بسم الله الرحمن الرحيم
’’ رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة ‘‘
ثمَّة كتبٌ و رسائلَ تقرؤها لأوَّل مرَّةٍ فتأخذ عليك مجامع قلبك، و تسلب منك مخابئ نفسك ، فتقرؤها المرَّة بعد الأخرى؛ بالشوق نفسه، و بالنَّهم ذاته، و لما لا تفعل بك هذا و قد كتبها مؤلِّفها فأحسن اختيار الكلمات، و صنَّفها صاحبها فأجاد تنميق العبارات.
و من هذه الكتب و الرسائل رسالةٌ صغيرة الحجم، لكنَّها غزيرة النفع و العلم، عظيمٌ وقعها، و كبيرٌ أثرها، ألا و هي رسالة ’’ رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة ‘‘ لصاحب الفضيلة الشَّيخ العلاَّمة محدِّث المدينة عبد المحسن بن حمد العبَّاد ـ حفظه الله و نفع به العباد و البلاد ـ.
و هي رسالةٌ قد انتشرتْ و اشتهرتْ، فتلقَّاها أهل السنَّة بالقَبول أينما حلَّتْ، لِما كان لها من أثرٍ جيِّدٍ في لمِّ شملهم، و الحدِّ من تفرُّقهم، فسُرَّ لهذه الآثار الحميدة كلُّ سلفيٍّ مُخلصٍ، آلمه تفرُّق أصحاب المنهج الرباني الواحد، و اشتغال بعضهم ببعض ـ تبديعاً و تجريحاً ـ، فانشغلوا عن مواجهة العدو المتربَّص بالسنَّة و أهلها من أهل الأهواء و أهل الكفر معاً.
و قد كنتُ قبل عامٍ ـ تحديداً ـ كتبتُ مقالاً بعنوان ’’ ردُّ الانتقاد عن الشَّيخ العلاَّمة المحدِّث عبد المحسن العبَّاد ‘‘، و نشرته في بعض المنتديات، و للمناسبة و الفائدة أقتبس منه بعض الفقرات :
[[ إنَّ الشَّيخ عبد المحسن من علماء المملكة الكبار، و من المدرِّسين في الحرم المدني الأخيار؛ الَّذي شهد له القاصي و الدَّاني، و كذا الموافق و المخالف؛ بالتضلُّع في العلوم الشّرعيّة، و خاصَّة علوم الحديث-روايةً و درايةً-.
و قد أثنى عليه كبار العلماء مثل سماحة شيخ الإسلام عبد العزيز بن باز، و الشَّيخ العلاّمة محدِّث العصر محمَّد ناصر الدِّين الألباني، و سماحة الشّيخ العلاّمة محمد بن صالح العثيمين، و الشّيخ العلاّمة المحدِّث حمَّاد الأنصاري، و الشّيخ المحدِّث العلاّمة مُقبل بن هادي الوادعي - رحمهم الله جميعاً و ألحقنا بهم في الفردوس الأعلى -، و الشّيخ العلاَّمة المحدِّث أحمد بن يحيى النّجمي، و الشّيخ العلاّمة صالح الفوزان، و الشّيخ العلاّمة المحدِّث ربيع بن هادي المدخلي، و الشّيخ الفاضل عبيد الجابري- حفظهم الله جميعاً -، و غيرهم من أهل العلم و طلبته، فجزاهم الله خيراً؛ فلا يعرف الفضل لأهل الفضل إلاّ ذوو الفضل ]].
[[ و الشَّيخ عبد المحسن-حفظه الله-عُرف بدروسه العلميَّة في المسجد النَّبويِّ الشَّريف منذ عِدَّة سنوات، حيث شرح مجموعةً من الكتب في شتَّى الفنون و العلوم، و خاصَّةً كتب الحديث المُسندة؛ و من أشهر ما درَّسه ’’ سنن أبي داود ‘‘ و ’’ سنن النَّسائي ‘‘، و هذا عدا إلقائه المحاضرات و المشاركة في الملتقيات و الدورات العلميَّة في أنحاء المملكة العربيَّة السعوديَّة - حرسها الله و سائر بلاد المسلمين من كلِّ سوء -.
أمَّا في مجال التَّأليف، فالشَّيخ له عدَّة مؤلَّفاتٍ؛ يتنافس على اقتنائها العلماء و طلبة العلم على حدٍّ سواء، و هي تشمل علوماً مختلفة، و مواضيع متفرِّقة؛ من العقيدة و الحديث و المنهج و الردِّ على المخالف، و غيرها من المجالات العلميَّة.
و لمَّا نرجع إلى الرِّسالتين التي أشار إليهما المُنتقد، و هما ’’ رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة ‘‘، و ’’ الحثُّ على اتِّباع السنَّة و التَّحذير من البدع و بيان خطرها ‘‘، نجد أن الشَّيخ عبد المحسن - حفظه الله - ما كتبَ تلك الرَّسائل إلاَّ نصحاً و شفقةً بأبناء الدَّعوة السَّلفيَّة؛ ممّا حلَّ بها من تفرُّقٍ و تشتُّتٍ و غُلُوٍّ في التَّجريح و التَّبديع، فمثل هذا النُّصح من مثل الشَّيخ العبَّاد- نفع الله به العباد و البلاد - كان ينبغي أن يقابل بالقَبول و الإذعان، لا بالجحود و النُّكران.
قال الشَّيخ عبد المحسن - حفظه الله - في رسالته النَّافعة ’’ رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة ‘‘(ص7-8):
" و لا شكَّ أنَّ الواجب على أهل السنَّة في كلِّ زمان و مكان التآلف و التراحم فيما بينهم، و التَّعاون على البرِّ و التَّقوى.
و إنَّ ممَّا يُؤسف له في هذا الزَّمان ما حصل من بعض أهل السنَّة من وحشةٍ و اختلافٍ، ممَّا ترتَّب عليه انشغال بعضهم ببعض تجريحاً و تحذيراً و هجراً، و كان الواجب أن تكون جهودُهم جميعاً موجَّهةً إلى غيرهم من الكفَّار و أهل البدع المناوئين لأهل السنَّة، و أن يكونوا فيما بينهم متآلفين متراحمين، يُذكِّرُ بعضهم بعضاً برفق ولين.
و قد رأيتُ كتابة كلمات؛ نصيحةً لهؤلاء جميعاً، سائلاً الله -عزَّ و جلَّ- أن ينفع بهذه الكلمات، إنْ أريد إلاَّ الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلاَّ بالله عليه توكَّلت و إليه أُنيب…".
و قال - حفظه المولى - في رسالة ’’ الحثّ على اتِّباع السنَّة ‘‘(ص70):
" و أنا في الحقيقة لَم أعرض رمحاً، و إنَّما عرضتُ نصحاً لم يقبله الجارحُ و مَن يشبهه؛ لأنَّ النصحَ للمنصوح يشبه الدواءَ للمريض، و من المرضى مَن يستعمل الدواء و إن كان مُرًّا؛ لِمَا يُؤَمِّله من فائدة، و من المنصوحين من يصدُّه الهوى عن النُّصح لا يقبله، بل و يُحذِّر منه، و أسأل الله للجميع التَّوفيق و الهدايةَ و السَّلامةَ من كيد الشَّيطان و مكره ".
ثمَّ إنَّ رسالة ’’ رفقاً أهل السنّة بأهل السنّة ‘‘ قد أثنى عليها و نصح بها كلٌّ من سماحة الشَّيخ المفتي العام عبد العزيز آل الشَّيخ و الشَّيخ العلاَّمة صالح الفوزان - حفظهما الله -، و من تأمَّل بتجرُّدٍ و إنصاف، و سَلِمَ من الظُّلم و الإجحاف؛ عَلِمَ عِلْمَ اليقين أنَّ ما نصح به، و ما حذَّر منه الشَّيخ عبد المحسن - حفظه الله - هو نفس ما يُعالجه إخوانه من علماء أهل السنَّة في هذه الآونة من غلوٍّ و شططٍ في تبديع و تجريح مشايخ الدَّعوة السَّلفيَّة، و على رأس المُتصدِّين لهذه الظَّاهرة الغريبة عن منهج السَّلف الصَّالح؛ الشَّيخ العلاَّمة ربيع المدخلي - حفظه الله و نفع به -.
نعم، قد استغلَّ هذه الرِّسالة بعض أهل الأهواء، كما استغلُّوا قبلها ’’ النَّصيحة العامَّة ‘‘ لسماحة الإمام ابن باز - رحمه الله -، و هذا لا يَضرُّ الشَّيخ عبد المحسن العبَّاد - حفظه الله - و لا رسالته و ما فيها من الحقِّ، و يُقال لهؤلاء: "كلمة حقٍّ أُريد بها باطل"، و قد سُئل الشَّيخ عبد المحسن - حفظه الله -، في الحرم يوم الثلاثاء 8/5/1424هـ عن مقصده بالكتاب، و هل يُفهم منه تراجعه عن تقريظه لكتاب ’’ مدارك النظر ‘‘، فأجاب:
" الكتاب الذي كتبته أخيراً و هو ’’ رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة ‘‘، لا علاقة للَّذين ذكرتُهم في ’’ مدارك النظر ‘‘ بهذا الكتاب…. لا يعني الإخوان المسلمين، و لا يعني المفتونين بسيّد قطب، و غيره من الحركيِّين، و لا يعني أيضاً المفتونين بفقه الواقع، و النَّيل من الحكَّام، و كذلك التَّزهيد في العلماء، لا يعني هؤلاء لا من قريب و لا من بعيد، و إنَّما يعني أهل السنَّة فقط ! …. لا يعني هذه الطوائف، و هذه الفرق المنحرفة عن منهج أهل السنَّة و الجماعة و عن طريقة أهل السنَّة و الجـماعة…".
و سئل بما نصه:
( لقد قرأت كتابكم النَّافع ‘‘رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة’’ و ما فيه من آثار سلفيَّة و نُقولات علميَّة، و لكنَّ العجيب أنَّ بعض النَّاس لا زال يطعن في الجماعات الإسلاميَّة العاملة في الدَّعوة إلى الله كالتَّبليغ و الإخوان المسلمين. ما نصيحتكم لهؤلاء؟؟؟ ).
فأجاب - حفظه الله - بقوله:
" أنا أقول: الحركات الَّتي ليست على منهج السَّلف و على طريقة السَّلف؛ هذه الكلام فيها في محلِّه، لأنَّهم ليسوا على منهجٍ صحيحٍ، و كتابي ’’ رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة ‘‘ لا يعني هؤلاء، يعني أُناساً من أهل السنَّة تكلَّم فيهم ناسٌ من أهل السنَّة؛ فكان ينبغي لأهل السنَّة ألاَّ يتكلَّموا في أهل السنَّة، أمَّا أنْ يتكلَّموا في أصحاب الحركات المُنحرفة، و الَّذين أفسدوا كثيراً من شبابنا في هذه البلاد؛ تغيَّرت أفكارهم بسببهم، فهؤلاء الكلام فيهم في محلِّه، و أنا لا أقصد هؤلاء، أنا أقصد أنَّ بعض أهل السنَّة يتكلَّم في أهل السنَّة.
فكان ينبغي أن تكون الجهود كلُّها متَّجهة إلى الَّذين هم مُنحرفون عن أهل السنَّة، أمَّا من كان من أهل السنَّة فإنْ حصلَ منه خطأٌ يُسعى إلى استصلاحه و إلى تركه للخطأ ما هو يُبادر إلى تبديعه و إلى إهداره و إلى إسقاطه؛ هذا ليس من منهجاً صحيحاً.
المنهج الصحيح منهج الشَّيخ ابن باز و ابن عثيمين الَّذين كانوا على طريقةٍ صحيحةٍ و على منهجٍ صحيحٍ. أمَّا إذا حصل من الإنسان خطأ ثمَّ بعد ذلك أُقيمت الدنيا عليه و حُذِّر منه أو حُذِّر ممَّن لا يُفسِّقه أو لا يُبدِّعه؛ هذا من الخطأ البيِّن.
فأنا أقول: إنَّ أهل السنة يجب أن يتعاونوا فيما بينهم و أن يتولَّى بعضهم بعضاً، و إذا وُجد من أحدهم خطأ؛ أنَّه يُستصلح لا يبادر إلى إهداره و إلى التَّحذير منه لأنَّ هذا يُقلِّل أهل السنَّة، و ينتهي بالأمر إلى أن يتلاشى أهل السنَّة عند هؤلاء المجرِّحين لأهل السنَّة."اهـ. نقلاً عن شريط للشيخ بعنوان ’’ منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في التأليف ‘‘ (12/1/1425هـ) ]].
[[ قال الشَّيخ عبد المحسن - حفظه الله - في رسالته ’’ الحثُّ على اتِّباع السنَّة ‘‘(ص66):
"و قد أوردتُ في رسالتي ’’ رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة ‘‘ جملة كبيرة من الآيات و الأحاديث و الآثار في حفظ اللسان من الوقيعة في أهل السنَّة، و لا سيَّما أهل العلم منهم، و مع ذلك لَم تُعجب هذا الجارح، و وصفها بأنَّها غير مؤهَّلة للنَّشر، و حذَّر منها و من نشرها، و لا شكَّ أنَّ مَن يقف على هذا الجرح و يطَّلع على الرِّسالة يجد أنَّ هذا الحكم في وادٍ و الرِّسالة في وادٍ آخر، وأنَّ الأمر كما قال الشَّاعر:
قد تُنكر العينُ ضوء الشمس من رمَد ** و يُنكر الفمُ طعمَ الماء من سَقَمِ" اهـ.
و ما قرره الشَّيخ عبد المحسن العبَّاد-حفظه الله- يلتقي تماماً مع ما قاله الشَّيخ ربيع بن هادي - حفظه الله - في ’’ النَّصيحة الأولى إلى الشَّيخ فالح الحربي ‘‘(ص22ـ25 ط. منار السبيل بالجزائر):
" و لا يصحُّ القول بأنَّه يُصار إلى قول المتشدِّد مطلقاً لأنَّه متشدِّد فيُقدَّم قوله لأجل شدَّته، فهذا أمرٌ لا يُعرف عن أهل السنَّة حسب علمي، و هو أمرٌ يتعارض مع العدل الَّذي قامت عليه السماوات و الأرض، و يتعارض مع أصول أهل السنّة.
وما إخال أنَّ الصواب لا يأتي غالباً إلاَّ مع المتوسطين؛ لأنَّ هؤلاء ينطلقون من الأناة التي يُحبُّها الله، و من الرِّفق الَّذي يحبّه الله و رسوله ؛ "إنَّ الله رفيقٌ يحبُّ الرفق في الأمر كلِّه".
و المتشدِّدون قد يفقدون هذه الصِّفات أو بعضها و لهذا نشأت مشاكل عن الشدَّة مثل مشكلة الغلو و الخروج و التَّكفير و التَّبديع بغير حججٍ و لا براهينَ و مخالفاتٍ العلماء بل و الطعن فيهم و محاولة إسقاطهم كما جرى سابقاً و يجري الآن في بلدان المسلمين و هذا أمر ظاهرٌ جليٌّ.
نعم، أهل البدع يصفون أهل السنّة بالشدَّة لينفِّروا النَّاس عن الحقِّ، و مع ذلك يُوجد في علماء المسلمين من وصف بالشدّة وصفهم بذلك أهل السنّة لا أهل البدع.
و هم قِلَّة بالنسبة للآلاف من أئمَّة الحديث و الفقه الذين يتَّصفون بالاعتدال و التوسط و الرفق، و الأمر الّذي كان عليه رسول الله حيث كان رحيماً رفيقاً- صلّى الله عليه و سلّم- وهو القائل: "إنّ الله رفيق يحب الرفق و يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه".
وقوله - صلى الله عليه وسلم - من حديث عائشة - رضي الله عنها- قال: " إنَّ الرفق لا يكون في شيء إلاّ زانه ولا ينزع من شيء إلاّ شانه".
على أنَّ شدَّة هؤلاء ليست هي الشدَّة التي يتصورها الجهلة، إذ هؤلاء معدودون في العلماء العقلاء المتحلِّين بالأخلاق العالية، وكانوا يستخدمون الشِّدة في موضعها المناسب، و ليست أصلاً في حياتهم و دعوتهم، و ليست شدتهم على أهل السنة كما يفعله الآن بعض المراهقين المشبوهين.
و كان من أقوم الدعاة إلى الله بهذه الصفات الشَّيخ ابن باز - رحمه الله - وهو مشهور بذلك، و الشّيخ عبد الله القرعاوي - رحمه الله -؛ فلقد كان حكيماً رفيقاً لا يواجه الناس بسوء و لا فحش، و لقد انتشرت دعوته بهذه الحكمة من اليمن إلى مكة و نجران في زمن قصير، و قضى بعد عون الله بدعوته الحكيمة على كثيرٍ من مظاهر الجهل و الشرك و البدع، و كان من أبعد الناس عن الشدة و التنفير، و كان يشبهه في أخلاقه: الحلم و الحكمة و الأناة و الرفق تلميذه النَّجيب الشَّيخ حافظ بن أحمد الحكمي - رحمه الله -؛ فقد ساعد في نشر الدعوة السلفية شيخه القرعاوي ـ رحمه الله ـ بهذه الأخلاق و بالعلم الذي بثَّه، و كانا لا يسبان بل و لا يهجران أحداً حسب علمي، و يأتيهم الجاهل و الفاسق و الزيدي و الصوفي فيتعاملان معهم بالعلم و الحلم والرفق و الحكمة؛ الأمور التي تجعل هذه الأصناف تقبل الحق و تعتنق الدعوة السلفية الخالصة.
فليكن منهج الرسول الحكيم نصب أعيننا؛ "يسِّروا و لا تعسِّروا و بشِّروا و لا تنفِّروا ".
و كذلك ليكن نصب أعيننا أحاديث الرفق و آيات و أحاديث الصبر و الحلم و الحكمة و الموعظة الحسنة و العفو و الصفح، الأمور التي يجمعها قول الله تعالى في رسوله الكريم ((وإنّك لعلى خلق عظيم )).
و لنحذر ما حذَّر الله رسوله منه من العنف و الشِّدَّة و التَّنفير و لا نجعل ذلك منهجاً.
و قد يلجأ العاقل الحكيم إلى الشِّدَّة المشروعة إذا انسدَّت في وجهه سُبُل الحكمة و الرِّفق و سبل التَّيسير، فحينها يستعمل الشِّدَّة الَّتي يسمح بها الشَّرع الحكيم، و لا يتجاوز ذلك إلى ما يُوقعه في الإثم؛ فيكون حكيماً في هذا التَّصرُّف محموداً عليه عند الله و عند العقلاء.
و لكلِّ شيءٍ موضعه، و ما أوسع مواضع الرِّفق و الحكمة و التَّيسير؛ فهي الأصل في دعوة الرُّسل ـ عليهم الصًَّلاة و السَّلام ـ.
أخي إنَّ الشِّدَّة الَّتي نشأت هذه الأيام ليست من السَّلفيَّة في شيءٍ، و الدَّليل أنَّها صارت سِهاماً مُسدَّدة إلى نُحور دعاة السنَّة ـ بحقٍّ ـ، و يسعى أهلها إلى إسقاط هؤلاء الدُّعاة و إبعادهم عن ساحة الدَّعوة بحُجَّة أنَّهم مُميِّعون، و هي حجَّة إبليسيَّة كاذبة ظالمة، فصاروا بهذا الأسلوب أكبر عونٍ لخصوم السنَّة و أهلها على السَّلفيّة و أهلها، فانتبه للألاعيب و المكايد و الدَّسائس الَّتي يستخدمها خصوم السنّة و لاسيّما في هذا العصر. "اهـ ]] ـ انتهى المقصود نقلُه من المقال المشار إليه آنفاً ـ.
و للشَّيخ ربيع المدخلي ـ حفظه المولى ـ محاضرةٌ علميَّةٌ منهجيَّةٌ تربويَّةٌ نافعةٌ ـ بإذن الله ـ بعنوان ’’ الحثِّ على المودَّة و الائتلاف و التَّحذير من الفُرقة و الاختلاف ‘‘، ألقاها فضيلته على جمعٍ مباركٍ من طلاَّب العلم الشَّرعيِّ في الجامعة الإسلاميَّة بالمدينة النبويَّة، و قد تضمَّنت تلكم المحاضرة القيِّمة جملةً من التَّوجيهات الرَّائعة، و الإرشادات النَّافعة؛ التي جاءت في وقتٍ مناسبٍ جداًّ ـ و لله الحمد ـ لترشيد مَسار الدَّعوة السَّلفيَّة المباركة؛ التي نفذت إليها ـ في الآونة الأخيرة ـ بعض الأفكار الغريبة عنها، و الأنفاس البعيدة منها، و قد طُبعت المحاضرة ـ أخيراً ـ في الأردن و الجزائر بعناية ( لجنة البحث العلميّ و تحقيق التراث الإسلاميّ بـ " مركز الإمام الألباني للدِّراسات المنهجيَّة و الأبحاث العلميَّة " )، فجزاهم الله خيراً.
و للفائدة أنقل لكم بعض ما قاله الشيخ ربيع؛ حاثاًّ على المودَّة و الائتلاف، و محذِّراً من الفرقة و الاختلاف، (( ليهلِك من هلَك عن بيِّنةٍ و يحيّى من حيَّ عن بيِّنة )) [الأنفال:42].
قال ـ حفظه الله ـ (ص24ـ28 ط. منار السبيل بالجزائر):
(( فوالله؛ ما انتشرت الدَّعوة السَّلفيَّة في هذا العصر القريب ـ و في غيره ـ إلاَّ على أيدي أُناسٍ علماء حكماء حلماء يتمثَّلون منهج الرَّسول ـ عليه الصلاة و السلام ـ، و يُطبِّقونه قدر الاستطاعة؛ فنفع الله بهم، و انتشرت الدَّعوة السلفيَّة في أقطار الدنيا، بأخلاقهم و علمهم و حكمتهم.
و في هذه الأيَّام نرى أنَّ الدَّعوة السلفيَّة تتراجع و تتقلَّص، و ما ذلك إلاَّ لأنَّها فقدتْ حكمة هؤلاء، بل حكمة الرَّسول ـ صلَّى الله عليه و سلَّم ـ قبل كلِّ شيءٍ، و حِلمه و رحمته و أخلاقه و رِفقه و لِينه ـ عليه الصلاة و السلام ـ.
و لقد شتمت عائشة يهودياًّ، فقال لها رسول الله : " يا عائشة إنَّ الله يُحبُّ الرفق في الأمر كلِّه"؛ هذا الحديث إذا ذكره ـ اليوم ـ عالمٌ يُوجِّه الشباب إلى المنهج الصحيح في الدَّعوة إلى الله، فإنَّهم يقولون هذا تمييعٌ.
فهذه الأخلاق الكريمة إذا ذُكرت ـ و ذكِّر بها ـ كالحكمة و الرفق و اللين و الحلم و الصفح ـ، التي هي من ضروريَّات الدعوة إلى الله ـ تبارك و تعالى ـ، و من العوامل التي تجذب الناس إلى الدعوة الصحيحة؛ فإنَّ الناتج أن يدخل الناس في دين الله أفواجاً.
و إنَّ هؤلاء المبدِّلين يستخدمون الَّتنفير، رغم أنَّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه و سلَّم ـ يقول: (( إنَّ منكم منفِّرين ))، و يقول ـ صلَّى الله عليه و سلَّم ـ : (( يسِّروا و لا تعسِّروا، و بشِّروا و لا تنفِّروا )).
فيا أيُّها الإخوة: هؤلاء لا يُدركون، و إلاَّ ـ فوالله ـ يلزمهم أن يصموا الرَّسول بأنَّه مميِّع، و الصحابة و علماء الأمَّة بأنَّهم مميِّعون.
يلزمهم ـ على هذا التشدُّد العنيف المُهلك ـ الذي أهلك الدَّعوة السلفيَّة ـ يلزمهم أن يكون الرَّسول ـ نفسه ـ الذي يدعو الى الرِّفق و الحكمة و اللين؛ أن يكون مُميِّعاً ـ كذلك ـ، نستغفر الله.
و الله؛ لا يُريدون هذا و لا يقصدونه، و لكن لا يُدركون، فعليهم ـ من الآن ـ أن يدركوا ماذا يترتَّب على هذه الأحكام.
و إنَّنا ـ نحن ـ و الله ـ نُجاهد و نناظر و نكتب و ننصح، و ندعو ـ برفقٍ ـ الى الله ـ تعالى ـ؛ فيعتبروننا من المميِّعين، لا يريدون أن نقول: حكمة و لين و رفق.
و قد رأينا أنَّ الشِّدة أهلكت الدَّعوة السلفيَّة، و مزَّقت أهلها، فماذا نصنع ؟
فقلت ـ يا أيُّها الإخوة ـ : لمَّا نرى النِّيران تشتعل؛ أنتركها تزيد اشتعالاً ؟ أم نأتي بهذه الأمور التي ستُطفيء تلكم الحرائق ؟
فأنا اضطررت ـ و هذا واجبي ـ و أنا أقولها من قبل اليوم ـ، لكن ركَّزت عليها لمَّا رأيتُ هذا الدًَّمار، و رأيت هذا البلاء؛ فأقول : عليكم بالرفق، عليكم باللين، عليكم بالتآخي، عليكم بالتراحم؛ فإنَّ هذه الشِّدة توجَّهت إلى أهل السنَّة أنفسهم، إذ تركوا أهل البدع و اتَّجهوا إلى أخل السنَّة بهذه الشِّدة المُهلكة، و تخلَّلها ظلمٌ و أحكام باطلةٌ ظالمةٌ.
فإيَّاكم ـ ثمَّ إيَّاكم ـ أن تسلكوا هذا المسلك الذي يُهلككم، و يُهلك الدَّعوة السَّلفيَّة، و يُهلك أهلها )).
و قال ـ نفع الله به ـ (ص51):
(( الأصل في الدعوة اللين و الرفق و الحكمة، و هذا هو الأصل فيها، فإذا وجدت من يعاند و لا يقبل الحق و تقيم عليه الحجة و يرفض، فحينئذ تستخدم الرد )).
و في الأخير أوصي نفسي و إيَّاكم بالتزام مثل هذه النصائح و التوجيهات من مشايخ الدَّعوة السلفيَّة، مع السَّعي إلى لتطبيقها في حياتنا و دعوتنا، وخاصةً في حواراتنا و مشاركاتنا في المنتيدات؛ عسى أن ينفع الله بنا، و أن يجعلنا مباركين أينما كنَّا، إنَّ ربي لسميع الدعاء.
و آخر دعواي أن الحمد لله ربِّ العالمين.
فريد المرادي ـ كان الله له ـ.
الجمعة 8 جمادى الثانية 1426هـ.
’’ رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة ‘‘
ثمَّة كتبٌ و رسائلَ تقرؤها لأوَّل مرَّةٍ فتأخذ عليك مجامع قلبك، و تسلب منك مخابئ نفسك ، فتقرؤها المرَّة بعد الأخرى؛ بالشوق نفسه، و بالنَّهم ذاته، و لما لا تفعل بك هذا و قد كتبها مؤلِّفها فأحسن اختيار الكلمات، و صنَّفها صاحبها فأجاد تنميق العبارات.
و من هذه الكتب و الرسائل رسالةٌ صغيرة الحجم، لكنَّها غزيرة النفع و العلم، عظيمٌ وقعها، و كبيرٌ أثرها، ألا و هي رسالة ’’ رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة ‘‘ لصاحب الفضيلة الشَّيخ العلاَّمة محدِّث المدينة عبد المحسن بن حمد العبَّاد ـ حفظه الله و نفع به العباد و البلاد ـ.
و هي رسالةٌ قد انتشرتْ و اشتهرتْ، فتلقَّاها أهل السنَّة بالقَبول أينما حلَّتْ، لِما كان لها من أثرٍ جيِّدٍ في لمِّ شملهم، و الحدِّ من تفرُّقهم، فسُرَّ لهذه الآثار الحميدة كلُّ سلفيٍّ مُخلصٍ، آلمه تفرُّق أصحاب المنهج الرباني الواحد، و اشتغال بعضهم ببعض ـ تبديعاً و تجريحاً ـ، فانشغلوا عن مواجهة العدو المتربَّص بالسنَّة و أهلها من أهل الأهواء و أهل الكفر معاً.
و قد كنتُ قبل عامٍ ـ تحديداً ـ كتبتُ مقالاً بعنوان ’’ ردُّ الانتقاد عن الشَّيخ العلاَّمة المحدِّث عبد المحسن العبَّاد ‘‘، و نشرته في بعض المنتديات، و للمناسبة و الفائدة أقتبس منه بعض الفقرات :
[[ إنَّ الشَّيخ عبد المحسن من علماء المملكة الكبار، و من المدرِّسين في الحرم المدني الأخيار؛ الَّذي شهد له القاصي و الدَّاني، و كذا الموافق و المخالف؛ بالتضلُّع في العلوم الشّرعيّة، و خاصَّة علوم الحديث-روايةً و درايةً-.
و قد أثنى عليه كبار العلماء مثل سماحة شيخ الإسلام عبد العزيز بن باز، و الشَّيخ العلاّمة محدِّث العصر محمَّد ناصر الدِّين الألباني، و سماحة الشّيخ العلاّمة محمد بن صالح العثيمين، و الشّيخ العلاّمة المحدِّث حمَّاد الأنصاري، و الشّيخ المحدِّث العلاّمة مُقبل بن هادي الوادعي - رحمهم الله جميعاً و ألحقنا بهم في الفردوس الأعلى -، و الشّيخ العلاَّمة المحدِّث أحمد بن يحيى النّجمي، و الشّيخ العلاّمة صالح الفوزان، و الشّيخ العلاّمة المحدِّث ربيع بن هادي المدخلي، و الشّيخ الفاضل عبيد الجابري- حفظهم الله جميعاً -، و غيرهم من أهل العلم و طلبته، فجزاهم الله خيراً؛ فلا يعرف الفضل لأهل الفضل إلاّ ذوو الفضل ]].
[[ و الشَّيخ عبد المحسن-حفظه الله-عُرف بدروسه العلميَّة في المسجد النَّبويِّ الشَّريف منذ عِدَّة سنوات، حيث شرح مجموعةً من الكتب في شتَّى الفنون و العلوم، و خاصَّةً كتب الحديث المُسندة؛ و من أشهر ما درَّسه ’’ سنن أبي داود ‘‘ و ’’ سنن النَّسائي ‘‘، و هذا عدا إلقائه المحاضرات و المشاركة في الملتقيات و الدورات العلميَّة في أنحاء المملكة العربيَّة السعوديَّة - حرسها الله و سائر بلاد المسلمين من كلِّ سوء -.
أمَّا في مجال التَّأليف، فالشَّيخ له عدَّة مؤلَّفاتٍ؛ يتنافس على اقتنائها العلماء و طلبة العلم على حدٍّ سواء، و هي تشمل علوماً مختلفة، و مواضيع متفرِّقة؛ من العقيدة و الحديث و المنهج و الردِّ على المخالف، و غيرها من المجالات العلميَّة.
و لمَّا نرجع إلى الرِّسالتين التي أشار إليهما المُنتقد، و هما ’’ رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة ‘‘، و ’’ الحثُّ على اتِّباع السنَّة و التَّحذير من البدع و بيان خطرها ‘‘، نجد أن الشَّيخ عبد المحسن - حفظه الله - ما كتبَ تلك الرَّسائل إلاَّ نصحاً و شفقةً بأبناء الدَّعوة السَّلفيَّة؛ ممّا حلَّ بها من تفرُّقٍ و تشتُّتٍ و غُلُوٍّ في التَّجريح و التَّبديع، فمثل هذا النُّصح من مثل الشَّيخ العبَّاد- نفع الله به العباد و البلاد - كان ينبغي أن يقابل بالقَبول و الإذعان، لا بالجحود و النُّكران.
قال الشَّيخ عبد المحسن - حفظه الله - في رسالته النَّافعة ’’ رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة ‘‘(ص7-8):
" و لا شكَّ أنَّ الواجب على أهل السنَّة في كلِّ زمان و مكان التآلف و التراحم فيما بينهم، و التَّعاون على البرِّ و التَّقوى.
و إنَّ ممَّا يُؤسف له في هذا الزَّمان ما حصل من بعض أهل السنَّة من وحشةٍ و اختلافٍ، ممَّا ترتَّب عليه انشغال بعضهم ببعض تجريحاً و تحذيراً و هجراً، و كان الواجب أن تكون جهودُهم جميعاً موجَّهةً إلى غيرهم من الكفَّار و أهل البدع المناوئين لأهل السنَّة، و أن يكونوا فيما بينهم متآلفين متراحمين، يُذكِّرُ بعضهم بعضاً برفق ولين.
و قد رأيتُ كتابة كلمات؛ نصيحةً لهؤلاء جميعاً، سائلاً الله -عزَّ و جلَّ- أن ينفع بهذه الكلمات، إنْ أريد إلاَّ الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلاَّ بالله عليه توكَّلت و إليه أُنيب…".
و قال - حفظه المولى - في رسالة ’’ الحثّ على اتِّباع السنَّة ‘‘(ص70):
" و أنا في الحقيقة لَم أعرض رمحاً، و إنَّما عرضتُ نصحاً لم يقبله الجارحُ و مَن يشبهه؛ لأنَّ النصحَ للمنصوح يشبه الدواءَ للمريض، و من المرضى مَن يستعمل الدواء و إن كان مُرًّا؛ لِمَا يُؤَمِّله من فائدة، و من المنصوحين من يصدُّه الهوى عن النُّصح لا يقبله، بل و يُحذِّر منه، و أسأل الله للجميع التَّوفيق و الهدايةَ و السَّلامةَ من كيد الشَّيطان و مكره ".
ثمَّ إنَّ رسالة ’’ رفقاً أهل السنّة بأهل السنّة ‘‘ قد أثنى عليها و نصح بها كلٌّ من سماحة الشَّيخ المفتي العام عبد العزيز آل الشَّيخ و الشَّيخ العلاَّمة صالح الفوزان - حفظهما الله -، و من تأمَّل بتجرُّدٍ و إنصاف، و سَلِمَ من الظُّلم و الإجحاف؛ عَلِمَ عِلْمَ اليقين أنَّ ما نصح به، و ما حذَّر منه الشَّيخ عبد المحسن - حفظه الله - هو نفس ما يُعالجه إخوانه من علماء أهل السنَّة في هذه الآونة من غلوٍّ و شططٍ في تبديع و تجريح مشايخ الدَّعوة السَّلفيَّة، و على رأس المُتصدِّين لهذه الظَّاهرة الغريبة عن منهج السَّلف الصَّالح؛ الشَّيخ العلاَّمة ربيع المدخلي - حفظه الله و نفع به -.
نعم، قد استغلَّ هذه الرِّسالة بعض أهل الأهواء، كما استغلُّوا قبلها ’’ النَّصيحة العامَّة ‘‘ لسماحة الإمام ابن باز - رحمه الله -، و هذا لا يَضرُّ الشَّيخ عبد المحسن العبَّاد - حفظه الله - و لا رسالته و ما فيها من الحقِّ، و يُقال لهؤلاء: "كلمة حقٍّ أُريد بها باطل"، و قد سُئل الشَّيخ عبد المحسن - حفظه الله -، في الحرم يوم الثلاثاء 8/5/1424هـ عن مقصده بالكتاب، و هل يُفهم منه تراجعه عن تقريظه لكتاب ’’ مدارك النظر ‘‘، فأجاب:
" الكتاب الذي كتبته أخيراً و هو ’’ رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة ‘‘، لا علاقة للَّذين ذكرتُهم في ’’ مدارك النظر ‘‘ بهذا الكتاب…. لا يعني الإخوان المسلمين، و لا يعني المفتونين بسيّد قطب، و غيره من الحركيِّين، و لا يعني أيضاً المفتونين بفقه الواقع، و النَّيل من الحكَّام، و كذلك التَّزهيد في العلماء، لا يعني هؤلاء لا من قريب و لا من بعيد، و إنَّما يعني أهل السنَّة فقط ! …. لا يعني هذه الطوائف، و هذه الفرق المنحرفة عن منهج أهل السنَّة و الجماعة و عن طريقة أهل السنَّة و الجـماعة…".
و سئل بما نصه:
( لقد قرأت كتابكم النَّافع ‘‘رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة’’ و ما فيه من آثار سلفيَّة و نُقولات علميَّة، و لكنَّ العجيب أنَّ بعض النَّاس لا زال يطعن في الجماعات الإسلاميَّة العاملة في الدَّعوة إلى الله كالتَّبليغ و الإخوان المسلمين. ما نصيحتكم لهؤلاء؟؟؟ ).
فأجاب - حفظه الله - بقوله:
" أنا أقول: الحركات الَّتي ليست على منهج السَّلف و على طريقة السَّلف؛ هذه الكلام فيها في محلِّه، لأنَّهم ليسوا على منهجٍ صحيحٍ، و كتابي ’’ رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة ‘‘ لا يعني هؤلاء، يعني أُناساً من أهل السنَّة تكلَّم فيهم ناسٌ من أهل السنَّة؛ فكان ينبغي لأهل السنَّة ألاَّ يتكلَّموا في أهل السنَّة، أمَّا أنْ يتكلَّموا في أصحاب الحركات المُنحرفة، و الَّذين أفسدوا كثيراً من شبابنا في هذه البلاد؛ تغيَّرت أفكارهم بسببهم، فهؤلاء الكلام فيهم في محلِّه، و أنا لا أقصد هؤلاء، أنا أقصد أنَّ بعض أهل السنَّة يتكلَّم في أهل السنَّة.
فكان ينبغي أن تكون الجهود كلُّها متَّجهة إلى الَّذين هم مُنحرفون عن أهل السنَّة، أمَّا من كان من أهل السنَّة فإنْ حصلَ منه خطأٌ يُسعى إلى استصلاحه و إلى تركه للخطأ ما هو يُبادر إلى تبديعه و إلى إهداره و إلى إسقاطه؛ هذا ليس من منهجاً صحيحاً.
المنهج الصحيح منهج الشَّيخ ابن باز و ابن عثيمين الَّذين كانوا على طريقةٍ صحيحةٍ و على منهجٍ صحيحٍ. أمَّا إذا حصل من الإنسان خطأ ثمَّ بعد ذلك أُقيمت الدنيا عليه و حُذِّر منه أو حُذِّر ممَّن لا يُفسِّقه أو لا يُبدِّعه؛ هذا من الخطأ البيِّن.
فأنا أقول: إنَّ أهل السنة يجب أن يتعاونوا فيما بينهم و أن يتولَّى بعضهم بعضاً، و إذا وُجد من أحدهم خطأ؛ أنَّه يُستصلح لا يبادر إلى إهداره و إلى التَّحذير منه لأنَّ هذا يُقلِّل أهل السنَّة، و ينتهي بالأمر إلى أن يتلاشى أهل السنَّة عند هؤلاء المجرِّحين لأهل السنَّة."اهـ. نقلاً عن شريط للشيخ بعنوان ’’ منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في التأليف ‘‘ (12/1/1425هـ) ]].
[[ قال الشَّيخ عبد المحسن - حفظه الله - في رسالته ’’ الحثُّ على اتِّباع السنَّة ‘‘(ص66):
"و قد أوردتُ في رسالتي ’’ رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة ‘‘ جملة كبيرة من الآيات و الأحاديث و الآثار في حفظ اللسان من الوقيعة في أهل السنَّة، و لا سيَّما أهل العلم منهم، و مع ذلك لَم تُعجب هذا الجارح، و وصفها بأنَّها غير مؤهَّلة للنَّشر، و حذَّر منها و من نشرها، و لا شكَّ أنَّ مَن يقف على هذا الجرح و يطَّلع على الرِّسالة يجد أنَّ هذا الحكم في وادٍ و الرِّسالة في وادٍ آخر، وأنَّ الأمر كما قال الشَّاعر:
قد تُنكر العينُ ضوء الشمس من رمَد ** و يُنكر الفمُ طعمَ الماء من سَقَمِ" اهـ.
و ما قرره الشَّيخ عبد المحسن العبَّاد-حفظه الله- يلتقي تماماً مع ما قاله الشَّيخ ربيع بن هادي - حفظه الله - في ’’ النَّصيحة الأولى إلى الشَّيخ فالح الحربي ‘‘(ص22ـ25 ط. منار السبيل بالجزائر):
" و لا يصحُّ القول بأنَّه يُصار إلى قول المتشدِّد مطلقاً لأنَّه متشدِّد فيُقدَّم قوله لأجل شدَّته، فهذا أمرٌ لا يُعرف عن أهل السنَّة حسب علمي، و هو أمرٌ يتعارض مع العدل الَّذي قامت عليه السماوات و الأرض، و يتعارض مع أصول أهل السنّة.
وما إخال أنَّ الصواب لا يأتي غالباً إلاَّ مع المتوسطين؛ لأنَّ هؤلاء ينطلقون من الأناة التي يُحبُّها الله، و من الرِّفق الَّذي يحبّه الله و رسوله ؛ "إنَّ الله رفيقٌ يحبُّ الرفق في الأمر كلِّه".
و المتشدِّدون قد يفقدون هذه الصِّفات أو بعضها و لهذا نشأت مشاكل عن الشدَّة مثل مشكلة الغلو و الخروج و التَّكفير و التَّبديع بغير حججٍ و لا براهينَ و مخالفاتٍ العلماء بل و الطعن فيهم و محاولة إسقاطهم كما جرى سابقاً و يجري الآن في بلدان المسلمين و هذا أمر ظاهرٌ جليٌّ.
نعم، أهل البدع يصفون أهل السنّة بالشدَّة لينفِّروا النَّاس عن الحقِّ، و مع ذلك يُوجد في علماء المسلمين من وصف بالشدّة وصفهم بذلك أهل السنّة لا أهل البدع.
و هم قِلَّة بالنسبة للآلاف من أئمَّة الحديث و الفقه الذين يتَّصفون بالاعتدال و التوسط و الرفق، و الأمر الّذي كان عليه رسول الله حيث كان رحيماً رفيقاً- صلّى الله عليه و سلّم- وهو القائل: "إنّ الله رفيق يحب الرفق و يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه".
وقوله - صلى الله عليه وسلم - من حديث عائشة - رضي الله عنها- قال: " إنَّ الرفق لا يكون في شيء إلاّ زانه ولا ينزع من شيء إلاّ شانه".
على أنَّ شدَّة هؤلاء ليست هي الشدَّة التي يتصورها الجهلة، إذ هؤلاء معدودون في العلماء العقلاء المتحلِّين بالأخلاق العالية، وكانوا يستخدمون الشِّدة في موضعها المناسب، و ليست أصلاً في حياتهم و دعوتهم، و ليست شدتهم على أهل السنة كما يفعله الآن بعض المراهقين المشبوهين.
و كان من أقوم الدعاة إلى الله بهذه الصفات الشَّيخ ابن باز - رحمه الله - وهو مشهور بذلك، و الشّيخ عبد الله القرعاوي - رحمه الله -؛ فلقد كان حكيماً رفيقاً لا يواجه الناس بسوء و لا فحش، و لقد انتشرت دعوته بهذه الحكمة من اليمن إلى مكة و نجران في زمن قصير، و قضى بعد عون الله بدعوته الحكيمة على كثيرٍ من مظاهر الجهل و الشرك و البدع، و كان من أبعد الناس عن الشدة و التنفير، و كان يشبهه في أخلاقه: الحلم و الحكمة و الأناة و الرفق تلميذه النَّجيب الشَّيخ حافظ بن أحمد الحكمي - رحمه الله -؛ فقد ساعد في نشر الدعوة السلفية شيخه القرعاوي ـ رحمه الله ـ بهذه الأخلاق و بالعلم الذي بثَّه، و كانا لا يسبان بل و لا يهجران أحداً حسب علمي، و يأتيهم الجاهل و الفاسق و الزيدي و الصوفي فيتعاملان معهم بالعلم و الحلم والرفق و الحكمة؛ الأمور التي تجعل هذه الأصناف تقبل الحق و تعتنق الدعوة السلفية الخالصة.
فليكن منهج الرسول الحكيم نصب أعيننا؛ "يسِّروا و لا تعسِّروا و بشِّروا و لا تنفِّروا ".
و كذلك ليكن نصب أعيننا أحاديث الرفق و آيات و أحاديث الصبر و الحلم و الحكمة و الموعظة الحسنة و العفو و الصفح، الأمور التي يجمعها قول الله تعالى في رسوله الكريم ((وإنّك لعلى خلق عظيم )).
و لنحذر ما حذَّر الله رسوله منه من العنف و الشِّدَّة و التَّنفير و لا نجعل ذلك منهجاً.
و قد يلجأ العاقل الحكيم إلى الشِّدَّة المشروعة إذا انسدَّت في وجهه سُبُل الحكمة و الرِّفق و سبل التَّيسير، فحينها يستعمل الشِّدَّة الَّتي يسمح بها الشَّرع الحكيم، و لا يتجاوز ذلك إلى ما يُوقعه في الإثم؛ فيكون حكيماً في هذا التَّصرُّف محموداً عليه عند الله و عند العقلاء.
و لكلِّ شيءٍ موضعه، و ما أوسع مواضع الرِّفق و الحكمة و التَّيسير؛ فهي الأصل في دعوة الرُّسل ـ عليهم الصًَّلاة و السَّلام ـ.
أخي إنَّ الشِّدَّة الَّتي نشأت هذه الأيام ليست من السَّلفيَّة في شيءٍ، و الدَّليل أنَّها صارت سِهاماً مُسدَّدة إلى نُحور دعاة السنَّة ـ بحقٍّ ـ، و يسعى أهلها إلى إسقاط هؤلاء الدُّعاة و إبعادهم عن ساحة الدَّعوة بحُجَّة أنَّهم مُميِّعون، و هي حجَّة إبليسيَّة كاذبة ظالمة، فصاروا بهذا الأسلوب أكبر عونٍ لخصوم السنَّة و أهلها على السَّلفيّة و أهلها، فانتبه للألاعيب و المكايد و الدَّسائس الَّتي يستخدمها خصوم السنّة و لاسيّما في هذا العصر. "اهـ ]] ـ انتهى المقصود نقلُه من المقال المشار إليه آنفاً ـ.
و للشَّيخ ربيع المدخلي ـ حفظه المولى ـ محاضرةٌ علميَّةٌ منهجيَّةٌ تربويَّةٌ نافعةٌ ـ بإذن الله ـ بعنوان ’’ الحثِّ على المودَّة و الائتلاف و التَّحذير من الفُرقة و الاختلاف ‘‘، ألقاها فضيلته على جمعٍ مباركٍ من طلاَّب العلم الشَّرعيِّ في الجامعة الإسلاميَّة بالمدينة النبويَّة، و قد تضمَّنت تلكم المحاضرة القيِّمة جملةً من التَّوجيهات الرَّائعة، و الإرشادات النَّافعة؛ التي جاءت في وقتٍ مناسبٍ جداًّ ـ و لله الحمد ـ لترشيد مَسار الدَّعوة السَّلفيَّة المباركة؛ التي نفذت إليها ـ في الآونة الأخيرة ـ بعض الأفكار الغريبة عنها، و الأنفاس البعيدة منها، و قد طُبعت المحاضرة ـ أخيراً ـ في الأردن و الجزائر بعناية ( لجنة البحث العلميّ و تحقيق التراث الإسلاميّ بـ " مركز الإمام الألباني للدِّراسات المنهجيَّة و الأبحاث العلميَّة " )، فجزاهم الله خيراً.
و للفائدة أنقل لكم بعض ما قاله الشيخ ربيع؛ حاثاًّ على المودَّة و الائتلاف، و محذِّراً من الفرقة و الاختلاف، (( ليهلِك من هلَك عن بيِّنةٍ و يحيّى من حيَّ عن بيِّنة )) [الأنفال:42].
قال ـ حفظه الله ـ (ص24ـ28 ط. منار السبيل بالجزائر):
(( فوالله؛ ما انتشرت الدَّعوة السَّلفيَّة في هذا العصر القريب ـ و في غيره ـ إلاَّ على أيدي أُناسٍ علماء حكماء حلماء يتمثَّلون منهج الرَّسول ـ عليه الصلاة و السلام ـ، و يُطبِّقونه قدر الاستطاعة؛ فنفع الله بهم، و انتشرت الدَّعوة السلفيَّة في أقطار الدنيا، بأخلاقهم و علمهم و حكمتهم.
و في هذه الأيَّام نرى أنَّ الدَّعوة السلفيَّة تتراجع و تتقلَّص، و ما ذلك إلاَّ لأنَّها فقدتْ حكمة هؤلاء، بل حكمة الرَّسول ـ صلَّى الله عليه و سلَّم ـ قبل كلِّ شيءٍ، و حِلمه و رحمته و أخلاقه و رِفقه و لِينه ـ عليه الصلاة و السلام ـ.
و لقد شتمت عائشة يهودياًّ، فقال لها رسول الله : " يا عائشة إنَّ الله يُحبُّ الرفق في الأمر كلِّه"؛ هذا الحديث إذا ذكره ـ اليوم ـ عالمٌ يُوجِّه الشباب إلى المنهج الصحيح في الدَّعوة إلى الله، فإنَّهم يقولون هذا تمييعٌ.
فهذه الأخلاق الكريمة إذا ذُكرت ـ و ذكِّر بها ـ كالحكمة و الرفق و اللين و الحلم و الصفح ـ، التي هي من ضروريَّات الدعوة إلى الله ـ تبارك و تعالى ـ، و من العوامل التي تجذب الناس إلى الدعوة الصحيحة؛ فإنَّ الناتج أن يدخل الناس في دين الله أفواجاً.
و إنَّ هؤلاء المبدِّلين يستخدمون الَّتنفير، رغم أنَّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه و سلَّم ـ يقول: (( إنَّ منكم منفِّرين ))، و يقول ـ صلَّى الله عليه و سلَّم ـ : (( يسِّروا و لا تعسِّروا، و بشِّروا و لا تنفِّروا )).
فيا أيُّها الإخوة: هؤلاء لا يُدركون، و إلاَّ ـ فوالله ـ يلزمهم أن يصموا الرَّسول بأنَّه مميِّع، و الصحابة و علماء الأمَّة بأنَّهم مميِّعون.
يلزمهم ـ على هذا التشدُّد العنيف المُهلك ـ الذي أهلك الدَّعوة السلفيَّة ـ يلزمهم أن يكون الرَّسول ـ نفسه ـ الذي يدعو الى الرِّفق و الحكمة و اللين؛ أن يكون مُميِّعاً ـ كذلك ـ، نستغفر الله.
و الله؛ لا يُريدون هذا و لا يقصدونه، و لكن لا يُدركون، فعليهم ـ من الآن ـ أن يدركوا ماذا يترتَّب على هذه الأحكام.
و إنَّنا ـ نحن ـ و الله ـ نُجاهد و نناظر و نكتب و ننصح، و ندعو ـ برفقٍ ـ الى الله ـ تعالى ـ؛ فيعتبروننا من المميِّعين، لا يريدون أن نقول: حكمة و لين و رفق.
و قد رأينا أنَّ الشِّدة أهلكت الدَّعوة السلفيَّة، و مزَّقت أهلها، فماذا نصنع ؟
فقلت ـ يا أيُّها الإخوة ـ : لمَّا نرى النِّيران تشتعل؛ أنتركها تزيد اشتعالاً ؟ أم نأتي بهذه الأمور التي ستُطفيء تلكم الحرائق ؟
فأنا اضطررت ـ و هذا واجبي ـ و أنا أقولها من قبل اليوم ـ، لكن ركَّزت عليها لمَّا رأيتُ هذا الدًَّمار، و رأيت هذا البلاء؛ فأقول : عليكم بالرفق، عليكم باللين، عليكم بالتآخي، عليكم بالتراحم؛ فإنَّ هذه الشِّدة توجَّهت إلى أهل السنَّة أنفسهم، إذ تركوا أهل البدع و اتَّجهوا إلى أخل السنَّة بهذه الشِّدة المُهلكة، و تخلَّلها ظلمٌ و أحكام باطلةٌ ظالمةٌ.
فإيَّاكم ـ ثمَّ إيَّاكم ـ أن تسلكوا هذا المسلك الذي يُهلككم، و يُهلك الدَّعوة السَّلفيَّة، و يُهلك أهلها )).
و قال ـ نفع الله به ـ (ص51):
(( الأصل في الدعوة اللين و الرفق و الحكمة، و هذا هو الأصل فيها، فإذا وجدت من يعاند و لا يقبل الحق و تقيم عليه الحجة و يرفض، فحينئذ تستخدم الرد )).
و في الأخير أوصي نفسي و إيَّاكم بالتزام مثل هذه النصائح و التوجيهات من مشايخ الدَّعوة السلفيَّة، مع السَّعي إلى لتطبيقها في حياتنا و دعوتنا، وخاصةً في حواراتنا و مشاركاتنا في المنتيدات؛ عسى أن ينفع الله بنا، و أن يجعلنا مباركين أينما كنَّا، إنَّ ربي لسميع الدعاء.
و آخر دعواي أن الحمد لله ربِّ العالمين.
فريد المرادي ـ كان الله له ـ.
الجمعة 8 جمادى الثانية 1426هـ.
