منشورات مركز الإمام الألباني
الحمدُ لله، والصَّلاةُ والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، واتبع هداه.
أمَّا بَعْد:
فالذي دعانا إلى كتابة هذا الموضوع ما نشره الشيخ محمد إبراهيم شقرة -سدّده الله- في جريدة «السبيل» (الإخوانيّة! )، في العدد (606) في السنة الثانية عشرة بتاريخ 23-29 آب سنة 2005م (ص11)، ووُضِعَ(1) لمقالته عنوان: «البنا والألباني على محجّة واحدة في العقيدة والعمل»، حام فيها بأسلوبه الإنشائِيّ الذي اعتدناه منه، والذي يذهب فيه بنفسه عُلُوّاً حتى لا تتعلَّق به مؤاخذة(2)!
والمتأمّلُ في عنوان المقالة وفحواها يرى أنّ هدفَها الأكبرَ إظهارُ أنّ الأستاذ حسن البنا -رحمه الله- تعالى- كان على عقيدة السلف الصالح، وأنّ الشيخ الألباني -رحمه الله- تعالى- كان يقرّه في اعتقاده المُدّعى ويحترمه، بل يدعو إلى ما كان عليه من عقيدة وعمل!
ولمّا كان من المعلوم خطأُ هذين الأمرين، وأنّ البنا -رحمه الله- كان على عقيدة خلفيّة، وكان شيخنا الألباني يقرّر هذا في كثير من مجالسه، وسمعناه منه مراراً وتكراراً، وهذا هو المشهور -والحقائقُ هي الأمور المشهورة ما لم يثبت بأدلّة خلافها-، رأينا -خدمةً للحقيقة، ونُصرةً للعقيدة والمنهج، ونصيحةً لأتباع الشيخ حسن البنا -وهم كثيرون في أرجاء المعمورة! - أن نُحرِّر القول الفصل بالرجوعِ إلى ما دوّنه البنا -نفسُهُ- في «رسالة العقائد»، وعرضِه على المقرّر عند أئمة السلف ونُظَّارهم، ثم وَضْعِ كلام البنا في ( الميزان )؛ لإزالةِ الَّلبس في هذا الموضوع، وسنبدأ هذا المقال بِـ:
* إضاءة وإفاضة من كلام شيخنا الألباني -رحمه الله -تعالى-:
من المعلوم أن صِلاتٍ جمعت بين شيخنا الألباني والإخوان المسلمين -حِيناً مِن الدَّهر-، وانعكست تلك الصلات بإلقاء المحاضرات في دور الإخوان عند أول قدوم شيخنا إلى الأردن، وقبل ذلك بمكاتبات يسيرةٍ جرت بين شيخنا الألباني وحسن البنا -رحمهما الله-تعالى- قديماً جدًّا-، ثمّ تطورت تلكم الصلات، ولم تبقَ سائرة على المهيع الذي ينبغي أن تبقى فيه، بحيث يستفيد الجاهل من العالم، والمتعلّم من المعلّم.
وكان شيخُنا -رحمه الله- يقرّر العقيدةَ السلفيّةَ، والمنهجَ العلمي القائم على الدليل وبفهم سلف الأمّة، حتى أصبحت ممايزةٌ في صفوف الإخوان أنفسهم، وتلجلجَ بعضُهم، وفُصِل آخرون، وحوسب -وبالتعبير الحزبي: (حُوكِمَ! )- بعض المتحمِّسين لدعوة السلف، ونصرة عقيدتهم.
فهذا الخطأ المنهجي عند الإخوان ما زال موجوداً مستمرّاً؛ إذ اجتماعُهُم اجتماع أبدان لا أفهام، وتكتّلهم قائم على تصوّرات معيّنة حول مسائل معدودة أفرزها الواقع، وتصورهم لها محكوم بِقَدْرِ ضغطه عليهم(3) ؛ إذ تصوراتُهم ليست مبنيّةً على تأصيل العلماء.
والعلماء فيهم -إن وُجدوا! - مُوَجَّهون لا موجِّهون، ولذا؛ فلا حظّ لهم في العلماء الربّانيّين!
ولا يظهر هذا الخطأ -جليًّا- إلا بالاحتكاك بهم، والخروجِ من دائرة العمومات -التي ربما كان الخوض فيها قديماً في وقت استحكام الغربة له وَجْهٌ- إلى الكلام في المسائل المهمات، مثل: مسألة إثبات (الصفات ) للباري -جلّ شأنه- ونحوِها- مِن المسائل الدقيقة:
فمِن الملاحَظ أن أبناء (الإخوان ) -أنفسَهم- مختلفون -مثلاً- في إثبات صفة (العلو ) -لله -تعالى-، وكلٌّ يقرّر ما سمعه من مشايخه (خارج دائرة حزبه وجماعته ) -على حسب الشائع في قطره أو بلده-.
والمهم -هنا- إبراز رأي شيخِنا الإمام الألباني-خاصّة- دون إخوانه المشايخ الكبار- في هذه المسألة المهمّة، لقوَّة صلته بهم، وتعدّد جلساته معهم، ولسبره لكلامهم وآرائهم، ومعرفته بمعتقدهم وتقريراتهم، ولعدم مداراتهم ومداهنتهم له -بخلاف فعلِ البعضِ؛ لاعتبارات لا داعي لذكرها -في هذا المقام-!
* فتوى الإمام الألباني:
سُئل الإمام الألباني -رحمه الله- ما نصّه: بعض الإخوان المسلمين يصفون حسن البنا بـ(الإمام )، وأنه ربما كان يدعو إلى المذهب السلفي، وأنّ دعوة الإخوان قائمة على الدعوة إلى الحاكميّة لله -عزَّ وجل-؛ فما رأيكم؟
فأجاب بما نصُّه:
أمّا فيما يتعلّق بالمسألة الأولى، وهي وصف حسن البنا بـ(الإمام )؛ فأرى هذا من المبالغة، مع اعترافنا بفضل حسن البنا الذي جمع المسلمين -والشباب المسلم بصورة خاصة- من المدارس الحكوميّة والجامعات التي لم تكن تدرِّس الإسلام؛ فجمعهم على دعوة إسلاميّة، فهذه جهود محمودة ومشكورة.
ولكنّ وصفَ هذا الرجل -مع فضله- بأنه إمام: فذلك من المبالغة في الكلام؛ لأن كون الرجل إماماً يعني أنه إمام في العلم؛ وحسن البنا -رحمه الله- لا أظن أنّ المتعصِّبين له يدَّعون بأنه كان إماماً في العلم، فالرجل ليس عالماً -خاصّة على طريقتنا- بالكتاب والسنّة؛ فهو رجل دعوة، ورجل الدعوة لا يُشترط دائماً أن يكون (إماماً ) في العلوم الإسلاميّة.
أمّا المسألة الثانية؛ وهي أنه ربما( ! ) كان يدعو إلى الدعوة السلفيّة؛ فأنا قد قلت -في أكثر من مناسبة-: يجب أن نكون دقيقين في التعبير؛ فلا نستعمل العبارات المطّاطة السياسيّة، التي يمكن أن نأتي بها يميناً أو يساراً! فكلمة: (ربما كان يدعو إلى الدعوة السلفيّة )! يقابلها: (ربما كان لا يدعو إليها )!
فإنْ تيقَّنَّا أنه كان يدعو إلى الدعوة السلفيّة: فحينها نحذف (ربما )! ونقول: كان يدعو إلى الدعوة السلفيّة، وإن اعتقدنا خلاف ذلك؛ قلنا خلافَ ذلك، وإن كنّا لا نعلم؛ فلا نتكلّم!
أمّا أن نقول: ربما كان يدعو! ويأتي آخر ويقول: ربما كان لا يدعو!! فهذا مثار نزاع وخلاف.
ولكن الذي يقرأ رسالته «التعاليم»؛ لا يجده فيها سلفيّاً في العقائد؛ فهو في الصفات مفوّض؛ وليس سلفيّاً! والمفوضة طائفة معروفة قديماً، وخطتهم الخلاص من هؤلاء الذين يقولون بإثبات الصفات مع التنزيه، وأولئك الذين يقولون بالتأويل تمسُّكاً -بزعمهم- بالتنزيه! فهؤلاء المفوِّضة يفوِّضون الأمر إلى الله!
وهذه الدعوة تبنّاها -اليوم- كثيرٌ من الكتّاب الإسلاميين؛ الذين لم يدرسوا العقيدة الإسلاميّة على ضوء الكتاب والسنّة، ولا يعرفون مع من يكون الحق؛ فلا يجدون مخرجاً لهم إلا التفويض، وهذا رأي حسن البنا في رسالته المذكورة في العقائد!
وزد على ذلك أنه يجعل مسألة التوسل من المسائل التي تقبل الخلاف! وفيها ما هو شرك؛ ليس فقط في الألوهيّة؛ بل في الربوبيّة -أيضاً-؛ كما شرحت ذلك في رسالتي «التوسل؛ أنواعه وأحكامه»؛ لأنه -أي: حسن البنا- يرى أنّ التوسل هو أن يقول في دعائه فقط: اللهم إني أسألك بنبيك! ولا ينظر إلى واقع المسلمين حينما تسأل أحدهم: لماذا لا تتوسّل إلى الله؛ والله منك سميع وبصير وقريب . . . إلخ؟
فيضرب لك ذلك المَثَلَ الذي يهدم العقيدة من الأصل؛ ويقول لك: إذا كان لك حاجة عند أمير؛ فهل تطلبها منه مباشرة أم بواسطة؟ لا، نضع واسطة، وكذلك ربّ العالمين يريد وسائطَ بينه وبين عباده؛ من عباده المصطفَيْن الأخيار!
وهذه ضلالةٌ ما بعدها ضلالة! لذلك إذا قلنا: المسألة خلافيّة؛ فلا بدّ من التفصيل؛ أمّا إلقاء القول هكذا: إن التوسل مسألة خلافيّة! وأنه لا ينبغي أن ينشقَّ الناس إلى طائفتين!! فهذا دليل أنّ الرجل لم يدرس التوسل دراسة جيدة!
أمّا المسألة الثالثة -والأخيرة-: أنَّ دعوة الإخوان قائمة على الدعوة إلى أنّ الحاكميّة لله؛ فهذا في الواقع ليس من دعوة الإخوان المسلمين؛ وإنما هذه دعوة فرد من أفراد الإخوان المسلمين، تحمَّس لها (بحقٍّ )، وكتب عنها، وانتصر لها، وهو سيد قطب، وبعض الإخوان المسلمين تبنَّوا هذه الدعوة، وتعصَّبوا لها، والبعض الآخر لا يزالون على الدعوة السابقة، التي ليس فيها شيء سوى التكتّل والتجمّع على إسلام عامٍّ.
لذلك؛ لا أرى أن تُنسب هذه الدعوة الحقُّ(4) إلى الإخوان المسلمين؛ لأنّ الإخوان المسلمين ينتسبون إلى حسن البنا ودعوته؛ ولم تكن في دعوتهِ هذه الظاهرةُ العظيمةُ؛ فليس معنى ذلك أنها دعوة حسن البنا -هذا أولاً-.
وثانياً: إنها ليست دعوة كل فرد، وكل جماعة، وكل طائفة من الإخوان المسلمين حيثما كانوا.
وفي هذا القدر كفاية، والحمد لله ربّ العالمين».
انتهى كلام شيخنا الإمام الألباني -رحمه الله -تعالى-.
تحقيق مذهب حسن البنا في أسماء الله وصفاته،
وأنه ليس على مذهب السلف الصالح ، وإنما مذهبه مذهب الأشاعرة
مِن المعلوم أنّ هناك حاجزاً دقيقاً بين مذهب السلف وتفويض الخَلَف -وهم المؤوِّلة لصفات الباري -سبحانه-؛ نبَّه على ذلك الأئمّة الأعلام، وهو: أنّ السلف يُفوِّضونَ الكيفيّة مع إثبات معنى معلوم، والمؤولة يُفوِّضونَ المعنى نفسَه.
والعاقل عندما يقرأ في النصوص الشرعيّة صفاتٍ متعدِّدةً لله -عزَّ وجلَّ- فإنَّه يقوم في نفسه تغايرٌ بينها؛ لأنّ معانيها مُثبَتة عنده، أمّا كيفيَّاتها فلا يعلمها إلا الله -عزَّ وجل-.
وهذا الحاجز الدقيق لم يتنبّه إليه كثير من الباحثين المتأخرين، وعلى رأسهم حسن البنا -رحمه الله- نفسُه- في رسالته «العقائد»؛ فإنَّه زعم أنَّ مذهب السلف هو تفويض المعنى!! فقال تحت عنوان ( مذهب السلف في آيات الصفات ):
«أمّا السلف -رضوان الله عليهم- فقالوا: نؤمن بهذه الآيات والأحاديث كما وردت، ونترك بيان المقصود منها لله -تبارك وتعالى-، فهم يُثبِتونَ اليد والعين والاستواء والضحك والتعجُّب . . . إلخ، وكل ذلك بمعانٍ لا ندركها، ونترك لله - تبارك وتعالى- الإحاطة بعلمها . . . »(5).
وقال: «ونحن نعتقد أنَّ رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله -تبارك وتعالى- أسلم وأولى بالاتِّباع، حسماً لمادَّة التَّأويل والتَّعطيل، فإنْ كنت ممن أسعده الله بطمأنينة الإيمان، وأثلج صدره ببرد اليقين، فلا تعدل به بديلاً . . . » (6) .
ولنا على هذا ملاحظات وتعقُّبات، نجملها فيما يلي:
أوَّلاً: أنّ مذهب السلف تفويض الكيف لا المعنى، كما هو معلومٌ في كتب أئمّة السنة؛ مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام ابن القيم، وسيأتي طرف منه وتفصيله، وليس هو مثلَ ما نقله الأستاذ البنا عنهم!
ثانياً: إنَّ كلامه فيه تناقض! فهو ينسب إلى السلف أنَّهم يؤمنون بآيات الصفات كما وردت، ثمَّ يعود ليقول: «ونترك بيان المقصود منها»! وقد أشارَ إلى هذا التناقض شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: «ثمَّ كثير من هؤلاء يقولون: تُجرى على ظواهرها، فظاهرها مراد، مع قولهم: إنَّ لها تأويلاً بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله، وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنَّة من أصحاب الأئمة الأربعة -وغيرهم-» (7).
ثالثاً: إنَّ هذا الكلام يستلزم أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يعرف معاني ما أنزلَ الله إليه من معاني الصفات، ولا جبريل يعرف معاني الآيات، ولا السابقونَ الأوَّلونَ عرفوا ذلك، وكذلك قوله: «كل ذلك بمعانٍ لا ندركها»! مع أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- تكلَّم بها ابتداءً، فعلى قوله هذا تكلَّم بكلام لا يعرف معناه: وهذا التجهيل مستلزمٌ الطعنَ في تمام هذا الدين، وذلك ما حمل علماء السلف -رضوان الله عليهم- على تشديد النكير على أهل التفويض، وإبطال مقالتهم(8).
رابعاً: وفي خاتمة كلام (حسن البنّا ) وبحثه لهذا الباب، قال: «وخلاصة هذا البحث: أنَّ السلف والخلف قد اتَّفقا على أنَّ المراد غير الظاهر المتعارف بين الخلق، وهو تأويل في الجملة» (9)!
وهذا يستلزم أنَّ مجرَّد نفي تشبيه الله عن خلقه هو تأويلٌ عند الأستاذ حسن البنا!! لأنّ ظاهر النصوص في هذا الباب -عنده- فيها مشابهة الله لخلقه!! فلا بدَّ من تأويلها، بل قد صرَّح بهذا في بدايات رسالته -أيضاً-، قال: «وردت في القرآن الكريم آيات، وفي السنَّة المطهَّرة أحاديث توهم -بظاهرها- مشابهةَ الحقّ -تبارك وتعالى- لخلقه في بعض صفاتهم، نورد بعضها على سبيل المثال، ثمَّ نفضي بذكر ما ورد فيها من الأقوال . . . » (10).
ثمّ سرد أمثلة من الكتاب والسنّة، وقال:
«انقسم النَّاس في هذه المسألة على أربع فرق:
فرقة أخذت بظواهرها كما هي، فنسبت إلى الله وجهاً كوجه الخلق، ويداً أو أيدياً كأيديهم، وضحكاً كضحكهم، وهكذا حتى فرضوا الإله شيخاً، وبعضهم فرضه شابًّا، وهؤلاء هم المُجسِّمة المُشبِّهة . . . » (11).
والحقُّ أنَّ البنا -رحمه الله- قد أخطأ في هذا المقام خطأً جسيماً، فإنَّا لا نعلم آية واحدة ولا حديثاً واحداً يوهم -بظاهره- مشابهة الحقِّ -عزَّ وجلَّ- لخلقه، والمُشبِّهة -في حقيقة أمرِهم- لم يأخذوا بظواهر النصوص الشرعيّة البتّة، فإنَّ الأخذ بها لا يمكن أن يؤدي إلى الضلال، وإنَّما وقع المُشبِّهةُ والمُجسِّمةُ فيما وقعوا فيه لأنّهم أعرضوا عمّا تقتضيه ظواهر هذه النصوص –مُخالفين لها، ولهديها-.
ولا مناص من التَّأكيد على أنَّ نسبةَ التشبيه إلى ظاهر النصوص -كما قال البنّا-، نسبةٌ شنيعةٌ بشعةٌ، تستلزمُ خطرَ تكذيب هذه النصوص:
فالظاهر السالم عن المعارض، والخالي عن القرائن الصارفة هو المقصود الحقيقي للكلام؛ فإذا جاء الخطاب دالّاً على معنى من المعاني دون أن تَرِدَ معه قرينة تُبيِّن للسَّامع أنَّ هذا الظاهرَ غيرُ مقصود بالخطاب، فلا معنى لإبطال هذا الظاهر، أو ردِّه، أو زعم أنَّه غير مراد من الخطاب، إلا تكذيبُ الخطاب -حقيقةً-.
وأمَّا إذا اقترن بالنص قرينةٌ نفهم منها أنَّ المعنى المتبادر من النص -حالَ عدم ورودها- غيرُ مراد؛ فإنَّ هذه القرينة تكون حينئذٍ جزءاً من الظاهر.
ومِمّا يؤكّد لك أنَّ ظاهر نصوص الكتاب والسنَّة -عموماً-، ونصوص الصفات -خصوصاً-، هو المعنى المراد، البريءُ من التشبيه والتجسيم -كما هو مجانب لضدِّه من التعطيل والتأويل-:
إنّ أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسلف الأمّة، إنَّما أخذوا بهذا الظَّاهر وآمنوا به ولم يروا فيه تشبيهاً ولا تجسيماً، ولم يشكُّوا بمراده، بله أن يحكموا ببطلانه أو امتناعه(12).
وكأنّا بشيخ الإسلام ابن تيمية يردُّ على المذكور سابقاً من كلام الأُستاذ البنا –غفر اللهُ له- عندما قال: «إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد، أو: ظاهرها ليس بمراد، فإنَّه يُقال: لفظ ( الظاهر ) فيه إجمال واشتراك، فإنْ كان القائل يعتقد أنَّ ظاهرها التَّمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم: فلا ريبَ أنَّ هذا غير مراد، ولكن السلف والأئمّة لم يكونوا يُسَمُّونَ هذا ظاهرَها، ولا يرتضونَ أن يكونَ ظاهرُ القرآن والحديث كفراً وباطلاً، والله -سبحانه وتعالى- أعلم وأحكم من أن يكونَ كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال» (13).
ثمّ قال: «والذين يجعلونَ ظاهرها ذلك يغلطونَ من وجهين:
تارة يجعلونَ المعنى الفاسدَ ظاهرَ اللَّفظ، حتى يجعلوه محتاجاً إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك.
وتارة يردُّونَ المعنى الحقَّ الذي هو ظاهر اللَّفظ لاعتقادهم أنَّه باطل» (14).
ونقولُ -أخيراً-:
إنَّ مُحاولة ربطِ الأستاذ حسن البنا بالإمام الألباني في العقيدة والعمل -كما ادّعى الشيخ محمد شقرة! - محاولة باطلة جدًّا؛ لِمَا هو معروف مِن التغايُر القائم بين عقيدتَيْهما، ومنهجَيْهما.
وإنَّ مُحاولةَ التهوين -أو التخفيف- مِن خُطورة تفويض معاني الأسماء والصفات -للباري-جلّ جلالُه- مُحاولةٌ فاشلَة جدّاً؛ لِمَا قرّره أئمتُنا الفحول، وعُلماؤنا الكبار.
وقد نبّه على هذا الخطأ الفادح بعضُ ( مُنْصِفي ) الإخوان المسلمين، وهو الدكتور عمر سليمان الأشقر في كتابه «العقيدة في الله» (ص201)؛ -قائلاً-:
«حاول بعض المعاصرين -كالشيخ حسن البنا، والشيخ حسن أيوب- وغيرهما- أن يُهوِّنوا مِن خطيئة هؤلاء الذين عُرفوا باسم (الخَلَف )، وأن يُقَرِّبوا بين وجهة نظر السلف والخَلَف! ولكنَّ الحقيقة التي يجب أن تظهر أنَّ مذهب الخَلَف الزاعمين أن ظاهر الصفات غير مراد المؤوِّلين لها: مذهب بعيد عن الصواب، ولا لقاء بينه وبين مذهب السلف، ولا يشفع لبعض الخلف حُسْنُ نيتهم، فحُسْن النيّة لا يجعل الباطل حقًّا».
واللهُ وليُّ التوفيق.
ـــــــــــــــــ
(1) فلسنا ندري! هل هذا العنوان من الصحيفة، أم من فضيلتِهِ؟!!
ثُمَّ نشر -غَفَرَ اللهُ له -بعدُ- مقالَين سيّئين -جدّاً-:
أحدهما: في التشكيك بمصطلح ( العقيدة )، ونفي منهج أنْ تكون ( العقيدة أولاً )!!
والثاني: في جمع ورصّ( ! ) مجموعة كبيرة مِن الافتراءات والأكاذيب على مركزنا العلمي (مركز الإمام الألباني ) -بغير علمٍ ولا بصيرة-.
(2) حتى كأنك تشعر أنه لا يدري بالضبط معاني ما يُريد!
(3) لذا فهي غير ثابتة، وتمتاز بالذبذبة ومسايرة الرأي العام، وقد تتعدد المواقف من الجماعة في كل بلد على حسب ذلك، شاهدنا ذلك وعايشناه في مواقف عدّة، لعلّ أشهرها أزمة الخليج!
(4) أي: الاحتكام -والتحاكم- إلى الكتاب والسنة، وليس المقصودُ -قطعاً- مفهومَ (توحيد الحاكمية ) السياسي المبتدع -عند (القوم )-!!
(5) «مجموعة الرسائل» (412).
(6) «مجموعة الرسائل» (417).
(7) «مجموع الفتاوى» (6/35).
(8) راجع -لزاماً- «مجموع الفتاوى» (6/34-35).
(9) «مجموعة الرسائل» (418).
(10) «مجموعة الرسائل» (408).
(11) «مجموعة الرسائل» (411).
(12) انظر «نظرات في مناهج الإخوان المسلمين: دراسة نقديّة إصلاحيّة» (48-74) واستفدنا منه في الكلام السابق.
(13) «الرسالة التدمريّة» (2/144 – مع التحفة المهديّة).
(14) «الرسالة التدمريّة» (2/147 – مع التحفة المهديّة).
عقيدةُ ( حسن البنا )
بين دعوى الاتّباع ...وحقيقة الابتداع
بين دعوى الاتّباع ...وحقيقة الابتداع
الحمدُ لله، والصَّلاةُ والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، واتبع هداه.
أمَّا بَعْد:
فالذي دعانا إلى كتابة هذا الموضوع ما نشره الشيخ محمد إبراهيم شقرة -سدّده الله- في جريدة «السبيل» (الإخوانيّة! )، في العدد (606) في السنة الثانية عشرة بتاريخ 23-29 آب سنة 2005م (ص11)، ووُضِعَ(1) لمقالته عنوان: «البنا والألباني على محجّة واحدة في العقيدة والعمل»، حام فيها بأسلوبه الإنشائِيّ الذي اعتدناه منه، والذي يذهب فيه بنفسه عُلُوّاً حتى لا تتعلَّق به مؤاخذة(2)!
والمتأمّلُ في عنوان المقالة وفحواها يرى أنّ هدفَها الأكبرَ إظهارُ أنّ الأستاذ حسن البنا -رحمه الله- تعالى- كان على عقيدة السلف الصالح، وأنّ الشيخ الألباني -رحمه الله- تعالى- كان يقرّه في اعتقاده المُدّعى ويحترمه، بل يدعو إلى ما كان عليه من عقيدة وعمل!
ولمّا كان من المعلوم خطأُ هذين الأمرين، وأنّ البنا -رحمه الله- كان على عقيدة خلفيّة، وكان شيخنا الألباني يقرّر هذا في كثير من مجالسه، وسمعناه منه مراراً وتكراراً، وهذا هو المشهور -والحقائقُ هي الأمور المشهورة ما لم يثبت بأدلّة خلافها-، رأينا -خدمةً للحقيقة، ونُصرةً للعقيدة والمنهج، ونصيحةً لأتباع الشيخ حسن البنا -وهم كثيرون في أرجاء المعمورة! - أن نُحرِّر القول الفصل بالرجوعِ إلى ما دوّنه البنا -نفسُهُ- في «رسالة العقائد»، وعرضِه على المقرّر عند أئمة السلف ونُظَّارهم، ثم وَضْعِ كلام البنا في ( الميزان )؛ لإزالةِ الَّلبس في هذا الموضوع، وسنبدأ هذا المقال بِـ:
* إضاءة وإفاضة من كلام شيخنا الألباني -رحمه الله -تعالى-:
من المعلوم أن صِلاتٍ جمعت بين شيخنا الألباني والإخوان المسلمين -حِيناً مِن الدَّهر-، وانعكست تلك الصلات بإلقاء المحاضرات في دور الإخوان عند أول قدوم شيخنا إلى الأردن، وقبل ذلك بمكاتبات يسيرةٍ جرت بين شيخنا الألباني وحسن البنا -رحمهما الله-تعالى- قديماً جدًّا-، ثمّ تطورت تلكم الصلات، ولم تبقَ سائرة على المهيع الذي ينبغي أن تبقى فيه، بحيث يستفيد الجاهل من العالم، والمتعلّم من المعلّم.
وكان شيخُنا -رحمه الله- يقرّر العقيدةَ السلفيّةَ، والمنهجَ العلمي القائم على الدليل وبفهم سلف الأمّة، حتى أصبحت ممايزةٌ في صفوف الإخوان أنفسهم، وتلجلجَ بعضُهم، وفُصِل آخرون، وحوسب -وبالتعبير الحزبي: (حُوكِمَ! )- بعض المتحمِّسين لدعوة السلف، ونصرة عقيدتهم.
فهذا الخطأ المنهجي عند الإخوان ما زال موجوداً مستمرّاً؛ إذ اجتماعُهُم اجتماع أبدان لا أفهام، وتكتّلهم قائم على تصوّرات معيّنة حول مسائل معدودة أفرزها الواقع، وتصورهم لها محكوم بِقَدْرِ ضغطه عليهم(3) ؛ إذ تصوراتُهم ليست مبنيّةً على تأصيل العلماء.
والعلماء فيهم -إن وُجدوا! - مُوَجَّهون لا موجِّهون، ولذا؛ فلا حظّ لهم في العلماء الربّانيّين!
ولا يظهر هذا الخطأ -جليًّا- إلا بالاحتكاك بهم، والخروجِ من دائرة العمومات -التي ربما كان الخوض فيها قديماً في وقت استحكام الغربة له وَجْهٌ- إلى الكلام في المسائل المهمات، مثل: مسألة إثبات (الصفات ) للباري -جلّ شأنه- ونحوِها- مِن المسائل الدقيقة:
فمِن الملاحَظ أن أبناء (الإخوان ) -أنفسَهم- مختلفون -مثلاً- في إثبات صفة (العلو ) -لله -تعالى-، وكلٌّ يقرّر ما سمعه من مشايخه (خارج دائرة حزبه وجماعته ) -على حسب الشائع في قطره أو بلده-.
والمهم -هنا- إبراز رأي شيخِنا الإمام الألباني-خاصّة- دون إخوانه المشايخ الكبار- في هذه المسألة المهمّة، لقوَّة صلته بهم، وتعدّد جلساته معهم، ولسبره لكلامهم وآرائهم، ومعرفته بمعتقدهم وتقريراتهم، ولعدم مداراتهم ومداهنتهم له -بخلاف فعلِ البعضِ؛ لاعتبارات لا داعي لذكرها -في هذا المقام-!
* فتوى الإمام الألباني:
سُئل الإمام الألباني -رحمه الله- ما نصّه: بعض الإخوان المسلمين يصفون حسن البنا بـ(الإمام )، وأنه ربما كان يدعو إلى المذهب السلفي، وأنّ دعوة الإخوان قائمة على الدعوة إلى الحاكميّة لله -عزَّ وجل-؛ فما رأيكم؟
فأجاب بما نصُّه:
أمّا فيما يتعلّق بالمسألة الأولى، وهي وصف حسن البنا بـ(الإمام )؛ فأرى هذا من المبالغة، مع اعترافنا بفضل حسن البنا الذي جمع المسلمين -والشباب المسلم بصورة خاصة- من المدارس الحكوميّة والجامعات التي لم تكن تدرِّس الإسلام؛ فجمعهم على دعوة إسلاميّة، فهذه جهود محمودة ومشكورة.
ولكنّ وصفَ هذا الرجل -مع فضله- بأنه إمام: فذلك من المبالغة في الكلام؛ لأن كون الرجل إماماً يعني أنه إمام في العلم؛ وحسن البنا -رحمه الله- لا أظن أنّ المتعصِّبين له يدَّعون بأنه كان إماماً في العلم، فالرجل ليس عالماً -خاصّة على طريقتنا- بالكتاب والسنّة؛ فهو رجل دعوة، ورجل الدعوة لا يُشترط دائماً أن يكون (إماماً ) في العلوم الإسلاميّة.
أمّا المسألة الثانية؛ وهي أنه ربما( ! ) كان يدعو إلى الدعوة السلفيّة؛ فأنا قد قلت -في أكثر من مناسبة-: يجب أن نكون دقيقين في التعبير؛ فلا نستعمل العبارات المطّاطة السياسيّة، التي يمكن أن نأتي بها يميناً أو يساراً! فكلمة: (ربما كان يدعو إلى الدعوة السلفيّة )! يقابلها: (ربما كان لا يدعو إليها )!
فإنْ تيقَّنَّا أنه كان يدعو إلى الدعوة السلفيّة: فحينها نحذف (ربما )! ونقول: كان يدعو إلى الدعوة السلفيّة، وإن اعتقدنا خلاف ذلك؛ قلنا خلافَ ذلك، وإن كنّا لا نعلم؛ فلا نتكلّم!
أمّا أن نقول: ربما كان يدعو! ويأتي آخر ويقول: ربما كان لا يدعو!! فهذا مثار نزاع وخلاف.
ولكن الذي يقرأ رسالته «التعاليم»؛ لا يجده فيها سلفيّاً في العقائد؛ فهو في الصفات مفوّض؛ وليس سلفيّاً! والمفوضة طائفة معروفة قديماً، وخطتهم الخلاص من هؤلاء الذين يقولون بإثبات الصفات مع التنزيه، وأولئك الذين يقولون بالتأويل تمسُّكاً -بزعمهم- بالتنزيه! فهؤلاء المفوِّضة يفوِّضون الأمر إلى الله!
وهذه الدعوة تبنّاها -اليوم- كثيرٌ من الكتّاب الإسلاميين؛ الذين لم يدرسوا العقيدة الإسلاميّة على ضوء الكتاب والسنّة، ولا يعرفون مع من يكون الحق؛ فلا يجدون مخرجاً لهم إلا التفويض، وهذا رأي حسن البنا في رسالته المذكورة في العقائد!
وزد على ذلك أنه يجعل مسألة التوسل من المسائل التي تقبل الخلاف! وفيها ما هو شرك؛ ليس فقط في الألوهيّة؛ بل في الربوبيّة -أيضاً-؛ كما شرحت ذلك في رسالتي «التوسل؛ أنواعه وأحكامه»؛ لأنه -أي: حسن البنا- يرى أنّ التوسل هو أن يقول في دعائه فقط: اللهم إني أسألك بنبيك! ولا ينظر إلى واقع المسلمين حينما تسأل أحدهم: لماذا لا تتوسّل إلى الله؛ والله منك سميع وبصير وقريب . . . إلخ؟
فيضرب لك ذلك المَثَلَ الذي يهدم العقيدة من الأصل؛ ويقول لك: إذا كان لك حاجة عند أمير؛ فهل تطلبها منه مباشرة أم بواسطة؟ لا، نضع واسطة، وكذلك ربّ العالمين يريد وسائطَ بينه وبين عباده؛ من عباده المصطفَيْن الأخيار!
وهذه ضلالةٌ ما بعدها ضلالة! لذلك إذا قلنا: المسألة خلافيّة؛ فلا بدّ من التفصيل؛ أمّا إلقاء القول هكذا: إن التوسل مسألة خلافيّة! وأنه لا ينبغي أن ينشقَّ الناس إلى طائفتين!! فهذا دليل أنّ الرجل لم يدرس التوسل دراسة جيدة!
أمّا المسألة الثالثة -والأخيرة-: أنَّ دعوة الإخوان قائمة على الدعوة إلى أنّ الحاكميّة لله؛ فهذا في الواقع ليس من دعوة الإخوان المسلمين؛ وإنما هذه دعوة فرد من أفراد الإخوان المسلمين، تحمَّس لها (بحقٍّ )، وكتب عنها، وانتصر لها، وهو سيد قطب، وبعض الإخوان المسلمين تبنَّوا هذه الدعوة، وتعصَّبوا لها، والبعض الآخر لا يزالون على الدعوة السابقة، التي ليس فيها شيء سوى التكتّل والتجمّع على إسلام عامٍّ.
لذلك؛ لا أرى أن تُنسب هذه الدعوة الحقُّ(4) إلى الإخوان المسلمين؛ لأنّ الإخوان المسلمين ينتسبون إلى حسن البنا ودعوته؛ ولم تكن في دعوتهِ هذه الظاهرةُ العظيمةُ؛ فليس معنى ذلك أنها دعوة حسن البنا -هذا أولاً-.
وثانياً: إنها ليست دعوة كل فرد، وكل جماعة، وكل طائفة من الإخوان المسلمين حيثما كانوا.
وفي هذا القدر كفاية، والحمد لله ربّ العالمين».
انتهى كلام شيخنا الإمام الألباني -رحمه الله -تعالى-.
تحقيق مذهب حسن البنا في أسماء الله وصفاته،
وأنه ليس على مذهب السلف الصالح ، وإنما مذهبه مذهب الأشاعرة
مِن المعلوم أنّ هناك حاجزاً دقيقاً بين مذهب السلف وتفويض الخَلَف -وهم المؤوِّلة لصفات الباري -سبحانه-؛ نبَّه على ذلك الأئمّة الأعلام، وهو: أنّ السلف يُفوِّضونَ الكيفيّة مع إثبات معنى معلوم، والمؤولة يُفوِّضونَ المعنى نفسَه.
والعاقل عندما يقرأ في النصوص الشرعيّة صفاتٍ متعدِّدةً لله -عزَّ وجلَّ- فإنَّه يقوم في نفسه تغايرٌ بينها؛ لأنّ معانيها مُثبَتة عنده، أمّا كيفيَّاتها فلا يعلمها إلا الله -عزَّ وجل-.
وهذا الحاجز الدقيق لم يتنبّه إليه كثير من الباحثين المتأخرين، وعلى رأسهم حسن البنا -رحمه الله- نفسُه- في رسالته «العقائد»؛ فإنَّه زعم أنَّ مذهب السلف هو تفويض المعنى!! فقال تحت عنوان ( مذهب السلف في آيات الصفات ):
«أمّا السلف -رضوان الله عليهم- فقالوا: نؤمن بهذه الآيات والأحاديث كما وردت، ونترك بيان المقصود منها لله -تبارك وتعالى-، فهم يُثبِتونَ اليد والعين والاستواء والضحك والتعجُّب . . . إلخ، وكل ذلك بمعانٍ لا ندركها، ونترك لله - تبارك وتعالى- الإحاطة بعلمها . . . »(5).
وقال: «ونحن نعتقد أنَّ رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله -تبارك وتعالى- أسلم وأولى بالاتِّباع، حسماً لمادَّة التَّأويل والتَّعطيل، فإنْ كنت ممن أسعده الله بطمأنينة الإيمان، وأثلج صدره ببرد اليقين، فلا تعدل به بديلاً . . . » (6) .
ولنا على هذا ملاحظات وتعقُّبات، نجملها فيما يلي:
أوَّلاً: أنّ مذهب السلف تفويض الكيف لا المعنى، كما هو معلومٌ في كتب أئمّة السنة؛ مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام ابن القيم، وسيأتي طرف منه وتفصيله، وليس هو مثلَ ما نقله الأستاذ البنا عنهم!
ثانياً: إنَّ كلامه فيه تناقض! فهو ينسب إلى السلف أنَّهم يؤمنون بآيات الصفات كما وردت، ثمَّ يعود ليقول: «ونترك بيان المقصود منها»! وقد أشارَ إلى هذا التناقض شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: «ثمَّ كثير من هؤلاء يقولون: تُجرى على ظواهرها، فظاهرها مراد، مع قولهم: إنَّ لها تأويلاً بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله، وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنَّة من أصحاب الأئمة الأربعة -وغيرهم-» (7).
ثالثاً: إنَّ هذا الكلام يستلزم أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يعرف معاني ما أنزلَ الله إليه من معاني الصفات، ولا جبريل يعرف معاني الآيات، ولا السابقونَ الأوَّلونَ عرفوا ذلك، وكذلك قوله: «كل ذلك بمعانٍ لا ندركها»! مع أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- تكلَّم بها ابتداءً، فعلى قوله هذا تكلَّم بكلام لا يعرف معناه: وهذا التجهيل مستلزمٌ الطعنَ في تمام هذا الدين، وذلك ما حمل علماء السلف -رضوان الله عليهم- على تشديد النكير على أهل التفويض، وإبطال مقالتهم(8).
رابعاً: وفي خاتمة كلام (حسن البنّا ) وبحثه لهذا الباب، قال: «وخلاصة هذا البحث: أنَّ السلف والخلف قد اتَّفقا على أنَّ المراد غير الظاهر المتعارف بين الخلق، وهو تأويل في الجملة» (9)!
وهذا يستلزم أنَّ مجرَّد نفي تشبيه الله عن خلقه هو تأويلٌ عند الأستاذ حسن البنا!! لأنّ ظاهر النصوص في هذا الباب -عنده- فيها مشابهة الله لخلقه!! فلا بدَّ من تأويلها، بل قد صرَّح بهذا في بدايات رسالته -أيضاً-، قال: «وردت في القرآن الكريم آيات، وفي السنَّة المطهَّرة أحاديث توهم -بظاهرها- مشابهةَ الحقّ -تبارك وتعالى- لخلقه في بعض صفاتهم، نورد بعضها على سبيل المثال، ثمَّ نفضي بذكر ما ورد فيها من الأقوال . . . » (10).
ثمّ سرد أمثلة من الكتاب والسنّة، وقال:
«انقسم النَّاس في هذه المسألة على أربع فرق:
فرقة أخذت بظواهرها كما هي، فنسبت إلى الله وجهاً كوجه الخلق، ويداً أو أيدياً كأيديهم، وضحكاً كضحكهم، وهكذا حتى فرضوا الإله شيخاً، وبعضهم فرضه شابًّا، وهؤلاء هم المُجسِّمة المُشبِّهة . . . » (11).
والحقُّ أنَّ البنا -رحمه الله- قد أخطأ في هذا المقام خطأً جسيماً، فإنَّا لا نعلم آية واحدة ولا حديثاً واحداً يوهم -بظاهره- مشابهة الحقِّ -عزَّ وجلَّ- لخلقه، والمُشبِّهة -في حقيقة أمرِهم- لم يأخذوا بظواهر النصوص الشرعيّة البتّة، فإنَّ الأخذ بها لا يمكن أن يؤدي إلى الضلال، وإنَّما وقع المُشبِّهةُ والمُجسِّمةُ فيما وقعوا فيه لأنّهم أعرضوا عمّا تقتضيه ظواهر هذه النصوص –مُخالفين لها، ولهديها-.
ولا مناص من التَّأكيد على أنَّ نسبةَ التشبيه إلى ظاهر النصوص -كما قال البنّا-، نسبةٌ شنيعةٌ بشعةٌ، تستلزمُ خطرَ تكذيب هذه النصوص:
فالظاهر السالم عن المعارض، والخالي عن القرائن الصارفة هو المقصود الحقيقي للكلام؛ فإذا جاء الخطاب دالّاً على معنى من المعاني دون أن تَرِدَ معه قرينة تُبيِّن للسَّامع أنَّ هذا الظاهرَ غيرُ مقصود بالخطاب، فلا معنى لإبطال هذا الظاهر، أو ردِّه، أو زعم أنَّه غير مراد من الخطاب، إلا تكذيبُ الخطاب -حقيقةً-.
وأمَّا إذا اقترن بالنص قرينةٌ نفهم منها أنَّ المعنى المتبادر من النص -حالَ عدم ورودها- غيرُ مراد؛ فإنَّ هذه القرينة تكون حينئذٍ جزءاً من الظاهر.
ومِمّا يؤكّد لك أنَّ ظاهر نصوص الكتاب والسنَّة -عموماً-، ونصوص الصفات -خصوصاً-، هو المعنى المراد، البريءُ من التشبيه والتجسيم -كما هو مجانب لضدِّه من التعطيل والتأويل-:
إنّ أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسلف الأمّة، إنَّما أخذوا بهذا الظَّاهر وآمنوا به ولم يروا فيه تشبيهاً ولا تجسيماً، ولم يشكُّوا بمراده، بله أن يحكموا ببطلانه أو امتناعه(12).
وكأنّا بشيخ الإسلام ابن تيمية يردُّ على المذكور سابقاً من كلام الأُستاذ البنا –غفر اللهُ له- عندما قال: «إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد، أو: ظاهرها ليس بمراد، فإنَّه يُقال: لفظ ( الظاهر ) فيه إجمال واشتراك، فإنْ كان القائل يعتقد أنَّ ظاهرها التَّمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم: فلا ريبَ أنَّ هذا غير مراد، ولكن السلف والأئمّة لم يكونوا يُسَمُّونَ هذا ظاهرَها، ولا يرتضونَ أن يكونَ ظاهرُ القرآن والحديث كفراً وباطلاً، والله -سبحانه وتعالى- أعلم وأحكم من أن يكونَ كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال» (13).
ثمّ قال: «والذين يجعلونَ ظاهرها ذلك يغلطونَ من وجهين:
تارة يجعلونَ المعنى الفاسدَ ظاهرَ اللَّفظ، حتى يجعلوه محتاجاً إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك.
وتارة يردُّونَ المعنى الحقَّ الذي هو ظاهر اللَّفظ لاعتقادهم أنَّه باطل» (14).
ونقولُ -أخيراً-:
إنَّ مُحاولة ربطِ الأستاذ حسن البنا بالإمام الألباني في العقيدة والعمل -كما ادّعى الشيخ محمد شقرة! - محاولة باطلة جدًّا؛ لِمَا هو معروف مِن التغايُر القائم بين عقيدتَيْهما، ومنهجَيْهما.
وإنَّ مُحاولةَ التهوين -أو التخفيف- مِن خُطورة تفويض معاني الأسماء والصفات -للباري-جلّ جلالُه- مُحاولةٌ فاشلَة جدّاً؛ لِمَا قرّره أئمتُنا الفحول، وعُلماؤنا الكبار.
وقد نبّه على هذا الخطأ الفادح بعضُ ( مُنْصِفي ) الإخوان المسلمين، وهو الدكتور عمر سليمان الأشقر في كتابه «العقيدة في الله» (ص201)؛ -قائلاً-:
«حاول بعض المعاصرين -كالشيخ حسن البنا، والشيخ حسن أيوب- وغيرهما- أن يُهوِّنوا مِن خطيئة هؤلاء الذين عُرفوا باسم (الخَلَف )، وأن يُقَرِّبوا بين وجهة نظر السلف والخَلَف! ولكنَّ الحقيقة التي يجب أن تظهر أنَّ مذهب الخَلَف الزاعمين أن ظاهر الصفات غير مراد المؤوِّلين لها: مذهب بعيد عن الصواب، ولا لقاء بينه وبين مذهب السلف، ولا يشفع لبعض الخلف حُسْنُ نيتهم، فحُسْن النيّة لا يجعل الباطل حقًّا».
واللهُ وليُّ التوفيق.
ـــــــــــــــــ
(1) فلسنا ندري! هل هذا العنوان من الصحيفة، أم من فضيلتِهِ؟!!
ثُمَّ نشر -غَفَرَ اللهُ له -بعدُ- مقالَين سيّئين -جدّاً-:
أحدهما: في التشكيك بمصطلح ( العقيدة )، ونفي منهج أنْ تكون ( العقيدة أولاً )!!
والثاني: في جمع ورصّ( ! ) مجموعة كبيرة مِن الافتراءات والأكاذيب على مركزنا العلمي (مركز الإمام الألباني ) -بغير علمٍ ولا بصيرة-.
(2) حتى كأنك تشعر أنه لا يدري بالضبط معاني ما يُريد!
(3) لذا فهي غير ثابتة، وتمتاز بالذبذبة ومسايرة الرأي العام، وقد تتعدد المواقف من الجماعة في كل بلد على حسب ذلك، شاهدنا ذلك وعايشناه في مواقف عدّة، لعلّ أشهرها أزمة الخليج!
(4) أي: الاحتكام -والتحاكم- إلى الكتاب والسنة، وليس المقصودُ -قطعاً- مفهومَ (توحيد الحاكمية ) السياسي المبتدع -عند (القوم )-!!
(5) «مجموعة الرسائل» (412).
(6) «مجموعة الرسائل» (417).
(7) «مجموع الفتاوى» (6/35).
(8) راجع -لزاماً- «مجموع الفتاوى» (6/34-35).
(9) «مجموعة الرسائل» (418).
(10) «مجموعة الرسائل» (408).
(11) «مجموعة الرسائل» (411).
(12) انظر «نظرات في مناهج الإخوان المسلمين: دراسة نقديّة إصلاحيّة» (48-74) واستفدنا منه في الكلام السابق.
(13) «الرسالة التدمريّة» (2/144 – مع التحفة المهديّة).
(14) «الرسالة التدمريّة» (2/147 – مع التحفة المهديّة).
