اعلان

Collapse
No announcement yet.

هل أمريكا هي (رأس الكفر)؟.. بحثٌ في معنى رأس الكفر، وعلى ماذا يُطلق؟

Collapse
X
  • تصنيف
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts

  • هل أمريكا هي (رأس الكفر)؟.. بحثٌ في معنى رأس الكفر، وعلى ماذا يُطلق؟

    هل أمريكا هي (رأس الكفر)؟.. بحثٌ في معنى رأس الكفر، وعلى ماذا يُطلق؟



    بسم الله الرحمن الرحيم

    كثيراً ما نسمع خطباء المنابر الحركية من السياسيين وغيرهم يطلقون على أمريكا لفظ ((رأس الكفر العالمي)) حتى أصبحت هذه العبارة تتصدر كثيراً من خطب الخطباء الحماسيين، وبيانات أصحاب ((البيانات الجماعية)) !!..

    فهل أمريكا فعلاً هي ((رأس الكفر العالمي))؟!!

    ومن أين لهم ذلك ؟!!

    بدايةً نحن لا نخالف أن أمريكا دولة كافرة ظالمة طاغية متجبرة، وندعو الله صباح مساء أن يبطل كيدها، ويردها على أعقابها، ويشتت جموعها، وأن يمزقها كل ممزق ..

    ومقالي هذا ليس دفاعاً عن أمريكا، ولكنه دفاعٌ عن المصطلحات الشرعية التي يجب أن تضبط بضابط الكتاب والسنة، لا بالعواطف..

    وقد عوَّدنا القومُ على استفتاء عواطفهم، والصدور عنها، حتى وإن خالفت الكتاب والسنة...

    ومقولة ((رأس الكفر أمريكا)) خطأ ظاهر، لأمور:

    الأول: قوله صلى الله عليه وسلم المتفق على صحته: (رأس الكفر نحو المشرق).

    فسبحان الله! يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (رأس الكفر نحو المشرق). ويقول هؤلاء: رأس الكفر نحو المغرب!!

    وكفى بهذا الحديث دليلاً على مخالفتهم !!

    أفلا يسعهم ما وسع النبي صلى الله عليه وسلم ويطلقون عبارة (رأس الكفر) على ما أطلقه عليه رسولنا صلى الله عليه وسلم؟!!

    قال سبحانه: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) [النور 63].

    وإليكم هذا الحديث - الذي ذكرتُ - بأسانيده، كما في الصحيحين:

    قال الإمام البخاري رحمه الله (3/1202) رقم (3125) :
    حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم.

    وقال الإمام مسلم رحمه الله (1/72) رقم (52) :
    حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم.

    وقال رحمه الله (1/73) رقم (52) :
    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوباً وأرق أفئدةً، الإيمان يمان والحكمة يمانية، رأس الكفر قِبَل المشرق.

    وقال رحمه الله (4/2229) رقم (2905) :
    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن عكرمة بن عمار عن سالم عن بن عمر قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت عائشة فقال: رأس الكفر من ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان، يعني المشرق.


    كلام العلماء على معنى الحديث:

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري (6/352) :
    (قوله: رأس الكفر نحو المشرق، في رواية الكشميهني: قبل المشرق، وهو بكسر القاف وفتح الموحدة: أي من جهته، وفي ذلك إشارة إلى شدة كفر المجوس لأن مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة وكانوا في غاية القسوة والتكبر والتجبر حتى مزق ملكهم كتابُ النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في موضعه واستمرت الفتن من قبل المشرق كما سيأتي بيانه واضحا في الفتن).

    وقال الإمام أبو عمر ابن عبدالبر رحمه الله في التمهيد (18/142) :
    (أما قوله: رأس الكفر نحو المشرق فهو أن أكثر الكفر وأكبره كان هناك، لأنهم كانوا قوماً لا كتاب لهم وهم فارس ومَن وراءهم، ومن لا كتاب له فهو أشد كفراً مِن أهل الكتاب، لأنهم لا يعبدون شيئاً ولا يتبعون رسولاً فهذا والله أعلم معنى قوله ورأس الكفر نحو المشرق).

    وقال العيني رحمه الله في عمدة القاري (15/191) :
    (ومن شدة أكثر أهل المشرق كفراً وطغياناً أنهم كانوا يعبدون النار، وأن نارهم ما انطفأت ألف سنة، وكان الذين يخدمونها وهم السدنة خمسة وعشرون ألف رجل).


    قلتُ: فهؤلاء الأئمة يرون أن المراد بالحديث هم المجوس، ومن كان على شاكلتهم من أهل الأوثان، الذين ليس لهم كتاب سماوي، ولم يقل أحدٌ منهم أن المراد بهم هم أهل الكتاب..


    الثاني: أننا نعلم أن الكفر يتفاوت بين الناس في شدته وغلظته، كتفاوت الإيمان في قوته ودرجته..

    وأن كفر أهل الكتاب من اليهود والنصارى ليس بأعظم من كفر المجوس والهنادكة والوثنيين والملاحدة والبوذية والشيوعية، وعبدة الشيطان والكواكب والشمس والبقر والكلاب وعبدة الفروج، بل وبعض المنتسبين للإسلام كالصوفية الباطنية والنصيرية والقاديانية وعبدة القبور وغلاة الجهمية والروافض وغيرهم من الفرق...

    لأن مَن لا كتاب له فهو أشد كفراً مِن أهل الكتاب، لأنهم لا يعبدون شيئاً ولا يتبعون رسولاً، كما تقدَّم من كلام الإمام أبو عمر ابن عبدالبر رحمه الله...

    ورأس كل شيء أعلاه، كما في لسان العرب لابن منظور (6/91) ولذلك فمعنى (رأس الكفر) أعلى الكفر. وأمريكا دولة نصرانية تدعم اليهود، فهم لا يخرجون عن كونهم أهل كتاب.. فكيف يقال عنها أنها رأس الكفر وهناك من هو أعظم وأعلى منها كفراً ؟؟!!

    وإليكم هذه النصوص من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله التي أكَّد فيها أن كفر بعض الفرق المنتسبة للإسلام هو أعظم من كفر أهل الكتاب..

    قال رحمه الله في رده على البكري (2/583) :
    وأما النصيرية فهم من الغلاة الذين يعتقدون إلهية علي، والغلاة مع أنهم أكفر من اليهود والنصارى، فأولئك الإسماعيلية في الباطن أعظم كفراً وإلحاداً منهم.

    وقال رحمه الله عن العبيديين الذين كانوا بالمغرب ومصر، كما في درء التعارض (5/8-9) :
    أن باطن مذهبهم أعظم كفرا من أقوال كفار أهل الكتاب، ومن أقوال الغالية الذين يدعون نبوة علي أو إلهيته ونحوهم، إذ كان مضمون مذهبهم تعطيل الخالق وتكذيب رسله والتكذيب باليوم الآخر وإبطال دينه.

    وقال رحمه الله في درء التعارض (5/361) :
    ومن قال في أئمة الإسماعيلية وأمثالهم من الشيوخ المنافقين والفاسقين إنه أفضل من الرسل فإن هؤلاء شر من النصارى، فإن النصارى يزعمون أن الحواريين وأمثالهم أفضل من إبراهيم الخليل وموسى وداود وغيرهم من الأنبياء والحواريون كانوا مؤمنين فإذا كان من قال هذا من النصارى من أجهل الناس وأكفرهم فمن فضَّل ملحداً من الملاحدة على أنبياء الله ورسله كان كفره أعظمُ من كفر النصارى من هذا الوجه.

    وقال رحمه الله في درء التعارض أيضاً (6/155-156) عن الجهمية والمعتزلة:
    وهم أشبه بالنصارى، لأنه يلزمهم أن يقولوا إنه في كل مكان، وهذا أعظم من قول النصارى، أو أن يقولوا ما هو شر من هذا وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولهذا كان غير واحد من العلماء كعبد العزيز المكي وغيره يردون عليهم بمثل هذا، ويقولون إذا كان المسلمون كفروا من يقول إنه حل في المسيح وحده، فمن قال بالحلول في جميع الموجودات أعظم كفراً من النصارى بكثير.


    وقال رحمه الله في قاعدة في المحبة ص56 عن أهل الحلول:
    ومن هؤلاء من يعشق الصور الجميلة ويزعم أنه يتجلى فيها وأنه إنما يحب مظاهر جماله، وقد بسطنا الكلام في كفرهم وضلالهم في غير هذا الموضع، فمن زعم أن الله يحب أو يعشق وأشار إلي هذا المعني فهو أعظم كفرا من اليهود والنصارى.



    الثالث: أن اليهود أعظم كفراً من النصارى، ولذلك فدولة اليهود في فلسطين أحقُّ من أمريكا بهذا اللقب...

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (19/191) :
    فاليهود أقوى كفراً من النصارى وان كان النصارى أجهل وأضل لكن أولئك يعاقبون على عملهم إذ كانوا عرفوا الحق وتركوه عناداً فكانوا مغضوباً عليهم وهؤلاء بالضلال.

    وقال العلامة ابن القيم في بدائع الفوائد (2/269) متحدثاً عن وجوه تقديم المغضوب عليهم على الضالين في سورة الفاتحة:
    الوجه الثالث: أن اليهود أغلظ كفراً من النصارى ولهذا كان الغضب أخص بهم واللعنة والعقوبة فإن كفرهم عن عناد وبغي كما تقدم فالتحذير من سبيلهم والبعد منها أحق وأهم بالتقديم وليس عقوبة من جهل كعقوبة من علم.



    قلتُ: وهناك من يقول: إن قولنا إن أمريكا هي رأس الكفر ليس من باب أنها أعظم كفراً من غيرها، ولكن من باب أنها هي القائدة لدول الكفر، فنقول جواباً على هذا:

    1- كان بإمكانكم أن تقولوا هي (القائدة لدول الكفر)، أو تقولوا هي (حاملة لواء الصليب)، لا أن تسرقوا المصطلحات الشرعية، وخصوصاً تلك التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيَّن معناها أهل العلم، ثم تطلقونها على معنىً لم يرده الشارع، كمصطلح (رأس الكفر).

    2- أننا لا نسلِّم أن أمريكا هي القائدة لدول الكفر، فالكثير من دول الكفر ليست حليفة لأمريكا، بل وبينها وبين أمريكا من العداوة التاريخية ما لا يمكن إنكاره، كالصين الشيوعية، واليابان الملحدة، وكوريا الشمالية، ودولة الرفض في إيران... وغيرها من دول الكفر...

    وأقول ختاماً: وهذه المقولة من هؤلاء تؤكد أن هؤلاء ينطلقون في معاداتهم للكفار من منطلق سياسي لا أكثر.. وأنَّ مَن كان أكثر عداوةً لهم فهو الأكثر كفراً.. ولا أدلَّ على ذلك من كونهم يتولون أهل البدع الذين كفرهم أعظم من كفر أمريكا كالصوفية والروافض وغيرهم لأنهم لا يعادونهم، ويكفِّرون مَن يعاديهم ولو كانوا أئمة السُّنة...

    وهؤلاء هم أصحاب الرأي الذين حذَّر منهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قال: (إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا).
    أثر صحيح، رواه ابن عبدالبر في الجامع (2005) والدارقطني (4/146) واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/139) وابن حزم في الإحكام (6/213-214).

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    (المصدر)

تشغيل...
X