حينما يحيك المَهَرَة من صناع الوهم المجنح في صدر الشاعر المرهف الأمل من تهاويل الخيال ليشرب العاشق سلسبيل اللقيا في غفوة عن الدهر برهة، ولكن عندما تغادره فراشات الحلم ويصحو على الواقع ليجد السلبيل سراباً وجنات الحلم غدت قاحلة جفت ينابيعها وطارت عصافيرها وتلاشى ظل حبيته في غياهب الحقيقة، ولم يبق له سوى التمني. صاحب وخليل يستجدي لقاء من ضرب المحال ونجمة تضيء عشياته المظلمة وفراشاً وثيراً لا وسادة من أرق، ويتوسل إلى حبيبته راجياً منها أن ترى شواهد حبه وظلال عشقه في أريج الأزاهير التي تفوح من الوادي النشوان. هذه همسات بل صرخات أطلقها الشاعر محمد المجذوب الذي يكتنز ثروة من الألفاظ اللغوية والقواعد النحوية وصوراً رومانسية بكراً يصطادها خيال مدرب على التحليق بعيداً وكيف لا وهو ابن طرطوس المدينة الساحيلة السورية، نشأ الشاعر نشأة دينية ودرس أصول الفقه واللغة وتاريخ ال******* الفرنسي. والقصيدة من البحر الطويل.
*************
حَنانَكِ لا تَخْشَيْ أَذايَ ولا ضُرِّي
فما أنا ذُو نابٍ ولا أنا ذو ظُفْرِ
فما أنا ذُو نابٍ ولا أنا ذو ظُفْرِ
حَنانكِ لا يَخْفُقْ جَناحاكِ رَهْبَةً
ولا تَرْمِني عَيناكِ بالنَّظَرِ الشَّزْرِ
ولا تَرْمِني عَيناكِ بالنَّظَرِ الشَّزْرِ
أَحِذْراً وفي جَنْبَيَّ، يا طَيرُ للوَرى
وللطَّيرِ دُنيا مِن رُؤى الحُبِّ والشَّعرِ!
وللطَّيرِ دُنيا مِن رُؤى الحُبِّ والشَّعرِ!
أَراعَكِ هذا الحِمْلُ يَنْآدُ تحتهُ
مَطايَ فلا يَنْفَكُّ يُنْجِدُهُ صَبْري
مَطايَ فلا يَنْفَكُّ يُنْجِدُهُ صَبْري
وخَطْوٌ يُثيرُ الأرضَ لولا نَداوَةٌ
ذَرَتْها على مَيْتِ الثَّرى أَدْمُعُ القَطْرِ
ذَرَتْها على مَيْتِ الثَّرى أَدْمُعُ القَطْرِ
وسورَةُ أَنْفاسٍ يكادُ زَفيرُها
يَسيلُ شَعاعاً في لَوافِحِهِ سَحْري
يَسيلُ شَعاعاً في لَوافِحِهِ سَحْري
فَلَمْلَمْتِ أَطْرافَ الجَناحِ تَحَفُّزاً
وأَمْسَكْتِ خوفَ الغائِلاتِ عَن النَّقْرِ
وأَمْسَكْتِ خوفَ الغائِلاتِ عَن النَّقْرِ
وقلتِ، وقد أَسْرَفْتِ: باغٍ مِنَ الوَرى
أخو شَرَكٍ يَطْوي الضُّلوعَ على مَكْرِ!
أخو شَرَكٍ يَطْوي الضُّلوعَ على مَكْرِ!
حنانَكِ..بعضُ الظَّنِّ إثْمٌ فما أنا**
ودُنيا الوَرى إلاّ الغَريبُ معَ السَّفْرِ
ودُنيا الوَرى إلاّ الغَريبُ معَ السَّفْرِ
حنانَكِ..لستُ المَرْءَ يَطْلُبُ يُسْرَهُ
بآلامِ مَخْلوقٍ سِواهُ على عُسْرِي
بآلامِ مَخْلوقٍ سِواهُ على عُسْرِي
سَلي خَفَقاتِ النَّجْمِ في لُجَّةِ الدُّجى
وعَرْبَدَةَ الأَسْحارِ في يَقْظَةِ الفَجْرِ
وعَرْبَدَةَ الأَسْحارِ في يَقْظَةِ الفَجْرِ
سَلي عَرْفَ هاتيكَ الأَزاهيرِ في الرُّبى
وهَيْنَمَةَ الصَّفْصافِ في عُدْوَةِ النَّهرِ
وهَيْنَمَةَ الصَّفْصافِ في عُدْوَةِ النَّهرِ
سَلي الوادِيَ النَّشْوانَ بالعِطْرِ والنَّدى
يُطِّلُّ عليهِ السَّفْحُ بالحُلَلِ النُّضْرِ
يُطِّلُّ عليهِ السَّفْحُ بالحُلَلِ النُّضْرِ
سَليها فَمِنْ قلبي على نَفْحَةٍ
بها أَثَرٌ يَرْوي المُكَتَّمَ مِنْ سِرِّي
بها أَثَرٌ يَرْوي المُكَتَّمَ مِنْ سِرِّي
سَلي عَن أَغانِيَّ الحَياةَ فلم يَزَلْ
بِمِسْمَعِها رَجْعٌ مِنَ النَّغَمِ البِكْرِ
بِمِسْمَعِها رَجْعٌ مِنَ النَّغَمِ البِكْرِ
لَئِنْ أَخْفَتَتْها قَسْوَةُ الدّهرِ فَتْرَةً
لَفي النَّفْسِ لَحْنٌ عَزَّ عَن قَسْوَةِ الدّهرِ
لَفي النَّفْسِ لَحْنٌ عَزَّ عَن قَسْوَةِ الدّهرِ
فقدْ يَخْرَسُ الطَّيْرُ الحَبيسُ ومِلْؤُهُ
حَنينٌ يَهُزُّ الرُّوحَ للأُفُقِ الحُرِّ**
حَنينٌ يَهُزُّ الرُّوحَ للأُفُقِ الحُرِّ**
وَدِدْتُ لَوَ انّي جارُكِ العُمْرَ كُلَّهُ
أَذودُ بِنَفْسي عنكِ عادِيَةَ الغَدْرِ
أَذودُ بِنَفْسي عنكِ عادِيَةَ الغَدْرِ
تَضوءُ عَشِيّاتي بِرَيَّاكِ فِتْنَةً
وتُسْكِرُني نَجْواكِ في البُكَرِ الخُضْرِ
وتُسْكِرُني نَجْواكِ في البُكَرِ الخُضْرِ
ويَسْبِقُني في الحَقْلِ ظِلُّكِ عابِثاً**
فأَقْفِزُ فوقَ الشَّوْكِ في إثْرِهِ أَجْري
فأَقْفِزُ فوقَ الشَّوْكِ في إثْرِهِ أَجْري
وأَنْعَمُ تحت العُشِّ في حُضْنِ مَضْجَعٍ
يَسيلُ عليهِ الطَّلُّ مِن أَكْؤُسِ الزَّهْرِ
يَسيلُ عليهِ الطَّلُّ مِن أَكْؤُسِ الزَّهْرِ
فِراشِيَ فيهِ العُشْبُ غَضَّاً مُمَهَّداً
وَثِيراً، ولكنَّ الوِسادَ مِنَ الصَّخْرِ
وَثِيراً، ولكنَّ الوِسادَ مِنَ الصَّخْرِ
ومِن وَرَقِ الدِّفْلى عَلَيَّ غِلالَةٌ
تَقي جِسْميَ العاري أذى البَرْدِ والحَرِّ
تَقي جِسْميَ العاري أذى البَرْدِ والحَرِّ
مُنىً مِن تَهاويلِ الخَيالاتِ حاكَها
صَناعٌ مِنَ الوَهْمِ المُجَنَّحِ في صَدري
صَناعٌ مِنَ الوَهْمِ المُجَنَّحِ في صَدري
حَلُمُتُ بها في غَفْوَةِ الخَطْبِ بُرْهَةً
فلمّا صَحَا جَفَّتْ رُؤايَ مِنَ الذُّعْرِ
فلمّا صَحَا جَفَّتْ رُؤايَ مِنَ الذُّعْرِ
وهِمْتُ بِذِكْراها وقد حالَ بينَنا
غَياهِبُ منْ ليلِ الحَقيقةِ والفِكْرِ
غَياهِبُ منْ ليلِ الحَقيقةِ والفِكْرِ
أَعَدْتِ إلى القلبِ المُحَطَّمِ طَيفَها
جَديداً فعادَ السِّحْرُ في دَمِهِ يَسْري
جَديداً فعادَ السِّحْرُ في دَمِهِ يَسْري
وأَنْسَيْتِهِ أَوْجاعَ دُنيا هَوَتْ بها
زَعازِعُ تَذْرو المَوتَ في البَرِّ والبحْرِ
زَعازِعُ تَذْرو المَوتَ في البَرِّ والبحْرِ
طَغا في مَغانيها الدَّمارُ وصَوَّحَتْ
مَفاتِنُها ـ رغْمَ النُّهى ـ شَهْوَةَ الشَّرِّ
مَفاتِنُها ـ رغْمَ النُّهى ـ شَهْوَةَ الشَّرِّ
فَخَلّي جُفوني المُغْمَضاتِ تَضُمُّها
قليلاً وخَلِّي الطَّيْفَ يَلْمسُهُ ثَغْري
قليلاً وخَلِّي الطَّيْفَ يَلْمسُهُ ثَغْري
ولا تُفْسِدي بالشَّكِّ نَشْوَةَ حُلْمِنا
فما هيَ إلا فَتْرَةٌ ثمّ...لا نَدْري!
فما هيَ إلا فَتْرَةٌ ثمّ...لا نَدْري!









تعليق