سلسلة كيف تنجو من الفتن (2): الصراع السياسي على السلطة (جذورة وآثاره)
بشارة...
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها،
ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها
الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون،
ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله
أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة
ثم سكت " . السلسلة الصحيحة للألباني رحمه الله 1/ 34
الحلقة الأولى.......
المقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد :
فقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم, ثم قاد الأمة الإسلامية خيرة البشر من بعده، فكانت خلافة الصديق فخلافة الفاروق فخلافة ذي النورين فخلافة علي رضي الله عنهم جميعاً طيلة ثلاثين سنة. ومن الملاحظ في هذه الفترة من الحكم، اجتماع كل من القيادة الدينية والقيادة السياسية في شخص الخليفة, فكان الخليفة منهم أفضل رجل على وجه الأرض ديناً وفي الوقت نفسه يتبوأ أرفع مقعد في القيادة السياسية, واستمر الأمر على هذا الحال طيلة الخلافة الراشدة، (خلافة النبوة). ثم بدأت تتوضح ملامح مرحلة جديدة بدأت تنفصل فيها القيادة السياسية عن القيادة الدينية, ففي الوقت الذي كان فيه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قائداً سياسيا فذاً ومحنكاً, لم يظهر لنا بالقطع أنه الأفضل ديناً من بقية الصحابة، مع أن له فضلاً لا ينكر وهو من كتبة الوحي.
وهكذا ولظروف خاصة وبسبب الصراع السياسي، الذي كان قد بدأ فكريا، ثم أدى إلى استخدام العنف السياسي فيما بعد، قتل فيه عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم, ثم عقدت البيعة لمعاوية، وتنازل الحسن بن علي رضي الله عنه له فيها، وسمي ذلك (عام الجماعة). رأى معاوية رضي الله عنه أن يجعل الأمر ملكاً في نسله من بعده حسماً لمادة الصراع على السلطة، الذي أدى إلى انشغال الخاصة والعامة بها، بل توقف بسبب هذا الصراع المد الإسلامي, وانكفأ المسلمون على أنفسهم يضمد ون جراحهم ويدفنون قتلاهم، من جراء الفتن، حيث ابتدأت بفتنة مقتل عمر ثم عثمان رضي الله عنهما وما تلاها من فتن، كموقعتي الجمل وصفين, فكانت مرحلة شوب الخلافة بالملك، سماها بهذا الاسم ابن تيمية رحمه الله, وأجازها للظروف الاضطرارية، كالعجز عن خلافة النبوة أو اجتهاد سائغ، يقول ابن تيمية رحمه الله:
"و تحقيق الأمر أن يقال: انتقال الأمر عن خلافة النبوة إلى الملك: إما أن يكون لعجز العباد عن خلافة النبوة، أو اجتهاد سائغ، أو مع القدرة على ذلك علما وعملا. فإن كان مع العجز علما أو عملا كان ذو الملك معذورا في ذلك، وان كانت خلافة النبوة واجبة مع القدرة كما تسقط سائر الواجبات مع العجز، كحال النجاشى لما اسلم وعجز عن إظهار ذلك في قومه، بل حال يوسف الصديق تشبه ذلك من بعض الوجوه، لكن الملك كان جائزا لبعض الأنبياء كداود وسليمان ويوسف.
وإن كان مع القدرة علما وعملا، وقدر أن خلافة النبوة مستحبة ليست واجبة، وان اختيار الملك جائز في شريعتنا كجوازه في غير شريعتنا: فهذا التقدير إذا فرض أنه حق فلا إثم على الملك العادل أيضا.
وهذا الوجه قد ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد لما تكلم في تثبيت خلافة معاوية، وبنا ذلك على ظهور إسلامه وعدالته وحسن سيرته، وأنه ثبتت إمامته بعد موت علي لما عقدها الحسن له، وسمي ذلك عام (الجماعة) وذكر حديث عبد الله بن مسعود " تدور رحا الإسلام على رأس خمس وثلاثين" قال: قال أحمد في رواية ابن الحكم: يروي عن الزهري أن معاوية كان أمره خمس سنين لا ينكر عليه شيء، فكان هذا على حديث النبي "خمس وثلاثين سنة" قال ابن الحكم: قلت لأحمد: من قال حديث ابن مسعود "تدور رحا الإسلام لخمس وثلاثين" أنها من مهاجر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لقد أخبر هذا، وما عليه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يصف الإسلام []إنما يصف ما يكون بعده من السنين.
قال: وظاهر هذا من كلام أحمد أنه أخذ بظاهر الحديث، وأن خلافة معاوية كانت من جملة الخمس والثلاثين. وذكر أن رجلا سأل أحمد عن الخلافة فقال: كل بيعة كانت بالمدينة فهي خلافة نبوة لنا. قال القاضي: وظاهر هذا: أن ما كان بغير المدينة لم يكن خلافة نبوة.
قلت- أي ابن تيمية-: نصوص احمد على أن الخلافة تمت بعلي كثيرة جدا.
ثم عارض القاضي ذلك بقوله: " الخلافة ثلاثون سنة ثم تصير ملكا" قال السائل: فلما خص الخلافة بعده بثلاثين سنة: كان آخرها آخر أيام على وان بعد ذلك يكون ملكا: دل على أن ذلك ليس بخلافة، فأجاب القاضي: بأنه يحتمل أن يكون المراد به "الخلافة" التي لا يشوبها ملك بعده "ثلاثون سنة" وهكذا كانت خلافة الخلفاء الأربعة. ومعاوية: قد شابها الملك وليس هذا قادحا في خلافته، كما أن ملك سليمان لم يقدح في نبوته، وان كان غيره من الأنبياء فقيرا.
قلت: فهذا يقتضى أن شوب الخلافة بالملك جائز في شريعتنا، وان ذلك لا ينافى العدالة،وان كانت الخلافة المحضة أفضل "[1] أ.هـ
والذي يعنينا من هذه المقدمة، أن من تداعيات الصراع السياسي على السلطة، زوال مرحلة الخلافة الراشدة حيث كان الأمر شوريا, وفرضت الملكية في الحكم. ثم استمر هذا الصراع في عهد الدولة الأموية والعباسية وهلم جرّا، إلى يومنا هذا فكان سبباً قوياً آخر ساهم في انشغال (بعض) من الأمة في شأن الحكم، أدى ذلك إلى التأثير السلبي المباشر في الإنجازات، وتباطؤ حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل كادت أن تتوقف في بعض المحطات التاريخية لتعلق قلوب العامة بدور الخليفة. والمتتبع لدقائق التاريخ يحس بوضوح وجود دعاية غريبة المصدر، كانت تبث هذه الأفكار بين الجماعات الغافلة، وتجندها ثم تستخدمها لتفتيت الأمة الإسلامية.
وعليه فإن المدقق في التاريخ يرى أن عامة الفتن التي وقعت في الأمة الإسلامية منذ عهد الخلفاء الراشدين ولغاية الآن يعود سببه إلى الصراع السياسي مع الأنظمة الحاكمة، وتسليط الأضواء على حركات الحاكم وتصرفاته من قبل فئات غامضة تعمل في الخفاء، حتى وصلت حد التطرف الشاذ، فأدى ذلك إلى تقطيع أطراف الأمة وتشتيت طاقاتها، وتدمير مقوماتها. وما خسرت الأمة في المواقع التي خاضتها ضد أعدائها في الأرواح والممتلكات ما خسرته في الفتن الداخلية التي لا زالت تنخر جسدها وتفت من عضدها[2]. من هنا كان على الأمة أن تدرس ماضيها وحاضرها، وما اتصل ويتصل منه بأحداث الفتن أسباباً ونتائج، وتأخذ من ذلك الدروس والعبر لتصحح مسيرتها في فهم ما يجري حولها من أحداث؛ كي لا تركن إلى أعدائها من حيث لا تشعر، فتكوى بنار الدنيا قبل الآخرة،قال تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} (113) سورة هود.
لذلك فإن هذه الدراسة ستلقي الضوء في فصلها الأول على أهم وأبرز الجذور الفكرية للصراع السياسي مع أنظمة الحكم، التي مهدت الطريق لتلك الفتن في وجه الدولة الإسلامية في الماضي ولا زالت تأتي على بقية الخير فيها حاضراً، لتذر الأمة قاعاً صفصفاً من كل أمل، إلا في بعض المحطات التاريخية المشرقة. ثم سأذكر في الفصل الثاني، على سبيل المثال لا الحصر بعض الفتن والثورات والحركات التي خرجت على سلطان الأمة، المتأثرة بتلك الأفكار الدخيلة (الثورية) والمشبوهة. والفصلان الثالث والرابع يمثلان جوهر الكتاب (فقه الاولويات في الفكر الإسلامي) ومناقشة الشبهات التي تعترض طريق هذا الفقه، ثم ألحقت الكتاب بملاحقه. سائلا الله تعالى أن يغفر لنا الزلات ويصرف عنا العثرات.
يتبع الحلقة الثانية ان شاء الله..........
[1]مجموع الفتاوى،ج 35: ص 25- 27.
[2] ( عدا فتنة الشيوعية القذرة ) القادمة من المشرق، كما حذر من جهتها النبي صلى الله عليه وسلم: ( [ اللهم بارك لنا في مكتنا اللهم بارك لنا في مدينتنا اللهم بارك لنا في شامنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا. فقال رجل يا رسول الله وفي عراقنا. فأعرض ع).فرددها ثلاثا كل ذلك يقول الرجل وفي عراقنا فيعرض عنه فقال بها الزلازل والفتن وفيها يطلع قرن الشيطان ]. ( صحيح ) . قال الشيخ الألباني رحمه الله: وروي بلفظ نجدنا مكان عراقنا والمعنى واحد. أخرجه البخاري وغيره. وروي أيضا بلفظ مشرقنا مكان عراقنا وزاد في آخره (وبها تسعة أعشار الشر). ووردت الزيادة بلفظ آخر (وبه تسعة أعشار الكفر وبه الداء العضال) . انظر الكتاب ففيه فوائد كثيرة تتعلق بهذا الحديث، ومنها: أن بلاد نجد المعروفة اليوم بهذا الاسم ليست هي المقصودة بهذا الحديث وإنما هو العراق، وأن الطعن في الإمام محمد بن عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد في الجزيرة العربية كان لأنه من بلاد نجد. (وما أحكم قول سلمان الفارسي لأبي الدرداء حينما دعاه أن يهاجر من العراق إلى الشام أما بعد: فإن الأرض المقدسة لا تقدس أحدا وإنما يقدس الإنسان عمله ). ( السلسلة الصحيحة 5/302) .
وفي رواية أخرى: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال دعا نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا وبارك لنا في شامنا ويمننا فقال رجل من القوم: يا نبي الله وعراقنا قال: إن بها قرن الشيطان وتهيج الفتن وإن الجفاء بالمشرق). (( صحيح لغيره/صحيح الترغيب والترهيب ).
فهذا كتاب أعددته عام 2005 ، لم تيسر لي طباعته بعد، سأقدمه للاخوة القراء على حلقات وعنوانه: ((الصراع السياسي على السلطة (جذوره وآثاره) / وفقه الأولويات في الفكر الاسلامي))
فارجوا ان ينال اعجاب الاخوة القراء
بشارة...
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها،
ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها
الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون،
ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله
أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة
ثم سكت " . السلسلة الصحيحة للألباني رحمه الله 1/ 34
الحلقة الأولى.......
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد :
فقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم, ثم قاد الأمة الإسلامية خيرة البشر من بعده، فكانت خلافة الصديق فخلافة الفاروق فخلافة ذي النورين فخلافة علي رضي الله عنهم جميعاً طيلة ثلاثين سنة. ومن الملاحظ في هذه الفترة من الحكم، اجتماع كل من القيادة الدينية والقيادة السياسية في شخص الخليفة, فكان الخليفة منهم أفضل رجل على وجه الأرض ديناً وفي الوقت نفسه يتبوأ أرفع مقعد في القيادة السياسية, واستمر الأمر على هذا الحال طيلة الخلافة الراشدة، (خلافة النبوة). ثم بدأت تتوضح ملامح مرحلة جديدة بدأت تنفصل فيها القيادة السياسية عن القيادة الدينية, ففي الوقت الذي كان فيه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قائداً سياسيا فذاً ومحنكاً, لم يظهر لنا بالقطع أنه الأفضل ديناً من بقية الصحابة، مع أن له فضلاً لا ينكر وهو من كتبة الوحي.
وهكذا ولظروف خاصة وبسبب الصراع السياسي، الذي كان قد بدأ فكريا، ثم أدى إلى استخدام العنف السياسي فيما بعد، قتل فيه عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم, ثم عقدت البيعة لمعاوية، وتنازل الحسن بن علي رضي الله عنه له فيها، وسمي ذلك (عام الجماعة). رأى معاوية رضي الله عنه أن يجعل الأمر ملكاً في نسله من بعده حسماً لمادة الصراع على السلطة، الذي أدى إلى انشغال الخاصة والعامة بها، بل توقف بسبب هذا الصراع المد الإسلامي, وانكفأ المسلمون على أنفسهم يضمد ون جراحهم ويدفنون قتلاهم، من جراء الفتن، حيث ابتدأت بفتنة مقتل عمر ثم عثمان رضي الله عنهما وما تلاها من فتن، كموقعتي الجمل وصفين, فكانت مرحلة شوب الخلافة بالملك، سماها بهذا الاسم ابن تيمية رحمه الله, وأجازها للظروف الاضطرارية، كالعجز عن خلافة النبوة أو اجتهاد سائغ، يقول ابن تيمية رحمه الله:
"و تحقيق الأمر أن يقال: انتقال الأمر عن خلافة النبوة إلى الملك: إما أن يكون لعجز العباد عن خلافة النبوة، أو اجتهاد سائغ، أو مع القدرة على ذلك علما وعملا. فإن كان مع العجز علما أو عملا كان ذو الملك معذورا في ذلك، وان كانت خلافة النبوة واجبة مع القدرة كما تسقط سائر الواجبات مع العجز، كحال النجاشى لما اسلم وعجز عن إظهار ذلك في قومه، بل حال يوسف الصديق تشبه ذلك من بعض الوجوه، لكن الملك كان جائزا لبعض الأنبياء كداود وسليمان ويوسف.
وإن كان مع القدرة علما وعملا، وقدر أن خلافة النبوة مستحبة ليست واجبة، وان اختيار الملك جائز في شريعتنا كجوازه في غير شريعتنا: فهذا التقدير إذا فرض أنه حق فلا إثم على الملك العادل أيضا.
وهذا الوجه قد ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد لما تكلم في تثبيت خلافة معاوية، وبنا ذلك على ظهور إسلامه وعدالته وحسن سيرته، وأنه ثبتت إمامته بعد موت علي لما عقدها الحسن له، وسمي ذلك عام (الجماعة) وذكر حديث عبد الله بن مسعود " تدور رحا الإسلام على رأس خمس وثلاثين" قال: قال أحمد في رواية ابن الحكم: يروي عن الزهري أن معاوية كان أمره خمس سنين لا ينكر عليه شيء، فكان هذا على حديث النبي "خمس وثلاثين سنة" قال ابن الحكم: قلت لأحمد: من قال حديث ابن مسعود "تدور رحا الإسلام لخمس وثلاثين" أنها من مهاجر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لقد أخبر هذا، وما عليه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يصف الإسلام []إنما يصف ما يكون بعده من السنين.
قال: وظاهر هذا من كلام أحمد أنه أخذ بظاهر الحديث، وأن خلافة معاوية كانت من جملة الخمس والثلاثين. وذكر أن رجلا سأل أحمد عن الخلافة فقال: كل بيعة كانت بالمدينة فهي خلافة نبوة لنا. قال القاضي: وظاهر هذا: أن ما كان بغير المدينة لم يكن خلافة نبوة.
قلت- أي ابن تيمية-: نصوص احمد على أن الخلافة تمت بعلي كثيرة جدا.
ثم عارض القاضي ذلك بقوله: " الخلافة ثلاثون سنة ثم تصير ملكا" قال السائل: فلما خص الخلافة بعده بثلاثين سنة: كان آخرها آخر أيام على وان بعد ذلك يكون ملكا: دل على أن ذلك ليس بخلافة، فأجاب القاضي: بأنه يحتمل أن يكون المراد به "الخلافة" التي لا يشوبها ملك بعده "ثلاثون سنة" وهكذا كانت خلافة الخلفاء الأربعة. ومعاوية: قد شابها الملك وليس هذا قادحا في خلافته، كما أن ملك سليمان لم يقدح في نبوته، وان كان غيره من الأنبياء فقيرا.
قلت: فهذا يقتضى أن شوب الخلافة بالملك جائز في شريعتنا، وان ذلك لا ينافى العدالة،وان كانت الخلافة المحضة أفضل "[1] أ.هـ
والذي يعنينا من هذه المقدمة، أن من تداعيات الصراع السياسي على السلطة، زوال مرحلة الخلافة الراشدة حيث كان الأمر شوريا, وفرضت الملكية في الحكم. ثم استمر هذا الصراع في عهد الدولة الأموية والعباسية وهلم جرّا، إلى يومنا هذا فكان سبباً قوياً آخر ساهم في انشغال (بعض) من الأمة في شأن الحكم، أدى ذلك إلى التأثير السلبي المباشر في الإنجازات، وتباطؤ حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل كادت أن تتوقف في بعض المحطات التاريخية لتعلق قلوب العامة بدور الخليفة. والمتتبع لدقائق التاريخ يحس بوضوح وجود دعاية غريبة المصدر، كانت تبث هذه الأفكار بين الجماعات الغافلة، وتجندها ثم تستخدمها لتفتيت الأمة الإسلامية.
وعليه فإن المدقق في التاريخ يرى أن عامة الفتن التي وقعت في الأمة الإسلامية منذ عهد الخلفاء الراشدين ولغاية الآن يعود سببه إلى الصراع السياسي مع الأنظمة الحاكمة، وتسليط الأضواء على حركات الحاكم وتصرفاته من قبل فئات غامضة تعمل في الخفاء، حتى وصلت حد التطرف الشاذ، فأدى ذلك إلى تقطيع أطراف الأمة وتشتيت طاقاتها، وتدمير مقوماتها. وما خسرت الأمة في المواقع التي خاضتها ضد أعدائها في الأرواح والممتلكات ما خسرته في الفتن الداخلية التي لا زالت تنخر جسدها وتفت من عضدها[2]. من هنا كان على الأمة أن تدرس ماضيها وحاضرها، وما اتصل ويتصل منه بأحداث الفتن أسباباً ونتائج، وتأخذ من ذلك الدروس والعبر لتصحح مسيرتها في فهم ما يجري حولها من أحداث؛ كي لا تركن إلى أعدائها من حيث لا تشعر، فتكوى بنار الدنيا قبل الآخرة،قال تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} (113) سورة هود.
لذلك فإن هذه الدراسة ستلقي الضوء في فصلها الأول على أهم وأبرز الجذور الفكرية للصراع السياسي مع أنظمة الحكم، التي مهدت الطريق لتلك الفتن في وجه الدولة الإسلامية في الماضي ولا زالت تأتي على بقية الخير فيها حاضراً، لتذر الأمة قاعاً صفصفاً من كل أمل، إلا في بعض المحطات التاريخية المشرقة. ثم سأذكر في الفصل الثاني، على سبيل المثال لا الحصر بعض الفتن والثورات والحركات التي خرجت على سلطان الأمة، المتأثرة بتلك الأفكار الدخيلة (الثورية) والمشبوهة. والفصلان الثالث والرابع يمثلان جوهر الكتاب (فقه الاولويات في الفكر الإسلامي) ومناقشة الشبهات التي تعترض طريق هذا الفقه، ثم ألحقت الكتاب بملاحقه. سائلا الله تعالى أن يغفر لنا الزلات ويصرف عنا العثرات.
يتبع الحلقة الثانية ان شاء الله..........
[1]مجموع الفتاوى،ج 35: ص 25- 27.
[2] ( عدا فتنة الشيوعية القذرة ) القادمة من المشرق، كما حذر من جهتها النبي صلى الله عليه وسلم: ( [ اللهم بارك لنا في مكتنا اللهم بارك لنا في مدينتنا اللهم بارك لنا في شامنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا. فقال رجل يا رسول الله وفي عراقنا. فأعرض ع).فرددها ثلاثا كل ذلك يقول الرجل وفي عراقنا فيعرض عنه فقال بها الزلازل والفتن وفيها يطلع قرن الشيطان ]. ( صحيح ) . قال الشيخ الألباني رحمه الله: وروي بلفظ نجدنا مكان عراقنا والمعنى واحد. أخرجه البخاري وغيره. وروي أيضا بلفظ مشرقنا مكان عراقنا وزاد في آخره (وبها تسعة أعشار الشر). ووردت الزيادة بلفظ آخر (وبه تسعة أعشار الكفر وبه الداء العضال) . انظر الكتاب ففيه فوائد كثيرة تتعلق بهذا الحديث، ومنها: أن بلاد نجد المعروفة اليوم بهذا الاسم ليست هي المقصودة بهذا الحديث وإنما هو العراق، وأن الطعن في الإمام محمد بن عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد في الجزيرة العربية كان لأنه من بلاد نجد. (وما أحكم قول سلمان الفارسي لأبي الدرداء حينما دعاه أن يهاجر من العراق إلى الشام أما بعد: فإن الأرض المقدسة لا تقدس أحدا وإنما يقدس الإنسان عمله ). ( السلسلة الصحيحة 5/302) .
وفي رواية أخرى: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال دعا نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا وبارك لنا في شامنا ويمننا فقال رجل من القوم: يا نبي الله وعراقنا قال: إن بها قرن الشيطان وتهيج الفتن وإن الجفاء بالمشرق). (( صحيح لغيره/صحيح الترغيب والترهيب ).

ما لمن خالفنا في دولتنا نصيب، إن الله قد أحل لنا دماءهم عند قيام قائمنا) 

تعليق