها .
ان النظام الاسلامي يقوم على اسس حضارية متكامله - والامة الاسلاميه هي التي تملك تصورا كاملا لكل معاني الحضاره لارتباطها بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله عليه السلام - من هنا جاء قوله تعالى : ( كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) – حتى نحكم على حضارة معينه لا بد ان نعرف اصولها وما تستند عليه من قيم ومبادئ واخلاق ؟ ---
يمكن تلخيص الحضارة الاسلاميه في خطابين بمناسبتين مختلفتين كما فهمها المسلمون العاديون عند بزوغ فجر الاسلام ، الخطاب الاول : وهو خطاب " جعفر بن ابي طالب " امام " النجاشي " عندما هاجر المسلمون الى الحبشه ايام اضطهادهم في مكه ، ردا على " عمرو بن العاص" ( قبل اسلامه ) ، أيها الملك : كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف - فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه. أن الذي جاءنا بهذا الدين الجديد صادق أمين.دعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا.
الموقف الاخر هو خطاب " ربعي بن عامر" امام " رستم " امبراطور الفرس لما بعثه سعد بن وقاص ليبلغه رسالة الاسلام قبل معركة القادسيه :
لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فمن قَبِلَ ذلك منا قبلنا منه، وإن لم يقبل قبلنا منه الجزية، وإن رفض قاتلناه حتى نظفر بالنصر.
قد يقول البعض : ولماذا نحن الان في قمة التخلف والتبعيه ؟؟ قد يطول الحديث في هذا الموضوع ، ولكن يمكن اختصاره بالابتعاد عن منهج الله عز وجل ، وانبهار الكثيرين منا بالحضارات الاخرى والضياع في متاهاتها ؟؟ وانكار حضارتنا لعدم فهمها الفهم السليم -