آية الخلافة

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • حزب الله
    عضو جديد
    • Feb 2002
    • 2

    #1

    آية الخلافة

    (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال اني أعلم ما لا تعلمون ـ إلى قوله تعالى ـ وما كنتم تكتمون). (البقرة: 30 ـ 33)

    الخليفة:
    اما الخليفة فهو من يقوم مقام الغير. ولم تستعمل هذه اللفظة بصيغة المفرد في القرآن الكريم إلاّ في موردين: أولهما هذا المورد، والثاني قوله تعالى: (يا داود انا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق) «ص: 26» ولكنها استعملت بصيغة الجمع في موارد:
    منها قوله تعالى: (وهو الذي جعلكم خلائف الارض) «الانعام: 165».
    وقوله تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض).«فاطر:39».
    وقوله تعالى: (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم) «يونس: 14».
    وقوله تعالى: (وجعلناهم خلائف) «يونس: 73».
    وقوله تعالى: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح) «الاعراف: 69».
    وقوله تعالى: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد) «الاعراف: 74».
    وقوله تعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض) «النمل:62».

    المراد من الخلافة:
    لعل المراد منها في كثير من الآيات هو الحلول محل الغابرين في الحياة الدنيوية والقيام مقامهم، وهو ما تؤكده القرائن الحافة بالآيات.
    الا أن المراد بالخلافة في الآيتين اللتين ذكر فيهما اللفظ بصيغة المفرد هو القيام مقام الخالق والجاعل ـ جل وعلاـ أي ان المراد منها هو «الخلافة الالهية».
    وذلك لامرين:
    الأوّل: إن اطلاق لفظ «خليفة» من غير اضافة واشارة إلى المخلوف مما يؤكد أن الإنسان خليفة لمن جعله كذلك. وهذا نظير ما لو قال رئيس الدولة مثلاً «اني جاعل في الدولة خليفة»، إذ يكون المفهوم العرفي له كون هذا خليفة لرئيس الدولة نفسه.
    الثاني: إن الحوار الذي جرى بين الملائكة وبين الله تعالى إذ تساءلوا عن معنى جعل خليفة يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فأجابهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون، والامتحان الذي تم وكشف عن صلاحية الإنسان لتعلم الاسماءِ، كل هذا ليكشف لنا بوضوح عن أن الخلافة المركزّ عليها هنا ليست الا الخلافة الالهية.
    وإذا كان هذا الأمر الثاني جارياً في الآية التي نبحث عنها بالخصوص، فإن الأمر الأوّل جار في الآيتين معاً.
    ومما يؤيد كون الخلافة هنا الهية ان الله عرف ذلك المخلوق للملائكة قبل أن يخلقه بأنه «الخليفة»، فلو كان المقصود هو من يخلف غيره في الحياة الدنيوية لم يكن يصلح أن يعرّف بذلك.
    هذا، وان وجود عبارة (فاحكم بين الناس بالحق) تفريعاً على جعل الخلافة لداود في الآية الثانية، ينسجم مع هذا المعنى دون مسألة القيام مقام الآخرين.

    سر الخلافة الالهية وملاكها:
    إن الخلافة تعني: كون الخليفة معبراً عن المستخلف في ما استخلف فيه. ومن هنا، فإن الخلافة المطلقة تقتضي كونها شاملة لمختلف الشؤون وكافة الأمور من جهة، واستيعابها لكل ما استخلف عليه الخليفة من جهة أخرى.
    ولهذا كان من اللازم أن يكون الخليفة المطلق عالماً بصفات المستخلف وشؤون ما يستخلفه عليه. كما يجب أن تكون له القدرة الضرورية للتصرف فيه.
    وهكذا فالخلافة المطلقة الالهية تتوقف على معرفة اسماء الله الحسنى وصفاته العليا حتى يمكن للخليفة أن يعبر عنها، كما تتوقف أيضاً على معرفة عامة المخلوقات لكي يتمكن من تدبيرها واداء حق الاستخلاف فيها.
    ولذلك نجد أن الله تعالى علم آدم الاسماء كلها علماً يغنيه عن ذلك ويحقق ملاك اعطاء الخلافة الالهية. ولم يكن ذلك التعليم بالالفاظ ومداليلها الذهنية، وإنما كان بالحقائق ومصاديقها الخارجية العينية.
    ويدل على ذلك الحوار الذي جرى مع الملائكة حيث إنهم تصوروا أنفسهم لائقين لمقام الخلافة الالهية لقيامهم بالتسبيح والتقديس، فتساءلوا عن الحكمة في جعل خليفة في الأرض، الا أنهم اعترفوا بقصورهم عن احتلال هذا المقام حينما علم الله آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة، فقالوا معترفين بالعجز: سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
    ولهذا يمكن أن نؤكد أن ما حصل لهم علمه بالانباء والاخبار لم يكن على حد علم آدم كما يشعر به بل يدل عليه اختلاف التعبير، حيث عبر بالنسبة لادم بـ «علم» وبالنسبة للملائكة بـ «أنبأهم».
    ويؤيد هذا الذي ذكرناه أن الآية مطلقة لم تقيد الخلافة بما يستخلف فيه ولا بمن يستخلف عليه. ولا ريب في أن من كان له ذلك المقام المطلق لا بد له من العلم بالاسماء والصفات علماً يمكنه ـ معه ـ أن يتصرف في ما استخلف فيه كما هو ظاهر.

    وخلاصة الأمر:
    ان الخلافة الالهية تدور مدار العلم الشهودي ـ لا الكسبي الحصولي ـ بالاسماءِ كلها، علماً يتلقاه الخليفة من الله تعالى بغير واسطة وهذا هو سر الخلافة ومناطها.

    الاسماء:
    الاسم هو ما يعرف به الشيء. ولكن ما المراد به في هذه الآية ؟ وهل المراد هو اسماء الله أي الالفاظ ؟ أو مفاهيهمها الذهنية ؟ أو الاعيان الخارجية التي تحكي عنه سبحانه ؟ أو أن المراد هو أسماء المخلوقات ؟
    أما كون المراد بها الالفاظ ـ سواء كانت ألفاظاً حاكية عن الله سبحانه أو عن مخلوقاته ـ فلا ينسجم مع ضرورة ان اللغات لم تكن قد وضعت آنذاك. والمفاهيم الذهنية غير قابلة للنقل والانباء فيتعين الاحتمال الثالث. وحينئذٍ فيكون المراد من الاسماء التي أنبأهم بها آدم تلك الاسماء العينية الحسنى، كما يساعد عليه تعبير الانباء في قوله تعالى (أنبئوني بأسماء هؤلاءِ)، وقوله تعالى (أنبأهم بأسمائهم).
    ومن المحتمل أن تكون هذه الاسماء هي اسماء الله من جهة وأسماء لما سواه من جهة أُخرى. فإن هؤلاء يتصفون تارة بأنهم مظاهر لصفاته العليا، وأُخرى خزان كمالات المخلوقات على وجه أتم وأعلى.. ولعل مما يؤيد هذا الاحتمال، الإطلاق الموجود في لفظ «الاسماء».
    وبهذا الوجه من الجمع يمكننا أن نجمع بين الروايات الدالة على أنها اسماء الاشياء كالجبال والاودية وبين ما يدل على أن المعروض على الملائكة هي أنوار المعصومين وأرواحهم عليهم السَّلام، وقد ورد أنهم الاسماء الحسنى(1).

    هل تختص الخلافة بآدم عليه السَّلام ؟
    لا ريب في أن الخلافة المجعولة في الآية ليست مختصة بشخص آدم عليه السَّلام فإن الملائكة قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)، وهذا المعنى لا يتصور الا مع وجود كثرة في الافراد وحياة اجتماعية معينة. اضف إلى ذلك أن الله تعالى لم يرد عليهم بنفي وقوع القتل والافساد، بل قال: (اني أعلم ما لا تعلمون)، مشيراً إلى رفعة مقام الخليفة.
    كما أنه لا ريب في أن مثل هذا المقام الاسنى لا يعطى لكل الافراد فعلاً، لأن المفسد السافك للدماء لا يليق له ولا يناسبه، وعليه فتكون الخلافة مجعولة لادم كنوع لا كشخص، وذلك بمعنى أنه يوجد في النوع الإنساني من يحمل صلاحية الوصول إلى هذا المقام الجليل.
    فالانسان خليفة الله تعالى في أرضه بما أن له العلم بالاسماء الحسنى.
    والذي يبدو مما سبق كله أن ذلك الإنسان الخليفة هو الغاية القصوى من خلق الإنسان وايجاد هذا النوع في كل زمان.
    وهناك روايات تشير إلى ما استفدناه من الآيات نذكر بعضها في ما يلي:
    روى الصدوق بسندين عن الصادق عليه السَّلام: إن الله تبارك وتعالى علم آدم عليه السَّلام أسماء حجج الله كلها ثم عرضهم ـ وهم أرواح ـ على الملائكة فقال: (أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) بأنكم أحق بالخلافة في الأرض لتسبيحكم وتقديسكم من آدم عليه السلام. (قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم). قال الله تبارك وتعالى: (يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما انبأهم بأسمائهم) وقفوا على عظيم منزلتهم عند الله ـ تعالى ذكره ـ فعلموا أنهم أحق بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه وحججه على بريته، ثم غيبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم ومحبتهم وقال لهم: (ألم أقل لكم اني أعلم غيب السماوات والارض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون).(2)
    وفي تفسير العياشي عن أبي العباس عن أبي عبد الله عليه السَّلام سألته عن قول الله (وعلّم آدم الاسماء كلها)، ماذا علمه ؟ قال: الارضين والجبال والشعاب والاودية، ثم نظر إلى بساط تحته فقال: وهذا البساط مما علمه(3)
    وفيه عن داود بن سرحان العطار قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السَّلام فدعا بالخوان فتغدينا ثم جاؤوا بالطست والدست سنانه، فقلت: جعلت فداك، قوله (وعلم آدم الاسماء كلها). الطست والدست سنانه منه ؟ فقال: والفجاج والاودية. وأهوى بيده: كذا وكذا (4).
    وفيه روايات اخر تقرب مما ذكر، وكذا في تفسير القمي.

    ـ نتيجة البحث في آية الخلافة:
    الأوّل: إن الخلافة جعل الهي ولا دخل لغيره في جعلها.
    الثاني: إن الخلافة الالهية المذكورة مطلقة غير مخصوصة بجهة معينة.
    الثالث: إن منح هذه الخلافة الالهية المطلقة متوقف على علم المرشح لها بجميع أسماء الله الحسنى وصفاته العليا لكي يتمكن من التعبير عنها، كما هو متوقف أيضاً على معرفته لجميع المخلوقات ليتمكن من القيام بمهمة تدبيرها وقيادتها.
    الرابع: إن الخلافة لا تنحصر في شخص آدم عليه السَّلام، وذلك لما يرشدنا إليه اعتراض الملائكة بسفك الدماء. هذا من جهة، ومن جهة أُخرى فانه لا يستحقها جميع أبناء آدم المفسدين في الأرض، وإنما يختص بها العالم بجميع الاسماء.
    الخامس: إن وجود ذلك الخليفة هو الغاية القصوى والهدف الاسمى لخلق الإنسان في كل زمان، أما غيره فهم تبع له سائرون تحت ظل قيادته الحكيمة.
    ـــــــــــــ
    (1) الكافي: ج 1، ص 143، الحديث 4: عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السَّلام في قول الله عزَّ وجلَّ (لله الاسماء الحسنى فادعوه بها) قال: نحن والله الاسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً الا بمعرفتنا.
    (2) كمال الدين: ج 1، ص 14.
    (3) تفسير العياشي: ج 1، ص 32. تفسير البرهان: ج 1 ص 75. البحار: ج 5، ص 39 و 57.
    (4) تفسير العياشي: ج 1 ص 33، تفسير البرهان ج 1، ص 75، البحار: ج 5 ص 39.


    تحياتي ــــــ
    أن كان رفضاً حب آل محمدٍ
    فليشهد الثقلان أني رافض ِ

    الشافعي

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...