بسم الله الرحمن الرحيم
’’ شيخ الإسلام و فقيه الزمان و ربيع السنَّة ،، ما الخطبُ الجلَل ؟!! ‘‘
الحمد لله، و بعد :
فقد وقفتُ على مقالٍ نُشر في ( شبكة الإستقامة ) بتاريخ : 23/08/2005 م، تعرَّض فيه صاحبه إلى قضيَّة انتقاد الشيخ ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ لصاحب ’’السِّراج الوهَّاج‘‘ في مسألة فضيلة الأكل و الشُّرب بالنِّسبة للإنسان، و نسبةَ هذا القول إلى شيخ الإسلام ابن تيمية و فقيه الزمان الشيخ ابن عثيمين ـ رحمهما الله ـ، فكان منه تخطئةَ الشيخ ربيعٍ في نفيه هذا القول عن شيخ الإسلام.
و كان لزاماً على صاحب المقال ـ عفا الله عنه ـ التريُّث كثيراً قبل نشره على الناس، خاصةً و قد قال في نهاية مقاله : (( وقد تكلَّمت مع الشيخ ربيع وأعلمته بهذا و قد وعدني بالمراجعة ))، لكنَّه أبى إلاَّ نشرالمقال على ما فيه من خللٍ، و لله الأمر من قبلُ من بعد.
ثم نقل المقال أحدهم ـ تشنيعاً ـ إلى ( الساحات ) بتاريخ : 04/09/2005 م، وعنونه بقوله : (( هذا كلام ابن تيمية الذي أنكره الشيخ ربيع وخطَّأ فيه ابن عثيمين وغيره ))، فزاد في الطين بلَّةً، و في الطنبور نغمةً.
و الشيخ ربيع ـ حفظه الله ـ كغيره من أهل العلم يُصيب و يُخطىء، فالواجب على من وقف على خطأٍ له أن يَنصحه و يُنبِّهه عليه بالتي هي أحسن، مع حفظ كرامته و حُسن التأدُّب معه، كماهو مقرَّرٌ عند أهل السنَّة و الجماعة.
أمَّا من جعل همَّه و ديدنه تتبُّع مثل هذه الأخطاء و الزلاَّت التي لا يسلم منها كبار العلماء، ثمَّ يذهب لإشاعتها في المنتديات و الشبكات، لا غرض له إلاَّ إسقاط علماء الدعوة السلفية، و من ثمَّ الطعن في المنهج السلفي، فليس لنا من أمره شيءٌ، و عند الله تجتمع الخصوم.
و الحمد لله وحده الَّذي ردَّ كيدهم إلى نحورهم، و يأبى الله إلاَّ أن يَنصر دينه و يُعلي كلمته، و يُدافع عن الدُّعاة في سبيله، فلا تحزن ـ أخي السلفي ـ و لا تكترث بما يقوم به المُرجفون المشكِّكون في علماء المنهج السلفي، فمن سُنن الله ـ تعالى ـ أنَّ الزَّبد و الغُثاء لا يمكثُ في الأرض، و إنَّما يبقى الذي ينفع الناس.
قال ـ جلَّ وعلا ـ: (( كذلك يضرب اللهُ الحقَّ و الباطلَ فأمَّا الزَّبد فيذهبُ جُفاءً و أمَّا ما ينفع الناسَ فيمكُثُ في الأرضِ كذلك يضربُ الله الأمثالَ )) [ الرعد:17].
و حتَّى لا يأخذ الموضوع أكبر من حجمه أجعل كلامي في نقاطٍ مختصرة، و من الله نستمد العون و نرجو المغفرة :
1 ـ الشَّيخ ربيع ـ حفظه الله ـ انتقد ما جاء في ’’السِّراج الوهَّاج‘‘ ( ص22 ) ـ من اعتبار الأكل و الشرب و النوم كمالاً في المخلوق ـ في كتابه ’’انتقاد عقدي و منهجي لكتاب السِّراج الوهَّاج‘‘ (ص11 ط. مجالس الهدى بالجزائر)، ثمَّ زاد الموضوع تفصيلاً و بياناً في كتابه ’’التَّنكيل بما في لجاج أبي الحسن من الأباطيل‘‘ (ص67ـ 75 ط. مجالس الهدى بالجزائر)، و قد بيَّن و نصح بما لا مزيد عليه، فجزاه الله خيراً، و أعظم له أجراً.
2 ـ الشَّيخ ربيع ـ عافاه الله ـ لم ينتقد القاعدة و إنَّما انتقد تمثيل صاحب ’’السِّراج الوهَّاج‘‘ عليها بالأكل و الشرب و النوم ، و عزوِه هذا التمثيل لكلٍّ من شيخ الإسلام ابن تيمية و الشيخ العلاَّمة محمد بن عثيمين.
3 ـ أمَّا الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ فقد قال بذلك حقاًّ في كتابه ’’شرح العقيدة الواسطيَّة‘‘، و عنه استفاده صاحب’’السِّراج الوهَّاج‘‘، و الله أعلم.
4 ـ أمَّا شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ فلم يستطع صاحب’’السِّراج الوهَّاج‘‘ إبراز أيّ موضعٍ له يقول فيه بذلك التمثيل، فدلَّ على أنَّه لم يكن على اطِّلاعٍ في ذلك الحين على الأقوال التي جاء بها صاحب المقال المذكور.
5 ـ الشيخ ربيع إذ نفى ذلك عن شيخ الإسلام فذلك حسب اطِّلاعه، وانتقادُه هنا في محلِّه، كونه أخذ بالأصل في نسبة الأقوال إلى العلماء، فلا يُنسب لعالمٍ قولٌ حتَّى يَثبت ذلك من كتبه و رسائله، أو من مصدرٍ موثوقٍ يَنقل عنه.
6 ـ قال المعترض: (( ونحن نقول بل ابن تيميَّة مثَّل بالأكل والشرب )).
أقول: على التسليم بما ذهبتم إليه، يكون التمثيل بالنَّوم على قاعدة الباب لا يَثبت عن شيخ الإسلام، فيبقى الكلام على الأكل و الشرب.
قال شيخ الإسلام (6/93) : (( وأمَّا صفات النقص فمثل النوم، فإنَّ الحيَّ اليقظان أكمل من النائم والوَسْنَان، والله لا تأخذه سنة ولا نوم )).
و هذا هو ما قرَّره الشيخ ربيع في ’’التنكيل‘‘ (ص70ـ 71)، فالحمد لله على توفيقه.
7 ـ نقل المعترض النَّص التَّالي من ’’مجموع الفتاوى‘‘(6/70) ـ عازياً له لشيخ الإسلام ـ: (( و (بالجملة) فالكمال والنقص من الأمور النسبيَّة، والمعاني الإضافيَّة، فقد تكون الصفة كمالاً لذاتٍ ونقصاً لأخرى، وهذا نحو الأكل والشرب والنِّكاح: كمالٌ للمخلوق، نقصٌ للخالق، وكذا التعاظم والتكبُّر والثناء على النفس كمالٌ للخالق، نقصٌ للمخلوق وإذا كان الأمر كذلك فلعلَّ ما تذكرونه من صفات الكمال إنَّما يكون كمالاً بالنِّسبة إلى الشَّاهد، ولا يلزم أن يكون كمالاً للغائب كما بُيِّن؛ لا سيَّما مع تباين الذاتين ))اهـ.
أقول: هذا تلبيسٌ أو وهمٌ من المعترض، و غلطٌ على شيخ الإسلام، لأنَّ هذه الفقرة من كلام السائل لا من كلام ابن تيمية، فالسؤال يبدأ من الصفحة 68 إلى الصفحة 71، و الجواب يبدأ من الصفحة71 إلى الصفحة 140، و يُعرف الجواب بـ’’الرسالة الأكمليَّة‘‘ أو ’’ تفصيل الإجمال في ما يجب لله من صفات الكمال‘‘.
فسقط تمسُّك المعترض بهذا الكلام لعدم صحَّة نِسبته لشيخ الإسلام،و أيضاً لما فيه من تأمُّلٍ و نظر، كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام (6/137 ـ140) بتفصيلٍ رائعٍ، و تحقيقٍ ماتعٍ، من ذلك قوله (ص137): (( وأما قول القائل: الكمال والنقص من الأمور النسبيَّة، فقد بيَّنا أنَّ الذي يستحقُّه الربُّ هو الكمال الذي لا نقص فيه بوجهٍ من الوجوه، وأنَّه الكمال الممكن للموجود، ومثل هذا لا ينتفي عن الله أصلاً، والكمال النسبي هو المستلزم للنقص، فيكون كمالاً من وجهٍ دون وجهٍ، كالأكل للجائع كمالٌ له، وللشبعان نقصٌ فيه، لأنَّه ليس بكمالٍ محضٍ بل هو مقرونٌ بالنقص )).
إلى أن قال (ص140): (( وجملة ذلك: أنَّ الكمال المختص بالربوبيَّة ليس لغيره فيه نصيب، فهذا تحقيق اتصافه بالكمال الذي لا نصيب لغيره فيه، ومثل هذا الكمال لا يكون لغيره، فادعاؤه منازعة للربوبية، وفِرْيَةٌ على الله.
ومعلومٌ أنَّ النبوَّة كمالٌ للنبيِّ، وإذا ادَّعاها المفترون ـ كمسيلمة وأمثاله ـ كان ذلك نقصًا منهم؛ لا لأنَّ النبوَّة نقصٌ، ولكن دعواها ممن ليست له هو النقص، وكذلك لو ادعى العلم والقدرة والصلاح من ليس متصفاً بذلك، كان مذمومًا ممقوتًا، وهذا يقتضي أنَّ الربَّ ـ تعالى ـ متصفٌ بكمالٍ لا يصلح للمخلوق، وهذا لا يُنافي أنَّ ما كان كمالاً للموجود من حيث هو موجود، فالخالق أحقُّ به، ولكن يُفيد أنَّ الكمال الذي يُوصف به المخلوق بما هو منه إذا وُصف الخالق بما هو منه، فالذي للخالق لا يُماثله ما للمخلوق ولا يُقاربه )).
8 ـ نقل المعترض قول الشيخ الإسلام: (( الكمال الذى لا يتضمَّن نقصاً ـ على التعبير بالعبارة السَّديدة ـ أو الكمال الذي لا يتضمَّن نقصاً يمكن انتفاؤه ـ على عبارة من يجعل ما ليس بنقصٍ نقصاً ـ فاحترز عمَّا هو لبعض المخلوقات كمالٌ دون بعضٍ، وهو نقصٌ بالإضافة إلى الخالق لاستلزامه نقصاً، كالأكل والشرب مثلاً، فإنَّ الصَّحيح الذي يشتهي الأكل والشرب من الحيوان أكمل من المريض الذي لا يشتهي الأكل والشرب، لأنَّ قوامه بالأكل والشرب. فإذا قُدِّر غير قابلٍِ له: كان ناقصاً عن القابل لهذا الكمال؛ لكن هذا يستلزم حاجة الآكل والشارب إلى غيره، وهو ما يدخل فيه من الطعام والشراب، وهو مُستلزمٌ لخروج شيءٍ منه كالفضلات، وما لا يحتاج إلى دخول شيءٍ فيه أكمل ممَّن يحتاج إلى دخول شيءٍ فيه، وما يتوقَّف كماله على غيره أنقص ممَّا لا يحتاج فى كماله إلى غيره، فإنَّ الغنيَّ عن شيءٍ أعلى من الغنيِّ به، والغنيُّ بنفسه أكمل من الغنيِّ بغيره. ولهذا كان من الكمالات ما هو كمالٌ للمخلوق، وهو نقصٌ بالنِّسبة إلى الخالق، وهو كل ما كان مستلزماً لإمكان العدم عليه المنافي لوجوبه وقيوميته، أو مستلزماً للحدوث المنافي لقدمه، أو مستلزماً لفقره المنافي لغناه )) ’’مجموع الفتاوى‘‘ (6/87).اهـ
أقول:
لا يُفهم من كلام شيخ الإسلام أنَّ الأكل و الشرب كمالٌ في حقِّ المخلوق، كيف و قد قال في هذا السياق : ((لكن هذا يستلزم حاجة الآكل والشارب إلى غيره، وهو ما يدخل فيه من الطعام والشراب، وهو مُستلزمٌ لخروج شيءٍ منه كالفضلات، وما لا يحتاج إلى دخول شيءٍ فيه أكمل ممَّن يحتاج إلى دخول شيءٍ فيه، وما يتوقَّف كماله على غيره أنقص ممَّا لا يحتاج فى كماله إلى غيره، فإنَّ الغنيَّ عن شيءٍ أعلى من الغنيِّ به، والغنيُّ بنفسه أكمل من الغنيِّ بغيره )).
و زاد هذا بياناً (ص137)، فقال: ((والكمال النسبي هو المستلزم للنقص، فيكون كمالاً من وجهٍ دون وجهٍ، كالأكل للجائع كمالٌ له، وللشبعان نقصٌ فيه، لأنَّه ليس بكمالٍ محضٍ بل هو مقرونٌ بالنقص )).
9 ـ اعتبار المخلوق الذي يأكل و يشرب أكمل من غيره، هذا لما عليه هذا المخلوق من صحةٍ، و لخلوِّه من المرض، لا لذات الأكل و الشرب، فالصحة عند المخلوق الذي يأكل و يشرب هي سبب كماله، و المرض عند السقيم الذي لا يجد رغبةً في الأكل و الشرب هو سبب نقصه، والمخلوق لنقصِه يحتاج إلى الأكل و الشرب حتى يُقيم صلبه، و ما يقتضيه ذلك الأكل و الشرب من خروج الفضلات نقصٌ فيه كذلك، و الله أعلى و أعلم.
10 ـ لو اعتُبر الأكل و الشرب كمالاً بالنِّسبة إلى المخلوق لعُدَّ الإكثار منهما كمالاً، لأنَّ الزيادة من الكمال كمالٌ، و لا أظنُّ عاقلاً يقول بهذا في هذا المقام، و الله أعلم.
و في الأخير هذا ما لديَّ في هذا الموضوع، فإن أصبتُ فمن الله ـ جلَّ و علا ـ، و إن أخطأتُ فمن نفسي و الشيطان، و رحم الله عبداً أهدى إليَّ عيوبي و أخطائي، و الله الموفِّق.
و الحمد لله رب العالمين، و صلَّى على نبيِّنا محمَّدٍ و على آله و صحبه و سلَّم تسليماّ.
فريد المرادي ـ غفر الله له ـ.
الجزائر في 13 شعبان 1426هـ.
’’ شيخ الإسلام و فقيه الزمان و ربيع السنَّة ،، ما الخطبُ الجلَل ؟!! ‘‘
الحمد لله، و بعد :
فقد وقفتُ على مقالٍ نُشر في ( شبكة الإستقامة ) بتاريخ : 23/08/2005 م، تعرَّض فيه صاحبه إلى قضيَّة انتقاد الشيخ ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ لصاحب ’’السِّراج الوهَّاج‘‘ في مسألة فضيلة الأكل و الشُّرب بالنِّسبة للإنسان، و نسبةَ هذا القول إلى شيخ الإسلام ابن تيمية و فقيه الزمان الشيخ ابن عثيمين ـ رحمهما الله ـ، فكان منه تخطئةَ الشيخ ربيعٍ في نفيه هذا القول عن شيخ الإسلام.
و كان لزاماً على صاحب المقال ـ عفا الله عنه ـ التريُّث كثيراً قبل نشره على الناس، خاصةً و قد قال في نهاية مقاله : (( وقد تكلَّمت مع الشيخ ربيع وأعلمته بهذا و قد وعدني بالمراجعة ))، لكنَّه أبى إلاَّ نشرالمقال على ما فيه من خللٍ، و لله الأمر من قبلُ من بعد.
ثم نقل المقال أحدهم ـ تشنيعاً ـ إلى ( الساحات ) بتاريخ : 04/09/2005 م، وعنونه بقوله : (( هذا كلام ابن تيمية الذي أنكره الشيخ ربيع وخطَّأ فيه ابن عثيمين وغيره ))، فزاد في الطين بلَّةً، و في الطنبور نغمةً.
و الشيخ ربيع ـ حفظه الله ـ كغيره من أهل العلم يُصيب و يُخطىء، فالواجب على من وقف على خطأٍ له أن يَنصحه و يُنبِّهه عليه بالتي هي أحسن، مع حفظ كرامته و حُسن التأدُّب معه، كماهو مقرَّرٌ عند أهل السنَّة و الجماعة.
أمَّا من جعل همَّه و ديدنه تتبُّع مثل هذه الأخطاء و الزلاَّت التي لا يسلم منها كبار العلماء، ثمَّ يذهب لإشاعتها في المنتديات و الشبكات، لا غرض له إلاَّ إسقاط علماء الدعوة السلفية، و من ثمَّ الطعن في المنهج السلفي، فليس لنا من أمره شيءٌ، و عند الله تجتمع الخصوم.
و الحمد لله وحده الَّذي ردَّ كيدهم إلى نحورهم، و يأبى الله إلاَّ أن يَنصر دينه و يُعلي كلمته، و يُدافع عن الدُّعاة في سبيله، فلا تحزن ـ أخي السلفي ـ و لا تكترث بما يقوم به المُرجفون المشكِّكون في علماء المنهج السلفي، فمن سُنن الله ـ تعالى ـ أنَّ الزَّبد و الغُثاء لا يمكثُ في الأرض، و إنَّما يبقى الذي ينفع الناس.
قال ـ جلَّ وعلا ـ: (( كذلك يضرب اللهُ الحقَّ و الباطلَ فأمَّا الزَّبد فيذهبُ جُفاءً و أمَّا ما ينفع الناسَ فيمكُثُ في الأرضِ كذلك يضربُ الله الأمثالَ )) [ الرعد:17].
و حتَّى لا يأخذ الموضوع أكبر من حجمه أجعل كلامي في نقاطٍ مختصرة، و من الله نستمد العون و نرجو المغفرة :
1 ـ الشَّيخ ربيع ـ حفظه الله ـ انتقد ما جاء في ’’السِّراج الوهَّاج‘‘ ( ص22 ) ـ من اعتبار الأكل و الشرب و النوم كمالاً في المخلوق ـ في كتابه ’’انتقاد عقدي و منهجي لكتاب السِّراج الوهَّاج‘‘ (ص11 ط. مجالس الهدى بالجزائر)، ثمَّ زاد الموضوع تفصيلاً و بياناً في كتابه ’’التَّنكيل بما في لجاج أبي الحسن من الأباطيل‘‘ (ص67ـ 75 ط. مجالس الهدى بالجزائر)، و قد بيَّن و نصح بما لا مزيد عليه، فجزاه الله خيراً، و أعظم له أجراً.
2 ـ الشَّيخ ربيع ـ عافاه الله ـ لم ينتقد القاعدة و إنَّما انتقد تمثيل صاحب ’’السِّراج الوهَّاج‘‘ عليها بالأكل و الشرب و النوم ، و عزوِه هذا التمثيل لكلٍّ من شيخ الإسلام ابن تيمية و الشيخ العلاَّمة محمد بن عثيمين.
3 ـ أمَّا الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ فقد قال بذلك حقاًّ في كتابه ’’شرح العقيدة الواسطيَّة‘‘، و عنه استفاده صاحب’’السِّراج الوهَّاج‘‘، و الله أعلم.
4 ـ أمَّا شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ فلم يستطع صاحب’’السِّراج الوهَّاج‘‘ إبراز أيّ موضعٍ له يقول فيه بذلك التمثيل، فدلَّ على أنَّه لم يكن على اطِّلاعٍ في ذلك الحين على الأقوال التي جاء بها صاحب المقال المذكور.
5 ـ الشيخ ربيع إذ نفى ذلك عن شيخ الإسلام فذلك حسب اطِّلاعه، وانتقادُه هنا في محلِّه، كونه أخذ بالأصل في نسبة الأقوال إلى العلماء، فلا يُنسب لعالمٍ قولٌ حتَّى يَثبت ذلك من كتبه و رسائله، أو من مصدرٍ موثوقٍ يَنقل عنه.
6 ـ قال المعترض: (( ونحن نقول بل ابن تيميَّة مثَّل بالأكل والشرب )).
أقول: على التسليم بما ذهبتم إليه، يكون التمثيل بالنَّوم على قاعدة الباب لا يَثبت عن شيخ الإسلام، فيبقى الكلام على الأكل و الشرب.
قال شيخ الإسلام (6/93) : (( وأمَّا صفات النقص فمثل النوم، فإنَّ الحيَّ اليقظان أكمل من النائم والوَسْنَان، والله لا تأخذه سنة ولا نوم )).
و هذا هو ما قرَّره الشيخ ربيع في ’’التنكيل‘‘ (ص70ـ 71)، فالحمد لله على توفيقه.
7 ـ نقل المعترض النَّص التَّالي من ’’مجموع الفتاوى‘‘(6/70) ـ عازياً له لشيخ الإسلام ـ: (( و (بالجملة) فالكمال والنقص من الأمور النسبيَّة، والمعاني الإضافيَّة، فقد تكون الصفة كمالاً لذاتٍ ونقصاً لأخرى، وهذا نحو الأكل والشرب والنِّكاح: كمالٌ للمخلوق، نقصٌ للخالق، وكذا التعاظم والتكبُّر والثناء على النفس كمالٌ للخالق، نقصٌ للمخلوق وإذا كان الأمر كذلك فلعلَّ ما تذكرونه من صفات الكمال إنَّما يكون كمالاً بالنِّسبة إلى الشَّاهد، ولا يلزم أن يكون كمالاً للغائب كما بُيِّن؛ لا سيَّما مع تباين الذاتين ))اهـ.
أقول: هذا تلبيسٌ أو وهمٌ من المعترض، و غلطٌ على شيخ الإسلام، لأنَّ هذه الفقرة من كلام السائل لا من كلام ابن تيمية، فالسؤال يبدأ من الصفحة 68 إلى الصفحة 71، و الجواب يبدأ من الصفحة71 إلى الصفحة 140، و يُعرف الجواب بـ’’الرسالة الأكمليَّة‘‘ أو ’’ تفصيل الإجمال في ما يجب لله من صفات الكمال‘‘.
فسقط تمسُّك المعترض بهذا الكلام لعدم صحَّة نِسبته لشيخ الإسلام،و أيضاً لما فيه من تأمُّلٍ و نظر، كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام (6/137 ـ140) بتفصيلٍ رائعٍ، و تحقيقٍ ماتعٍ، من ذلك قوله (ص137): (( وأما قول القائل: الكمال والنقص من الأمور النسبيَّة، فقد بيَّنا أنَّ الذي يستحقُّه الربُّ هو الكمال الذي لا نقص فيه بوجهٍ من الوجوه، وأنَّه الكمال الممكن للموجود، ومثل هذا لا ينتفي عن الله أصلاً، والكمال النسبي هو المستلزم للنقص، فيكون كمالاً من وجهٍ دون وجهٍ، كالأكل للجائع كمالٌ له، وللشبعان نقصٌ فيه، لأنَّه ليس بكمالٍ محضٍ بل هو مقرونٌ بالنقص )).
إلى أن قال (ص140): (( وجملة ذلك: أنَّ الكمال المختص بالربوبيَّة ليس لغيره فيه نصيب، فهذا تحقيق اتصافه بالكمال الذي لا نصيب لغيره فيه، ومثل هذا الكمال لا يكون لغيره، فادعاؤه منازعة للربوبية، وفِرْيَةٌ على الله.
ومعلومٌ أنَّ النبوَّة كمالٌ للنبيِّ، وإذا ادَّعاها المفترون ـ كمسيلمة وأمثاله ـ كان ذلك نقصًا منهم؛ لا لأنَّ النبوَّة نقصٌ، ولكن دعواها ممن ليست له هو النقص، وكذلك لو ادعى العلم والقدرة والصلاح من ليس متصفاً بذلك، كان مذمومًا ممقوتًا، وهذا يقتضي أنَّ الربَّ ـ تعالى ـ متصفٌ بكمالٍ لا يصلح للمخلوق، وهذا لا يُنافي أنَّ ما كان كمالاً للموجود من حيث هو موجود، فالخالق أحقُّ به، ولكن يُفيد أنَّ الكمال الذي يُوصف به المخلوق بما هو منه إذا وُصف الخالق بما هو منه، فالذي للخالق لا يُماثله ما للمخلوق ولا يُقاربه )).
8 ـ نقل المعترض قول الشيخ الإسلام: (( الكمال الذى لا يتضمَّن نقصاً ـ على التعبير بالعبارة السَّديدة ـ أو الكمال الذي لا يتضمَّن نقصاً يمكن انتفاؤه ـ على عبارة من يجعل ما ليس بنقصٍ نقصاً ـ فاحترز عمَّا هو لبعض المخلوقات كمالٌ دون بعضٍ، وهو نقصٌ بالإضافة إلى الخالق لاستلزامه نقصاً، كالأكل والشرب مثلاً، فإنَّ الصَّحيح الذي يشتهي الأكل والشرب من الحيوان أكمل من المريض الذي لا يشتهي الأكل والشرب، لأنَّ قوامه بالأكل والشرب. فإذا قُدِّر غير قابلٍِ له: كان ناقصاً عن القابل لهذا الكمال؛ لكن هذا يستلزم حاجة الآكل والشارب إلى غيره، وهو ما يدخل فيه من الطعام والشراب، وهو مُستلزمٌ لخروج شيءٍ منه كالفضلات، وما لا يحتاج إلى دخول شيءٍ فيه أكمل ممَّن يحتاج إلى دخول شيءٍ فيه، وما يتوقَّف كماله على غيره أنقص ممَّا لا يحتاج فى كماله إلى غيره، فإنَّ الغنيَّ عن شيءٍ أعلى من الغنيِّ به، والغنيُّ بنفسه أكمل من الغنيِّ بغيره. ولهذا كان من الكمالات ما هو كمالٌ للمخلوق، وهو نقصٌ بالنِّسبة إلى الخالق، وهو كل ما كان مستلزماً لإمكان العدم عليه المنافي لوجوبه وقيوميته، أو مستلزماً للحدوث المنافي لقدمه، أو مستلزماً لفقره المنافي لغناه )) ’’مجموع الفتاوى‘‘ (6/87).اهـ
أقول:
لا يُفهم من كلام شيخ الإسلام أنَّ الأكل و الشرب كمالٌ في حقِّ المخلوق، كيف و قد قال في هذا السياق : ((لكن هذا يستلزم حاجة الآكل والشارب إلى غيره، وهو ما يدخل فيه من الطعام والشراب، وهو مُستلزمٌ لخروج شيءٍ منه كالفضلات، وما لا يحتاج إلى دخول شيءٍ فيه أكمل ممَّن يحتاج إلى دخول شيءٍ فيه، وما يتوقَّف كماله على غيره أنقص ممَّا لا يحتاج فى كماله إلى غيره، فإنَّ الغنيَّ عن شيءٍ أعلى من الغنيِّ به، والغنيُّ بنفسه أكمل من الغنيِّ بغيره )).
و زاد هذا بياناً (ص137)، فقال: ((والكمال النسبي هو المستلزم للنقص، فيكون كمالاً من وجهٍ دون وجهٍ، كالأكل للجائع كمالٌ له، وللشبعان نقصٌ فيه، لأنَّه ليس بكمالٍ محضٍ بل هو مقرونٌ بالنقص )).
9 ـ اعتبار المخلوق الذي يأكل و يشرب أكمل من غيره، هذا لما عليه هذا المخلوق من صحةٍ، و لخلوِّه من المرض، لا لذات الأكل و الشرب، فالصحة عند المخلوق الذي يأكل و يشرب هي سبب كماله، و المرض عند السقيم الذي لا يجد رغبةً في الأكل و الشرب هو سبب نقصه، والمخلوق لنقصِه يحتاج إلى الأكل و الشرب حتى يُقيم صلبه، و ما يقتضيه ذلك الأكل و الشرب من خروج الفضلات نقصٌ فيه كذلك، و الله أعلى و أعلم.
10 ـ لو اعتُبر الأكل و الشرب كمالاً بالنِّسبة إلى المخلوق لعُدَّ الإكثار منهما كمالاً، لأنَّ الزيادة من الكمال كمالٌ، و لا أظنُّ عاقلاً يقول بهذا في هذا المقام، و الله أعلم.
و في الأخير هذا ما لديَّ في هذا الموضوع، فإن أصبتُ فمن الله ـ جلَّ و علا ـ، و إن أخطأتُ فمن نفسي و الشيطان، و رحم الله عبداً أهدى إليَّ عيوبي و أخطائي، و الله الموفِّق.
و الحمد لله رب العالمين، و صلَّى على نبيِّنا محمَّدٍ و على آله و صحبه و سلَّم تسليماّ.
فريد المرادي ـ غفر الله له ـ.
الجزائر في 13 شعبان 1426هـ.
