بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله، أما بعد فهذه قواعد في أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى وصفاته العلا( )، يسهل بها ضبط مذهب السلف في هذه المسائل العظام:
قواعد في أسماء الله تعالى
القاعدة الأولى: أسماء الله كلها حسنى
أسماء الله كلها حسنى، أي بالغة في الحسن، قال تعالى: ولله الأسماء الحسنى، وذلك لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالا ولا تقديرا.
مثال ذلك: (الحي) اسم من أسماء الله تعالى متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها.
والحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره، فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال.
ومثال ذلك: (العزيز الحكيم) فإن الله يجمع بينهما في القرآن كثيرا، فيكون كل منهما دالا على الكمال الخاص الذي يقتضيه، وهو العزة في العزيز، والحكم والحكمة في الحكيم، والجمع بينهما دال على كمال آخر؛ وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلما وجورا وسوء فعل كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسيء التصرف، وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل.
القاعدة الثانية: أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف
أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف، أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد، وهو الله عز وجل، وهي بالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص.
وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن عليه كما في قوله تعالى: وهو الغفور الرحيم، وقوله: وربك الغفور ذو الرحمة، فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة، ولإجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال: عليم إلا لمن له علم، ولا سميع إلا لمن له سمع، وهذا أمر أبين من أن يحتاج إلى دليل.
القاعدة الثالثة:
أسماء الله إن دلت على وصف متعد تضمنت ثلاثة أمور:
أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله عز وجل.
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها، مثال ذلك: السميع يتضمن إثبات السميع اسما لله تعالى، وإثبات السمع صفة له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يسمع السر والنجوى، كما قال تعالى: والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير.
وإن دلت الأسماء على وصف غير متعد تضمنت أمرين:
أحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله عز وجل.
مثال ذلك: (الحي) يتضمن إثبات الحي اسما لله عز وجل، وإثبات الحياة صفة له.
القاعدة الرابعة: دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة وبالتضمن والالتزام
دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة وبالتضمن والالتزام( ).
مثال ذلك: اسم (الخالق) يدل على ذات الله وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام.
مثال آخر: اسم السميع يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة، وعلى الذات وحدها والسمع وحده بالتضمن، ويدل على الحي وصفة الحياة بالالتزام.
واللازم من قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم إذا صح أن يكون لازما هو حق، وذلك لأن كلام الله ورسوله حق ولازم الحق حق، ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازما من كلامه وكلام رسوله، فيكون مرادا، فالقاعدة عند أهل السنة أن الصفة يلزمها لوازم لنفسها وذاتها، فلا يجوز نفي هذه اللوازم عنها لا في حق الرب ولا في حق العبد، ويلزمها لوازم من جهة اختصاصها بالعبد، فلا يجوز إثبات تلك اللوازم للرب، ويلزمها لوازم من حيث اختصاصها بالرب، فلا يجوز سلبها عنه ولا إثباتها للعبد، فعليك بمراعاة هذا الأصل، والاعتصام به في كل ما يطلق على الرب تعالى، وعلى العبد.
مثال ذلك: (النـزول) هو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلق بالمكان الذي قصد له، وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه، وهذا المعنى حق في نفسه، لا يعقل كون الفاعل فاعلا إلا به، ونفيه عن الفاعل نفي لحقيقة الفعل وتعطيل له، أما كونه يستلزم انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه إلى مكان آخر يحتاج إليه، فهذا من لوازم هذه الصفة في المخلوق، وهو يمتنع إثباته للرب تعالى، لأنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به تعالى، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له.
وأما اللازم من قول أحد سوى قول الله ورسوله فله ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يذكر للقائل، ويلتزم به، مثل أن يقول من ينفي الصفات الفعلية لمن يثبتها: يلزم من إثباتك الصفات الفعلية لله عز وجل أن يكون من أفعاله ما هو حادث، فيقول المثبت: نعم، وأنا ألتزم بذلك، فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالا لما يريد ولا نفاد لأقواله وأفعاله كما قال تعالى: قل لو كان البحر مددا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو جئنا بمثله مددا، وقال: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله، إن الله عزيز حكيم. وحدوث آحاد فعله تعالى لا يستلزم نقصا في حقه.
الحالة الثانية: أن يذكر له، ويمنع التلازم بينه وبين قوله، مثل أن يقول النافي للصفات لمن يثبتها يلزم من إثباتك أن يكون الله تعالى مشابها للخلق في صفاته، فيقول المثبت: لا يلزم ذلك؛ لأن صفات الله مضافة إليه، لم تذكر مطلقة حتى يمكن ما ألزمت به، وعلى هذا فتكون مختصة به لائقة به، كما أنك أيها النافي للصفات تثبت لله تعالى ذاتا ووجودا، وتمنع أن يكون مشابها للخلق في ذاته ووجوده، فأي فرق بين الذات والصفات؟!
وحكم اللازم في هاتين الحالتين ظاهر.
الحالة الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتا عنه، فلا يذكر بالتزام ولا منع، فحكمه في هذه الحال أن لا ينسب إلى قائل؛ لأنه يحتمل لو ذكر له أن يلتزم به أو يمنع التلازم، ويحتمل لو ذكر له، فتبين له لزومه وبطلانه أن يرجع عن قوله؛ لأن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم.
ولورود هذين الاحتمالين لا يمكن الحكم بأن لازم القول قول. فإن قيل: إذا كان هذا اللازم لازما من قوله لزم أن يكون قولا له؛ لأن ذلك هو الأصل لا سيما مع قرب التلازم. قلنا: هذا مدفوع بأن الإنسان بشر، وله حالات نفسية وخارجية توجب الذهول عن اللازم، فقد يغفل أو يسهو أو يغلق فكره، أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تفكير في لوازمه، ونحو ذلك.
القاعدة الخامسة: أسماء الله التي يدعى بها توقيفية، أما ما يخبر بها عنه فليس توقيفيا
ما يطلق على الله من الأسماء في باب الدعاء توقيفي، وما يطلق عليه في باب الإخبار لا يجب أن يكون توقيفيا؛ أي يجب أن نفرق بين أن يدعى بالأسماء، أو يخبر بها عنه، فإذا دُعي لم يدع إلا بالأسماء الحسنى كما قال تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، وذروا الذين يلحدون في أسمائه، وأما الإخبار عنه فهو بحسب الحاجة، فإذا احتيج في تفهيم الغير المراد إلى أن تترجم أسماؤه بغير العربية، أو يعبر باسم له معنى صحيح لم يكن ذلك محرما، فلو قال معطل: ليس هو بقديم، ولا موجود، ولا ذات قائمة بنفسها، وليس بشيء، ونحو ذلك، فقيل في تحقيق الإثبات: بل هو سبحانه قديم، موجود، وهو ذات قائمة بنفسها، وهو شيء، فهذا سائغ، وإن كان لا يدعى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدل على المدح كقول القائل: يا شيء، أو يا موجود.
القاعدة السادسة: أسماء الله غير محصورة بعدد معين
أسماء الله غير محصورة بعدد معين لقوله صلى الله عليه وسلم: « … أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، … أو استأثرت به في علم الغيب عندك»، وما استأثر الله به في علم الغيب لا يمكن أحدا حصره، ولا إحاطة به.
أما قوله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها( ) دخل الجنة» فليس فيه حصر لها( )، وإنما غاية ما فيه أن هذه الأسماء موصوفة بأن من أحصاها دخل الجنة، كما تقول عندي مائة عبد أعددتهم للجهاد في سبيل الله، فلا ينافي أن لديك عبيدا غيرهم أعددتهم لغير ذلك.
إذًا فمعنى الحديث أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة، وعلى هذا فيكون قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحصاها دخل الجنة» جملة مكملة لما قبلها، وليست مستقلة.
ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تعيين هذه الأسماء، والحديث المروي في تعيينها ضعيف.
القاعدة السابعة: الإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها
الإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها، وهو أنواع:
1 ـ أن ينكر شيئا منها أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، وإنما كان ذلك إلحادا لوجوب الإيمان بها وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميل بها عما يجب فيها.
2 ـ أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين كما فعل أهل التشبيه، وذلك لأن التشبيه معنى باطل لا يمكن أن تدل عليه النصوص، بل هي دالة على بطلانه، فجعلها دالة عليه ميل عما يجب فيها.
3 ـ تسمية الله بما لا يليق بجلاله، كتسمية النصارى له (الأب)، وذلك لأن أسماء الله كلها حسنى، فتسمية الله بما ينـزه عنه ميل بها عما يجب فيها.
4 ـ أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام كاشتقاق العزى من العزيز، واللات من الإله، وذلك لأن أسماء الله تعالى مختصة به، لقوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص بالله عز وجل ميل بها عما يجب فيها.
والإلحاد بجميع أنواعه محرم لقوله: وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 000000
يتبع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله، أما بعد فهذه قواعد في أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى وصفاته العلا( )، يسهل بها ضبط مذهب السلف في هذه المسائل العظام:
قواعد في أسماء الله تعالى
القاعدة الأولى: أسماء الله كلها حسنى
أسماء الله كلها حسنى، أي بالغة في الحسن، قال تعالى: ولله الأسماء الحسنى، وذلك لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالا ولا تقديرا.
مثال ذلك: (الحي) اسم من أسماء الله تعالى متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها.
والحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره، فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال.
ومثال ذلك: (العزيز الحكيم) فإن الله يجمع بينهما في القرآن كثيرا، فيكون كل منهما دالا على الكمال الخاص الذي يقتضيه، وهو العزة في العزيز، والحكم والحكمة في الحكيم، والجمع بينهما دال على كمال آخر؛ وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلما وجورا وسوء فعل كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسيء التصرف، وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل.
القاعدة الثانية: أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف
أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف، أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد، وهو الله عز وجل، وهي بالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص.
وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن عليه كما في قوله تعالى: وهو الغفور الرحيم، وقوله: وربك الغفور ذو الرحمة، فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة، ولإجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال: عليم إلا لمن له علم، ولا سميع إلا لمن له سمع، وهذا أمر أبين من أن يحتاج إلى دليل.
القاعدة الثالثة:
أسماء الله إن دلت على وصف متعد تضمنت ثلاثة أمور:
أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله عز وجل.
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها، مثال ذلك: السميع يتضمن إثبات السميع اسما لله تعالى، وإثبات السمع صفة له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يسمع السر والنجوى، كما قال تعالى: والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير.
وإن دلت الأسماء على وصف غير متعد تضمنت أمرين:
أحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله عز وجل.
مثال ذلك: (الحي) يتضمن إثبات الحي اسما لله عز وجل، وإثبات الحياة صفة له.
القاعدة الرابعة: دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة وبالتضمن والالتزام
دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة وبالتضمن والالتزام( ).
مثال ذلك: اسم (الخالق) يدل على ذات الله وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام.
مثال آخر: اسم السميع يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة، وعلى الذات وحدها والسمع وحده بالتضمن، ويدل على الحي وصفة الحياة بالالتزام.
واللازم من قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم إذا صح أن يكون لازما هو حق، وذلك لأن كلام الله ورسوله حق ولازم الحق حق، ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازما من كلامه وكلام رسوله، فيكون مرادا، فالقاعدة عند أهل السنة أن الصفة يلزمها لوازم لنفسها وذاتها، فلا يجوز نفي هذه اللوازم عنها لا في حق الرب ولا في حق العبد، ويلزمها لوازم من جهة اختصاصها بالعبد، فلا يجوز إثبات تلك اللوازم للرب، ويلزمها لوازم من حيث اختصاصها بالرب، فلا يجوز سلبها عنه ولا إثباتها للعبد، فعليك بمراعاة هذا الأصل، والاعتصام به في كل ما يطلق على الرب تعالى، وعلى العبد.
مثال ذلك: (النـزول) هو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلق بالمكان الذي قصد له، وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه، وهذا المعنى حق في نفسه، لا يعقل كون الفاعل فاعلا إلا به، ونفيه عن الفاعل نفي لحقيقة الفعل وتعطيل له، أما كونه يستلزم انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه إلى مكان آخر يحتاج إليه، فهذا من لوازم هذه الصفة في المخلوق، وهو يمتنع إثباته للرب تعالى، لأنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به تعالى، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له.
وأما اللازم من قول أحد سوى قول الله ورسوله فله ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يذكر للقائل، ويلتزم به، مثل أن يقول من ينفي الصفات الفعلية لمن يثبتها: يلزم من إثباتك الصفات الفعلية لله عز وجل أن يكون من أفعاله ما هو حادث، فيقول المثبت: نعم، وأنا ألتزم بذلك، فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالا لما يريد ولا نفاد لأقواله وأفعاله كما قال تعالى: قل لو كان البحر مددا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو جئنا بمثله مددا، وقال: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله، إن الله عزيز حكيم. وحدوث آحاد فعله تعالى لا يستلزم نقصا في حقه.
الحالة الثانية: أن يذكر له، ويمنع التلازم بينه وبين قوله، مثل أن يقول النافي للصفات لمن يثبتها يلزم من إثباتك أن يكون الله تعالى مشابها للخلق في صفاته، فيقول المثبت: لا يلزم ذلك؛ لأن صفات الله مضافة إليه، لم تذكر مطلقة حتى يمكن ما ألزمت به، وعلى هذا فتكون مختصة به لائقة به، كما أنك أيها النافي للصفات تثبت لله تعالى ذاتا ووجودا، وتمنع أن يكون مشابها للخلق في ذاته ووجوده، فأي فرق بين الذات والصفات؟!
وحكم اللازم في هاتين الحالتين ظاهر.
الحالة الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتا عنه، فلا يذكر بالتزام ولا منع، فحكمه في هذه الحال أن لا ينسب إلى قائل؛ لأنه يحتمل لو ذكر له أن يلتزم به أو يمنع التلازم، ويحتمل لو ذكر له، فتبين له لزومه وبطلانه أن يرجع عن قوله؛ لأن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم.
ولورود هذين الاحتمالين لا يمكن الحكم بأن لازم القول قول. فإن قيل: إذا كان هذا اللازم لازما من قوله لزم أن يكون قولا له؛ لأن ذلك هو الأصل لا سيما مع قرب التلازم. قلنا: هذا مدفوع بأن الإنسان بشر، وله حالات نفسية وخارجية توجب الذهول عن اللازم، فقد يغفل أو يسهو أو يغلق فكره، أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تفكير في لوازمه، ونحو ذلك.
القاعدة الخامسة: أسماء الله التي يدعى بها توقيفية، أما ما يخبر بها عنه فليس توقيفيا
ما يطلق على الله من الأسماء في باب الدعاء توقيفي، وما يطلق عليه في باب الإخبار لا يجب أن يكون توقيفيا؛ أي يجب أن نفرق بين أن يدعى بالأسماء، أو يخبر بها عنه، فإذا دُعي لم يدع إلا بالأسماء الحسنى كما قال تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، وذروا الذين يلحدون في أسمائه، وأما الإخبار عنه فهو بحسب الحاجة، فإذا احتيج في تفهيم الغير المراد إلى أن تترجم أسماؤه بغير العربية، أو يعبر باسم له معنى صحيح لم يكن ذلك محرما، فلو قال معطل: ليس هو بقديم، ولا موجود، ولا ذات قائمة بنفسها، وليس بشيء، ونحو ذلك، فقيل في تحقيق الإثبات: بل هو سبحانه قديم، موجود، وهو ذات قائمة بنفسها، وهو شيء، فهذا سائغ، وإن كان لا يدعى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدل على المدح كقول القائل: يا شيء، أو يا موجود.
القاعدة السادسة: أسماء الله غير محصورة بعدد معين
أسماء الله غير محصورة بعدد معين لقوله صلى الله عليه وسلم: « … أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، … أو استأثرت به في علم الغيب عندك»، وما استأثر الله به في علم الغيب لا يمكن أحدا حصره، ولا إحاطة به.
أما قوله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها( ) دخل الجنة» فليس فيه حصر لها( )، وإنما غاية ما فيه أن هذه الأسماء موصوفة بأن من أحصاها دخل الجنة، كما تقول عندي مائة عبد أعددتهم للجهاد في سبيل الله، فلا ينافي أن لديك عبيدا غيرهم أعددتهم لغير ذلك.
إذًا فمعنى الحديث أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة، وعلى هذا فيكون قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحصاها دخل الجنة» جملة مكملة لما قبلها، وليست مستقلة.
ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تعيين هذه الأسماء، والحديث المروي في تعيينها ضعيف.
القاعدة السابعة: الإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها
الإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها، وهو أنواع:
1 ـ أن ينكر شيئا منها أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، وإنما كان ذلك إلحادا لوجوب الإيمان بها وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميل بها عما يجب فيها.
2 ـ أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين كما فعل أهل التشبيه، وذلك لأن التشبيه معنى باطل لا يمكن أن تدل عليه النصوص، بل هي دالة على بطلانه، فجعلها دالة عليه ميل عما يجب فيها.
3 ـ تسمية الله بما لا يليق بجلاله، كتسمية النصارى له (الأب)، وذلك لأن أسماء الله كلها حسنى، فتسمية الله بما ينـزه عنه ميل بها عما يجب فيها.
4 ـ أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام كاشتقاق العزى من العزيز، واللات من الإله، وذلك لأن أسماء الله تعالى مختصة به، لقوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص بالله عز وجل ميل بها عما يجب فيها.
والإلحاد بجميع أنواعه محرم لقوله: وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 000000
يتبع

تعليق