الاعتذار ... معنى وصور
أحمر وجهه غضباً .. وحُق له الغضب.. فما وجه له من كلام يستوجب ذلك .. قذائف غاضبة .. أطلقتها حماقة عن الهدى غائبة.. ولكنه لم يواجه السوء بمثله .. وأنسل من بين الجموع في هدوء وسكون.. وشفتاه ترسم ابتسامة تتعجب منها العيون .. وتحتار فيها العقول .. تلك بسمة العتاب؛ وهي أقرب للحزن معنى، وإن وافقت ضده شكلاً وهيئة .. لقد علّمني بفعله ذلك معنىً خالداً .. يحكي عفة نادرة .. وغنى فيما أفتقر إليه[1].
لعلك أوقعك الزمان في مثل هذا .. ومسكين زماننا؛ فهو كسبابة المتندم تُعَضُّ بلا جناية، "وكالعر يكوى غيره وهو راتع"[2]، وفي ذلك مخرج مفتعل لنفس تدعي العصمة .. إذا أحسست بمرارة الخطأ .. فأسرع الخطى إلى الاعتذار .. فهو ذل بعد ترفع .. وانكسار بعد علو .. ولين بعد شدة .. ولكنه قوة بعد ضعف .. ونصر بعد هزيمة .. وكسب بعد خسارة ..هل رأيت كموج البحر رقة بعد فيضانه الجارف .. الذي يساوي بين الأنجاد والأغوار .. وهل رأيت السماء تحكي صفاءً كصفائها بعد عاصفة .. كان الرعد صوتها .. والبرق الخاطف ضوءها .. وهكذا يفعل الاعتذار سحره .. فهو بلسم يزيل الأحقاد .. وإكسيرٌ يصنع المعجزات .. وماء بارد يُطفئ نزعة الشيطان .. ونور يبدد ظلام الشكوك.
ألم تسمع بمعذرة كعب الرائعة التي كسته بردة شرف .. سترت ما مضى من هجائه .. وتوجته بلقب تهاب الهمم تعاليه .. ألم تر أبا ذر يمرغ خده اعتذراً لأخيه .. وتبرئاً من كل جاهلية فيه .. ومن صغري رأيت في الجند زهواً بنجوم ورسوم علت أكتافهم .. ولكني لما أبصرت الجند جُنيداً .. رأيت صورة محمودة .. وعقلت حينذاك أن في التصغير فخراً ومحمدة.
إن في الاعتذار دروساً مفيدة .. وإن له صوراً متعددة .. ولو اتعظنا بالماضي .. وتأملنا الواقع .. لعشنا في المستقبل عيش السعداء .. ولكن هل هناك من يفقه الخبر ؟!
[1] _ إشارة إلى اسم الأخ الذي أغضبته ، وكتبت هذا المكتوب اعتذراً له.
[2] _ يقول الشاعر: حملتني ذنب امرء وتركته ... كذا العر يُكوى غيره وهو راتع ... والعر: الجمل المجروب، وكان من عادات العرب أنه إذا جربت بعض الإبل كوت الصحيح ليشفي العليل، وذلك من غرائبهم، ولعلهم يفعلونه لوقاية الصحيح من العدوى.







تعليق