جرائم خلفاء السوء.. بني أمية وبني العباس
العلامة باقر شريف القرشي
مرت على الشيعة أدوار رهيبة وقاسية امتحنوا فيها امتحانا عسيرا وشاقا، فقد أمعنت السلطات الحاكمة في العصر الأموي والعباسي في التنكيل بهم، ومعاملتهم بجميع ألوان القسوة والعذاب فاضطهدوا اضطهادا رسميا أيام حكم الطاغية معاوية، وقد روى الإمام أبو جعفر صورا مذهلة عما جرى على شيعتهم أيام معاوية، قال: (وقتلت شيعنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب أو هدمت داره)(1).
ويصور لنا الشاعر الكبير عبد الله بن عامر المعروف بالعبلي الاضطهاد الذي عاناه بسبب حبه لأهل البيت (عليهم السلام) يقول:
شردوا بي عند امتداحــــي عليا ورأوا ذاك فــي داءا دويــــا
فو ربي ما أبرح الـــدهـر حتـى تمتلئ مهجـتـي بحبــي عليــا
أرأيت ما عاناه العبلي من الاضطهاد والتشريد لحبه سيد المتقين الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو مع ذلك لم يغفل ما عاناه.... لقد أحب أهل البيت (عليهم السلام) وأخلص لهم كأعظم ما يكون الإخلاص، ولم يكن ذلك عن هوى أو عاطفة وإنما كان من أجل الدين فرض ولاء العترة الطاهرة على جميع المسلمين.
وشار النمري في بعض قصائده إلى اضطهاد الشيعة من أجل مودتهم لعترة النبي (صلى الله عليه وآله) قول:
لقد كانت جميع الأديان والمذاهب تنعم بالأمن والاستقرار إلا شيعة أهل البيت (عليهم السلام) فقد صبت عليهم السلطات جميع ألوان القسوة والعذاب، وقد سئل الإمام أبو جعفر الباقر فقيل له:
كيف أصبحت؟
فأجاب بمرارة وألم:
(أصبحت برسول الله (صلى الله عليه وآله) خائفا و أصبح الناس كلهم برسول الله (صلى الله عليه وآله آمنين)(2).
ونسبت أبيات من الشعر لبعض أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تحكي ما عانوه من المحن والخطوب يقول:
إن الأعياد الإسلامية التي يفرح بها المسلمون كعيد الفطر والأضحى قد عادت مأتما على أهل البيت (عليهم السلام) وأحزانا، وذلك لشدة مالا قوه من حكام عصورهم من القتل والسجن والتنكيل.
وروى المؤرخون أن الفضل بن دكين كان يتشيع فجاء إليه ولده وهو يبكي، فقال له:
(مالك؟)
(يا أبتي إن الناس يقولون: إنك تتشيع؟)
فأجابه الفضل:
لقد كان الاتهام بالتشيع في العصر الأموي مما يستوجب النقمة والبطش من المسؤولين, فقد روي المؤرخون أن الاتهام بالكفر والزندقة والمورق من الدين أهون من الاتهام بالتشيع وبلغ الأمر أن من يسلم من العلويين على شخص يعرضه إلى التنكيل والبطش من قبل السلطة. ويحدثنا الرواة أن إبراهيم بن هرثمة دخل المدينة فأتاه علوي فسلم عليه، فقال له إبراهيم: تنح عني لا تشط بدمي(4).
وبلغ من عداء الأمويين للعلويين أنهم عهدوا إلى ولاتهم وعمالهم بقتل كل مولود يسمى عليا، ومن طريف ما ينقل أن علي بن رباح لما سمع ذلك خاف من القتل، وجعل يقول: لا أجعل في حل من سماني عليا فإن اسمي عُلى ـ بضم العين ـ(5).
لقد كانت محنة الشيعة في العصر الأموي شاقة وعسيرة فقد واجهت أعنف المشاكل وأقساها, وكذلك واجهت نفس الدور في العصر العباسي, ومن تلك الصور المفجعة أنه إذا أراد شخص الكيد لأحد والانتقام منه دس إليه من يرميه بالتشيع فتصادر أملاكه وتنهال عليه العقوبات حتى يظهر البراءة من الرفض(6).
وعلى أي حال فقد أمعنت السلطات الحاكمة في العصر الأموي والعباسي في قتل شيعة أهل البيت والتنكيل بهم، فزياد بن أبيه تتبع الأبرار من الشيعة فقتلهم تحت كل حجر ومدر فقطع أرجلهم وأيديهم وسمل عيونهم، وصلبهم على جذوع النخل، والسفاح الإرهابي الحجاج بن يوسف الممسوخ قتل في أيام حكمه من الشيعة مائة وعشرين ألفا، وتوفي في سجونه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة منهن ستة عشر ألف امرأة عارية مجردة من الثياب، وقال فيه النجيب الشريف عمر بن عبد العزيز: (لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم).
وفي العصور المتأخرة واجهت الشيعة أعنف المشاكل وأقسى الضربات فقد أشاع المجرم السلطان سليم القتل في شيعة أهل البيت بواسطة فتوى أحد فقهاء الضلال والفساد(7). ويقول الإمام شرف الدين إن الشيخ نوح الحنفي أفتى بكفر الشيعة ووجوب قتلهم، فقتل من جراء ذلك عشرات الألوف من شيعة حلب وغيرهم، وتشرد من سلم من شيعة حلب حتى لم يبق بها شيعي واحد، و كان التشيع فيها راسخا ومنتشرا(8).
وفي أيام السلطان بيبرس سنة( 665 ) صدرت أوامره بإتباع المذاهب السنية الأربعة، وتحريم ما عدها، كما صدرت أوامره بأن لا يولى قاض, ولا تقبل شهادة شاهد، ولا يرشح لوظيفة الخطابة أو الإمامة إلا من كان مقلدا لإحدى تلك المذاهب(9). و على أي حال فقد أمعن الحكام الظالمون باضطهاد الشيعة ولتنكيل بهم لأنهم كانوا الجبهة المعارضة لسياستهم التي ليس فيها بصيص من العدل والحق.
رسالة الخوارزمي لأهالي نيسابور
ويجدر بنا أن نذكر رسالة أبي بكر الخوارزمي التي بعثها إلى أهالي نيسابور يعزيهم فيها على ما جرى عليهم من الظلم والجور لتشيعهم، وقد حكت هذه الرسالة بصدق وأمانة المظالم الفظيعة التي عانتها الشيعة منذ أقدم العصور. وهذه بعض فصولها:
(سمعتم أرشد الله سعيكم، وجمع على التقوى أمركم ما تكلم به السلطان الذي لا يتحامل إلا على العدل، ولا يميل إلا على جانب الفضل، و لا يبالي أن يمزق دينه إذا رقا دنياه، ولا يفكر من أن يؤخر رضا الله إذا وجد رضا الله.
ونحن أصلحنا الله وإياكم عصابة لم يرض الله لنا الدنيا، قد أخرنا للدار الآخرة، ورغب بنا عن ثواب العاجل, فأعد لنا ثواب الآجل، وقسمنا قسمين: قسم مات شهيدا، وقسم عاش شريدا، فالحي يحسد الميت على ما صار إليه، ولا يرغب بنفسه عما جرى عليه، قال أمير المؤمنين ويعسوب الدين: المحن إلى شيعتنا أسرع من الماء إلى الحدور...وهذه مقالة أسست على الحق، وولد أهلها في طالع الهزاهز والفتن فحياة أهلها نغص، وقلوبهم حشوها غصص، والأيام عليهم متحاملة والدنيا عنهم مائلة، فإذا كنا شيعة أئمتنا في الفرائض والسنن، ومتبعي آثارهم في كل قبيح وحسن فينبغي أن نتبع آثارهم في المحن).
وحكى هذا المقطع ما تعانيه شيعة أهل البيت (عليهم السلام) من صنوف البلاء والمحن من حكام الجور، وأن الله تعالى أدخر لهم أعظم المنازل في الدار الآخرة، واستمر أبو بكر الخوارزمي في رسالته قائلا: (وغصبت سيدتنا فاطمة صلوات الله عليها وعلى آلها ميراث أبيها صلوات الله عليه وعلى آله يوم السقيفة، وأخر أمير المؤمنين عن الخلافة، وسم الحسن سلام الله عليه سرا، وقتل أخوه كرم الله وجهه جهرا وصلب زيد بن علي بالكناسة، وقطع رأس زيد بن علي في المعركة(10) وقتل ابناه محمد وإبراهيم على يد عيسى بن موسى العباسي.. وقل موسى بن جعفر في حبس هارون، وسم علي بن موسى بيد المأمون، وهزم إدريس بفخ حتى وقع إلى الأندلس، وقتل يحيي بن عبد الله بعد الأمان والإيمان، وبعد تأكيد العهود والضمان)...
عرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى المآسي التي حلت بأهل البيت النبوة (عليهم السلام)، وكان من أفجعها ما جرى على زهراء الرسول (عليها السلام)، من المحن والخطوب من منعها من ميراث أبيها، وإقصاء زوجها الإمام أمير المؤمنين عن الخلافة، ومن المآسي سم الإمام الحسن سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وريحانته، وإبادة العترة الطاهرة على صعيد كربلاء إلى غير ذلك من الخطوب التي حلت بالعترة الطاهرة...
ويمضي الخوارزمي في تعداد ما جرى على آل البيت من الظلم فيقول:
هذا غير ما فعل يعقوب بن الليث بعلوية طبرستان وقد قتل محمد بن زيد والحسن بن القاسم الداعين على أيدي آل ساسان وغير ما صنعه أبو الساج في علوية المدينة حملهم بلا غطاء ولا وطاء من الحجاز إلى سامراء، وهذا بعد قتل قتيبة بن مسلم الباهلي لابن عمر ابن علي حين أخذ بأبويه، وقد ستر نفسه، ووارى شيعته، يصانع حياته، ويدافع وفاته، وكما فعل الحسين بن إسماعيل المصعبي بيحيى ابن عمر الزيدي خاصة وما فعلة مزاحم بن خاقان بعلوية الكوفة كافة، فليس في بيضة الإسلام بلدة إلا وفيها قتيل طالبي وقومه تشارك في قتلهم الأموي والعباسي وأطبق عليهم العدناني والقحطاني:
وحكت هذه الكلمات ما عانته السادة العلويين من صنوف القتل من الأمويين والعباسيين .. ويستمر الخوارزمي في ذكر النكبات التي لاقتها الشيعة وأسيادهم العلويون:
(قادتهم ـ أي العلويين ـ الحمية إلى المنية، وكرهوا عيش الذلة فماتوا موت العزة، ووثقوا بما لهم في الدار الباقية فسخت نفوسهم من هذه الدار الفانية، ولم يشربوا كأسا من الموت إلا شربها شيعتهم وأوليائهم، ولا قاسوا لونا من الشدائد إلا قاسه أنصارهم وأتباعهم).
وحكت هذه الجمل عزة العلويين وكرامتهم، فقد أبوا أن يعيشوا أذلاء صاغرين في حكم الأمويين والعباسيين فرفعوا راية الثورة عليهم وماتوا أحرارا، وما جرى عليهم جرى على شيعتهم الذين تمردوا على الظلم والطغيان، ويمضي الخوارزمي في رسالته قائلا:
(داس عثمان بن عفان بطن عمار بن ياسر بالمدينة، ونفى أبا ذر الغفاري، وأشخص عامر بن عبد القيس التميمي، وعمر بن الأشتر النخعي، وعدي بن حاتم الطائي، وسير عمر بن زرارة إلى الشام، ونفى كميل بن زياد إلى العراق، وجفا أبي بن كعب وعادى محمد بن حذيفة، وناواه وعمل في ابن سالم ما عمل، وفعل مع كعب ما فعل...).
عرض الخوارزمي إلى ما اقترفه عثمان في حق خيار الصحابة الذين نقموا على سياسته أمثال الصحابي العظيم عمار بن ياسر والصحابي الثائر أبي ذر وأمثالهم من عيون المسلمين، فقد نكل بهم كشر ما يكون التنكيل. ويمضي الخوارزمي في ذكر المآسي التي عانها العلويون وشيعتهم فيقول:
(وأتبعه في سيرته ـ أي سيرة عثمان ـ بنو أمية يقتلون من حاربهم، ويغدرون بمن سالمهم، لا يحفلون لمهاجرين، ولا يصونون الأنصاريين، ولا يخافون الله، ولا يحتشمون الناس، قد اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله دولا، يهدمون الكعبة، ويستعبدن الصحابة، ويعطلون الصلاة الموقوتة، ويخنقون أعناق الأحرار، ويسيرون في حرم المسلمين سيرتهم في حرم الكفار، وإذا فسق الأموي فلم يأت بالصلاة عن كلالة....).
وحكى هذا المقطع الجرائم والموبقات التي اقترفها الأمويين فقد ساسوا الناس سياسة سوداء خرقاء لا ظل فيها للرحمة والعدل.. ويقول الخوارزمي:
(قتل معاوية حجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي بعد الإيمان المؤكدة، والمواثيق المغلطة، وقتل زيد بن سمية الألوف من شيعة الكوفة وشيعة البصرة صبرا، وأوسعهم حبسا وأسرا، حتى قبض الله معاوية على أسوأ أعماله، وختم عمره بشر أحواله، فاتبعه ابنه يجهز على جرحاه، ويقتل أبناء قتلاه، إلى أن قتل هانئ بن عروة المرادي، ومسلم بن عقيل الهاشمي، وعقب بالحارث ابن زياد الرياحي، وبأبي موسى عمرو بن فرطة الأنصاري، وحبيب ابن مظاهر الأسدي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، ونافع بن هلال الجملي، وحنظلة بن أسعد الشامي، وعابس بن أبي حبيب الشاكري في نفيف وسبعين من جماعة شيعة الحسين (عليه السلام) يوم كربلاء.
ثم سلط عليهم الدعي ابن الدعي عبيد الله بن زياد يصلبهم على جذوع النخل، ويقتلهم ألوان التل حتى اجتث الله دابره، ثقيل الظهر بدمائهم التي سفك، عظيم التبعة بجريمهم الذي انتهك.. فانتبهت لنصرة أهل البيت طائفة أراد الله أن يخرجهم من عهدة ما صنعوا ويغسل عنهم وضر ما اجترحوا فصمدوا ضد الفئة الباغية، وطلبوا بدم الشهيد الدعي ابن الدعي، لا يزيدهم قلة عددهم وانقطاع مددهم، وكثرة سواد أهل الكوفة بإزائهم إلا إقداما على القتل والقتال، وسخاء بالنفوس والأموال حتى قتل سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نحبة الفزاري وعبيد الله بن وال التميمي في رجال من خيار المؤمنين وعلية التابعين، ومصابيح الأنام، وفرسان الإسلام...).
عرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى ما عانته شيعة أهل البيت في عهد الطاغية معاوية من صنوف القتل والتنكيل فقد سلط عليهم الإرهابي المجرم زياد بن أبيه فأمعن في قتلهم ومطاردتهم ولما انتهت أيام معاوية أعقبه ابنه يزيد فاقترف من الجرائم ما سود به وجه التأريخ وذلك على يد اللقيط ابن مرجانة الذي ارتكب كل جريمة وكل إثم، ولم يرع لله إلا ولا ذمة فقتل خيار الشيعة أمثال الورع التقي ميثم التمار، ورشيد الهجري، وبعد هلاك المجرم يزيد انتفضت خيار الشيعة وهم المعروفون بالتوابين فطالبوا بدم ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبي الأحرار الإمام الحسين وقد استشهد أعلامهم أمثال سليمان بن صرد الخزاعي وغيره....
ويستمر الخوارزمي في عرض مآسي العلويين وشيعتهم فيقولك (ثم سلط ابن الزبير على الحجاز والعراق فقتل المختار بعد أن شفى الأوتار، وأدرك الثأر، وأفنى الأشرار، وطلب بدم المظلوم الغريب فقتل قاتله، ونفى خاذله وأتبعوه أبا عمر بن كيسان وأحمر بن شميط ورفاعة بن يؤيده والسائب بن مالك، وعبد الله بن كامل، وتلقطوا بقايا الشيعة يمثلون بهم كل مثلة، ويقتلونهم شر قتلة، حتى طهر الله البلاد من عبد الله بن الزبير وأراح العباد من أخيه مصعب فقتلهما عبد الملك بن مروان (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) بعد ما حبس ابن الزبير محمد بن الحنفية، وأراد إحراقه ونفى عبد الله بن عباس....).
وحكت هذه الكلمات ثورة القائد الملهم العظيم المختار بن يوسف الثقفي نضرّ الله مثواه الذي طهر الأرض من أرجاسها ال**** المجرمين قتلة سيد شباب أهل الجنة أبي الأحرار الإمام الحسين فقد قتلهم المختار وأبادهم تحت كل حجر ومدر، فما أعظم عادته على أهل البيت، ولكن من المؤسف أن عبد الله بن الزبير وأخاه مصعب زحفا بجيوشهم صوب العراق فاحتلوه، وأبادا بصورة جماعية شيعة أهل البيت وفي طليتهم حاكم العراق المختار وجماعته المؤمنين الأخيار، ولكن الأمر لم يستقم لمصعب وأخيه، فقد زحف عبد الملك بجيوشه فاحتل الحجاز والعراق وقتل مصعبا وأخاه وأراح الله العباد والبلد منهما.
ويتحدث الخوارزمي عما عانته الشيعة في أيام الطاغية عبد الملك فيقول:
فلما خلت البلاد لآل مروان سلطوا الحجاج على الحجازيين ثم على العراقيين، فتلعب بالهاشميين وأخاف الفاطميين، وقتل شيعة علي ومحا أثار بيت النبوة، وجرى منه ما جرى على كميل بن زياد النخعي واتصل البلاء مدة ملك المروانية إلى الأيام العباسية، حتى إذا أراد الله أن يختم مدتهم بأكثر آثامهم، ويجعل أعظم ذنوبهم في آخر أيامهم بعث على بقية الحق المهمل، والدين المعطل زيد بن علي فخذله منافقو أهل العراق, وقتله أحزاب أهل الشام وقتل من شيعته نصر بن خزيمة الأسدي، ومعاوية بن إسحاق الأنصاري وجماعة ممن شايعه وتابعه، وحتى من زوجه وأدناه وحتى من كلمه وماشاه....).
عرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى حكم المروانيين وما اقترفوه من الجرائم والموبقات، وكان من أفظع جرائمهم أنهم سلطوا الإرهابي المجرم الحجاج بن يوسف الثقفي فأمعن في قتل الأخيار والمصلحين من شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد انبرى لإنقاذ المسلمين من الجور، الشهيد الخالد زيد بن علي، ففجر ثورته الكبرى التي هي من الثورات الخالدة في دنيا الإسلام، وقد غدر به أهل الكوفة كما غدروا بجده الإمام الحسين فاستشهد نقي الثوب مجاهدا في سبيل الله وبعد شهادته تتبع الأمويون شيعته فأبادوهم ونكلوا بهم. ويعرض الخوارزمي إلى بض مآسي العلويين وشيعتهم فيقول:
(فلما انتهكوا ذلك الحريم، واقترفوا ذلك الإثم العظيم غضب الله عليهم ـ أي على الأمويين ـ وانتزع الملك منهم، فبعث العلويون أبا مجرم ـ لا أبا مسلم ـ فنظر لا نظر الله إليه إلى صلابة العلويين، وإلى لين العباسيين، فترك تقاه واتبع هواه، وباع آخرته بدنياه، وافتتح عمله بقتل عبد الله بن معاوية، وعبد الله بن جعفر، وسلط طواغيت خراسان وخوارج سجستان، وأكراد إصفهان على آل أبي طالب يقتلهم تحت كل حجر ومدر، ويطلبهم في كل سهل وجبل، حتى سلط الله عليه أحب الناس إليه فقتله كما قتل الناس في طاعتهن وأخذه كما أخذ النساء في بيعته، ولم ينفعه أن اسخط الله برضاه، وأن ركب مالا يهواه، وخلت من الدوانيقي الدنيا، فخبط فيهم عسفا، وتقضى فيها جورا وحيفا إلى أن مات، وقد امتلأت سجونه بأهل بيت الرسالة، ومعدن الطيب والطهارة، قد تتبع غائبهم وتلقط حاضرهم، حتى قتل عبد الله بن محمد، ابن عبد الله الحسني بالسند على يد عمر بن هشام التغلبي، فما ظنك بمن قرب تناول عليه، ولأن سمه على يديه؟).
وهذا قليل في جنب ما قتله هارون منهم، وما فعله موسى بهم قبله، فقد عرفتم ما توجه على الحسين بن علي بفخ ابن موسى، وما اتفق على علي بن الأفطس الحسيني من هارون، وما جرى على أحمد بن علي الزيدي، وعلى القاسم بن علي الحسيني من حبسه، وعلى ابن غسان حاضر الخزاعي حين أخذ من خيله، وبالجملة أن هارون مات وقد حصد شجرة النبوة، واقتلع غرس الإمامة وأنتم أصلحكم اله أعظم نصيبا في الدين من الأعمش فقد شموه ومن شريك فقد عزلوه، ومن هشام بن الحكم فقد أخافوه ومن علي بن يقطين فقد اتهموه.
وحكى هذا المقطع المآسي والنكبات التي جرت على السادة العلويين وعلى شيعتهم في عهد العباسيين فقد أسرفوا إلى حد بعيد في ظلمهم وقتلهم، وقد صور هذا المقطع قائمة بأسماء السادة العلويين الذين نفذ فيهم حكم الإعدام المجرم أبو مسلم الخراساني الذي انتقم الله منه على يد المنصور الدوانيقي الذي أخلص له، وأراق أنهارا من الدماء في سبيل توطيد الملك له ولأخيه السفاح.
وعرض الخوارزمي إلى ما اقترفه موسى الهادي وهارون من القتل والتنكيل بالعلويين وشيعتهم، ويستمر الخوارزمي في ذكر المآسي التي حلت بالعلويين وشيعتهم يقول:
(فأما في الصدر الأول فقد قتل زيد بن صوحان العبدي وعوقب عثمان بن حنيف الأنصاري، وخفي حارثة بن خدامة السعدي وجندب بن زهير الأزدي وشرع بن هاني المرادي، ومالك بن كعب الأرحبي، ومعقل بن قيس الرياحي، والحارث الأعور الهمداني، وأبو الطفيل الكناني، وما فيهم إلا من خر على وجهه قتيلا أو عاش في بيته ذليلا، يسمع شتمة الوصي فلا ينكر، ويرى قتلة الأوصياء وأولادهم فلا يغير، ولا يخفى عليكم حرج عامتهم وحيرتهم كجابر الجعفي، ورشيد الهجري وزرارة بن أعين، وكفلان وأبي فلان، ليس إلا أنهم رحمهم الله كانوا يتولون أولياء الله، ويتبرؤون من أعدائه، وكفى به جرما عظيما عندهم وعيبا كبيرا.....).
وحكت هذه الكلمات ما جرى على أعلام الشيعة من صنوف القتل والاضطهاد أيام الحكم الأموي، وعدد الخوارزمي بعد ذلك إلى ما عانوه أيام الحكم العباسي من الاضطهاد فيقول:
(وقل في بني العباس فإنك ستجد ـ بحمد الله ـ مثالا، وجل في عجائبهم فإنك ترى ما شئت مجالا.... يجئ فيئهم فيغرق على الديلمي والتركي، ويحمل إلى المغربي والفرغاني، ويموت إمام من أئمة الهدى، وسيد من سادات بني المصطفى، فلا تتبع جنازته ولا تجصص مقبرته، ويموت ضراط لهم أو لاعب، أو مسخرة أو ضارب، فتحضر جنازته العدول والقضاة، ويعمر مسجد التعزية عنه القواد والولاة، ويسلم فيهم من يعرفونه دهريا أو سوفسطائيا، ولا يتحرضون لمن يدرس كتابا مانويا ويقتلون من عرفوه شيعيا ويسفكون دم من سمى ابنه عليا، ولو لم يقتل من شيعة أهل البيت غير المعلى بن خنيس، قتيل داوود بن علي، ولم لم يحبس فيهم غير أبي تراب المروزي لكان ذلك جرما لا يبرأ، وثائرة لا تطفأ، وصدعا لا يلتئم، وجرحا لا يلتحم.
وكفاهم أن شعراء قريش، قالوا في الجاهلية: أشعارا يهجون فيها أمير المؤمنين ويعارضون فيها أشعار المسلمين، فحملت أشعارهم، ودونت أخبارهم، ورواها الرواة أمثال الواقدي، ووهب بن منبه التميمي ومثل الكلبي والشرقي بن القطامي، والهيثم بن عدي وداب بن الكناني.
(وأن بعض شعراء الشيعة يتكلم في ذكر مناقب الوصي بل في ذكر معجزات النبي (صلى الله عليه وآله) فيقطع لسانه ويمزق ديوانه ما فعل بعبد الله بن عمار البرقي وكما أريد بالكميت بن زيد الأسدي، وما نبش قبر منصور بن الزبرقان النمري، وكما دمر دعبل بن علي الخزاعي، إما مع رفقتهم من مروان بن أبي حفصة اليمامي، وعلي بن الجهم الشامي، فقد وسعوا عليهم ليس إلا لغلوهما في النصب، حتى أن هارون بن الخيزران، وجعفر المتوكل على الشيطان ـ لا على الرحمن ـ كانا لا يعطيان مالا، ولا يبذلان نوالا لا لمن شتم آل أبي طالب، ونصر مذهب النواصب مثل عبد الله بن مصعب الزبيري، ووهب بن وهب البختري، ومن الشعراء مثل مروان بن أبي حفصة الأموي، ومن الأدباء مثل عبد الملك بن قريب الأصمعي، فأما في أيام جعفر فمثل بكاء بن عبد الله الزبيري، وأبي السمط بن أبي الجون الأموي، وابن أبي الشوارب العيشمي...).
تعرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى المحن الشاقة والعسيرة التي واجهتها الشيعة أيام الحكم العباسي الذي جهد على ظلم الشيعة وإرهاقهم والأعلام الذين أعدموا منهم وغير ذلك من صنوف الجور الذي عانوه، ومن بنود هذه الوثيقة قوله:
(ونحن أرشدكم الله قد تمسكنا بالعروة الوثقى ـ يعني أهل البيت ـ وآثرنا الدين على الدنيا، وليس يزيدنا بصيرة زيادة من زاد فينا، ولن يحل لنا عقدة نقصان من نقص منا، فإن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود كما بدا).
وبنيـــة لحـــب أحــمــد إنــــــي كنـــت أحببتهــم بحــبي النبيا
حــب ديـن لا حب دنيا وشـــــر الحـب حــب يكــون دنيـــويــا
صاغني الله في الذؤابة عنهـم لا ذميمــا ولا سنيـــدا دعــيـا
أرأيت ما عاناه العبلي من الاضطهاد والتشريد لحبه سيد المتقين الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو مع ذلك لم يغفل ما عاناه.... لقد أحب أهل البيت (عليهم السلام) وأخلص لهم كأعظم ما يكون الإخلاص، ولم يكن ذلك عن هوى أو عاطفة وإنما كان من أجل الدين فرض ولاء العترة الطاهرة على جميع المسلمين.
وشار النمري في بعض قصائده إلى اضطهاد الشيعة من أجل مودتهم لعترة النبي (صلى الله عليه وآله) قول:
آل الـــنبــي ومــن يحبهـــــم يتضامنــون مخافــة القتــل
أمن النصارى واليهود وهم عــن أمـة التوحيد في عزل
لقد كانت جميع الأديان والمذاهب تنعم بالأمن والاستقرار إلا شيعة أهل البيت (عليهم السلام) فقد صبت عليهم السلطات جميع ألوان القسوة والعذاب، وقد سئل الإمام أبو جعفر الباقر فقيل له:
كيف أصبحت؟
فأجاب بمرارة وألم:
(أصبحت برسول الله (صلى الله عليه وآله) خائفا و أصبح الناس كلهم برسول الله (صلى الله عليه وآله آمنين)(2).
ونسبت أبيات من الشعر لبعض أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تحكي ما عانوه من المحن والخطوب يقول:
نحن بنو المصطفى ذوو محن يجـــرعها في الأنام كاظمنــا
عظيمـــة فـــي الأيام محنتنــا ولنــا مبتلـــى وآخـــرنـــــــــا
يفرح هذا الورى بعيــدهـــــم ونحـــن أعيادنـــــا مآتمنــــــا
إن الأعياد الإسلامية التي يفرح بها المسلمون كعيد الفطر والأضحى قد عادت مأتما على أهل البيت (عليهم السلام) وأحزانا، وذلك لشدة مالا قوه من حكام عصورهم من القتل والسجن والتنكيل.
وروى المؤرخون أن الفضل بن دكين كان يتشيع فجاء إليه ولده وهو يبكي، فقال له:
(مالك؟)
(يا أبتي إن الناس يقولون: إنك تتشيع؟)
فأجابه الفضل:
ومـــــا زال كتــــمانيك حتــــــى كأننـي بـــرجــــــع جـــواب السائــــل لأعجم
لأسلـــــم من قـــــول الوشاة وتسلمي سلمت وهل حي على الناس يسلم(3)
لقد كان الاتهام بالتشيع في العصر الأموي مما يستوجب النقمة والبطش من المسؤولين, فقد روي المؤرخون أن الاتهام بالكفر والزندقة والمورق من الدين أهون من الاتهام بالتشيع وبلغ الأمر أن من يسلم من العلويين على شخص يعرضه إلى التنكيل والبطش من قبل السلطة. ويحدثنا الرواة أن إبراهيم بن هرثمة دخل المدينة فأتاه علوي فسلم عليه، فقال له إبراهيم: تنح عني لا تشط بدمي(4).
وبلغ من عداء الأمويين للعلويين أنهم عهدوا إلى ولاتهم وعمالهم بقتل كل مولود يسمى عليا، ومن طريف ما ينقل أن علي بن رباح لما سمع ذلك خاف من القتل، وجعل يقول: لا أجعل في حل من سماني عليا فإن اسمي عُلى ـ بضم العين ـ(5).
لقد كانت محنة الشيعة في العصر الأموي شاقة وعسيرة فقد واجهت أعنف المشاكل وأقساها, وكذلك واجهت نفس الدور في العصر العباسي, ومن تلك الصور المفجعة أنه إذا أراد شخص الكيد لأحد والانتقام منه دس إليه من يرميه بالتشيع فتصادر أملاكه وتنهال عليه العقوبات حتى يظهر البراءة من الرفض(6).
وعلى أي حال فقد أمعنت السلطات الحاكمة في العصر الأموي والعباسي في قتل شيعة أهل البيت والتنكيل بهم، فزياد بن أبيه تتبع الأبرار من الشيعة فقتلهم تحت كل حجر ومدر فقطع أرجلهم وأيديهم وسمل عيونهم، وصلبهم على جذوع النخل، والسفاح الإرهابي الحجاج بن يوسف الممسوخ قتل في أيام حكمه من الشيعة مائة وعشرين ألفا، وتوفي في سجونه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة منهن ستة عشر ألف امرأة عارية مجردة من الثياب، وقال فيه النجيب الشريف عمر بن عبد العزيز: (لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم).
وفي العصور المتأخرة واجهت الشيعة أعنف المشاكل وأقسى الضربات فقد أشاع المجرم السلطان سليم القتل في شيعة أهل البيت بواسطة فتوى أحد فقهاء الضلال والفساد(7). ويقول الإمام شرف الدين إن الشيخ نوح الحنفي أفتى بكفر الشيعة ووجوب قتلهم، فقتل من جراء ذلك عشرات الألوف من شيعة حلب وغيرهم، وتشرد من سلم من شيعة حلب حتى لم يبق بها شيعي واحد، و كان التشيع فيها راسخا ومنتشرا(8).
وفي أيام السلطان بيبرس سنة( 665 ) صدرت أوامره بإتباع المذاهب السنية الأربعة، وتحريم ما عدها، كما صدرت أوامره بأن لا يولى قاض, ولا تقبل شهادة شاهد، ولا يرشح لوظيفة الخطابة أو الإمامة إلا من كان مقلدا لإحدى تلك المذاهب(9). و على أي حال فقد أمعن الحكام الظالمون باضطهاد الشيعة ولتنكيل بهم لأنهم كانوا الجبهة المعارضة لسياستهم التي ليس فيها بصيص من العدل والحق.
رسالة الخوارزمي لأهالي نيسابور
ويجدر بنا أن نذكر رسالة أبي بكر الخوارزمي التي بعثها إلى أهالي نيسابور يعزيهم فيها على ما جرى عليهم من الظلم والجور لتشيعهم، وقد حكت هذه الرسالة بصدق وأمانة المظالم الفظيعة التي عانتها الشيعة منذ أقدم العصور. وهذه بعض فصولها:
(سمعتم أرشد الله سعيكم، وجمع على التقوى أمركم ما تكلم به السلطان الذي لا يتحامل إلا على العدل، ولا يميل إلا على جانب الفضل، و لا يبالي أن يمزق دينه إذا رقا دنياه، ولا يفكر من أن يؤخر رضا الله إذا وجد رضا الله.
ونحن أصلحنا الله وإياكم عصابة لم يرض الله لنا الدنيا، قد أخرنا للدار الآخرة، ورغب بنا عن ثواب العاجل, فأعد لنا ثواب الآجل، وقسمنا قسمين: قسم مات شهيدا، وقسم عاش شريدا، فالحي يحسد الميت على ما صار إليه، ولا يرغب بنفسه عما جرى عليه، قال أمير المؤمنين ويعسوب الدين: المحن إلى شيعتنا أسرع من الماء إلى الحدور...وهذه مقالة أسست على الحق، وولد أهلها في طالع الهزاهز والفتن فحياة أهلها نغص، وقلوبهم حشوها غصص، والأيام عليهم متحاملة والدنيا عنهم مائلة، فإذا كنا شيعة أئمتنا في الفرائض والسنن، ومتبعي آثارهم في كل قبيح وحسن فينبغي أن نتبع آثارهم في المحن).
وحكى هذا المقطع ما تعانيه شيعة أهل البيت (عليهم السلام) من صنوف البلاء والمحن من حكام الجور، وأن الله تعالى أدخر لهم أعظم المنازل في الدار الآخرة، واستمر أبو بكر الخوارزمي في رسالته قائلا: (وغصبت سيدتنا فاطمة صلوات الله عليها وعلى آلها ميراث أبيها صلوات الله عليه وعلى آله يوم السقيفة، وأخر أمير المؤمنين عن الخلافة، وسم الحسن سلام الله عليه سرا، وقتل أخوه كرم الله وجهه جهرا وصلب زيد بن علي بالكناسة، وقطع رأس زيد بن علي في المعركة(10) وقتل ابناه محمد وإبراهيم على يد عيسى بن موسى العباسي.. وقل موسى بن جعفر في حبس هارون، وسم علي بن موسى بيد المأمون، وهزم إدريس بفخ حتى وقع إلى الأندلس، وقتل يحيي بن عبد الله بعد الأمان والإيمان، وبعد تأكيد العهود والضمان)...
عرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى المآسي التي حلت بأهل البيت النبوة (عليهم السلام)، وكان من أفجعها ما جرى على زهراء الرسول (عليها السلام)، من المحن والخطوب من منعها من ميراث أبيها، وإقصاء زوجها الإمام أمير المؤمنين عن الخلافة، ومن المآسي سم الإمام الحسن سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وريحانته، وإبادة العترة الطاهرة على صعيد كربلاء إلى غير ذلك من الخطوب التي حلت بالعترة الطاهرة...
ويمضي الخوارزمي في تعداد ما جرى على آل البيت من الظلم فيقول:
هذا غير ما فعل يعقوب بن الليث بعلوية طبرستان وقد قتل محمد بن زيد والحسن بن القاسم الداعين على أيدي آل ساسان وغير ما صنعه أبو الساج في علوية المدينة حملهم بلا غطاء ولا وطاء من الحجاز إلى سامراء، وهذا بعد قتل قتيبة بن مسلم الباهلي لابن عمر ابن علي حين أخذ بأبويه، وقد ستر نفسه، ووارى شيعته، يصانع حياته، ويدافع وفاته، وكما فعل الحسين بن إسماعيل المصعبي بيحيى ابن عمر الزيدي خاصة وما فعلة مزاحم بن خاقان بعلوية الكوفة كافة، فليس في بيضة الإسلام بلدة إلا وفيها قتيل طالبي وقومه تشارك في قتلهم الأموي والعباسي وأطبق عليهم العدناني والقحطاني:
فليــــــس حـــي من الأحياء نعرفه من ذي يمان ومن بكر ومن مضر
إلا وهــــم شـــــركاء في دمائهـــم كمــا تشـــارك إيســـار علـى جزر
وحكت هذه الكلمات ما عانته السادة العلويين من صنوف القتل من الأمويين والعباسيين .. ويستمر الخوارزمي في ذكر النكبات التي لاقتها الشيعة وأسيادهم العلويون:
(قادتهم ـ أي العلويين ـ الحمية إلى المنية، وكرهوا عيش الذلة فماتوا موت العزة، ووثقوا بما لهم في الدار الباقية فسخت نفوسهم من هذه الدار الفانية، ولم يشربوا كأسا من الموت إلا شربها شيعتهم وأوليائهم، ولا قاسوا لونا من الشدائد إلا قاسه أنصارهم وأتباعهم).
وحكت هذه الجمل عزة العلويين وكرامتهم، فقد أبوا أن يعيشوا أذلاء صاغرين في حكم الأمويين والعباسيين فرفعوا راية الثورة عليهم وماتوا أحرارا، وما جرى عليهم جرى على شيعتهم الذين تمردوا على الظلم والطغيان، ويمضي الخوارزمي في رسالته قائلا:
(داس عثمان بن عفان بطن عمار بن ياسر بالمدينة، ونفى أبا ذر الغفاري، وأشخص عامر بن عبد القيس التميمي، وعمر بن الأشتر النخعي، وعدي بن حاتم الطائي، وسير عمر بن زرارة إلى الشام، ونفى كميل بن زياد إلى العراق، وجفا أبي بن كعب وعادى محمد بن حذيفة، وناواه وعمل في ابن سالم ما عمل، وفعل مع كعب ما فعل...).
عرض الخوارزمي إلى ما اقترفه عثمان في حق خيار الصحابة الذين نقموا على سياسته أمثال الصحابي العظيم عمار بن ياسر والصحابي الثائر أبي ذر وأمثالهم من عيون المسلمين، فقد نكل بهم كشر ما يكون التنكيل. ويمضي الخوارزمي في ذكر المآسي التي عانها العلويون وشيعتهم فيقول:
(وأتبعه في سيرته ـ أي سيرة عثمان ـ بنو أمية يقتلون من حاربهم، ويغدرون بمن سالمهم، لا يحفلون لمهاجرين، ولا يصونون الأنصاريين، ولا يخافون الله، ولا يحتشمون الناس، قد اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله دولا، يهدمون الكعبة، ويستعبدن الصحابة، ويعطلون الصلاة الموقوتة، ويخنقون أعناق الأحرار، ويسيرون في حرم المسلمين سيرتهم في حرم الكفار، وإذا فسق الأموي فلم يأت بالصلاة عن كلالة....).
وحكى هذا المقطع الجرائم والموبقات التي اقترفها الأمويين فقد ساسوا الناس سياسة سوداء خرقاء لا ظل فيها للرحمة والعدل.. ويقول الخوارزمي:
(قتل معاوية حجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي بعد الإيمان المؤكدة، والمواثيق المغلطة، وقتل زيد بن سمية الألوف من شيعة الكوفة وشيعة البصرة صبرا، وأوسعهم حبسا وأسرا، حتى قبض الله معاوية على أسوأ أعماله، وختم عمره بشر أحواله، فاتبعه ابنه يجهز على جرحاه، ويقتل أبناء قتلاه، إلى أن قتل هانئ بن عروة المرادي، ومسلم بن عقيل الهاشمي، وعقب بالحارث ابن زياد الرياحي، وبأبي موسى عمرو بن فرطة الأنصاري، وحبيب ابن مظاهر الأسدي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، ونافع بن هلال الجملي، وحنظلة بن أسعد الشامي، وعابس بن أبي حبيب الشاكري في نفيف وسبعين من جماعة شيعة الحسين (عليه السلام) يوم كربلاء.
ثم سلط عليهم الدعي ابن الدعي عبيد الله بن زياد يصلبهم على جذوع النخل، ويقتلهم ألوان التل حتى اجتث الله دابره، ثقيل الظهر بدمائهم التي سفك، عظيم التبعة بجريمهم الذي انتهك.. فانتبهت لنصرة أهل البيت طائفة أراد الله أن يخرجهم من عهدة ما صنعوا ويغسل عنهم وضر ما اجترحوا فصمدوا ضد الفئة الباغية، وطلبوا بدم الشهيد الدعي ابن الدعي، لا يزيدهم قلة عددهم وانقطاع مددهم، وكثرة سواد أهل الكوفة بإزائهم إلا إقداما على القتل والقتال، وسخاء بالنفوس والأموال حتى قتل سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نحبة الفزاري وعبيد الله بن وال التميمي في رجال من خيار المؤمنين وعلية التابعين، ومصابيح الأنام، وفرسان الإسلام...).
عرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى ما عانته شيعة أهل البيت في عهد الطاغية معاوية من صنوف القتل والتنكيل فقد سلط عليهم الإرهابي المجرم زياد بن أبيه فأمعن في قتلهم ومطاردتهم ولما انتهت أيام معاوية أعقبه ابنه يزيد فاقترف من الجرائم ما سود به وجه التأريخ وذلك على يد اللقيط ابن مرجانة الذي ارتكب كل جريمة وكل إثم، ولم يرع لله إلا ولا ذمة فقتل خيار الشيعة أمثال الورع التقي ميثم التمار، ورشيد الهجري، وبعد هلاك المجرم يزيد انتفضت خيار الشيعة وهم المعروفون بالتوابين فطالبوا بدم ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبي الأحرار الإمام الحسين وقد استشهد أعلامهم أمثال سليمان بن صرد الخزاعي وغيره....
ويستمر الخوارزمي في عرض مآسي العلويين وشيعتهم فيقولك (ثم سلط ابن الزبير على الحجاز والعراق فقتل المختار بعد أن شفى الأوتار، وأدرك الثأر، وأفنى الأشرار، وطلب بدم المظلوم الغريب فقتل قاتله، ونفى خاذله وأتبعوه أبا عمر بن كيسان وأحمر بن شميط ورفاعة بن يؤيده والسائب بن مالك، وعبد الله بن كامل، وتلقطوا بقايا الشيعة يمثلون بهم كل مثلة، ويقتلونهم شر قتلة، حتى طهر الله البلاد من عبد الله بن الزبير وأراح العباد من أخيه مصعب فقتلهما عبد الملك بن مروان (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) بعد ما حبس ابن الزبير محمد بن الحنفية، وأراد إحراقه ونفى عبد الله بن عباس....).
وحكت هذه الكلمات ثورة القائد الملهم العظيم المختار بن يوسف الثقفي نضرّ الله مثواه الذي طهر الأرض من أرجاسها ال**** المجرمين قتلة سيد شباب أهل الجنة أبي الأحرار الإمام الحسين فقد قتلهم المختار وأبادهم تحت كل حجر ومدر، فما أعظم عادته على أهل البيت، ولكن من المؤسف أن عبد الله بن الزبير وأخاه مصعب زحفا بجيوشهم صوب العراق فاحتلوه، وأبادا بصورة جماعية شيعة أهل البيت وفي طليتهم حاكم العراق المختار وجماعته المؤمنين الأخيار، ولكن الأمر لم يستقم لمصعب وأخيه، فقد زحف عبد الملك بجيوشه فاحتل الحجاز والعراق وقتل مصعبا وأخاه وأراح الله العباد والبلد منهما.
ويتحدث الخوارزمي عما عانته الشيعة في أيام الطاغية عبد الملك فيقول:
فلما خلت البلاد لآل مروان سلطوا الحجاج على الحجازيين ثم على العراقيين، فتلعب بالهاشميين وأخاف الفاطميين، وقتل شيعة علي ومحا أثار بيت النبوة، وجرى منه ما جرى على كميل بن زياد النخعي واتصل البلاء مدة ملك المروانية إلى الأيام العباسية، حتى إذا أراد الله أن يختم مدتهم بأكثر آثامهم، ويجعل أعظم ذنوبهم في آخر أيامهم بعث على بقية الحق المهمل، والدين المعطل زيد بن علي فخذله منافقو أهل العراق, وقتله أحزاب أهل الشام وقتل من شيعته نصر بن خزيمة الأسدي، ومعاوية بن إسحاق الأنصاري وجماعة ممن شايعه وتابعه، وحتى من زوجه وأدناه وحتى من كلمه وماشاه....).
عرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى حكم المروانيين وما اقترفوه من الجرائم والموبقات، وكان من أفظع جرائمهم أنهم سلطوا الإرهابي المجرم الحجاج بن يوسف الثقفي فأمعن في قتل الأخيار والمصلحين من شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد انبرى لإنقاذ المسلمين من الجور، الشهيد الخالد زيد بن علي، ففجر ثورته الكبرى التي هي من الثورات الخالدة في دنيا الإسلام، وقد غدر به أهل الكوفة كما غدروا بجده الإمام الحسين فاستشهد نقي الثوب مجاهدا في سبيل الله وبعد شهادته تتبع الأمويون شيعته فأبادوهم ونكلوا بهم. ويعرض الخوارزمي إلى بض مآسي العلويين وشيعتهم فيقول:
(فلما انتهكوا ذلك الحريم، واقترفوا ذلك الإثم العظيم غضب الله عليهم ـ أي على الأمويين ـ وانتزع الملك منهم، فبعث العلويون أبا مجرم ـ لا أبا مسلم ـ فنظر لا نظر الله إليه إلى صلابة العلويين، وإلى لين العباسيين، فترك تقاه واتبع هواه، وباع آخرته بدنياه، وافتتح عمله بقتل عبد الله بن معاوية، وعبد الله بن جعفر، وسلط طواغيت خراسان وخوارج سجستان، وأكراد إصفهان على آل أبي طالب يقتلهم تحت كل حجر ومدر، ويطلبهم في كل سهل وجبل، حتى سلط الله عليه أحب الناس إليه فقتله كما قتل الناس في طاعتهن وأخذه كما أخذ النساء في بيعته، ولم ينفعه أن اسخط الله برضاه، وأن ركب مالا يهواه، وخلت من الدوانيقي الدنيا، فخبط فيهم عسفا، وتقضى فيها جورا وحيفا إلى أن مات، وقد امتلأت سجونه بأهل بيت الرسالة، ومعدن الطيب والطهارة، قد تتبع غائبهم وتلقط حاضرهم، حتى قتل عبد الله بن محمد، ابن عبد الله الحسني بالسند على يد عمر بن هشام التغلبي، فما ظنك بمن قرب تناول عليه، ولأن سمه على يديه؟).
وهذا قليل في جنب ما قتله هارون منهم، وما فعله موسى بهم قبله، فقد عرفتم ما توجه على الحسين بن علي بفخ ابن موسى، وما اتفق على علي بن الأفطس الحسيني من هارون، وما جرى على أحمد بن علي الزيدي، وعلى القاسم بن علي الحسيني من حبسه، وعلى ابن غسان حاضر الخزاعي حين أخذ من خيله، وبالجملة أن هارون مات وقد حصد شجرة النبوة، واقتلع غرس الإمامة وأنتم أصلحكم اله أعظم نصيبا في الدين من الأعمش فقد شموه ومن شريك فقد عزلوه، ومن هشام بن الحكم فقد أخافوه ومن علي بن يقطين فقد اتهموه.
وحكى هذا المقطع المآسي والنكبات التي جرت على السادة العلويين وعلى شيعتهم في عهد العباسيين فقد أسرفوا إلى حد بعيد في ظلمهم وقتلهم، وقد صور هذا المقطع قائمة بأسماء السادة العلويين الذين نفذ فيهم حكم الإعدام المجرم أبو مسلم الخراساني الذي انتقم الله منه على يد المنصور الدوانيقي الذي أخلص له، وأراق أنهارا من الدماء في سبيل توطيد الملك له ولأخيه السفاح.
وعرض الخوارزمي إلى ما اقترفه موسى الهادي وهارون من القتل والتنكيل بالعلويين وشيعتهم، ويستمر الخوارزمي في ذكر المآسي التي حلت بالعلويين وشيعتهم يقول:
(فأما في الصدر الأول فقد قتل زيد بن صوحان العبدي وعوقب عثمان بن حنيف الأنصاري، وخفي حارثة بن خدامة السعدي وجندب بن زهير الأزدي وشرع بن هاني المرادي، ومالك بن كعب الأرحبي، ومعقل بن قيس الرياحي، والحارث الأعور الهمداني، وأبو الطفيل الكناني، وما فيهم إلا من خر على وجهه قتيلا أو عاش في بيته ذليلا، يسمع شتمة الوصي فلا ينكر، ويرى قتلة الأوصياء وأولادهم فلا يغير، ولا يخفى عليكم حرج عامتهم وحيرتهم كجابر الجعفي، ورشيد الهجري وزرارة بن أعين، وكفلان وأبي فلان، ليس إلا أنهم رحمهم الله كانوا يتولون أولياء الله، ويتبرؤون من أعدائه، وكفى به جرما عظيما عندهم وعيبا كبيرا.....).
وحكت هذه الكلمات ما جرى على أعلام الشيعة من صنوف القتل والاضطهاد أيام الحكم الأموي، وعدد الخوارزمي بعد ذلك إلى ما عانوه أيام الحكم العباسي من الاضطهاد فيقول:
(وقل في بني العباس فإنك ستجد ـ بحمد الله ـ مثالا، وجل في عجائبهم فإنك ترى ما شئت مجالا.... يجئ فيئهم فيغرق على الديلمي والتركي، ويحمل إلى المغربي والفرغاني، ويموت إمام من أئمة الهدى، وسيد من سادات بني المصطفى، فلا تتبع جنازته ولا تجصص مقبرته، ويموت ضراط لهم أو لاعب، أو مسخرة أو ضارب، فتحضر جنازته العدول والقضاة، ويعمر مسجد التعزية عنه القواد والولاة، ويسلم فيهم من يعرفونه دهريا أو سوفسطائيا، ولا يتحرضون لمن يدرس كتابا مانويا ويقتلون من عرفوه شيعيا ويسفكون دم من سمى ابنه عليا، ولو لم يقتل من شيعة أهل البيت غير المعلى بن خنيس، قتيل داوود بن علي، ولم لم يحبس فيهم غير أبي تراب المروزي لكان ذلك جرما لا يبرأ، وثائرة لا تطفأ، وصدعا لا يلتئم، وجرحا لا يلتحم.
وكفاهم أن شعراء قريش، قالوا في الجاهلية: أشعارا يهجون فيها أمير المؤمنين ويعارضون فيها أشعار المسلمين، فحملت أشعارهم، ودونت أخبارهم، ورواها الرواة أمثال الواقدي، ووهب بن منبه التميمي ومثل الكلبي والشرقي بن القطامي، والهيثم بن عدي وداب بن الكناني.
(وأن بعض شعراء الشيعة يتكلم في ذكر مناقب الوصي بل في ذكر معجزات النبي (صلى الله عليه وآله) فيقطع لسانه ويمزق ديوانه ما فعل بعبد الله بن عمار البرقي وكما أريد بالكميت بن زيد الأسدي، وما نبش قبر منصور بن الزبرقان النمري، وكما دمر دعبل بن علي الخزاعي، إما مع رفقتهم من مروان بن أبي حفصة اليمامي، وعلي بن الجهم الشامي، فقد وسعوا عليهم ليس إلا لغلوهما في النصب، حتى أن هارون بن الخيزران، وجعفر المتوكل على الشيطان ـ لا على الرحمن ـ كانا لا يعطيان مالا، ولا يبذلان نوالا لا لمن شتم آل أبي طالب، ونصر مذهب النواصب مثل عبد الله بن مصعب الزبيري، ووهب بن وهب البختري، ومن الشعراء مثل مروان بن أبي حفصة الأموي، ومن الأدباء مثل عبد الملك بن قريب الأصمعي، فأما في أيام جعفر فمثل بكاء بن عبد الله الزبيري، وأبي السمط بن أبي الجون الأموي، وابن أبي الشوارب العيشمي...).
تعرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى المحن الشاقة والعسيرة التي واجهتها الشيعة أيام الحكم العباسي الذي جهد على ظلم الشيعة وإرهاقهم والأعلام الذين أعدموا منهم وغير ذلك من صنوف الجور الذي عانوه، ومن بنود هذه الوثيقة قوله:
(ونحن أرشدكم الله قد تمسكنا بالعروة الوثقى ـ يعني أهل البيت ـ وآثرنا الدين على الدنيا، وليس يزيدنا بصيرة زيادة من زاد فينا، ولن يحل لنا عقدة نقصان من نقص منا، فإن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود كما بدا).
يتبع

تعليق