بين الحلال و الحرام...واقعٌ بلا كرامة \ هدى درويش*
شر البلية ما يضحك...ليست بوكو حرام لوحدها من غيّرت مفهوم الحرام , حيث أنني حين استعلمت عن مفهومها حاولت فقط إيجاد معنى بوكو لأن حرام تبقى بمعنى محظور إلا أنني تفاجأت و أنا أجدها تماما بمعنى " جيش الرب" و من وقتها أصبحتُ على يقين أن الحرام يمكن له أن يتغير حسب الظروف و الأشخاص و الضمائر...و الغريب أن هذا المجتمع العربي الذي ينبذ الإرهاب متظاهرا بالحضارة و الالتزام بالدين هو أول المجتمعات التي تمارس الإرهاب في جميع ميادين الحياة , و بذلك لا تبقى بوكو حرام الأولى في تغيير معنى الحرام و الحلال بل هي الأكثر شجاعة في معشر المجرمين لتبدي رأيها في ذلك علنا و تتخذه اسما لها...
كم تغيّر العالم حولنا...كم كبُر همّه فينا و تقزمت آماله... ليس غريبا أن أستحضر و أنا أكتب... قصة احد أصدقاء العائلة الذي كان متبحرا فكره في المفاهيم الدينية و الفلسفة الحياتية , هكذا كان يراه الجميع الى يوم ما نجحت ابنتيه التوأم في شهادة البكالوريوس بتقدير جيد ...تفاجأتا لحظة ما أعلن لهما خبر حرمانهما من مواصلة التعليم الجامعي بحجة الاختلاط الموجود في الجامعات بين الجنسين... إلا أنه ما لبث أن يكبر ابنه الصغير و ينال رتبة المراهق ...ليراه الناس عائدا يوميا إلى بيته في حالة سكر , يقيم علاقات مع هذه و هذه و الأب المثالي _ في نظر نفسه_ على علم بما يفعل... انتظرتُ وقتها أن يتحرك الأب منددا على الأقل بما يقوم به الولد الصغير لكن انتظاري باء بالفشل الذريع و الخيبة حين طال و أصبح يؤكد تسامح الأب و تفهمه بأنّ ابنه في مرحلة حرجة من عمره و لا حرج عليه...و لم يكتف بذلك فحسب بل أيضا قام بتزويج إحدى بناته رغما عنها لرجل يكبرها سنا ...و تكبره معرفة و مستوى... لم يلمه أحدا على فعلته و لم يتدخل في شؤون بيته مخلوق ...إلا أن ابنته يوما عادت مخدوشة الكرامة باكية متحسرة , منتفخة الملامح ... حاملة شكواها الضعيفة اليائسة مستنجدة بعائلتها من جور قرينها و تفاهة مبادئه...و ما لبثت أن تجلس و تأخذ أنفاسها حتى دخل جل أفراد العائلة و الجارات و الصديقات و بدأت سماء الجهل تمطر نصائح و رجعية , و أرغمت الفتاة على الرجوع لأن لقب المطلقة أخطر بكثير من واقع بلا كرامة... لأن الطلاق يفتح أمامها أبواب الآثام و جحيم المجهول و لأن ذلها كزوجة يضمن لها مكانا في الجنة...
تبا لهؤلاء... تبا ...و غضب الله و سخط الأنبياء و الشرائع و العقائد أينما كانوا...ما فعلوا لواقع المرأة شيئا سوى أنها أصبحت مهزومة و في أغلب الأحيان مقتنعة أنه القدر الذي يجب أن ترضاه و تتفائل به... من الرجال من يدافع على عائلته رغم كل ما تفعله مع زوجته و رغم انه يعترف أمام نفسه في صمت أن عائلته تجرم ليل نهار في حق زوجته و أولاده... يشهد لها زورا بأنها لم تقصد ما فعلته و لم تفعل ما قصدته و يكون جبانا في إرضاء طرف بصفة مطلقة و الإطاحة الكاملة بالطرف الأخر... لمن ليس عربيا أن يدرك أنه في قبيلة الأعراب يُطلب من المرأة ما لا تستطيع و تخاَلفُ قوانين الله لأجل الأهواء الذاتية و تقام المحاكم في قلوب الشياطين و تفهم كل التعريفات مفهوما خاطئا ... و يقام الحد و القصاص على واحد دون الأخر و يغطي الكل أعينه برمال الظالم لئلا يرى المظلوم ... و يصلي الكل صلاة العيد و الجمعة...
بريئة هي الحياة من أفكار هؤلاء و الأديان بريئة حين تمضي الأيام قدما في أقدار المقهورين و تجدهم يبتسمون و تجد من ظلمهم يتذمر متعطشا للمزيد من الضحايا , بكل تأكيد ليست الحياة المثالية بعينها و لستُ أنا أيضا امرأة مثالية ... لأنني مؤمنة كوننا بشر أننا في صورة أصغر من المثالية التي نصبو إليها ... غير أنني لا زلتُ أحاول ألاّ أكون يوما غير نفسي ...و ألاّ أرضى بغير مبدئي في الحياة... لا زلتُ راضية أن أستقبل جراح الآخرين دون أن أسعى جاهدة في متاعبهم و أن أكون سعيدة عندما أخسر من لا يستحقون محبتي ...
*كاتبة جزائرية











تعليق