اعلان

Collapse
No announcement yet.

بين اثنين .. الملحمة الكبرى في الأدب العربي

Collapse
X
 
  • تصنيف
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts

  • بين اثنين .. الملحمة الكبرى في الأدب العربي

    وجدت هذا المقال بين صحائفي ، فأحببت عرضه لكم ، وهو لصاحبه أيمن بن أحمد ذو الغنى ..

    ..........................................................................


    غلاف الطبعة الدمشقية

    لم يكن الرافعيُّ شهابًا لاحَ في سماء الأدب لم يلبَث أن مضى وتَلاشى، بل كان كوكبًا مُتلألئًا مُضيئًا، لم يبرَح كبدَ السماء، ولم تَزده الأيامُ إلا ألَقًا وبَريقًا.
    ولا غَرْوَ فقد تملَّك الرافعيُّ ناصيةَ البيان، وتربَّع على عَرش الأدب، وأُوتيَ من جمال التعبير وحُسن الديباجَة ما يأخُذُ بعقول قارئيه، صادرًا في ذلك كلِّه عن ثقافة إسلاميَّة أصيلَة، ومعرفة لغويَّة عميقة، وإحاطة بالتُّراث العربيِّ واستظهار له، مع نظرة فلسفيَّة متأمِّلة، وزاد معرفيٍّ جبَّار، حتى لتَخالُه قد قُدَّ عودُه من العربيَّة بعبقريتها وروعَتها وجَلالها، ولقد صدقَت فيه نُبوءَةُ الزعيم المصري الكبير مُصطفى كامل، فيما كتب إليه مقرِّظًا ديوانه: «سيأتي يومٌ إذا ذُكرَ فيه الرافعيُّ قال الناسُ: هو الحكمةُ العاليةُ مَصوغَةً في أجملِ قالَبٍ من البيان».

    تقلَّب الرافعيُّ في عصرٍ فيه كلُّ ألوان الطَّيف، تراه زاهرًا في جوانبَ منه، مُضطَربًا مُتقَلقلاً في جوانبَ أخرى، ومن مظاهر ذلك الاضطراب: كثرةُ الصراعات الفكريَّة والأدبيَّة، وهو مظهَرٌ فيه ما لهُ وفيه ما عليه، ولعلَّ من أهمِّ ما يُحسَبُ له ما تمخَّضَت عنه تلكَ المعاركُ من نتاج فكريٍّ وثقافيٍّ وأدبيٍّ، أغنى الحياةَ الثقافيَّةَ في مصرَ والعالم العربيِّ، وما زالت آثارُه بيِّنةً جليَّةً في ثقافة أُدَبائنا وفكر مفكِّرينا في أيامنا هذه.
    وقد عاشَ الرافعيُّ عصرَه كما هو، راكبًا فيه الصَّعبَ والذَّلول، لابسًا لكلِّ موقفٍ لَبوسَه، فارسًا من فُرسان المَيدان غيرَ مُدافَع.

    ومن أشهر معاركه الأدبيَّة وصراعاته الفكريَّة التي حَميَ فيها الوَطيسُ واشتَدَّ الأُوار، ما كان بينه وبينَ الأديب الكبير الأستاذ عباس محمود العقَّاد، فقد كتب الرافعيُّ في نقده مجموعةَ مقالات دامغة بعنوان: «على السَّفُّود»، أصلاه بها نارًا حامية، نائيًا فيها عن حُدود النقد الأدبيِّ، إلى التشهير والسُّخرية، وما لا يَليق[1].


    بَدْءُ الخلاف بينَ الرافعيِّ والعقَّاد:
    ذهب صفيُّ الرافعيِّ الأستاذُ الأديبُ محمد سعيد العُريان في كتابه «حياة الرافعي»[2] إلى أن ابتداءَ الخصام بينَ الرافعيِّ والعقَّاد كان بسبب كتاب الرافعيِّ «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية» الذي صَدرت طبعتُه الأولى سنة 1912م[3]، ثم أمر الملك فؤاد بطبعه على نفقَته تقديرًا للكتاب ولصاحبه، وقد صدرت هذه الطبعة الملكيَّة سنة 1928م.
    ويُضيف العُريان أنه لم يكن بينَ الرجُلَين قبل صدور الطبعة الملكيَّة من الكتاب إلا الصفاءُ والوُدُّ.

    ولاقى «إعجاز القرآن» قَبولاً كبيرًا من الأدباء والنقاد، ونالَ به الرافعيُّ مكانةً ساميةً بينهم، حتى كَتبَ في تقريظه والثناء عليه زعيمُ مصرَ سعد زُغْلول كلمتَه الذائعةَ السيَّارة: «وأيَّدَ [كتابُ الرافعيِّ] بلاغةَ القُرآن وإعجازَه بأدلَّة مُشتقَّة من أسرارها، في بَيانٍ يَستمدُّ من رُوحها، بَيانٍ كأنه تنزيلٌ من التنزيل، أو قَبَسٌ من نُور الذِّكر الحكيم».

    ويلتقي الرافعيُّ العقَّادَ في مقَرِّ مجلَّة المقتطَف، سنة 1929م، ويسألُه عن رأيه في كتابه، فيَفْجَؤُه العقَّادُ برأيٍ شديد، فيه قسوةٌ وغلظَةٌ، يسفِّه فيه كتابَه، ويتعَدَّى إلى الخَوض في حُرمة القرآن، يطعُن في إعجازه، ويُزْري ببيانه[4]، ولم يكتَفِ بذلك - على قُبحه وسُوئه - حتى اتَّهَم الرافعيَّ بتزوير تقريظ سعد زُغْلول - آنف الذِّكر - ونَحْله إياه؛ دعايةً للكتاب وترويجًا له.
    غضبَ الرافعيُّ من افتراءات العقَّاد أشدَّ الغضَب، وحَنِقَ عليه كلَّ الحَنَق، وكتَمَ نفسَه على مثل البُركان يوشِكُ أن يَثور.

    وما ذهبَ إليه العُريان من أن هذا اللقاءَ كان أوَّلَ الصراع بين الأديبَين فيه نظرٌ، فقد تقدَّم من العقَّاد نقدٌ للرافعيِّ فيه شدَّةٌ وسُخريةٌ وتَجَنٍّ[5].
    ففي سنة 1914م كتبَ العقَّاد مقالةً نشرها في صحيفة المؤَيَّد بعنوان: (فائدةٌ من أُفْكوهَة) عقَّبَ فيها على قول للرافعيِّ في الجزء الأوَّل من كتابه «تاريخ آداب العرب»، وختمَ مقالتَه بقوله: «فإن شاءَ عَدَدْنا كتابَه كتابَ أدبٍ، ولكنَّا لا نَعدُّه كتابًا في تاريخ الأدب؛ لأن البحثَ في هذا الفنِّ متطَلِّبٌ من المنطِق والزَّكانَة ومعرفة النُّطق الباطنيِّ ما يتطَلَّبُه الرافعيُّ من نفسه ولا يَجدُه في استعداده».
    وفي سنة 1920م نشرَ الرافعيُّ نقدًا لنشيد أمير الشُّعراء أحمد شوقي الذي مَطلَعُه:
    بَني مِصْرٍ مكانُكُمُ تَهَيَّا فهيَّا مَهِّدوا للمُلْكِ هيَّا

    فتصدَّى له العقَّادُ سنة 1921م بمقالةٍ نشرها في الجزء الثاني من «الديوان في الأدب والنقد» بعنوان: (ما هذا يا أبا عمرو؟!)، اتَّهَمَه فيها بسرقةِ ما كتبَه في الجزء الأول من «الديوان» في نقد نشيد شوقي آنف الذِّكر، وقد اتَّسمَت مقالةُ العقَّاد بالشدَّة والقَسوة، والسُّخرية اللاَّذعة، والهُجوم العَنيف على شخص الرافعيِّ.
    وإذن لم يكُن ما جَرى بين الأديبَين الكبيرَين في لقاء دار المقتطَف أوَّلَ الخصومة بينهما.

    غلاف الطبعة الملكيَّة من كتاب الرافعي (إعجاز القرآن)

    العَفيفي (على السَّفُّود):
    السَّفُّودُ في اللغة: هو الحديدَةُ يُشْوى بها اللَّحمُ، ويُسمِّيها العامَّةُ: (السِّيخ). ويُجمَع السَّفُّود على سَفافيد، ومن تَناوَلَه السَّفُّودُ يقال فيه: مُسَفَّد؛ لأن تَسْفيدَ اللحمِ نَظْمُه في تلك الحَديدَة للاشْتِواء.
    ولم يكُن العقَّادُ أولَ من سفَّدَه الرافعيُّ، بل سفَّدَ قبله الشاعرَ عبد الله عَفيفي الذي كان يطمَحُ أن يكونَ شاعرَ الملك فؤاد بدلاً من الرافعيِّ[6]، ونظَمَ في مدح الملك عددًا من القَصائد، وكان الرافعيُّ يراه لا يَرقى أن يكونَ ندًّا له، بَلْهَ أن يحتلَّ مكانَه، فوَجَدَ عليه مَوجِدَةً عظيمة، وانقَضَّ عليه بثلاث مقالات عَنيفة نشرها بمجلَّة العُصور لصاحبها إسماعيل مَظهَر، وجعلَ عنوانَ مقالاته: (على السَّفُّود)، وَصَمَ فيها عبد الله عَفيفي بالغَفلَة وضعف الرَّأي وقلَّة المعرفة وفساد الذَّوق، وقد اختارَ لمقالاته ذاك العُنوان؛ إشارةً إلى ما تضمَّنتهُ من نقد مؤلم لاذع، أشبه بنار متأجِّجة لا تذَرُ من شيء أتت عليه إلا جَعَلتهُ كالرَّميم.
    ولكنَّ الرافعيَّ لم يكن موفَّقًا حين اختارَ - في مقالاته الثلاث - نقدَ ثلاثِ قصائدَ لخصمه في مَديح الملك؛ فقد جرَّ ذلك عليه غَضَبَ القصر الملكيِّ، ومن ثَمَّ قُطعت حبالُ الودِّ بينه وبين القصر، ليفوزَ العَفيفيُّ بمكانه شاعرًا للملك[7].

    العقَّاد (على السَّفُّود):

    عرضَ الأستاذُ إسماعيل مَظهَر على الرافعيِّ أن يكتبَ في نقد شعراءَ آخرين، فلاقى ذلك في نفسه هوًى، وأسرع إلى ذاكرته لقاؤُه بالعقَّاد في دار المقتطَف، ولم يكن ناسيًا مقالتَيه: (فائدةٌ من أُفكوهة)، و(ما هذا يا أبا عمرو؟!)، فألفاها فرصةً سانحةً للانتقام من العقَّاد، وللثأر لكرامته، فافترسَهُ بسبع مقالات طاحنَة، نشرها تباعًا في مجلَّة العُصور، مُغْفَلَةَ النسبة، وجعلَ عنوانَها أيضًا: (على السَّفُّود)، نقد فيها ديوانَ العقَّاد، وحشدَ فيها من مُرِّ الهجاء، وقَوارص القَول، وصُنوف الذمِّ والقَدْح المُقْزِع، ما يمكن أن يُستخرَجَ منه معجمٌ لألفاظ الثَّلب والشَّتم.
    وإليكم عناوينَ السَّفافيد السَّبعة، مع ذكر تواريخ نشرها:
    السفود الأول: عباس محمود العقَّاد، نشر في عدد شهر تموز (يوليو)، 1929م.
    السفود الثاني: عَضَلات من شَراميط، نشر في عدد شهر آب (أغسطس)، 1929م.
    السفود الثالث: جبَّار الذِّهْن المُضْحك، نشر في عدد شهر أيلول (سبتمبر)، 1929م.
    السفود الرابع: مِفتاحُ نفسِه وقُفْلُ نفسِه، نشر في عدد شهر تشرين الأول (أكتوبر)، 1929م.
    السفود الخامس: العقَّادُ اللصُّ، نشر في عدد شهر تشرين الثاني (نوفمبر)، 1929م.
    السفود السادس: الفَيلَسوف، نشر في عدد شهر كانون الأول (ديسمبر)، 1929م.
    السفود السابع: ذُبابةٌ لكنْ من طِراز زِبْلِن، نشر في عدد شهر كانون الثاني (يناير)، 1930م.
    وقدَّم الرافعيُّ بين يدَي كلِّ سفُّود من تلك السَّفافيد بيتَين من الشعر، ناطقَين بما تضمَّنته تلك المقالات من نقد فاتك مُحرق، يقول فيهما:
    وللسَّفُّودِ نارٌ لو تلَقَّتْ بجاحِمِها حَديدًا ظُنَّ شَحْما
    ويَشْوي الصَّخرَ يترُكُه رَمادًا فكيفَ وقد رميتُكَ فيه لَحْما؟!



    غلاف ديوان العقّاد الذي انتقده الرافعيُّ بمقالات (على السفود)

    الدَّافعُ إلى مَقالات (السَّفُّود):
    يصرِّحُ الرافعيُّ بأن الدافعَ لكتابته هذه المقالات هو الغَيرةُ على القُرآن الكريم وإعجازه الذي أنكره العقَّاد، يقول: هذا أسلوبٌ من الردِّ قصَدتُ به الكشفَ عن زَيْف هذا الأديب والزِّرايَة بأدبه، حتى إذا تقرَّرَت منزلتُه الحقيقيَّةُ في الأدب عندَ قرَّاء العربيَّة، لا تراهم يستمعونَ لرأيه عندما يَهُمُّ بالحديث عن إعجاز القُرآن، وهل يُحسِنُ الحديثَ عن إعجاز القُرآن من لا يستقيمُ منطقُ العربيَّة في فكره، ولا يستقيمُ بيانُها على لسانه[8]؟!

    ويشكِّكُ العُريان في أن تكونَ مقالاتُ السفود غَضبةً خالصةً لله وللقُرآن؛ لأن هذه المقالات خَلَت من أيِّ ذكر لقضيَّة إعجاز القُرآن، وليس فيها إلا نقدٌ ونقضٌ لديوان العقَّاد!
    أما الدكتور علي عبد الحليم محمود فإنه يقطَعُ بنفي أن تكونَ هذه المقالاتُ كتبت انتصارًا لإعجاز القُرآن، ومن هنا يرفُضُ أن يَعُدَّ ما كتبَه الرافعيُّ فيها اتجاهًا إسلاميًّا في أدبه[9].

    ومما يُرجِّح هذا الرأيَ أن الرافعيَّ لم يكُن ليُغفلَ في نقده للعقَّاد قضيَّةَ الإعجاز بتَّةً، على خُطورتها، إذا ما كانت المحرِّضَ الرئيسَ على إنشاء تلك المقالات، وهو الذي أثارَ زوبعةً من الهُجوم الكاسح على طه حسين ردًّا على آراءَ له في كتابه «في الشعر الجاهلي» تُناقض القُرآن، وتشكِّك في بعض آياته، وكتبَ في ذلك كتابه القيِّم «تحت راية القُرآن»،لم يُدارِ فيه ولم يُجَمجِم.

    بيدَ أن ذلكَ لا يمنعُ أن تكونَ قضيَّة الإعجاز أحدَ أسباب غَضبة الرافعيِّ الكبرى، بل هو كذلك، ينضَمُّ إلى أسباب أُخرى، مَدارُها على اختلاف وجهَة الرجُلَين في الفكر والنظَر، وأن لكلٍّ منهما في الأدب طريقًا ومذهبًا.
    يقول محمد الكتَّاني[10]: «ولو أخَذنا بالخلاف بين الأديبَين في أية مناسَبة من مُناسَبات الخلاف بينهما، فإن هذا الخلافَ يرتَدُّ إلى ذلك التبايُنِ في النظرة إلى الأدب، ومنهَج الدرس، والموقِف النقدي، وكلِّ ما يتصلُ بعد ذلك بالكتابة الفنيَّة، والشعر، وفَهْم النصوص، ونوعيَّة القيم المنشُودَة فيها، ودراسة التُّراث الأدبيِّ، وكلِّ ما يتفرَّع عن هذه القَضايا من وسائلَ مختلفةٍ يُعنى بها النقَّاد».

    أُسلوبُ مَقالات (السَّفُّود) ومَضمونُها:

    لم تكُن الحدَّةُ والتجنِّي والشَّتم - التي تقدمت الإشارةُ إليها مرَّات - هي كلَّ ما في مقالات السَّفُّود، بل مادَّةُ تلك المقالات قبلَ ذلك نموذَجٌ فَذٌّ في النقد الأدبيِّ المحكَم، ونظراتٌ في نقد الشعر بصيرةٌ، وصُوَرٌ من عُمق التحليل بديعَة، وهو المتوقَّع والمَرْجُوُّ من نقد مُنشِئُه الرافعيُّ، وهو من عرفتَ علوَّ كعبٍ في الأدب والنقد وعلوم العربيَّة.
    ويكاد يُجمعُ محبُّو الرافعيِّ - وبعضُ الشانئيه - أن هذه المقالات لو بَرئت مما شانَها من مُنكَر القول ومُرِّ الهجاء، لكانت آيةً من آيات الإبداع، ومثالاً يُحْتَذى في النقد الأدبيِّ.

    ويذهبُ العلاَّمة الدكتور عز الدين البدوي النجَّار[11] إلى أن الذي أخذَ فيه الرافعيُّ من نقد ديوان العقَّاد بابٌ من نقد الشعر هو أصعَبُ أبوابه، وأبعَدُها متناولاً من طالبه، هو بابُ ما في الفنِّ الواحد من دقائق الصَّنعة التي تكشفُ عن سرائره، وتنزيلُ هذه الدقائق في مَنازلها: من سموٍّ وارتفاع، أو توسُّط، أو غير ذلك، ومُقابلَة ذلك بما يكشفُه ويُوَكِّدُه من النماذج المعتَبَرة في ذلك الفنِّ.
    ثم يقول: والذي قَدَرَ عليه الرافعيُّ في هذا الباب خاصَّة - في عامَّة ما تكلَّم عليه، في مقالات السفُّود وفي غيرها - لم يَقدِر عليه من أهل عَصره أحدٌ، ولا اقتربَ منه، إلا ما كانَ من العلاَّمة الكبير محمود محمد شاكر، وهو عَبقريَّةٌ فنيَّة أُخرى بالمعنى الكامل للكلمة.

    ودونَكُم اقتباساتٍ من مقدِّمة الرافعيِّ لمقالاته، صريحةَ الدَّلالة على وجهته فيها:
    «وأما بعدُ، فإنا نكشفُ في هذه المقالات عن غُرورٍ مُلَفَّف، ودَعوى مُغَطَّاة، وننتقدُ فيها الكاتبَ الشاعرَ الفيلسوف!! (عباس محمود العقاد)، وما إياه أردنا، ولا بخاصَّته نعبَأُ به، ولكن لمن حولَه نكشفُه، ولفائدة هؤُلاء عرَضنا له... وقد يكونُ العقَّاد أستاذًا عظيمًا، ونابغةً عبقريًّا، وجبَّارَ ذهن كما يَصفون، ولكنا نحنُ لا نعرفُ فيه شيئًا من هذا، وما قُلنا في الرجُل إلا ما يقولُ فيه كلامُه، وإنما ترجَمنا حُكمَ هذا الكلام، ونقَلناه من لغة الأغلاط والسَّرقات والحَماقات إلى لغة النقد... في هذه المقالات مُثُلٌ وعَيِّنات تَؤولُ بك إلى حقيقة هذا الأديب من كلِّ نَواحيه، وفيها كافٍ، إذ لا يَلزَمُنا أن نأتيَ على كلِّ كلامه، إذا كان كلُّ كلامه سخيفًا... وسترى في أثناء ما تقرؤه ما يُثبت لك أن هذا الذي وصَفوه بأنه جبَّارُ الذهن، ليس في نار السفُّود إلا أديبًا من الرصاص المصهور المُذاب. ونرجو أن تكونَ هذه المقالاتُ قد وَجَّهَت النقدَ في الأدب العربيِّ إلى وجهه الصَّحيح، وأقامَته على الطَّريق المستويَة؛ فإن النقدَ الأدبيَّ في هذه الأيام ضَربٌ من الثَّرثَرة، وأكثرُ من يكتبون فيه يَنْحَون مَنحى العامَّة، فيجيئون بالصُّورة على جُملتها، ولا يكونُ لهم قولٌ على تفصيلها، وإنما الفنُّ كلُّه في تشريح التفاصيل، لا في وَصْف الجملة... هذا وقد كتبنا مقالات (السفُّود) كما نتحدَّث عادةً؛ لهوًا بالعقَّاد وأمثاله؛ إذ كانوا أهونَ علينا وعلى الحقيقة من أن نتعبَ فيهم تعبًا، أو نصنعَ فيهم بيانًا، فهم هلاهيلُ لا تَشدُّ أحدَهُم حتى يتهتَّكَ وينفتقَ وينفلق...».

    وعبارةُ الرافعيِّ الأخيرةُ تلخِّصُ الجادَّةَ التي سلكَها في مقالاته، والأُسلوبَ الذي انتهَجَه فيها، وقد أفصَحَت عن ذلك إفصاحًا؛ فهو كتب مقالات السفُّود (من رأس القلم)، كأنه يمضي مع خِلٍّ له على سجيَّته في حديثٍ مرسَل، لا يتقصَّد تجويدًا، ولا يلتفتُ إلى صنعة، وما ذاك إلا استخفافًا بالعقَّاد ومن اقتفى أثرَه، فهؤلاء وأمثالُهم أهوَنُ على الرافعيِّ وعلى الحقيقَة من أن يُنصِبَ نفسَه بسببهم، أو أن يُنشِئَ فيهم بيانًا عاليًا.

    مُجمَل مآخذ الرافعيِّ على العقَّاد:
    تقدَّم فيما اقتبسنا من مقدِّمة الرافعيِّ إشارةٌ إلى شيء من مآخذه على العقَّاد، ونذكُر هنا بإيجاز جملةً من ذلك:
    من أوَّل مآخذه عليه: ما يراه فيه من ضَعف في اللغة والأُسلوب والصَّنعة البيانيَّة، وقد صرَّح بذلك في (السفُّود الأوَّل)[12] يقول: «ويدَّعي العقَّاد أنه إمامٌ في الأدب، فخُذ معَنا في تحليله؛ أما اللغةُ فهو من أجهَل الناس بها وبعُلومها، وقلَّما تَخلو مقالةٌ له من لحن، وأسلوبُه الكتابيُّ أحمقُ مثله، فهو مُضطَرب مُختَل، لا بلاغةَ فيه، وليست له قيمةٌ، والعقَّاد يقرُّ بذلك، ولكنه يُعلِّلُه أنه لا يريدُ غيرَه، فنفهَمُ نحن أنه لا يُمكنُه غيرُه».
    ويُلحُّ الرافعيُّ على أن العقَّاد لا يَعدو أن يكونَ مترجمًا ناقلاً، وأحسنُ ما يكتبُه هو أحسنُ ما يَسرقُه؛ كأن اللغةَ الإنكليزيةَ عنده ليست لغةً، ولكنها مفاتيحُ كتب، وآلاتُ سرقة.

    ويؤكِّد الرافعيُّ أن أكثرَ شعر العقَّاد قائمٌ على سرقَة المعاني وانتحالها، من غَير أن يضعَ لها تعليلاً أو يزيدَ فيها زيادةً، أو يجعلَ لها سياقًا ومَعرِضًا، أو نحو ذلك مما يسوِّغ أخذَه إياها، وقد استشهَد الرافعيُّ لذلك بغير قليل من شعره، يُورد أبياتَه أوَّلاً، ثم يُتبعُها بالشعر القَديم الذي سَطا عليه العقَّاد، مبيِّنًا البَوْنَ البعيدَ ما بين الأصل الجيِّد والمسروق المزيَّف، في دقَّة المعاني ورُواء الأُسلوب.
    ويرى الرافعيُّ أن للعقَّاد بضعةَ أبيات حسنة لا بأسَ بها، وألوفًا من الأبيات السَّخيفَة المُخْزيَة، التي لا قيمةَ لها في المعنى، ولا في الفنِّ، ولا في البيان؛ وذلك دليلٌ قاطعٌ لا شكَّ فيه أن الأبياتَ الحسنةَ مسروقةٌ، جادَت بها قريحَةٌ أُخرى، هيهاتَ أن يكونَ عند العقَّاد قليلٌ منها. ولا يفوتُنا التنبيهُ على أن السفُّودَ الخامسَ عَنْوَنَه الرافعيُّ بـ: (العقَّاد اللصُّ).

    ومما يُنكرُه عليه أيضًا: تكرارُه المعاني في الأبيات، وكثرةُ أخطائه في التشبيه وفي العَروض، وأنه لا يَفهَم ما يكتبُه، مما يجعل شعرَه ككلام الجرائد!
    وأزرى به مُدَّعيًا جهله باستعمال الألفاظ؛ اختيارًا، ومَزجًا، وتَركيبًا، ومُلاءمةً بينها، وإخراجًا للألوان المعنويَّة من نظمها وتَركيبها.
    كما نفى الرافعيُّ عن العقاد الخيالَ الشعريَّ، وذوقَ الشعر، والقُدرةَ على العبارة الصَّحيحة الشاعرَة عنه، فيكونُ العقَّاد بذلك شاعرًا بلا شاعريَّة!
    ولعلَّ من نافلة القَول أن نذكِّرَ: أن الرافعيَّ لم يكُن محقًّا في كلِّ ما نبَزَ به العقَّاد، بل في مقالاته هذه غيرُ قليلٍ من التجنِّي والتهويل والمبالغَة!!

    مَقالاتُ السَّفُّود في كتاب:

    طبعة دار العُصور:
    تقدَّم أن مقالات (على السفُّود) نُشرت متتابعةً سنة 1929م، وفي العام التالي (1348هـ - 1930م) أعاد نشرَها الأستاذُ إسماعيل مَظهَر مجموعةً في كتاب، صدر عن داره دار العُصور، ولم يصرِّح باسم مؤلِّفه - على ما كانت الحالُ في المقالات - وأثبتَ على غلافه: بقلم إمام من أئمَّة الأدب العربيِّ.
    قدَّم الأستاذُ مَظهَر للكتاب بمقدَّمة بإمضائه بعُنوان: التعريف بالسفُّود، أفصَحَ فيها عما دفعَه إلى نشر الكتاب؛ وأن السببَ الأوَّلَ في ذلك هو إفساحُ المجال لعَلَمٍ من أعلام الأدب، وحُجَّة ثَبْت من رجالات العَصر، (يعني الرافعيَّ)؛ ليعبِّرَ عن رأيه في صَراحة وجَلاء، في أديبٍ امتازَ بين الأدباء بشيءٍ من الصَّلَف، والزَّهْو بالنفس، والإغْراب في تَقدير الذَّات، (وهو العقاد).
    وثَمَّ سببٌ آخرُ لنشر مقالات السفُّود هو: وَضْعُ النقد في موضعه الصَّحيح، بعيدًا عن المَدْح لمجرَّد المدح، أو الذَّمِّ لمجرَّد النفْع الماديِّ، ولإعطاء الكُتَّاب الحريَّةَ التامَّةَ في التعبير عن آرائهم؛ لتحرير النقد من تقديس الأشخاص.
    ويَختمُ مقدَّمتَه بقوله: «وعسى أن يكونَ (السفُّود) مدرسةَ تهذيبٍ لمن أخذَتهُم كبرياءُ الوَهم، ومثالاً يَحتَذيه الذين يُريدون أن يحرِّروا بالنقد عُقولَهم من عبادة الأشخاص، ووثنيَّة الصِّحافَة في عَهدها البائد».
    ويتعَقَّبُه العُريان في «حياة الرافعي»[13] قائلاً: أما أن تكونَ هذه المقالاتُ مدرسةً للتهذيب، ومثالاً يَحتَذيه النَّقَدَة، فلا... فليس بنا من حاجَة إلى أن يَحتَذيَ النقَدَةُ هذا المثالَ في أسلوب النقد والجَدَل، فيَزيدوا عيبًا فاحشًا إلى عُيوب النقد في العربيَّة. إننا لنريدُ للناقدينَ في العربيَّة أن يكونوا أصحَّ أدبًا، وأعفَّ لسانًا من ذاك.

    الطبعةُ الدمشقيَّة:

    غَبَرَت سنواتٌ طويلةٌ على طبعة دار العُصور، حتى باتَت أعزَّ من بَيْض الأَنُوق قلَّةً ونُدرَةً، فنهضَ الأستاذُ الدمشقيُّ حسن السَّماحي سُوَيدان بالعناية بالكتاب تصحيحًا وتعليقًا، وأخرجَه في طبعة جَديدة بحُلَّة قَشيبَة وإخراج حَسَن، صَدَرَت طبعتُه عن دار البشائر بدمشق، لصاحبها الأُستاذ عادل عسَّاف، في سنة 1421هـ - 2000م، واشتركَت في توزيعها دار المعلَمَة بالرياض.
    ولولا هَناتٌ هيِّنَة يَسيرَة فيها لجازَ لنا أن نقولَ: لقد بلغَت هذه الطبعةُ الكمالَ أو كادَت.
    النفس تجزع أن تكون فقيرة *والفقر خير من غنى يطغيها
    وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت * فجميع ما في الأرض لا يكفيها

  • #2
    الرد: بين اثنين .. الملحمة الكبرى في الأدب العربي

    الاستاذ الكبير الفاضل حادي الكلمات
    امير المنتدى
    تحية الاسلام
    جزاك الله خيرا وبارك الله لك وعليك
    ان كل مفردات ثقافتي لا تفيك حقك
    من الشكر والتقدير
    لك مني عاطر التحية واطيب المنى
    دمت بحفظ المولى
    باحترام تلميذك
    ابي مازن


    تعليق


    • #3
      الرد: بين اثنين .. الملحمة الكبرى في الأدب العربي

      شكرا اخي حادي الكلمات
      لي عوده للقراءه المتأنيه
      تحياتي

      تعليق


      • #4
        الرد: بين اثنين .. الملحمة الكبرى في الأدب العربي

        حادي دوما تحدو بالجديد والمفيد
        لك شكري وتقديري
        واحترامي لما تكتب
        دمت بخير
        وتقبل مروري

        تعليق


        • #5
          الرد: بين اثنين .. الملحمة الكبرى في الأدب العربي

          اضيف في الأساس بواسطة الشاعر لطفي الياسيني عرض الإضافة
          الاستاذ الكبير الفاضل حادي الكلمات
          امير المنتدى
          تحية الاسلام
          جزاك الله خيرا وبارك الله لك وعليك
          ان كل مفردات ثقافتي لا تفيك حقك
          من الشكر والتقدير
          لك مني عاطر التحية واطيب المنى
          دمت بحفظ المولى
          باحترام تلميذك
          ابي مازن

          لك الله يا والدي ، تأبى إلا أن تنسخ لكلِِّ هذه الردود العطوفة الحانية ، ويأبى كلُُّ إلا أن يرفضها مستسمحا منك أن ترحم نفسه من هذا الإكبار والإجلال ، ومستغفرا الله أن يصيبه شيء من هذا الإكبار والإجلال ..

          سلام الله عليك وعلى فلسطين ، ورزقنا رؤيتها ورؤيتك على الحياة ، وإلا بعد الممات في جنة عرضها الأرض والسماوات .. آمين يا رب العالمين ..
          النفس تجزع أن تكون فقيرة *والفقر خير من غنى يطغيها
          وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت * فجميع ما في الأرض لا يكفيها

          تعليق


          • #6
            الرد: بين اثنين .. الملحمة الكبرى في الأدب العربي

            اضيف في الأساس بواسطة صقرالنوايف عرض الإضافة
            شكرا اخي حادي الكلمات
            لي عوده للقراءه المتأنيه
            تحياتي

            عفوا لك يا شاعرنا ..
            وإني لأحثك لهذه العودة .. فإن هذا المقال يتكلم عن كوكبين من الأدب العربي كان لهما في تاريخه أثر أي أثر ، ودور أي دور ..
            بارك الله لك .. ومتعك وأهلك وذريتك بالإيمان والصحة والعافيه ..
            النفس تجزع أن تكون فقيرة *والفقر خير من غنى يطغيها
            وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت * فجميع ما في الأرض لا يكفيها

            تعليق


            • #7
              الرد: بين اثنين .. الملحمة الكبرى في الأدب العربي

              السلام عليكم ورحمة الله
              وأهلا بك أخي حادي الكلمات
              انت سميتها ملحمة كبرى , وبالفعل هي كذلك
              بين عملاقين من عمالقة الادب
              وقد بدأت منذ مدة بقراءة كتابات الرافعي
              والشكر الجزيل لك أخي الفاضل
              على الموضوع القيم والذي
              يستحق العودة مرات عديدة

              تعليق


              • #8
                الرد: بين اثنين .. الملحمة الكبرى في الأدب العربي

                اضيف في الأساس بواسطة ابو المعالي عرض الإضافة
                حادي دوما تحدو بالجديد والمفيد
                لك شكري وتقديري
                واحترامي لما تكتب
                دمت بخير
                وتقبل مروري

                حياك الله أيها الصديق الأستاذ ..

                أبو المعالي ، شكري لكل ردودك وتواجداتِك اللطيفة الوادعه ..

                واحترامي واعتباري لحضورك بارك الله تعالى فيك ..
                دمت بخير إن شاء الله تعالى ..
                النفس تجزع أن تكون فقيرة *والفقر خير من غنى يطغيها
                وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت * فجميع ما في الأرض لا يكفيها

                تعليق


                • #9
                  الرد: بين اثنين .. الملحمة الكبرى في الأدب العربي

                  اضيف في الأساس بواسطة جار القمر80 عرض الإضافة
                  السلام عليكم ورحمة الله
                  وأهلا بك أخي حادي الكلمات
                  انت سميتها ملحمة كبرى , وبالفعل هي كذلك
                  بين عملاقين من عمالقة الادب
                  وقد بدأت منذ مدة بقراءة كتابات الرافعي
                  والشكر الجزيل لك أخي الفاضل
                  على الموضوع القيم والذي
                  يستحق العودة مرات عديدة

                  وعليك السلام ورحمة الله تعالى وبركاته يا جار القمر ..
                  وأهلا وسهلا بك ..
                  فالحمد لله على أن هداك لطريق الرافعي ، عسى أن يسهله لك وينوره ..
                  عد متى شئت ، فقد قرأته أنا شخصيا وعدت له مرات ومرات ، لأنه كان ملهما ، وكل ما يتصل بمطلع القرن العشرين الأدبي المصري إلا شيئا بسيطا .. كان ملهما بكل عباقرته ومفكريه وعلمائه .. ولا أزعم أن هذا المقال يحوي كل شيء عنهما رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته ، ولكنه بلا شك واحد من المقالات الجيدة التي كتبت في هذه الملحمة الكبرى بحسن عرضه ودقة تفاصيله إلى ما ..

                  أشكرك يا جار القمر .. وسلام الله تعالى عليك ..
                  النفس تجزع أن تكون فقيرة *والفقر خير من غنى يطغيها
                  وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت * فجميع ما في الأرض لا يكفيها

                  تعليق

                  تشغيل...
                  X