الوطن .. فكرة وشعور
قلت له: لن أكتب عنه إلا وأنا في طريقي إليه... ولكن أين هو؟
عشتُ - ومثلي الكثير – مأساة الوطن... أن تفقد معناه بين أرضين.. أرض تعدها مسقط رأسك.. ومهد طفولتك.. وذكريات صباك... ومع ذلك تعيش فيها لحظات مريرة... تحس فيها بالغربة... تلك اللحظات تنسيك كل لذة ذقتها.. وحياة عشقتها.. وصدق ذلك الفيلسوف الإنجليزي الذي قال: " وقوفي لحظة وراء القضبان وأنا مظلوم... ينسيني ألف كتاب قرأته عن الحرية".. والأرض الأخرى هي التي أنتسب لها .. أرض العشيرة.. تراث الآباء والأجداد..
ولكنها أرض لم ترها عيني.. ولم يعشقها فؤادي.. ولا أحس بالحنين إليها.. بل كنت أبغضها أحياناً وأنا أسمع من أهلها من يذمها بمذمات كُثر.. وأحوال لا تسر...
ومرت الأيام.. وقُطع كل أمل في الانتساب الأول.. ووجهت الوجوه تبغي قبلتها .. وهجم الحنين.. واستشعرت أني أكرر قصة تلك الطيور التي تهاجر لتنجب في غير أوطانها وتموت.. وإذا بفراخها الصغيرة تعود إلى الديار الأصلية يقودها حنين صادق، ودافع قوي.. وعدت ووجدت معنى الغربة ينتظرني هناك... واكتشفت أني لم أبرح .. فالهم مقيم ..
نحن لا نعرف معنى الوطن .. صنعنا حدوداً سميناها أوطاناً.. الوطن نزعة ارتباط.. هو إحساس يربط الفرع بأصله.. الوطن ليس هو المال.. ولا المنزل.. ولا العائلة.. لا .. بل هو مكان العطف والراحة والأمان والخلود.. ولو كان ذلك في فلاة...
الوطن هو تلك الدمعات التي فاضت بها عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يودع مكة ... وهو تلك الأبيات التي جادت بها قريحة أبي بكر وبلال رضي الله عنهما وهما يعانيان من حمى يثرب.. الوطن هو أحد الذي يحبنا ونحبه .. وهي تربة أرضنا التي تشفي العلل.. الوطن شيء لا يعرف الحدود...
"وأينما ذكر أسم الله في بلد........ عددت أرجاءه من لب أوطاني"





تعليق