مسرور ومقرور ( الحلقه الاخيره )

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • النبيل
    عضو فعال
    • Feb 2001
    • 186

    #1

    مسرور ومقرور ( الحلقه الاخيره )

    حتى لا يصاب الناس بالملل فهذه هي الحلقه الاخيره من القصه مع انها طويله جدا
    -----------------------
    ظهور الملائكــــــــة
    ظلت الأرض تخرج موتاها وتسلمهم إلى ظهرها حتى لم يعد في جوفها أ؛د , واكتمل بعث أهل الأرض من الجن والإنس والشياطين والوحوش والسباع والأنعام والهوام .
    حين تكامل المشهد واستوى الجميع في موقف الحشر . . بدأ الكون يدخل مرحلة احتضاره الأخيرة . .
    بدأت الأرض تدك دكا دكا , وتناثرت نجوم المجرات من فوقها , وطمست الشمس وبدأت تبرد , تحول لونها من الأصفر الوهاج إلى اللون الأحمر , ثم دلف اللون الأحمر إلى اللون الأزرق , ثم ذابت الزرقة في لون رصاصي سرعان ما تحول إلى السواد . .
    وراحت الشمس تصدر أصواتا ممزقة وهي تنفجر محتضرة في سماء يوم الحشر , وبرق بصر الخلق ثم ساد الكون كله ظلام دامس ..
    انطفأت نجوم المجرات وهلكت الشمس وطمس القمر وساد الظلام ..
    . . . . . . . . . . . . . .
    وتوقف أهل الحشر في أماكنهم من الهول ..
    لم يعد هناك من يجري . .
    إن مسرور يرتعش الآن من البرد بعد أن كان يتفصد عرقا من الحر , إن جليدا أسود موحشا يزحف عليه من جميع الجهات , نظر في اتجاه مقرور فلم يره ولم يستطع أن يميز أحد , وهبطت السماء الدنيا إلى الأرض وبدأت تتشقق هي الأخرى , ثم صدر الأمر الإلهي إلى قوانينها الحاكمة أن تنحل فنحلت , وانفطرت السماء وهي تهوى ممزقة محتضرة . . وقد كشطتها يد القدرة القادرة . .
    كان مشهد موت السماوات والمجرات مهولا .
    ذابت السماء حتى صارت كالمهل , تحولت إلى لون الفضة التي تخالطها صفرة الفزع , ثم تغير لونها حتى صارت وردة كالدهان , مثل لون الفرس الأحمر الذي يعدو هناك , ثم انسكبت حمرتها في الفضاء وانشقت السماء عن أبواب مفتوحة . .من وراء أبوب السماء التي انفتحت . ظهر الملائكة وهم يقدسون الله ويسبحونه . . وقد ملك الخوف نفوسهم رهبة من الموقف .
    تأمل مسرور ما يجري وقلبه يدق بعنف مثل طبل أجوف قادم من بعيد وهو يحمل أخطار عذاب بئيس .
    لم يعرف مسرور كم من الوقت مضى عليهم في هذا الهول . . لم يعرف كم من الوقت مر منذ أن قام من الموت حتى تشققت السماء . . وكان أكثر ما يدهشه أنه لم يزل حيا رغم كل ما شاهده , ولمع في أعماقه شعورا بأنه لن يموت بعد الآن , وأفزعه هذا الشعور أكثر مما أفزعه هول القيامة .
    أما مقرور فكان يسبح بإسم اللطيف وهو يرتعد .

    نَسِي فنُسِي

    كم من الوقت مر على يوم القيامة ؟
    هل مرة عشرة آلاف سنة . . هل مرت خمسون ألف سنة , هل مر يوم حقا , أسئلة ترددت في صدر مسرور رغم إدراكه أنها كلها أسئلة بلا معنى . . إن تعاقب الليل والنهار وظهور الشمس والقمر كانا بمثابة ساعة كونية تدل على الوقت ويعرف منها البشر حساب الأيام والسنين , وهاهي الشمس تموت وهاهي الساعة تهوى محطمة .
    انتهى الأمر وخرج الوقت على حدود الوقت , وتوقف الإدراك عن الإدراك .
    حين وقع هذا انحدر الملائكة من أبواب السماء المفتوحة بعظيم أجسادهم ووهج أجنحتهم وهم يرتعشون في أنوارهم خوفا من الجبار الأعلى , وبدا واضحا من خشية الملائكة ورهبتهم أن الله تبارك وتعالى قد غضب . ووسط الظلام الكوني السائد لم يكن يضئ المشهد غير أنوار الملائكة وهم ينزلون من السماوات صفوفا صفوفا . . كانوا جميعا يرتعشون رهبة وخشوعا . . وأدرك أهل الحشر جميعا هذه الحقيقة . . أدركوا أ، الله تبارك وتعالى قد غضب غضبا لم يغضب قبله مثله , ولا يغضب بعده مثله . وأفسح الهول الكوني مكانه لهول نفسي بدت جواره أهوال حقبة القيامة باهته شاحبة عديمة الأثر . . تسربل الملائكة بأجنحتهم ونكسوا رءوسهم ووقفوا صفوفا حول أهل المحشر , وتأمل الناس الملائكة وأحسوا بالضآلة والخشوع والرهبة , وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا , وراح الضجيج الصادر من بلايين الإنس والجن والوحوش ينحسر حتى ذاب في صوت تنفس الخلائق الثقيل . . وكشطت السماء أكثر وأكثر حتى تلاشت تماما كما تلاشت الأرض القديمة , اختفت مادة السماء وذابت مادة الأرض ووقف المبعوثون من موتهم على أرض المحشر . . ثمت أرض بلون الفضة الشاحبة لم يرتكب أحد فوقها خطيئة .
    ) وأشرقت الأرض بنور ربها (
    بعد أن قضت في الظلام وقتا خرج على حدود الوقت , أضئ المشهد بنور جديد ليس هو ضوء الشمس ولا نور القمر , ثمة نور لا عهد للخلق به . نور إلهي . . لم يكد المشهد يضئ بهذا النور المقدس حتى فقد مسرور بصره . أعمى نور الله تعالى بصره كما أعمى أبصار الكافرين , وأراد مسرور أن يصرخ من الفزع ولكن شيئا داخله دفن صرخته في صدره فترددت مثل عواء مذبوح في أعماق روحه . . أيقن بالهلاك . ز وتمتم لنفسه مبتئسا . رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا .
    قيل له : كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى .
    وأشــرقت الأرض
    ) وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون (
    . . . . . . . . . .
    استقبل مقرور نور الله تعالى مثلما يستقبل الغريق نسائم النجاة والخلاص , و أحس أن قلبه يهدأ في هذا النور الهادي الجديد , واتسعت المسافات بين أهل الحشر فجأة , ووقف كل مخلوق أمام ملائكة الحساب , وحمل الملائكة المقربون كتابا عظيما وضع أمام الجميع , وزاد خشوع الأصوات للرحمن , وظهر جبريل فسد الآفاق بهيبته وأنواره وأجنحته . . ونادى جبريل وسط الصمت الحاكم : لمن الملك اليوم ؟
    وبلغت القلوب حناجر الخلق , ورد أهل الحشر بانكسار النفوس ورهبة القلوب : لله الواحد القهار . .
    قال جبريل بصوت سمعه الموقوفون جميعا : لقد كانت انسابكم في الدنيا تقدمكم وتؤخركم , وكان الثراء يقدم ويؤخر , وكان الملوك والأمراء يقدمون ويؤخرون , اليوم يضع الله تبارك وتعالى أنسابكم ويرفع نسبه . . لا أنساب اليوم سوى التقوى وسلامة القلوب . . هذا معيار الفضل الوحيد اليوم .
    أحس مقرور أن فزعه يسكن , راح يتأمل عظمة جبريل وبهاءه ويسأل نفسه : إذا كان جبريل بكل عظمته وجلاله عبدا لله . . فكيف تكون عظمة الرب المعبود . .
    نصبت موازين للخلق وجئ بالنبيين والشهداء فتصدروا قومهم وبدأ الحساب .. أدرك مقرور أنه يواجه محاكمة , كان قلقا لا يعرف هل قبل الله توبته ام ردها في وجهه , وكان يتمتم باسم اللطيف في قلبه ليسكن روعه , وأحس مقرور أن الأمل الوحيد الباقي لديه أن يلطف به اللطيف الرحيم .
    أما مسرور فكان قلبه هواء . .
    إن الرعب الذي يصفر في صدره يجعل عويل الرياح الشتائية وسط الغابات شديد الإيناس إذا قيس إلى عويل الخوف في نفسه .
    أدرك مسرور أنه يقف موقف محاكمة بين يدي الله , ,أنه سيحاسب بعد قليل عن كل جرائمه لقد عاش ومات وبعث وهاهو يقف للحساب . . لم تكن هذه الحقيقة تعرض له في حياته , لم يكن يتوقف عندها , كان مشغولا بالسلطة والحكم والذهب والهوى , لم يكن يصدق أن مايحدث له الآن يمكن أن يحدث . . وبدأ الملائكة يسلمون أهل الحشر من الإنس والجن كتب أعمالهم , ومد مسرور يده وراء ظهره فوضع فيها ملائكة الحساب كتابا غريبا . . كتابا يعرض بالصوت والصورة كل دقائق حياة المرء , من يوم ولادته إلى ساعة موته .

    نعيب زماننا والعيب فينا** ومالزماننا عيب سوانا
    النبيل
  • النبيل
    عضو فعال
    • Feb 2001
    • 186

    #2
    إقــــرأ كتابك
    قالت الملائكة لمسرور وهم يعطونه كتابه : إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا .
    وقالوا لمقرور نفس الكلمات , وقيلت الكلمات لكل أهل الحشر . . و أحس مسرور بالاطمئنان وأحس مقرور بالخوف , نبع أطمئنان مسرور من الفكرة التالية , مادام هو الذي سيحاسب نفسه فسوف يجد لها مخرجا , لن يحكم عليها بشئ . . سيبرئها وسيشحذ ذهنه للدفاع عنها وتبرئتها . . أما مقرور فقد أدرك جسامة المسئولية التي القيت على كاهله , وخيل إليه أن وراء العبارة تهديدا غامضا مستترا , مثل قول القاضي للمتهم بماذا تحكم على نفسك . .
    إن المتهم يعلم أن القاضي هو الذي سيحكم في النهاية . . انشغل مقرور بكتابه وخشى أن يفتحه ثم جازف وفتحه . . راح يبحث عن سيئاته فلم ير إلى حسنة واحدة كبيرة كانت تتكرر في صفحات الكتاب كله , وأدرك مقرور أن خطأ ما قد حدث , وأنه أعطى كتابا غير كتابه , مال على الملائكة الذين أعطوه كتابه وقال لرئيسهم هامسا :
    لقد أعطيتني كتاب إنسان آخر . . ليس هذا كتابي . .
    قال له الملك بود : عد إلى مكانك . . هذا كتابك . . نحن لا نخطئ .
    قال مقرور وصوته ينخفض أكثر : ليس في الكتاب سيئات عملتها ؟ أين ذهبت السيئات ؟
    قال الملك : قل هذا لربك الغفور حين تقف للعرض بين يديه .
    سأل مقرور مبهورا وقد داخله فرح هائل : هل أقف بين يدي الله ؟
    قال الملك نعم . .
    قال مقرور وهو يلتفت حوله للحشد الهائل :
    ) هاؤم أقرءوا كتابيه . . إني ظننت أني ملاقِ حسابيه (
    . . . . . . . . .
    تلقى مسرور كتابه خلف ظهره , قال لملائكة الحساب :
    لقد صرت أعمى , ولم أعد أستطيع أن أقرأ .
    قال له الملك : ستحاسب أكثر من مرة .. سيرد لك بصرك لتقرأ , وستحكم على نفسك , وسيحاسبك الله بنفسه . .
    ارتعش مسرور وبدأ يتصفح كتابه . .
    رأى نفسه وهو يهئ طريقه للسلطة , شاهد الجرائم التي ارتكبها جريمة بعد جريمة , شاهد نفسه يقتل , ويدس السم , ويظلم , ويزني , ويكذب , ويكتنز الذهب والفضة , رأى نفسه طاغية جبارا . . وراح يقلب الكتاب كالمجنون بحثا عن حسنة يرتكز إليها أو عمل طيب يتشبث به فلم يجد . .
    وبدأ يكره نفسه بعد أن شاهد صورتها الحقيقة أمام عينيه , بعد أن عميت عيناه واشتعلت بصيرته .

    محاكمة مسرور
    بدأت محاكمة مسرور . .
    قيل له : انت متهم بتأليه نفسك وإفساد شعبك , لقد زورت إرادتهم ومحوتها , ولم تكن تسمح لمن يعارضك أن يعارضك , وهذا كبرياء وعظمة , والكبرياء رداء الله تعالى والعظمة إزاره , من نازعه واحدا منها ألقاه في جهنم . . ماذا تقول دفاعا عن نفسك . .
    قال مسرور : لست مسئولا وحدي , لقد خدعني وزرائي وكبير البصاصين ورئيس العسس . . أريد استدعاءهم للشهادة .
    أمر الملائكة باحضارهم فمثلوا أمامه . . ووجه مسرور اتهامه للوزير الأول وفوجئ أن وزيره يرد عليه بوقاحة : نحن لم نخدعك . . إنما خدعتنا أن وزيره يرد عليه بوقاحة : نحن لم نخدعك . . إنما خدعتنا أنت بسلطانك فاتبعناك , وكنا صدى لصوتك , وأداة وضعية لمشيئتك , لقد خربت بيتنا اليوم وضيعتنا كما ضيعت نفسك . استدار مسرور حانقا والتفت إلى كبير البصاصين وسأله :
    ألم تخدعني أنت بأكاذيبك عن مؤامرات موهومة تستدعي قتل العشرات . . قال كبير البصاصين : كانت هذه الأكاذيب هي أفكارك أنت , وكنت تحب أن تسمعها من أفواهنا نحن , وكان هذا معيار الولاء عندك .
    استدار مسرور وقد بلغ به الجزع منتهاه , وأنشأ يلطم وجهه وهو يقول :
    لماذا لم يقاومني أحد ؟ لماذا لم يثر على أحد ؟ لقد كانت استكانة الناس هي الدليل عندي على رضائهم , لقد ضيعني هؤلاء الكلاب الذي أسلمتهم مقاليد الأمور , كما ضيعني الناس حين صبروا على ظلمنا , لماذا صبروا على ظلمنا لهم , لو لم يصبروا عليه لكان حالنا وحالهم أفضل .
    ظل مسرور يردد كلماته وهو يحس بحقد طاغ تجاه وزيره ومسئول دولته وشعبه وحتى تجاه نفسه . . وانخراط مسرور في حوار محموم مع شهوده , وانتهى الحوار بأن أمسك كل واحد منهم رقبه الآخر وحاول أن يخنقه . .
    وصدر الأمر إليهم من الملائكة أن يلزموا حدود الأدب فانطفأ جدلهم ووقفوا ساكنين وميزان مسرور يميل نحو إدانته .
    عادت الملائكة تقول لمسرور : لقد خلق الله تعالى الناس أحرارا ولكنك سجنتهم في الأكاذيب والأباطيل والأوهام والقهر . . لقد أعليت قيمة النفاق خلال حكمك على قيمة الصدق والشجاعة , فسممت جو الحياة وخنقت ضمائر الناس . . ماذا تقول دفاعا عن نفسك . . ؟
    استمر التحقيق مع مسرور زمان بدا له من فرط طوله أطول من أهوال القيامة , سألوه عن عبادته لنفسه فأنكر , عن كنزه الذهب والفضة فأنكر , عن تسميمه لجو الحياة فأنكر , عن جرائم القتل التي ارتكبها نظامه فأنكر , واستمرت المحاكمة حتى وصل ملائكة الحساب إلى جنايته مع مقرور .
    أخيرا
    أوقف الملائكة مقرور أمام مسرور وسألوا الجاني وهم يشيرون إلى الضحية :
    هذا رجل كان ذنبه عندك أنه يؤمن بالله واليوم الآخر , لماذا قتلته ؟ ولأي سبب أمرت باحراقه ؟ لقد عذبت رجلا بالنار ولا يعذب بالنار سوى رب الجنة والنار . .
    قال مسرور هذا هو العمل الوحيد الذي أعترف أنني تسرعت فيه , لقد تسرعت بإعدامه , هذه هي الحقيقة . . يبدوا عليه أنه رجل طيب فعلا . . لكنني لست مسئولا تماما عن هذا التسرع , وبالتالي فلست مسئولا عن قتله , لقد قتله النظام الحاكم الذي كنت أحكم به وكان في الحقيقة يحكمني . . لقد قتله النظام وقتلني معه . .
    كان مسرور يجادل عن نفسه , وكان مقرور يحس بالشفقة نحوه , انكشف كل شئ الآن ولم يعد في حاجة لأن يكره أحدا أو يحس بالضغينة نحو أحد , نزع الله تعالى مافي صدره من غل إنساني حين أدرك أنه موضع رضا الرحمن . . أما مسرور فكانت كراهيته وغله يزيدان كل لحظة , وكلما حاصره الملائكة بالأسئلة زادت كراهيته لنفسه , وكلما تبرأ منه أتباعه ووزراؤه وجنده , اتسعت كراهيته , ثم أنقدح في ذهنه خاطر أحس أنه آخر فرصة لإنقاذه .
    قال لملائكة الحساب : إن الشيطان هو الذي دفعني لكل مافعلت . . أنا لم أفعل شيئا في الحقيقة . .
    وجاء الشيطان كشاهد . . قال له مسرور : ألست أنت السبب في كل ماحدث ؟ قال الشيطان ساخرا : هل رأيتني أركبك مثل دواب الركوب وأسوقك نحو الخطيئة , كل مافعلته أنني دعوتك إلى الشر فلبيت الدعوة , ماكان لي عليك من سلطان أكثر من ذلك .. إني برئ منك . . إني أخاف الله رب العالمين . . لا تلمني ووجه اللوم لنفسك .
    كان مسرور مصرا على الإنكار منهمكا في الجدال عن نفسه , فلما رأى ملائكة الحساب إصراره أحالوا قضيته برمتها إلى الله . .
    لم يكد مسرور يسمع كلمه الله تعالى حتى انهار , تزلزل واقعا وهو يبكي ويصرخ إنه لا يريد أن يعرض على الله , توسل إليهم أ، يفعلوا به ما يشاءون , فليمزقوه قطعا صغيرة , وليلقوه إلى الأسود الجائعة التي تقف هناك , ليفعلوا به أي شئ إلا أن يعرضوه على الله . .
    كان لفظ الجلالة يلقى في قلب مسرور رعبا مطلقا غير محدود , رعبا بلا شكل ولا طول ولا نهاية ولا بداية , رعبا لا نهائيا ..
    وحمله الملائكة حتى انتهوا به إلى عرش الرحمن , فأوقفوه في حجاب الخوف , حاكم الله تعالى مسرور دون أن يكلمه أو ينظر إليه . .
    قال له : ألم أخلقك ؟ ألم أحسن إليك ؟ ألم أعهد إليك ؟ كيف بارزتني بالمعاصي وتجرأت علي ؟
    وخرس لسان مسرور وتكلمت جوارحه . . فوجئ أن عقله يتكلم , وأن قلبه يعترف , وأن جلده يشهد عليه .
    وطالت وقفة مسرور أمام الله عز وجل . .
    طال حسابه فأيقن أنه هالك . .
    * * *

    قل ياعبـــد
    أوقف الملائكة مقرور تحت ظل العرش في حجاب الرحمانية , قال الله تعالى له : قل ياعبدي حتى أسمع . .
    قال مقرور : سبحانك ربنا . . تباركت وتعاليت . . أنا عبدك الذليل فلا يعلم قدر ذلي إلا أنت , وأنا عبدك الفقير فلا يعلم قدر فقري إلا أنت , وأنا عبدك الضعيف , فلا يعلم قدر ضعفي إلا أنت , لقد عدت على ذلي بعزك , فأعززتني بمعرفتك وتوحيدك , وعدت على فقري بغناك فأغنيتني بذكرك , وعدت على ضعفي بقوتك , فقويتني بهدايتك وأمسكتني في هدايتك بالإسلام . .
    أنا الذليل بي وأنا العزيز بك . .
    وأنا الفقير بي وأنا الغني بك . .
    وأنا الضعيف بي وأنا القوي بك . .
    ها أنا يامولاي قد جئتك بذنوبي وخطاياي , ولكني لا أجدها في كتابي . . قال الحق : ياعبدي أنا سترتها عليك في الدنيا . . وأنا أغفرها لك اليوم . . قد قبلنا توبتك حين تبنا عليك لتتوب , وغفرنا كبير جرمك وكثير سيئاتك , وتقبلنا منك يسير إحسانك . . ولقد بدلنا برحمتنا ذنوبك السابقة إلى حسنات حين حسنت توبتك . .
    خر مقرور ساجدا وهو يبكي حياء من الله وحبا فيه .
    نادى الحق أنه تعالى على الشرك وأنه أغنى الأغنياء عنه , فمن أشرك به أحدا أو شيئا فليأخذه أجره اليوم ممن أشرك به . . أما الله تعالى فليس عنده لهؤلاء سوى الجحيم . .
    كان مشهد الحساب رهيبا . .
    إن كتب الخلق جميعا تتحدث بالصوت والصورة عن كل مافعلوه , مثلما تسجل كاميرا الفيديو الخفية كل شئ , حتى النوايا هي الأخرى كانت مسجلة ومكتوبة ومحفوظة , ولم يكن الكتاب يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . . وقف الأنبياء يتصدرون قومهم , ووقف الملائكة يحاسبون أتباع الأنبياء وفق رسالات أنبيائهم .
    حوسب كل إنسان حسب عقله وعلمه وظروفه , ولجأ الناس والجن إلى الأنبياء يطلبون الشفاعة , توجهوا إلى الملائكة يطلبون الشفاعة , وكشف الحق عن سيقان أهل الحشر جميعا وأمرهم بالسجود . . سجد المؤمنون .. ووقف الكافرون حيارى لا يدرون ماذا يفعلون . . لم يستطيعوا السجود , وعرفت النار لمن كانت تحمى وتسعر . . ونصبت الملائكة الصراط . .
    كان السراط جسرا ينتهي بالجنة . . وكان منصوبا فوق النار . . وكان هذا الجسر يبدوا للمؤمنين جسرا يمكن عبوره برحمته الله , أما بالنسبة للكافرين فكان هذا الجسر شعره ممدودة .

    نعيب زماننا والعيب فينا** ومالزماننا عيب سوانا
    النبيل

    تعليق

    • النبيل
      عضو فعال
      • Feb 2001
      • 186

      #3
      الصــــراط
      وقع أمر مدهش قبل أن يصدر الأمر إلى الخلائق أن يعبروا الصراط . . نادى المنادي أ، أحضروا الموت . .
      حضر حيوان أسود اللون يشبه الكبش وماهو بالكبش . . أمر الصوت الجليل أن أذبحوا الموت . .
      هوى الملائكة بأجنحة مثل سيوف البرق وذبحوا الموت . . سقط الموت على جنبه وبدأ يموت . . اختلج وهو يموت ثم لم يلبث أن تلاشى تماما . .
      قال المنادي : هذا آخر عهدكم بالموت . . لم يعد هنالك بعد الآن موت . . لقد مات الموت وانشأناكم خلقا جديدا لا تعلمونه , ولكنه خلق لا يعرف الموت .
      ليعبر الخلق الصراط الآن . .
      لم يكد الأمر يصدر بعبور الصراط حتى اندفع المؤمنون نحو الجسر وتراجع الكافرون إلى الخلف . .
      تراجع مسرور فيمن تراجع , كان يرتدي الآن ثيابا من قطران , لا يعرف كيف وصلت إليه هذه الثياب وكيف ارتداها , كل مايعرفه أن الكلمات الأخيرة عن الموت كانت تدور داخل نفسه كرياح جحيمية مرعبة . مامعنى هذا . .
      مامعنى موت الموت ؟ إن رجاءه الأخير صار ينحصر في أمنية واحدة , أن يموت , لقد انتظر أن يموت حين بدأ يوم القيامة , وانتظر أن يموت طوال الحقبة الهائلة التي استغرقتها أحداث يوم القيامة , ولكنه لم يمت , وتمنى أن يموت والملائكة يحاسبونه , وتمنى أن يموت حين وقف أمام الله محجوبا عنه , فلم يكلمه الله ولم ينظر إليه , ولقد أحس مسرور في موقفه الأخير أن الموت صار أمنية مشتهاة , مامعنى ما يحدث الآن ؟ لقد كان الموت هو الأمل الأخير الباقي لديه . . وبموت الموت مات الأمل . .
      نظر إلى الصراط فشاهد ألسنة الجحيم تتصاعد من تحته , مثل هوة جائعة تفتح فمها الناري بحثا عن طعام طال انتظارها له .
      كانت نيران الجحيم تكاد تميز من الغيظ الآن , وكانت ألسنتها الجحيمية ترتعش خوفا من الجبار أن يعذبها إذا لم تعذب أهلها . . وانتقل خوف النار إلى قلب مسرور . .
      حدث نفسه : إذا كانت النار ترتعش خوفا من عذاب الله إذا لم تعذبنا فكيف سكون عذاب الله لنا إن سقطنا فيها .
      تأمل مسرور الصراط . . كان طويلا لا تبدو له نهاية , وكان عرضه مثل عرض الشعرة , ودفعه الملائكة في الدفعة الأولى التي ستعبر الصراط . .
      قال له أحد الملائكة : أنت في فوج متميز جدا , معك فرعون موسى ومعك قارون وهامان . . ألست السيد الأعظم . . ألم يكن هذا أسمك في الدنيا . . عليكم اللعنة جميعا , كيف جرؤتم على تحدي الله تعالى ؟

      العبـــور
      بدأ الفوج الخاص يتجه نحو الصراط . .
      كان الفوج يضم كل جبابرة الأرض وسادتها الظالمين المتألهين , وكانوا يرتدون ملابس من قطران , يسوقهم ملائكة غلاظ شداد . .
      إن مسرور يسير الآن في موكب يشبه ـ من باب السخرية ـ مواكبه في الدنيا .
      إن وزيره الأول يسير عن يمينه , وكبير الحرس عن يساره , أما كبير البصاصين فكان يمشي خلفهم , والجميع يرتدون ملابس من القطران لكي تتصل بها النار حين يقذفون فيها .
      مال كبير البصاصين عليه وهمس : نما إلى علمي أن عدد ملائكة الجحيم تسعة عشر ملاكا , عرفت أيضا أن اسمهم الزبانية . . يبدو أن هولا مهولا ينتظرنا بعد قليل .
      كان الموكب عارا مجسدا يمشي على التراب , وكان كل واحد في الفوج الجحيمي الأول يتأمل التراب وهو يحسده . .
      نظر مسرور إلى تراب الأرض وأحس أن حال التراب أفضل من حاله , قال لنفسه وهو يعض على يديه : ياليتني كنت ترابا .
      كانت الأمنية مستحيلة هي الأخرى , فهو يسير على التراب ولكنه ليس ترابا . . لم يكن هذا تفكيره مسرور وحده , وإنما كان هو تفكير الفوج الخاص كله , إن سادة الأرض الظالمين الكافرين كانوا جميعا يتأملون التراب الذي يسيرون فوقه ويتمنون لو انعكس الأمر وكانوا هم التراب وكان التراب هو الذي يسير فوقهم متجها نحو الصراط .
      وصلوا إلى الصراط . .
      علا صوت النار وسمعوا لها شهيقا وزفيرا وحشرجة غاضبة , وتقدم فرعون موسى يعبر الصراط . .
      سار على الشعرة حتى وصل إلى ثلثها الأول , وارتفع من الجحيم لسان ناري يجري بسرعة تفوق سرعة الضوء , والتقم هذا اللسان فرعون وهوى به إلى الجحيم .
      وسقط قلب مسرور من صدره إلى أقدامه . .
      صار قلبه هواء .
      صرخ يقول : رب ارجعني أعمل صالحا فيما تركت . . آمنت بالله . . إنني أعتذر . . لقد كفرت ولكنني أكفر بكفري . . التوبة . . إنني أتوب . .
      قال له أحد الملائكة جواره : ليس هذا المكان دار ابتلاء . . أنت في دار الجزاء .
      أعبر الصراط وانتظر أمامك ولا تنظر تحت قدميك إذا أردت أن تعبر . .
      سار مسرور على الصراط ونظر تحت قدميه . . وارتفع لسان النار من أعماق الجحيم وهو يزأر باسمه الثلاثي الكامل .

      في النــار
      سار مقرور يعبر الصراط جوار رجل لم تكن ملامح وجهه غريبة عليه . .
      وكان رجل يمسك كتابه بيمينه ويبدو على وجهه فرح لا نهائي , وكان الإثنان يعبران الصراط بسرعة طيبة . .
      كانا يسيران على الجسر ويتأملان فوران الجحيم من تحتهما , كان مشهد النار وهي تتلوى مثل آلاف الأفاعي السامة الرهيبة يبدوا مفزعا , وصرف الرجلان نظرهما عن النار , فالتقت نظراتهما فقال مقرور : لقد رأيتك من قبل . . لكني لا أذكر متى ؟ وأين ؟
      قال الرجل : انا كبير القضاة . .
      قال مقرور : لقد وقفت تؤيدني فقتلوك .
      قال كبير القضاة : مرحبا بمن أنقذني من النار . . لولاك لكنت هناك الآن . . لا تتصور آفاق الكرم الإلهي معي , لقد حمد الله لي كلمة حق قلتها أمام طاغية فقتلني بها . . واعتبرني الله تعالى من عباده . . لقد كلمني الله تعالى بذلك . . لم أكن أصدق , تصور حياة كاملة من الزور والتزييف تنقذها كلمة حق عند سلطان جائر .
      تصور قوة الكلمة . .
      كان كبير القضاة منفعلا . . واحتضن مقرور وهو يتكلم . . ثم عادا يعبران الصراط ويتوقفان لتأمل الرعب الجحيمي الذي كان يفور ويمور ويمور تحت الجسر الممتد . .
      ولمحا مسرور وهو يتأرجح وسط أتون النار المجدولة مثل قرد اشتعلت النار في جسمه . .
      كان مسرور يموت ولا يموت , ولا يعيش رغم وجود الحياة , إن الجحيم مكان لا يموت فيه المرء ولا يحيا . . هذه الصورة الرهيبة لنظام الاحياة والاموت كانت أكبر من أن توصف . .
      كانت النار تشتعل في ملابسه القطرانية , وتشتعل في جلده , وتحرق دمه وأعصابه فيصرخ , ثم تمتد إلى عظامه فيئن ويزداد صراخه , ثم تأتي النار على كل شئ فيحس أنه يموت , قبل أن يموت يفاجأ أن جلده يعود من جديد , وأن لحمه وعظامه وأعصابه تعود للحياة من جديد , ليبدأ العذاب دورته مرة أخرى , باحساس جديد وترويع جديد . .
      كان الذهب الذي كنزه في الحياة الدنيا قد تحول هنا إلى سلاسل هائلة تحمى في النار ثم يقيد بها وتنصهر فتكوى جنبه وظهره وصدره .
      كان يموت من العطش ولا ماء هنا ولا موت . . وتذكر مشهد الموت وهو يموت , وهرع من النار إلى الجحيم ليشرب , أخذ الإناء من يد الخازن الموكل بعذابه , وشربه دفعة واحدة , احترقت يده من حرارة الإناء , وشوى وجهه صهد ناره , فلما تجرعه سلخ حلقه , فلما وصل إلى جوفه قطع أمعاءه . .
      وعاد يصرخ أنه نادم تائب , وأنه يريد فرصة أخرى . .
      سمع مسرور صوت أبواب النار وهي تغلق . .
      وأدرك أنه لن يخرج منها أبدا , تقطع قلبه يأسا وأنقطع الرجاء منه وعلم أن لا فرج , ولا مخرج منها ولا محيص له من عذابها . .
      خلود ولا موت , وعذاب بلا زوال , ودوام للحريق فلا روح ولا راحة , أحزان لا تنقضي , وهموم لا تنفذ , وسقم لا يبرأ , وأوجاع لا تشفى , وقيود لا تحل , وأغلال لا تفك , وعطش لا يروون بعده , وكرب لا يستريحون منه , وجوع لا يشبعون منه , ولا شئ هنا سوى شجرة الزقوم , وهو طعام يهرى الحلق حين يأكله الإنسان . . ويستغيث بالشراب فيسقي من حمم يشوى جلده ويمزق أمعاءه .
      كان هذا جزاء من عذاب مسرور في الجحيم . .
      جزء آخر من عذابه أن ذهبه الذي كان يكنزه قد تحول هنا إلى حراب ساخنة تكوى بها جبهته وظهره وجنبه . .
      جزء آخر من عذابه استكشافه للجحيم ورحلته في طبقاته المختلفة . . أخطر جزء من العذاب الكلي كان إحساسه بغضب الله عليه , لقد حجبه الله تعالى فلم ينظر إليه ولم يكلمه . .
      ولقد بدت حسرات هذه الحقيقة الأخيرة أعظم كثيرا من عذابات النار وأهوالها . . وكان هذا الحجاب الأخير هو عين العذاب الأبدي
      في الجنــــة
      وصل مقرور إلى باب الجنة مع وفد المتقين .
      فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها : سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين . لم يكد مقرور يدخل حتى أعطى كأسا من الشراب . .
      كان يحس بعطش . .
      لم يكد يشرب الكأس حتى أحس أنه يتغير . .
      تغير داخله شئ . .
      ارتوى فجأة بحياة من لون جديد . . وأحس أنه يولد من جديد وأنه ينشأ نشأة أخرى . .
      إن حواسه القديمة تبدوا له الآن شاحبة ومضببة وغائمة , كان يرى في الدنيا ولكن رؤيته اليوم تختلف .
      وكان يحس في الدنيا ويتذوق ولكن إحساسه وذوقه اليوم يعمقان ويعلوان ويتسعان . .
      راح يتأمل تراب الجنة . .
      كانت أرضها من الفضة الخالصة , أو هكذا خيل إليه , ثم لا حظ أن ترابها مسك أذفر وزعفران . .
      تنفس مقرور بعمق . .
      ماأعجب هواء الجنة . . وماأعجب نورها . .
      مثل ربيع حب لا يعرف سوى الفرح كان هواؤها , أما نورها فلم يكن هو ضوء الشمس ولا نور القمر . .
      لم يكن الجو حارا ولا زمهريرا . .
      تساءل مقرور بينه وبين نفسه عن مصدر النور في الجنة , وعن سر هذا الربيع الدائم المدهش .
      ظهر أمامه ثلاثة ولدان مخلدون , كان جمالهم من لون لم يسبق له أن عاينه خلال حياته في الأرض . . كانوا أجمل من اللؤلؤ . .
      انحنوا أمامه وقدموا إليه أكوابا وأباريق وكأسا من معين . .
      شرب مقرور وهو يقول في نفسه :
      سبحان الله العظيم .
      ثم حمد الله تعالى وراح يتأمل الجنة وهو يمضي في الطريق إلى قصره . .
      كان كل مايراه يدهشه . .
      قال لنفسه ياإلهي . . هذا مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولاخطر على قلب بشر . .
      واتسعت عيناه من الدهشة وهو يقترب من قصره .




      الورقة الأخيرة
      كتب مسرور ومقرور أوراقهما في النار والجنة .
      آخر ورقة من أوراق مسرور كانت تحترق بحجاب البعد . .
      أما آخر ورقة من أوراق مقرور فكانت تقول . .
      (( ثم أن الحق تعالى يوم القيامة يرفع الحجاب ويتجلى لعباده فيخروا سجدا فيقول لهم : ارفعوا رءوسكم فليس هذا موطن سجود , يا عبادي مادعوتكم إلا لتنعموا بمشاهدتي , هل بقى لكم شئ بعد هذا . .
      ياربنا وأي شئ بقى وقد نجيتنا من النار , وأدخلتنا دار رضوانك , وأنزلتنا بجوارك , وخلعت علينا آيات كرمك وأريتنا وجهك الكريم
      يقول : بلى . بقى لكم شئ .
      يقولون : ياربنا وماذاك الذي بقى لنا . ؟
      يقول : دوام رضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا . . .


      _________________________تمت



      قصة مسرور ومقرور
      تأليف الكاتب / أحمد بهجت
      طبعة دار الريان للطباعة
      -------------------------------------------

      اتمنى ان تكون القصه كانت ذات فائده وموعظه لمن قرأها

      النبيل
      نعيب زماننا والعيب فينا** ومالزماننا عيب سوانا
      النبيل

      تعليق

      مواضيع مرتبطة

      Collapse

      جاري العمل...