نصوص فلسفية ( 1 )
الغريب .. في فكر أبو حيان التوحيدي !
" سألتني – رفق الله بك ، وعطف على قلبك – أن أذكر لك الغريب ومِحَنهِ ، وأصِفَ لك الغربة وعجائبها ، وأمرَّ في أضعافِ ( 1 ) ذلك بأسرارٍ لطيفة ومعانٍ شريفة ، إمّا مُعَرِّضاً ، وإمّا مُصَرِّحاً ، وإمّا مُبْعِداً ، وإمّا مقرباً . فكُنتُ على أن أجيبك إلى ذلك . ثم إني وجدت في حالي شاغلاً عنك ، وحائلاً دونك ، ومُفرّقاً بيني وبينك .
وكيفَ أَخْفِضُ الكلام الآنَ وأرفعْ ، وما الذي أقول وأصنعْ ، وبماذا أصبر ، وعلى ماذا أجزع ؟ وعلى العلاّت التي وصفتها والقوارف التي سترتها أقول :
إنّ الغـريبَ بحـيثُ *** ما حطّت ركائبهُ ذليلُ
ويدُ الغريبِ قصيـرةٌ *** ولسـانه أبـداً كـليل ُوالناسُ ينصرُ بعضهم *** بعضاً وناصـره قليلُ
يا هذا ! هذا وصفُ غريبٍ نأى عن وطنٍ بُنِيَ بالماءِ والطين ، وبَعُدَ عن أُلاّفٍ له عهدهم الخشونة واللين ... فأين أنت عن غريبٍ طالت غربته في وطنه ، وقلَّ حظّه ونصيبه من حبيبه وسكنه ؟! وأين أنت عن غريب لا سبيل له إلى الأوطان ، ولا طاقة به على الاستيطان ؟! قد عَلاهُ الشُّحوب وهو في كِنّْ ( 2 ) ، وغلبه الحُزن حتى صار كأنه شِنّ ( 3 ) . إن نَطَقَ نطق حزنان منقطعاً ، وإن سَكَتَ سكت حيران مرتدعاً ، وإن قَرُبَ قرب خاضعاً ، وإن بَعُدَ بعد خاشعاً ، وإن ظَهَرَ ظهر ذليلاً ، وإن توارى عليلاً ، وإن طَلَبَ طلب واليأسُ غالبٌ عليه ، وإن أمسَكَ أمسك والبلاءُ قاصدٌ إليه ، وإن أصبَحَ أصبح حائل اللون من وساوس الفكر ، وإن أمسَى أمسى مُنْتَهَبَ السرِّ من هَواتِكْ السّتْر ؛ وإن قالَ قال هائباً ، وإن سكتَ سكت خائباً ؛ قد أكلهُ الخمول ، ومَصّهُ الذبول ، وحالفه النّحول ، لا يتمنى إلاّ على بعض بني جِنسِهِ ، حتى يُفْضي إليه بكامِناتِ نفسه ، ويتعلّل برؤية طلعته ، ويتذكر لمشاهدته قديم لوعته ...
وقد قيل : الغريب من جَفاهُ الحبيب . وأنا أقول : بل الغريب من واصله الحبيب ، بل الغريب من تغافل عنه الرّقيب ، ... بل الغريب من نُودَيَ من قريب ، بل الغريب من في غربته غريب ( 4 ) ، بل الغريب من ليس له نسيب ، بل الغريب من ليس له من الحقِّ نصيب ...
يا هذا ! الغريبُ من غَرُبتْ شمس جماله ، واغتَرَبَ عن حبيبه وعُذّاله ، وأغرَبَ في أقوالِهِ وأفعاله ، وغرَّبَ في إدباره وإقباله ... يا هذا ! الغريب من نَطَقَ وصفُهُ بالمحنةِ بعد بالمحنة ... الغريب من إن حضَرَ كان غائباً ، وإن غاب كان حاضراً . الغريب من إن رأيته لم تعرفه ، وإن لم تره لم تستعرفه .
هذا وصفُ رجلٍ لَحِقَتْهُ الغربة ، فتمنّى أهلاً يأْنسُ بهم ، ووطناً يأوي إليه ، .. وسكناً يتوادعُ عنده . فأما وصفُ الغريب الذي اكتنفتهُ الأحزان من كل جانب ، واشْتَمْلَتْ عليه الأشجان من كلّ حاضرٍ وغائب ، وتحكمت فيه الأيام من كل جانب وذاهب ، واستغرقتْهُ الحَسَرَات على كل فائتٍ وآئب ، وشتّتهُ الزمان والمكان من كل ثقةٍ ورائب ، - وفي الجملة ، أتت عليه أحكام المصائب والنوائب ، وحطّتهُ بأيدي العواتب عن المراتب ، فوصفٌ يخفى دونه القلم ، ويفنى من ورائه القرطاس ، ويَشُلُّ عن بَجْسِهِ ( 5 ) اللفظ ، لأنه وصفُ الغريبِ الذي لا اسمَ له فيُذكر ، ولا رسمَ لهُ فيُشْهَر ، ولا طيَّ له فيُنشر ، ولا عٌذرَ له فيُعذر ، ولا ذنب له فيُغفر ، ولا عيب عنده فيُستر .
هذا غريبٌ لم يتزحزح عن مَسْقِطِ رأسه ، ولم يتزعزع عن مَهَبِّ أنفاسه . وأغربُ الغرباء من صار غريباً في وطنه ، وأبعد البُعَداءِ من كان بعيداً في محل قربه ...
يا هذا ! الغريب من إذا ذَكَرَ الحقَّ هُجِرْ ، وإذا دعا إلى الحق زُجِرْ . الغريب من إذا أَسْنَدَ كُذِّب ، وإذا تَطَاهَرَ ( 6 ) عُذِّب ، الغريب من إذا إمتار ( 7 ) لم يُمَر ، وإذا قَعَدَ لم يُزَرْ . يا رحمتاً للغريب ! طالَ سفرهُ من غير قدوم ، وطال بلاؤه من غير ذنب ، واشتد ضرره من غير تقصير ، وعَظُمَ عناؤهُ من غير جدوى !
الغريب من إذا قال لم يسمعوا قوله ، وإذا رأوه لم يدوروا حوله . الغريب من إذا تنفس أحرقهُ الأسى والأَسَفْ ، وإن كَتَمَ أكْمَدهُ الحُزْنُ واللَّهَفْ . الغريب من إذا أقبلَ لم يُوَسَّع له ، وإذا أعرضَ لم يُسْئَلْ عنه . الغريب من إذا سَألَ لم يُعطَ ، وإن سَكَتَ لم يُبدأ ... الغريب من إذا نادى لم يُجَب ، وإن هادى ( 8 ) لم يُحبّ . اللهم إنا قد أصبحنا غُرَباءَ بين خلقك ، فآنسنا في فَنائك . اللهم وأمسَينا مهجورين عندهم ، فَصِلْنا بِحَبائك ...
يا هذا ! الغريب في الجملة كُلُّهُ حُرقه ، وبعضهُ فُرقه ، وليلة أَسَفْ ، ونهارهُ لَهَفْ ، وغداؤه حَزَنْ ، وعشاؤه شَجَنْ ، وآراؤه ظِنَنْ ، وجميعه فِتَنْ ، ومفرَقُهُ مِحَنْ ، وسِرُّهُ عَلَنْ ، وخوفه وَطَـنْ .
الغريب من إذا دعا لم يُجَب ، وإذا هابَ لم يُهب ، ... الغريب من فَجْعَتُهُ مُحْكَمَة ، ولوعته مُضرِمة . الغريب من لِبْسَتُهُ خِرْقة ، وأكْلتُهُ سِلْقه ، وهجْعَتُهُ خَفْقة . "
----------------------------------------------------------------
المرجع : أبو حيان التوحيدي : الإشارات الإلهية ، تحقيق : عبد الرحمن بدوي ، وكالة المطبوعات ، الكويت 1981 - رسالة ( يا ) ص ص 112 – 117 .
هوامش :
==============
( 1 ) أضعاف : أي تضاعيف وثنايا ..
( 2 ) الكن : الاستقرار .
( 3 ) الشن : القربة الصغيرة .
( 4 ) وهنا ، في هذه العبارة الرائعة ، تتجلى وجودية التوحيدي .. بحسب رأي الدكتور عبد الرحمن بدوي !
( 5 ) البجس : تفجر الماء بغزارة .. أي يفيض .
( 6 ) تطاهر : أي إذا ادعى الطهر والعفاف ..
( 7 ) امتار : أي طلب الطريق ، أي أراد أن يمر ..
( 8 ) هادى : أي قدم الهدايا ..
**************************
من مجموعة النصوص الفلسفية التي أدرسها لطلابي ...



تعليق