اعلان

Collapse
No announcement yet.

من حكايات زورك نيميسيس .. حكاية ألفت

Collapse
X
 
  • تصنيف
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts

  • من حكايات زورك نيميسيس .. حكاية ألفت

    ليس مهما أن أرحب بكم .. وليس ضروريا أن تستقبلوني بترحاب .. دعونا نتفق على ما سيحدث .. أنا هنا لأكتب .. وأنتم هنا للقراءة .. ليس من الضروري أن يعجبكم ما سأقول .. وليس علي أن أصدع رأسي بتحملكم .. لذا لنبتعد عن المجاملات .. أنا شيخ مسن من النوع الذي لا يروق لأحد .. وأنتم مجموعة شباب فضوليين من النوع الذي لا يروق لي .. هكذا نكون قد ابتعدنا عن الرسميات البغيضة التي يصر البشر على استخدامها فيما بينهم .. اسمي ليس مهما .. يمكنكم مناداتي باسم زورك .. ولا أود سماع كلمة واحدة عن معنى هذا الاسم .

    أعرف أن الكثير أتى يستمع إلي للبحث عن متعة الرعب .. أنا هنا لأخبرهم أن القبور تكتظ بأمثالهم من الذين ظنوا أن الرعب متعة جميلة .. ثم ماتوا وفي أعينهم نظرة ملتاعة عندما عرفوا الحقيقة ..

    لا رعب في حكاية خيالية ألفها شخص ما أثناء فترة تأمل ... الرعب هو ما تسمعه على لسان صديق ملتاع يحكي لك بعيون متسعة ما حدث معه يوما .

    سأتيح لكم الفرصة لمعرفة أكثر .. ليس مني لأنني مصاب بداء الملل السريع .. ستسمعون كل شيء منهم .. بألسنتهم .. هم يعرفون كل شيء .. لأنهم رأوه رأي العين .. لا تسألوني من أنا .. تذكروا أنكم هنا لتسمعوا .. لا لتسألوا ... وإن لم يعجبكم ما سمعتموه فاذهبوا وفجروا رؤوسكم .. لن يحدث فارقا عندي .. تماما كما أنه لو انتزعت روحي مني في أحد نوبات الصرع الذي ابتليت به فلن يحدث فارقا لديكم ... هكذا اتفقنا ..


    اليوم سيكون الحديث محزنا بالنسبة لي ... لأنه عن زوجتي المتوفاة ... التي لم يستمر زواجي بها أكثر من عام ذهبت بعده إلى الآخرة .. هيا ... أعيروني أسماعكم ..



    حكاية ألفت


    " إنهم حولك .. الكل رآهم وشعر بهم .. الكل فيما عداك أنت أيها المتحذلق "

    - إن بيتنا تحدث فيه أحداث غريبة جدا مؤخرا .. فما رأيك ؟

    قالت لي هذا في عصبية وهي تنظر حولها إلى اللاشيء .. ثم نظرت إلى نظرة تساؤل و استعجال وكأنني الوحيد الذي يعطلها على هذا الكوكب .. لكنني مثل أي بشري ، أحتاج إلى معلومات ولو ضئيلة عن أي شيء قبل أن أبدي فيه رأيا ما .. أما هذا الذي قالته فهو غير قابل للتحليل .. الأمر أشبه بأن تفتح محرك بحث Google وتكتب فيه حرف الميم ، بينما أنت تنوي البحث أصلا عن كلمة موسيقى .. لا تنتظر منه نتائج مشجعة ولو في الصفحة المئة .

    - معذرة عزيزتي ألفت .. هلا أخبرتني بالموضوع من الألف إلى الياء ؟ .. أظن أن هذا من حقي بهذا العقل المتواضع الذي أملكه .

    أخرجت تنهيدة ملل ونظرت إلى في عتاب لا أفهم سببه .. كنا في كافيه يدعى Diva وهو من تلك الكافيهات الغير شهيرة التي تستقطب زبائن الحي الواحد أو الشارع الواحد... فيما بعد ستعرف أن هذه الفتاة – ألفت - هي الفتاة التي وقعت في حبائلها .. أو ربما هي التي وقعت في حبائلي لا أذكر .. أحدنا وقع في هوى الآخر أولا فلم يصدق هذا الآخر نفسه من الفرحة فاعترف له بدوره بكل شيء .. هذه قصتنا ببساطة شديدة .


    لن أضيع وقتك في وصفها .. فالمحبين عادة يجدونها فرصة لا تعوض للثرثرة عن جمال الحبيبة و رقتها .. لكنني سأقرب الصورة إلى ذهنك .. إنها تشبه Filiz .. أو Tuba Büyüküstün الشخصية التي تحول اسمها عندما عبرت من تركيا إلى العالم العربي ليصبح "لميس" .. الأمر الذي لم أستسغه أبدا ولن أفعل .. فأنت عندما تحب شخصا لفترة طويلة و أنت تعرف أن اسمه كريم مثلا ... لن تستسيغه بعد اليوم إذا تحول اسمه ليصبح سيد أو عباس .. الأمر صعب .. حتى اسم المسلسل الذي أحببناه كلنا ( تحت شجرة الزيزفون ) تحول ليصبح ( سنوات الضياع ) .. هؤلاء سفاحين وليسوا مترجمين .

    نعم كان اسمها ألفت .. ونعم أحببتها .. الكل يقول لها أنها تشبه Filiz .. هذا يغضبها جدا لأنها تكره هذا المسلسل و تكره كل من يشاهده لسبب أجهله ..... لكن التوافق الذي وجدته بيني و بينها و الذي تعدى 100% هو ما جعلها أميرتي .. كفاك حسدا ودعنا نكمل .. فألفت كانت لديها قصة نجحت في إثارة شهيتي حقا ... وسأسلمها القلم الآن لتتحدث حتى أريحك من ثرثرتي لبعض الوقت .


    إن أبي كثير الأسفار .. لا أراه أكثر من مرة كل أسبوع تقريبا .. لذا فأنا أنام مع أمي كل ليلة .. ليس هناك أجمل من النوم مع دفء وحنان الأم .. يستحيل أن تقلق ليلا أو تخاف أو تزورك الكوابيس .. قد تكون الأم ضعيفة جسديا لكن لو أن غوريلا إفريقية كسرت علينا الغرفة الآن ودخلت لن أشعر بالخوف طالما أنا معها... لكن ما حدث في تلك الليلة لن أنساه ما حييت .


    كانت ليلة بلا قمر على الإطلاق .. أراهن أنه لا توجد حتى نجوم في السماء .. إنها تلك اللحظة التي يسكن فيها كل شيء ولا تسمع سوى صوت دقات الساعة الممل .. هذا هو الصوت المزعج الوحيد الذي يمنعني أن أنام كل يوم .. أحيانا يدخل هذا الصوت في أحلامي .. عندها أجدني أحلم مثلا بأن أحدهم يدق مسمارا في الحائط ويظل يفعل هذا لمدة طويلة جدا بشكل مستفز...حتى أستيقظ فأكتشف أنه صوت الساعة إياه .... ها هو النوم أتى يتسلل إلى فأستسلم له في سعادة .. على الأقل أتى ليريحني من دقات الزمن المزعجة المعلقة على الحائط أمامي .

    بعد قليل استيقظت .. الدقات لازالت كما هي ... ياللإزعاج .. فكرت أن أتحول على جانبي الآخر عل هذا يخفف الصوت قليلا .. نحن نكون أغبياء جدا أثناء النوم .. لكن مهلا .. أنا ثقيلة جدا .. وكأنني زدت ألف كيلوجرام دفعة واحدة .. حاولت النظر إلى جسدي لأتأكد أنني لازلت على رشاقتي التي أحافظ عليها منذ ولدت لكنني لم أستطع حتى النظر .. رأسي ثقيلة جدا هي الأخرى ... لكن لا ... الناس لا يثقلون هكذا فجأة .. الأمر أكبر من هذا .. إنه شلل تام ... شلل تعدى مرحلة الشلل الرباعي بكثير .. يا إلهي .. كنت أبكي .. لم أظن قط أنني سأشل يوما ما .. فجأة تحررت .. تمكنت من تحريك يدي فجأة ... ما الذي يحدث لي ؟ هل هذه أعراض الموت ؟ ... بكيت مرة أخرى .. بكيت حتى تمكن مني النوم مرة أخرى .


    أتى اليوم التالي سريعا .. قمت من السرير وأنا أنظر حولي في توتر .. لازلت أذكر ما حدث .. هناك شيء ما زارني أمس و أطبق على صدري ليلا .. دخلت أمي الغرفة فجأة .. كانت تنظر إلى نظرات قلقة جدا .. سألتني إذا كنت بخير .. لكنني لم أكن .. حكيت لها عن كل ما حدث معي أمس .. أمي كانت تنام بجانبي على نفس السرير .. في الواقع لم تبد مندهشة كثيرا .. كانت تخبيء شيئا ما .

    بعد طول نقاش مع أمي عرفت ما كانت تخبئه عني .. استخرجت منها الكلام استخراجا .. كانت تخبيء قصة أرعبتني جدا ... قالت لي أمي أنها رأت كل شيء .. قالت أنها استيقظت من نومها فجأة قلقة علي بلا سبب معين .. ونظرت ناحيتي فرأته .. رأت كيانا بشعا أبيض اللون يجثم علي .. فزعت أمي وحاولت أن تقوم لإبعاده قبل أن تفكر أصلا ما هو .. لكن ذلك الكيان الأبيض صفعها بيده على وجهها فارتدت نائمة و أصيبت بشلل طويل جدا .. ولما أفاقت منه نظرت إلي فوجدتني نائمة في سلام ... ظنت أمي أن كل هذا كان كابوسا .. فأكملت نومها كأن شيئا لم يكن .


    أكثر ما يرعبني في القصة هو أنني لم أجرب على أمي كذبا قط .. هي ليست من النوع الذي يحب اختلاق القصص الخيالية .. أنا أعرفها جيدا .. وطالما قالت أن هذا قد حدث فقد حدث حتما .. في هذا اليوم كنت متوترة جدا وكذلك كانت أمي ... نزلت من البيت وذهني مكدود من التفكير .. ربما أقابل أحمد فأخبره عما حدث .. هذا الفتى يفهم في هذه الأمور .. لكنني لم أقابله .. لما دخلت إلى البيت ثانية بعد العصر كانت أمي تشغل الراديو على القرآن الكريم .. وكان الصوت مضبوطا على أعلى درجة يستطيعها المسجل .. كان الصوت عال جدا جدا .. إنها متوترة حقا .. لكن هذا طمأنني نوعا ما رغم كل شيء .. ألا بذكر الله تطمئن القلوب .


    كنت مع أمي في المطبخ أساعدها و أنا أتذكر قصة الكيان الأبيض ..عندما اتصلت بأحمد ضحك وقال أنه صديقه الجاثوم أتى ليطمئن علي .. ياللسخافة .. و فجأة سمعت أنا و أمي صوت تكسير زجاج من بين أصوات المسجل العالية .. ثم سمعناه مرة أخرى أعلى و أعلى حتى زاد على صوت المسجل نفسه .. الأمر كان وكأن كل زجاج المنزل قد انهار فجأة ... أطلقت أمي صرخة مرعوبة .. خرجت من المطبخ سريعا لأرى ماذا حدث .. لكن لا شيء .. كل نوافذ المنزل بحالة رائعة .. ولا توجد أي قطعة زجاج تشير لأي شيء .

    لن أصف لك حالة أمي و الأذكار التي اندفعت ترددها فجأة في رعب .. فتحت النوافذ لأتأكد .. ربما أتى الصوت من الخارج .. لكن لا شيء .. أغلقت أمي المسجل .. و نظرنا إلى بعضنا في رعب .. نظرات حملت الكثير من الكلمات ... وقادنا حوار النظرات إلى أن نخرج من البيت قليلا حتى يأتي أخي يوسف.. ويوسف فتى شجاع يعرف كيف يشعرك بالأمان دائما .


    أيام مرت وراءها أيام .. أمي و أخي يوسف أقسما أنهما رأياه أكثر من مرة .. رأيا الجان يتحرك داخل المنزل ... أقسما بأغلظ الأيمان ... وأنهما رأياه ذات مرة معا .. مما ينفي أي احتمال للهلاوس ... هذا أمر لا يمكن السكوت عنه .. نحن نحتاج لمساعدة أحدهم ... و أحدهم هذا لا أدري ماذا ستكون مهنته .. بعض الناس يحتاج لطبيب .. البعض يحتاج لسباك أو لنجار .. لكن لا أدري ماذا سنحتاج نحن بالضبط .. سمعت عن طرد الجان من المنزل بطرق معينة لكنني لا أعرف كيف .. سأقول ما حدث لأحمد .. أنتم تعلمون أنه يفهم في هذه الأمور .


    انتهت حكاية ألفت .. هناك فتاة تشعر وأنت جالس معها بالسخافة ... وهناك فتاة تشعر وأنت معها بالتفاهة و السطحية .. هناك فتاة تشعرك بأنك رجل ... وفتاة تشعرك بالجنون .. وهناك فتاة تشعر وأنت جالس معها بالراحة .. وهذه الأخيرة هي من يحبها قلبك .. هذا ملخصنا نحن معشر الرجال .. بالنسبة للأنثى فإن هناك رجل تشعر الفتاة وهي معه بالراحة .. وهناك رجل يشعر الفتاة بالحب .. و آخر تشعر الفتاة معه بأنها رخيصة .. ورجل يعطي الشعور للفتاة دائما بأنها من أهل الطبقة الثانية و أنه من الطبقة الأولى لأنه رجل .. وهناك رجل تشعر الفتاة وهي معه بالأمان .. وهذا الأخير هو حبيبها .. الأمر بهذه البساطة .. ولا أدري لماذا تحتار بعض الفتيات حقأ .


    دعنا نفكر .. مبدئيا فألفت زارها الجاثوم في أبشع صوره .. ليس هذا فقط بل إنه أتى بأصدقائه من الجان معه إلى المنزل .. ثم إنه وصل لمرحلة أن يمد يده اللزجة و يصفع والدتها .. إنه يتحدى إذن .. ألفت أصبحت تعيش في منزل مسكون . هذا أمر مفروغ منه .. وبالنسبة لخبرتي في المنازل المسكونة فهي خبرة لن تفيدها إطلاقا لأنني كونتها من آلاف أفلام الرعب التي شاهدتها عن المنازل المسكونة .. هناك منزل تعرف في آخر الفيلم أنه أقيم على أنقاض مقبرة ملعونة .. أو أنه يجاور مقبرة ملعونة .. أو أن الجن هم أهل المنزل الأصليين بينما اشترته عائلة مسكينة ظانين أنه شاغر حقا كما يدعي المستأجر ..... لن أفيدها بهذا الهراء .. لكنني على الأقل أعرف من يفيدها حقا في هذا الأمر .

    توجهت إلى مسجد الحي .. هذا هو المسجد الذي كنت أذهب فيه إلى " التحفيظ" يوميا في اسطنبول في صغري ... هذا يعيد لي ذكريات جميلة جدا و مؤلمة جدا في نفس الوقت .. ذكريات الأستاذ فازيل ( فضيل ) ذو النظارات إياه وصديقه الشيخ فاروق .. هذا الثنائي كان يحفظنا القرآن في صغرنا .. الأستاذ فازيل لازال موجودا .. هو حتى الآن إمام المسجد و خطيب الجمعة .. إنه خريج جامعة إسلامية ما لا أذكر اسمها .. الآن هو شاب في الثلاثينات .. ولقد عشنا معه قبل عشر سنين أيام لم تكن لطيفة إطلاقا هو و عصاه الرفيعة المرنة المؤلمة جدا ... لم أكن أعرف أنني سأحتاج يوما ما إلى الأستاذ فازيل .


    هناك ما يشبه قاعة وراء المسجد وملحقة به هي التي كنا نحضر فيها التحفيظ وفي داخل القاعة هناك غرفة صغيرة هي غرفة الأستاذ فازيل .. الغرفة التي لم ندخلها قط ولم نرد يوما أن نفعل .. الآن دخلتها أخيرا .. كانت غرفة مكتب بسيطة جدا .. ابتسامة علت وجهه فور أن رآني .. هذا الرجل لم يتغير .. ولو أتيت بعد عشر سنين أخرى سأجده كما هو .. أعرف هذا الطراز من الناس جيدا .. لم يبد اندهاشا وأنا أخبره بحكاية ألفت ... أعطى لي شعورا بأن الموضوع عادي جدا وأنه يحدث كل يوم تقريبا وأن علي ألا أقلق .... قال شيئا عن أننا سنذهب غدا للمنزل ونقرأ فيه كلنا سورة البقرة بصوت عال ...بعدها لن يقرب المنزل أي جان .. هذا رجل يعرف تماما ما يفعله .

    ذهبت مع الأستاذ فازيل بصفتي خطيبها الهمام .. وقفت معه أمام بيتها .. مد يده و رن الجرس في هدوء وأنا وراءه .. هذا الرجل قفاه لم يتغير أبدا .. أتساءل لو أن الـ .... فجأة فتح الباب .. لحظات تعارف قصيرة سمحت لنا فيها والدة ألفت بالدخول .. كان يبدو أن الجميع بانتظارنا بالداخل .

    إنها المرة الأولى التي أدخل فيها بيتا مسكونا .. هؤلاء الجن لا أفهمهم .. هم يعلمون أننا نجتمع الآن لطردهم .. لو أنني في مكانهم لتصرفت بعنف فعلا ... هاقد أجلسنا الأستاذ فازيل في حلقة كما يحب أن يفعل دائما .. كانت المجموعة تضمني أنا و ألفت - التي أراها لأول مرة تغطي شعرها بتلك العباءة والإيشارب المصري - ويوسف أخوها ووالدتها علياء و الأستاذ فازيل ... أخبرنا الأستاذ أن الأمر سيأخذ وقتا طويلا نوعا ما لأن سورة البقرة طويلة .. قال أنه سيقرأ ونحن نردد وراءه في صوت واحد قوي .. وسنفعل هذا في كل آية حتى ننهي السورة .. بعدها لن يجرؤ جني على الاقتراب من هنا لأن سورة البقرة حصن قوي .

    انتهينا بعد ساعات .. الأستاذ فازيل تعب و أخذ يجفف عرقه ثم قام واستأذن ورفض أن يأخذ أي نقود .. لا أصدق أن القصة انتهت هنا .. لم أرو ظمأي بعد .. ظننت أننا سنرى شياطين بالداخل .. لكن ما حدث في اليوم التالي أذهلني بمعنى كلمة أذهلني .. لم يذهلني وحدي بل إنه أذهل كل سكان حينا ... أذهلهم لدرجة أنهم كانوا يمشون في الشارع يحدثون أنفسهم كالمجانين .. وأنا أولهم .

    ما حدث هو أنه وفي وقت متأخر من الليل .. حوالي الساعة الحادية عشرة تقريبا .. سمع الكل صوت سيارة الشرطة .. لكنها شرطة غريبة لم أرها في اسطنبول من قبل .. شرطة الآداب .. كان هناك تجمهر من الناس أمام مسجد الحي .. كنت في الشارع وقتها فذهبت تلقائيا إلى هذا التجمع لأرى ما المشكلة ... بعض الواقفين غاضبين جدا .. سيارة شرطة الآداب تقف أمام المسجد .. وتحديدا أمام باب القاعة التي كنا نحضر فيها التحفيظ قديما .. وفجأة خرج الـ .... يا إلهي .. كان الأمر يفوق قدرتي على التحكم بأعصابي .

    خرج مجموعة من رجال الأمن وهو يمسكون بالأستاذ فازيل وليس على جسده سوى منشفة يحاول أن يغطي بها عورته و بجواره فتاة تغطي عريها التام بملاءة بيضاء تكشف أكثر مما تستر .. نعم كانت فضيحة الموسم وكل موسم ... الأستاذ فازيل ... وفي المسجد .. تبا للحظ الذي جعلني أعيش في دولة بهذه القذارة .

    انتهى الأستاذ فازيل تماما ... وانتهت معه ثقتنا في كل البشر .. هناك أناس لا يمكن أن تصدق أن .. تبا ... كان هناك تفسير مرعب اهتديت له بعد أن هدأت قليلا .. إنه يتعلق باليوم السابق للقبض على الأستاذ فازيل .. اليوم الذي كان يحاول فيه طرد الجان من منزل ألفت ... نعم ... الأمر ليس له تفسير آخر ... فهذا الرجل سمعته رائعة منذ أكثر من 20 سنة أو أكثر .. فما الذي يجعله يفقد كل شيء وتفضح كل أوراقه هكذا فجأة وفي هذا اليوم بالذات ؟ .. إن وراء هذا قوة لا قبل لنا بها .. وكل ما أعلمه هو أنني كنت مساعده .. و أنني التالي حتما .. وما حدث بعدها أكد لي كل شيء ....بل إنها لم تصبح شكوكا على الإطلاق .. لقد تحولت لوقائع مريعة لن أقدر على نسيانها مهما حاولت ... وللحصول على الصورة كاملة أرجح أن تحكي ألفت الجزء المتبقي من القصة .

    لم ينته أي شيء .. بل زاد .. بيتنا أصبح مرعبا إلى حد لا يصدق .. حتى الجيران أصبحوا يدقون بابنا في أوقات متأخرة لنكف عن أصوات الصرخات التي نحب أن نطلقها ليلا والناس نيام .. وطبعا لن يصدقنا أحد أننا لسنا أصحاب هذه الصرخات .... حتى أتى ذلك اليوم ...ذلك اليوم الذي رن فيه جرس الباب حوالي الساعة التاسعة .. بعد صلاة العشاء مباشرة ... ذهب أخي يوسف ليفتح الباب .. نظرت له لأستشف منه شيئا عن القادم .. كان يوسف يتحدث مع أحدهم في دهشة .. لا ريب أنه واحد من هؤلاء الجيران ثانية .. لكن لا .. يوسف ينظر إلى الداخل في توتر ... لابد أن القادم يريد أن يدخل ... طلب مني يوسف أن أذهب لأنادي أمي بسرعة ... أتت أمي من الداخل تلقائيا لترى من القادم .. كان يوسف يتحدث على الباب مع شيخ كبير في السن عليه هيبة الشيوخ الكبار بثوبه الغريب و لحيته الحمراء ... طلب منا الرجل ببساطة أن يدخل .

    دخل الرجل بخطوات بطيئة وهو ينظر إلى الشقة في ارتياب .. هذا رجل لن تصدق حجم لحيته ما لم تراها .. جلس الرجل على أقرب كرسي وجده أمامه .. وهرعت أمي إلى المطبخ لتحضر مشروبا ساخنا ... و بدأ الرجل يتحدث ... وفهمنا كل شيء .

    إن الحي كله الآن عرف أن بيتنا مسكون .. و الحقيقة أن كل من في الحي يخاف من الاقتراب من عمارتنا .. وجيراننا يعيشون في رعب ليلة بعد ليلة ... أخبرنا الشيخ أنه مبعوث من مسجد الحي .. قال أن لديه خبرة في هذه الأمور بالذات وأن علينا ألا نقلق .... دخلت أمي بصينية عليها الشاي ... رفض الرجل بأدب لكن أمي ألحت عليه .. ثم إن الرجل قد نظر إلي وابتسم و طلب مني مصحفا ... لم يكن يطلب كان يأمر .. يالهيبة هذا الرجل .. قمت من مكاني سريعا و أحضرت المصحف ووضعته أمامه .

    أخرج الشيخ نظارات صغيرة من مكان ما في ثيابه و طلب مني أن أفتح له على سورة الجن لأن نظره ضعيف جدا ولا يمكنه أن يرى جيدا ... سورة الجن .. نعم أعرف مكانها ... ثم طلب مني في أدب أن أذهب لأرتدي العباءة .. حقا أحب الرجل المؤدب ... إن جوالي يرن منذ فترة .. إنه أحمد كالعادة ... هذا الفتى لا يهدأ أبدا .

    بدأ الرجل يقرأ آيات معينة من سورة الجن .. ثم يتوقف ليرشف رشفة من الشاي الساخن ثم يتابع ... ثم طلب مني أن أفتح له على سورة " قَ " .. نظرت إليه .. حقا لحيته كبيرة جدا ... ثم انتفض قلبي من مكانه فجأة ... هذا الرجل يرشف الشاي منذ ربع ساعة ولم تنقص من الكوب قطرة .. لازال مستوى الشاي في الكوب كما أتت به أمي ... ثم إن هذا الرجل لا يمس المصحف .. حتى أنه يطلب من يوسف أن يقلب له الصفحات .. ثم كيف يقول أن نظره ضعيف جدا لدرجة أنه لا يرى أسماء السور بينما هو يقرأ أمامي منذ ربع ساعة ... هذا الرجل ... فجأة قمت من مكاني مسرعة ناحية غرفتي .... يا إلهي هذا الجالس بالخارج ... إنه شيطان .

    اتصلت فورا بأحمد الذي كان وكأنه ينتظر الاتصال ففتح منذ أول جرس .. حكيت له كل شيء بكلمات سريعة .. كنت عصبية جدا ومنفعلة جدا ... المسكين كان قلقا علي جدا .. قال لي أنه في طريقه إلي فورا ... لا أدري ماذا سيفعل .. أو سأفعل أنا بكونه في طريقه إلي من عدمه ... سألته عما أفعل مع هذا الجالس في الخارج ... قال لي أن أحاول أن أخبر أمي أو يوسف بالأمر .. و قال أنه يستحسن أن نطرد هذا الشيء بطريقة مؤدبة من المنزل .. قال هذا ثم أغلق الخط .

    سمعت صوت الرجل يعلو بقراءة القرآن ... إن له صوتا رفيعا لزجا غير محبب ... لكن إذا كان جنا أو شيطانا فكيف يقرأ القرآن ... بدأت أفقد عقلي .. وقفت على أعتاب غرفة الجلوس ... رأيت الرجل منهمك في القراءة .. وأمي متوترة .. أعرف أنها تشعر بشيء ما .. إنها تشعر دائما بأي شيء سيء قبل حدوثه .

    مشيت ببطء حتى جلست أمام الرجل وهو يقرأ .. نظر لي نظرة سريعة لن أنساها ... هذا الرجل لا يمكن أن يكون شيخا .. إن بريق عينيه هو بريق عيني شاب قوي في الثلاثين ... أخذ الرجل يقرأ ويقرأ .. ويوسف تعب حقا من تقليب الصفحات هنا وهناك وهو لا يدري لهذا سببا ... وفجأة انقطع التيار الكهربائي و أظلمت علينا الدنيا .

    صرخت أعظم صرخة في العالم ... وصرخت أمي على صراخي .. أين يوسف ؟ ... لازلت أرى الشيخ جالسا بهدوء بهذا البريق في عينيه ... إنه مخيف ... صرخت وحاولت أن أقوم من مكاني لأفتح أقرب نافذة .... لكنني سمعت صرخة يوسف فالتفتت ورائي ... هناك نار اندلعت من مكان ما ... كل النيران تبدأ صغيرة ثم تكبر .... أما هذا فبدأت كبيرة .... أرى الشيخ على ضوء النار ... إنه لا يفعل شيئا سوى النظر إلينا ... أقسم أنه شيطان ... و صرخت ... صرخت بقسوة .

    أسمع دقات عنيفة على باب شقتنا .. هناك من سمع صراخنا .. الرعب شل حركتي وتفكيري فلم أفكر أصلا أن أفتح الباب .. ثم إن النيران أصبحت تندلع من كل مكان ... الدقات تزداد عنفا ... هناك من ينادي باسمي من الخارج ... وفجأة انكسر الباب .

    انتهت حكاية ألفت للمرة الثانية .. نعم كنت أنا الذي كنت على الباب أضربه بعنف .. أنا و أقوى من وجدت في طريقي من الشباب حتى انهار الباب أمام ضرباتنا ... رأينا ألفت جالسة على الأرض تصرخ في هيستيريا ... يقلدها في ذلك كل من يوسف ووالدتها ... كلهم يصرخون ... فقط يصرخون ... كأنهم يعقدون بينهم مسابقة للصراخ ... البيت في حالة رائعة جدا ونظيفة و لا يوجد ما يدعتو لهذه الهيستيريا .. تحدثت ألفت عن نيران وعن تيار كهربائي مقطوع .. وعن الشيخ ذو اللحية الحمراء الذي كان هنا ثم اختفى ... لكنها لم تكمل ... كانت قد فقدت الوعي ... مسكينة حقا .

    كانت تلك هي آخر ليلة تقضيها تلك العائلة في ذلك البيت الذي سكنه الجن فجأة ... انتقلوا إلى حي آخر تماما .. بعيد تماما ... إنه انتصار الجن ... الجاثوم الذي يضرب كل من يحاول أن يعطله عن تأدية عمله ... الأستاذ فازيل الذي اختار نهايته عندما ادعى قدرته على طردهم .. ثم الشيخ العجوز الذي يدق بابك ليلا ليخبرك بأنه طارد للأرواح الشريرة ... الشاي الذي لم ينقص .. المصحف الذي لم يمس ... الآيات المعينة التي يقرأها و التي علمت أنها أحد وسائل تحضير الجن ... النار و انقطاع التيار الذان لم يراهما أحد غير من كان بالداخل .... لقد أدخلوا الشيطان إلى منزلهم وقدموا له مشروبا ساخنا بينما يمارس هو طقوسه في استدعاء المزيد من أعوانه .

    لكن ألفت تنسى سريعا ... وتتكيف مع أي وضع سريعا .. ها أنا أراها اليوم في قمة تألقها وجمالها وكأن شيئا لم يكن ... كثيرا ما أضبط نفسي و أنا أحاول تذكر لون عينيها .. الأوراق الرسمية تقول أنها خضراء ... لكنني أرى أن لونها لا يبقى على حال .. أحيانا تكون عيناها رماديتان .. وأحيانا عسليتان .. هذين عينان يتحديان قوانين علم وظائف الأعضاء .. هذين عينين أحببتهما جدا وأحباني جدا .


    سأرتاح من الكتابة في شهر رمضان

  • #2
    الرد: من حكايات زورك نيميسيس .. حكاية ألفت

    شكرا لك اخي الفاضل على هذه المشاركات المميزه

    دمت بخير

    تعليق


    • #3
      الرد: من حكايات زورك نيميسيس .. حكاية ألفت

      يكفي مرورك الجميل علي دائما أيها الصقر


      سأرتاح من الكتابة في شهر رمضان

      تعليق

      تشغيل...
      X