اعلان

Collapse
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الجريمه الالكترونيه ..

Collapse
X
 
  • تصنيف
  • الوقت
  • عرض
Clear All
إضافات جديدة

  • الجريمه الالكترونيه ..

    في إحدى زوايا الصالة الصغيرة، جلست تانيا مشدودة الظهر تعزف بأناملها الرشيقة لحناً من باليه "كسارة البندق" لتشايكوفسكي، التي أحبتها منذ الصغر،غداً تسافر مخلفة وراءها بترسبرج، نحو عالم جديد، انفتحت آفاقه لها، عبر نافذة إنترنت.. ما إن انتهت تانيا من عزفها حتى أغلقت غطاء البيانو الذي سيفارقها بعد قليل، فقد إضطرت لبيعه لتغطية نفقات مشروع السفر الذي هي بصدده، والحزن المكبوت يكاد يقفز من عينيها.

    لحظات وطرق باب الشقة شخصان فقادتهما تانيا إلى موقع البيانو.. إنسلت إلى غرفتها، وأجهشت بالبكاء، لم يكن حزنها بسبب تفريطها بآلة رافقتها لحظات الحزن والفرح في حياتها فحسب، وإنما لشعورها بأنها فقدت اليوم أمها التي مضى على وفاتها ثلاث سنوات بعد إصابتها بالسرطان.. أمها التي كانت تعزف على البيانو بشكل رائع، دفع تانيا لتعلم العزف بحماس.قبل أكثر من سنة تشاركت تانيا مع صديقتها أولجا بشراء جهاز كمبيوتر والاشتراك بإنترنت، من أجل تحسين فرص كل منهما في العمل ،وفي إحدى المرات التي كانت تجوب فيها إنترنت، للإطلاع على عالمها الواسع، تعرفت بالصدفة، ضمن أحد مواقع الدردشة (chat)إلى شاب أمريكي.. ومن خلال الحوار الحي والرسائل عبر البريد الإلكتروني وجدت نفسها تنجذب إليه لما بينهما من إتفاق في كثير من الأمور.. كانت صريحة معه في أمور حياتها، وكان دائماً يوافقها على آرائها، وبدأ يشجعها على زيارة أمريكا.. إقتنعت تانيا بتلك الفكرة، إلا أنها كانت تؤجلها،وعندما تيقنت من مشاعرها وصدق مشاعر من أحبت، وبعدما إتفقا على الزواج، إتخذت قرارها بالسفر، إلى حيث ستتحقق أحلامها.. قدمت إستقالتها من عملها، وباعت كل ما لديها من أجل تأمين متطلبات السفر..إنطلقت الطائرة تحلق عبر الأطلسي، والقلق يسيطر على تانيا، في المطار إستقبلها جيم بحفاوة، ولم تغب عنه ملاحظة جمالها الذي بدا أعلى بكثير من صورها، وقد أسعدتها ملاحظته تلك وبددت بعضاً من إرتباكها. وفي الطريق الإقامة في الفندق في الفترة الأولى، بدون أن تشير بالطبع إلى حذرها الذي تعتبره وسيلة للأمان ،عاشت إسبوعاً جميلاً، شعرت خلاله بالراحة بعدما تعرفت عن قرب على الشخص الذي أحبته عبر المسافات الشاسعة، وبالتالي فقد تلاشت تلك المسافات وبدأ حذرها أيضاً بالتلاشي.. وقبل نهاية الأسبوع كانت قد إنتقلت إلى شقة جيم، رغم أنهما لم يبحثا حتى ذلك الوقت موضوع ترتيبات الزواج..بدأ جيم يحضّرها، كما قال، للإنخراط في المجتمع الأمريكي، وكانت البداية سهرة في فيلا رائعة في إحدى ضواحي نيويورك، عند أحد معارفه المهمين ، ورغم أنها كانت محط أنظار وإهتمام الكثيرين، إلا أن شعوراً دفيناً بعدم الارتياح كان يلازمها! هل كان ذلك بسبب إنشغال جيم عنها مع الموجودين بعدما همس في أذنها بأن عليها التصرف بحرية وثقة ،لكن الذى زاد من غيظها تعامل البعض معها على كأنها قادمة من كوكب آخر سكانه يثيرون الإستغراب والشفقة، ولم يقصر أحدهم بتقديم تهانيه لي بالخلاص من العيش في ذلك البلد البائس، خاصة أن تلك الحياة لا تلائم الفتيات الجميلات أمثالي! وكان قد مضى على وجودها في نيويورك أكثر من أسبوعين، قررت تانيا أنه آن الأوان لتناقش مع جيم أمر زواجهما، وقبل أن تفتح الموضوع أخبرها أن لديهم زائراً على العشاء، وهو شخص مهم، يعمل عضو مجلس إدارة أحد الفنادق الراقية، وبإمكانه تأمين عمل جيد لها، وسيترك أمر تحضير أمور العشاء لها، وخاصة أنه مضطر لمغادرة البيت بسبب عمل مهم لديه، وسيعود في الساعة الخامسة.خلال النهار بذلت تانيا جهدها في تحضير وجبة العشاء، ولأول مرة منذ أن وصلت نيويورك، شعرت أنها في بيتها، وأن الشعور بالغربة بدأ يختفي. وفى المساء حضر الضيف الذي كانت تانيا قد تعرفت إليه في سهرتها الأولى، وقد لاحقها يومها بأسئلة وجدتها مزعجة..قدم لها هدية، أحرجت من قبولها، لكنها آثرت الصمت، وتناول الضيف العشاء مبدياً إعجابه، وعلق بأنه كان يظن أن الجميلات لا يجدن أمور المطبخ. ردت تانيا بسذاجة، بأنها تهتم لأمور البيت والعائلة أكثر من إهتمامها بالجمال!

    إنتهى العشاء وعندما أراد جيم أن يقدم لضيفه المزيد من الشراب، فوجىء بنفاذه، فإعتذر وإستأذن أن يذهب إلى مكان قريب للشراء، وافق الضيف، فيما لحقت به مبدية إستغرابها من ذلك، وطلبت منه بعفوية أن ترافقه فبادرها قائلاً: لن أغيب كثيراً، ومؤكد سأكون هنا في الصباح! جحظت عينا تانيا، فضحك وإنصرف، وفهمت أنه يمزح ، وعندما جلست تانيا مع ضيفها راح يطرح عليها أسئلة وجدتها بعيدة عن الذوق والكياسة. سألها : ماذا كنت تعملين في روسيا؟

    أجابت: عازفة بيانو.. أبدى إعجابه قائلاً : آه.. حقاً.. رائع..

    تابع: وهل ترقصين؟ ردت باقتضاب: تعلمت رقص الباليه عندما كنت صغيرة، ثم توقفت في الرابعة عشرة.

    أقصد الرقص الاستعراضي.. قطبت حاجبيها قائلة: ماذا تقصد؟!

    قال: تأتي الكثير من الفرق الروسية للرقص هنا، والفتيات فعلاً رائعات.. ألم تفكري في العمل؟

    قالت: أفكر طبعاً، لكن عندما تستقر أموري.

    عرض مساعدته، فشكرت له اهتمامه، واستأذنت بترتيب بعض الأشياء، وإنسلت إلى المطبخ، لحق بها.. سألته إن كان يرغب بفنجان من القهوة؟ نظر إليها ملياً، وبوقاحة.. إستغربت سلوكه وطلبت منه أن يلتزم حدوده ريثما يحضر جيم فهو لن يتأخر. إبتسم قائلاً: ربما لن يعود قبل الصباح!!

    تلقت العبارة كالصفعة، وسألته ماذا يعني! فكان جوابه صريحاً ووقحاً. ذهلت إبتعدت مسرعة.. جذبها بقوة فضربته وهددته، إبتعد قليلاً ومد يده إلى جيبه وإستل هاتفه، وطلب رقماً.. وجه عبارته إلى جيم : تعال فوراً وإستلم.. بضاعتك مضروبة! صدمتها العبارة.. هل هي المقصودة بالبضاعة؟ كان تفكيرها مشوشاً. ففي البداية إعتقدت أن ما قام به مجرد سلوك وقح من ضيف إستغل غياب مضيفه، لكن حديثه الصريح بين لها حقيقة الوضع، وأن الأمر إتفاق مسبق، يدخل ضمن بنود العمل والتجارة.. طالما أن المصطلحات المتداولة بين الأطراف من قبيل بضاعة، وإستلام وتسليم..تهاوت على كرسي قريب.. جلست والأفكار المتضاربة تعصف برأسها.. وبين تلك الأفكار تلمح أحلامها، بل وحياتها بأكملها تنهار تحت أقدام قاسية..وسرعان ما حضر جيم وفوراً راح يعتذر للضيف، وبأن ما حدث ناتج عن سوء تفاهم، وسيعمل على إزالته.. جلسا يدخنان، وأصر جيم على ضيفه أن يتناول كأساً قبل مغادرته، يغسل ما لحق به من إهانة، وأخرج زجاجة من الخزانة!! شعرت بضيق في التنفس، مشت نحو النافذة، لم تعد تريد أن تسمع شيئاً.. فتحت الباب وخرجت إلى الشرفة الصغيرة. تلألأت أضواء المدينة، وكأنها نجوم تسبح في الفضاء.. شعرت بنفسها نقطة في بحر من الأضواء..طافت بها الذاكرة بعيداً.. كل ما تركته هناك في المدينة الجميلة كان من أجل سراب.. برز وجه أمها من بين الأضواء.. واقترب منه وجه والدها الذي توفي وهي في السابعة عشرة من عمرها بدون أن يترك الشيء الكثير.. إستعادت كيف تخلت بشجاعة وألم عن حلمها في متابعة دراستها في الكونسرفاتوار، وعملت في تدريس البيانو لتتعاون وأمها التي كانت تعمل ممرضة، على صعوبات الحياة، التي راحت تأخذ منحىً قاسياً ، ومن شرفة في الطابق السابع عشر في مدينة نيويورك طارت الفتاة جميلة ملبية نداء الأضواء، لتنهي رحلة خيالية بدأت بحلم جميل على شبكة إنترنت في بترسبرج قبل ستة أشهر .. وإنتهت بمأساة على أحد شوارع البلد الذي أطلق هذه الشبكة!!




    ايهاب ..
تشغيل...
X