تكملة زيارة القبور

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • a7sai
    عضو
    • Jun 2004
    • 34

    #1

    تكملة زيارة القبور

    ثالثاً: إنّ المسلمين ـ منذ ذلك اليوم ـ فهموا من هذه الآية معنى مطلقاً لا ينتهي بموت رسول اللّه</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى أنّ بعض الأعراب ـ بوحي من أذهانهم الخالصة من كلّ شائبة ـ كانوا يقصدون قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يزورونه و يتلون آية:(ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءُوك....)عند قبره المقدَّس و يطلبون منه الاستغفار لهم.



    و قد ذكر تقىّ الدين السبكي في كتاب «شفاء السقام» و السمهودي في كتاب «وفاء الوفا» نماذج من زيارة المسلمين لقبر رسول اللّه و تلاوة هذه الآية عند قبره الشريف، و فيما يلي نذكر بعض تلك النماذج:</FONT>



    روى سفيان بن عنبر عن العتبي ـ و كلاهما من مشايخ الشافعي و أساتذته ـ أنّه قال: كنتُ جالساً عند قبر رسول اللّه</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فجاء أعرابي فقال:



    «السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسولَ اللّه، سَمِعْتُ اللّه يَقُولُ: </FONT>(وَ لَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاستَغْفَرُوا اللّهَ و اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً) وَ قَدْ جِئْتُكَ مُسْتَغْفِراً مِنْ ذَنْبي، مُسْتَشْفِعاً بِكَ إلى رَبّي».



    ثم بكى و أنشأ يقول:</FONT>





    يا خيرَ من دُفنت في القاع أعظمُهُ * فطاب مِن طيبهنّ القاع و الأكُمُ</FONT>

    نفسي الفداء لقبر أنتَ ساكنُه * فيه العفافُ و فيه الجودُ و الكَرمُ</FONT>

    ثم استغفر و انصرف. (1)





    ــــــــــــــــــــــ


    1. وفاء الوفا: 4/1361; الدرر السّنيّة; لأحمد دحلان ; 21.
    ( 116 )و يروي أبو سعيد السمعاني عن الإمام عليّ بن أبي طالب</FONT> ـ عليه السلام ـ أنّ أعرابياً جاء بعد ثلاثة أيام من دفن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فرمى بنفسه على القبر الشريف و حثا من ترابه على رأسه و قال:«يا رسولَ اللّه قلتَ فسمعنا قولك، و وَعيتَ عن اللّه ما و عَينا عنك، و كان فيما أنزله عليك: (وَ لَو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم...) و قد ظلمتُ نفسي و جئتك تستغفرلي إلى ربي».(1)

    إنّ كلَّ هذا يدلّ على أنّ المنزلة الرفيعة الّتي مَنحها اللّه تعالى لحبيبه المصطفى
    ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما صرَّحت بها هذه الآية ليست خاصّة بحياته، بل تؤكّد على أنّها ثابتة له بعد وفاته أيضاً.

    و بصورة عامّة... يَعتبر المسلمون كلّ الآيات النازلة في تعظيم رسول اللّه و احترامه، عامّة لحياته و بعد مماته، و ليس هناك مَن يُخصِّصها بحياته</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

    و قد جاء في التاريخ: لمّا استُشهد الإمام الحسن بن علي</FONT> ـ عليه السلام ـ وجيء بجثمانه الطاهر إلى مسجد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ظنّ بنو أُميَّة أنّ بني هاشم يريدون دفن الإمام بجوار قبر جدّه المصطفى، فأثاروا الفتنة و الضجَّة للحيلولة دون ذلك، فتلا الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ قوله تعالى:

    (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوتِ النَّبي...)(2).</FONT>

    و لم يردَّ عليه أحد ـ حتى من الأُموييّن ـ بأنّ هذهِ الآية خاصةً بحياة رسول اللّه</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .



    ــــــــــــــــــــــ
    1. الجوهر المنظَّم: لابن حجر، و ذكره السمهودي في وفاء الوفا: 2/612، و دحلان في الدرر السّنيّة: 21.
    2. الحجرات: 2.

    ( 117 )و اليوم ترى الوهّابيّين قد نَصبوها على الجدار المقابل لقبر رسول اللّه</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، و هم يقصدون بذلك المنع من رفع الأصوات هناك.

    من هذا المنطلق يمكننا أن نستنتج من هذه الآية معنى واسعاً عامّاً، و هو أنّ للمسلمين اليوم أن يَقِفوا أمام قبر رسول اللّه</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يسألوه أن يستغفر اللّه لهم.

    و ليس لزيارة رسول اللّه </FONT>ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ معنىً سوى ما تضمّنته هذه الآية و أمثالها. إنّ هذه الآية تدلّ على موضوعين هما:

    1ـ إنّ للإنسان أن يقف عند قبر رسول اللّه</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد وفاته و يسأله أن يستغفر اللّه له. وسندرس هذا الموضوع مفصّلا في فصل قادم حول «التوسّل بأولياء اللّه» إن شاء اللّه تعالى.

    2ـ إنّ هذه الآية تشهد على جواز زيارة قبر رسول اللّه</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، لأنّ حقيقة الزيارة لا تعني سوى «حضور الزائر عند المزور» فإذا كان الوقوف عند قبر النبي وسؤاله أن يستغفر اللّه لنا جائزاً فقد تحقَّق أمران:

    1ـ سألناه أن يستغفر اللّه لنا.</FONT>

    2ـ حضرنا عنده و تحدَّثنا إليه، و الزيارة ليست إلاّ هذا.</FONT>

    استدلالٌ آخر

    إنّ إجماع المسلمين على حُكم من الأحكام الشرعية في العصور المختلفة يُعتبر أوضح دليل على صحة ذلك الحكم و ثباته، و زيارة قبر رسول اللّه</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هي من مصاديق هذه القاعدة، و تظهر لنا حقيقة الأمر لو راجعنا كتب الحديث و الفقه والأخلاق و التاريخ، و خاصّة «مناسك الحج» فيها.



    ( 118 )و قد ذكر المرحوم العلاّمة الأميني استحباب زيارة قبر النبي</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من اثنين و أربعين مصدراً من المصادر العلمية الإسلامية، و قد أورد في كتابه الغدير ـ ج 5 ص 106 إلى 129 ـ النصوص و العبارات الخاصّة بهذا الموضوع بدقَّة متناهية، و من الكتب الّتي اعتمدنا عليها في هذا المجال هي كالآتي:

    1ـ «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» بقلم تقىّ الدين السبكي الشافعي المتوفّى سنة 706 هـ ، و قد ذكر في كتابه هذا جملة من كلمات العلماء في استحباب الزيارة استحباباً مؤكّداً.</FONT>

    2ـ «وفاء الوفا» بقلم السمهودي ـ المتوفّى 911 هـ ، و قد ذكر فيه أيضاً كلمات العلماء في استحباب الزيارة.</FONT>

    3ـ «الفقه على المذاهب الأربعة» تأليف أربعة من علماء المذاهب الأربعة، و قد جمعوا فيه فتاوى أئمة المذاهب الأربعة المشهورة عند السنَّة يقول هؤلاء:</FONT>

    «زيارة قبر النبىّ أفضل المندوبات، و رَدَ فيها أحاديث».(1)

    و الآن... حان الوقت لذكر بعض الأحاديث الّتي رواها المحدّثون حول زيارة قبر النبىّ</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

    الأحاديث الشريفة حول زيارة قبر الرسول

    إنّ الأحاديث الشريفة ـ الّتي رواها المحدّثون من أهل السنّة ـ حول زيارة الرسول الأعظم</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على حدٍّ تُغنيناً عن التحقيق في سَندها و رُواتها، بسبب كثرتها



    ــــــــــــــــــــــ
    1. الفقه على المذاهب الأربعة: 1/590.
    ( 119 )و تواترها، و قد سجّلها الحفّاظ ـ من جميع المذاهب الإسلامية ـ في كتبهم وصحاحهم، و هي بمجموعها تدلّ على أنّ زيارة قبر رسول اللّه</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت من المستحبّات الثابتة لديهم، و لو أردنا أن نذكر كلّ تلك الأحاديث لطال بنا المقام، و نكتفي بذكر بعضها فيما يلي:

    1ـ عن عبداللّه بن عمر: أنّ رسول اللّه</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال:

    «مَنْ زارَ قَبْري وَجَبَتْ لَهُ شَفاعَتي».</FONT>

    جاء هذا الحديث في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 590، و قد أفتى علماء المذاهب الأربعة وفقاً لهذا الحديث، وللاطّلاع على مصادره راجع كتاب وفاء الوفا ج 4 ص 1336.</FONT>

    و ممّا لا شكّ فيه أنّ حديثاً يرويه الحفّاظ و العلماء منذ منتصف القرن الثاني الهجري حتّى هذا اليوم لا يمكن أن يكون مُزوَّراً لا أساس له.</FONT>

    و قد تناول الشيخ تقيّ الدين السبكي البحث عن هذا الحديث و أسناده و رواته في كتابه القيّم: شفاء السقام(1) و أثبت صحة هذا الحديث و صوابه.</FONT>

    2ـ قال رسول اللّه </FONT>ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

    «مَنْ جاءني زائِراً (لا تَحْمِلُهُ) إلاّ زيارَتي، كانَ حَقاً عَلَىَّ أنْ أكُونَ شَفيعاً لَهُ يَوْمَ الْقِيامَة».</FONT>

    و قد ذكر هذا الحديث ستة عشر حافظاً و مُحدِّثاً في كتبهم، و قد تحدَّث تقي</FONT>



    ــــــــــــــــــــــ
    1. ص 3ـ11، و هذا الكتاب هو خير ما كُتب مِن أهل السُّنة ضدّ ابن تيميّة حول تحريمه السفر لزيارة قبر الرسول صلّى اللّه عليه و آله.
    ( 120 )الدين السبكي ـ في كتابه المشار إليه ـ حول أسناده و رواته، و كذلك ذكره السمهودي في كتابه وفاء الوفا ج 4 ص 1340.</FONT>

    3ـ قال رسول اللّه</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

    «مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ وَ لَمْ يَزرْني فَقَدْ جَفاني».</FONT>

    و قد روى هذا الحديث تسعة من كبار الشيوخ و حفّاظ الحديث، و ذكرهم بالتفصيل السمهودي في كتابه وفاء الوفا ج 4 ص 1342.</FONT>

    4ـ قال رسول اللّه </FONT>ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

    «مَن حَجَ فَزارَ قَبْري بَعْدَ وفاتي كانَ كَمَنْ زارَني في حَياتي».</FONT>

    و قد روى هذا الحديث خمسة وعشرون شخصاً من أشهر المحدّثين و الحفّاظ في كُتبهم ومؤلّفاتهم، و قد تحدّث تقىّ الدين السبكي في كتابه المذكور حول سَند هذا الحديث، كما ذكره السمهودي في كتابه ج 4 ص 1340.</FONT>

    5ـ قال رسول اللّه</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

    «من زار قبري (أو: من زارني) كُنتُ له شفيعاً»</FONT>

    و قد روى هذا الحديث ثلاثة عشر من المحدثين و الحفّاظ، و ذكرهم السمهودي في كتابه ج 4 ص 1347 .</FONT>

    6- قال رسول الله</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

    «مَنْ زارَني بَعْدَ مَوْتي فَكَأَنَّما زارَني في حَياتي».</FONT>

    كانت هذه نماذج من الأحاديث الكثيرة الّتي رويت عن رسول اللّه</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في دعوة الناس إلى زيارة قبره الشريف و التحريض عليها، و قد أحصى المرحوم الشيخ



    ( 121 )الأميني ـ في كتاب الغدير ـ اثنين و عشرين حديثاً حول هذا الموضوع، و ذكر السمهودي ـ في كتابه ج 4 ص 1336 ـ سبعة عشر حديثاً و تحدَّث عن أسنادها و رواتها بما لا مزيد عليه.</FONT>

    فإذا كان النبي</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد دعا الناس إلى زيارة قبره الشريف، فإنّما هو لما فيها من النتائج والآثار و الفوائد المادّية و المعنويّة المقرونة بزيارته و زيارة سائر الشخصيات الدينية.

    إنّالمسلمين بسبب زيارة قبر النبي</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يتعرِّفون على مركز الإسلام و على الحوادث الّتي حدثت و تحدث فيه، و من هناك يكتسبون العلوم و المعارف الإسلامية و يحملونها معهم إلى أطراف الكرة الأرضية.

    أدلَّة الوهّابيّين على حرمة السفر لزيارة القبور

    إنّ الوهّابيّين ـ على ما يبدو ـ يُجوّزون أصل الزيارة، ولكنّهم يحرّمون السَّفر بهدف الزيارة.</FONT>

    يقول محمّد بن عبدالوهّاب ـ في الرسالة الثانية من رسائل الهديَّة السنيّة ـ :</FONT>

    «تُسنُّ زيارة النبىّ</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلاّ أنّه لا يُشدّ الرحال إلاّ لزيارة المسجد و الصلاة فيه».

    و الدليل الّذي يتمسّكون به في تحريم الزيارة هو الحديث المروىّ عن أبي هريرة!! أنّه قال: قال رسول اللّه:</FONT>

    «لا تُشَدُّ الرحال إلاّ إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: مَسْجِدي هذا وَ مَسْجِدِ الْحَرامِ وَمَسْجِد الأقصى».</FONT>

    و روي هذا الحديث بصورة أُخرى، و هي:</FONT>



    ( 122 )«إنَّما يُسافَرُ إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: مسْجِدِ الْكَعْبَةِ وَ مَسْجدي وَ مَسْجِدِ إيلِيا».</FONT>

    و روي أيضاً بصورة ثالثة، و هي:</FONT>

    «تُشَدُّ الرِّحالُ إلى ثَلاثةِ مَساجِدَ...».(1)

    لا شك في وجود هذا الحديث في الصحاح، و لسنا الآن في مقام مناقشة الحديث، لكون أبي هريرة في طريقه، بل مقصودنا هو مفاد الحديث.</FONT>

    و لنفرض أنّ نصّ الحديث هو: «لا تُشَدُّ الرحال إلاّ إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ...» فمن الثابت أنّ «إلاّ» هي أداة استثناء و لابدّ من وجود المستثنى منه، و يجب تحديده، و بما أنه مففقود في النصّ فلابدّ من تقديره في الكلام، و قبل الأشارة إلى القرائن الموجودة يمكن تقدير المستثنى منه في صورتين:</FONT>

    1ـ لا تُشَدُّ إلى مَسْجِد مِنَ الْمَساجِد إلاّ ثَلاثة مَساجِد...</FONT>

    2ـ لا تُشَدُّ إلى مَكان مِنَ الأمْكِنَة إلاّ ثَلاثَة مَساجد...</FONT>

    إنّ فهم الحديث و الوقوف على معناه يتوقّف على ثبوت أحد هذين التقديرين، فإن اخترنا التقدير الأول كان معنى الحديث عدم شدّ الرحال إلى أىّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة، و لا يعني عدم جواز شدّ الرحال إلى أىّ مكان حتّى لو لم يكن مسجداً.</FONT>

    فلا يشمل النهي مَن يشدّ الرحال لزيارة قبور الأنبياء و الأئمة الطاهرين و الصالحين، لأنّ موضوع البحث هو شدّ الرحال إلى المساجد ـ باستثناء المساجد</FONT>



    ــــــــــــــــــــــ
    1. أورد مسلم هذه الأحاديث الثلاثة في صحيحه: 4/126، كتاب الحج، باب لا تشدّ الرحال ; و ذكره أبو داود في سننه 1/469، كتاب الحج ; و كذلك النسائي في سننه المطبوع مع شرح السيوطي: 2/37 ـ 38

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...