مقدمة شرح سنن الإمام الترمذي-رحمه الله-(تفقه في الدين

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • shark
    عضو فعال
    • Sep 2000
    • 724

    #1

    مقدمة شرح سنن الإمام الترمذي-رحمه الله-(تفقه في الدين

    مقدمة شرح سنن الإمام الترمذي-رحمه الله-

    الشرح:

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى جميع من سار على نهجهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين أمَّا بعد :

    فإن الله-تبارك وتعالى- شرَّف العِلْمَ وأهلَه ، وأكرمهم ورفع منـزلتَه فالعلم أساس كل خير، ومنبع كل فضيلة يُصرَفُ الإنسان به عن الهوى والشرِّ والرذيلة ولذلك دعا-I- عباده المؤمنين أن يتفقهوا ويتعلموا أحكام الشريعة والدين ، فقال في كتابه المبين : { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ليَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }. [ التوبة ، آية : 122] إن من رحمة الله-تبارك وتعالى- بالعبد ، وعظيم لطفه وإحسانه به-جلَّ وعلا- أن يُكرمه بعلم الحلال والحرام فالعلم رحمةٌ من الله-تبارك وتعالى- وعلم الأحكام والحلال والحرام يحتاجه الإنسان في نفسه لكى يكون على سدادٍ وهُدَىً في معاملته لربه ، وكذلك يحتاج إليه مع الناس في معاملاته معهم سواءً كانت ماليةً أو كانت غيرَ مالية فيعلم ما الذي له وما الذي عليه فما كان له أخذه وحُقَّ له أن يُطالِب به ، وما كان عليه أدَّاه على الوجه الذي يُرضى مولاه ، ولا شكَّ أنَّ علم الحلال والحرام يفتقر إلى العلم بالكتاب والسنة لكى يعلم الإنسان أمرَ الله-I- ونهيه الذي أوحاه إلى نبيه-r- والعلم بكتاب الله-U- ، والعلم بسُنَّة رسوله-r- هو النور والرحمة التى يهتدى بها الإنسان إلى صراط الله المستقيم الذي لا نجاة ولا صلاح ولا فلاح للعبد إلا به : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[ الأنعام ، آية : 153 ] ، ولذلك عظمَّ العلماءُ علومَ الكتاب والسُّنَّة ، وبيَّنوا عظيم شرفها وعظيم بلائها ، وأن إتقان علم الكتاب والسنة يكون الإنسانُ به من العلماء الذين ورثوا من رسول الله-r- الميراثَ الكريم الذي أثنى عليه رسول الله-r- وبيَّنه بقوله : (( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة )) وعِلْمُ الحديثِ يُعتبر من هذه العلوم المباركة التى عظُم نفعها وجلَّ خيرُها .

    وإتقانه لا شكَّ أنَّه إتقانٌ لأمرٍ عظيم يحتاجُه الأنسان لكى يعلم هَدْي رسول الله-r- بِعِلْمِ الحديث يعلم ما الذي قاله-عليه الصلاة والسلام- ، وما الذي فعله ، يعلم أوامره ونواهيه وآدابه وشمائله وأخلاقه-صلوات الله وسلامه عليه- وإذا علم ذلك اهتدى بها وطبَّقها وسار على نهجها حتى يكون من السعداء المفلحين .

    عِلْمُ الحديثِ علمٌ شريفٌ كريمٌ ، فمن حفظ سُنَّة رسول الله-r- كما نطق بها -عليه الصلاة والسلام-، وأدَّاها كما حفظها نضَّر اللهُ وجهه .

    قال بعض العلماء : معنى قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( نضَّر الله امرءاً سمع مقالتى فوعاها فحفظها وأدَّاها كما سمعها فرُبَّ مُبَلَّغ أوعى من سامِعٍ )) قالوا : قوله : (( نضَّر الله امرءاً )) أي أن وجهه يكون عليه النور في الحشر يوم القيامة ،وقال بعض العلماء : بل إنَّ الله يُنَوِّرُ وجهه في الدنيا والآخرة فأهل الحديث على وجوههم نورٌ كما أن أهل البدعة والضلالة والهوى تكون وجوههم مظلمة بالإعراض عن سُنَّةِ رسول الله-r- وهَدْيه ، ولقد حفظ الله هذا الدين بحِفْظِ سُنَّة سيِّد الأنبياء والمرسلين-صلوات الله وسلامه عليه- هذه السنة التى خصَّصت عموم كتاب الله-U- ، وقيَّدت مُطلقه ، وبيَّنت مُجمله ، وفسَّرت أموره فجاءت على أكمل ما يكون عليه الهدْىُ ، وأجمل ما يكون عليه السبيل ، ولذلك كلَّ من حفظ هذه السنة يكون على سدادٍ وبصيرةٍ في جميع أموره وشئونه متى ما عمل بها .

    قيَّض الله لهذه السنة من حفظها وحافظ عليها ووعاها قيَّض لها دواوين العلم من الرجال الأمناء والثقات الأكفاء الذين أحبوا سنة رسول الله-r- صدق المحبة ، أُمَّةٌ بذلت أوقاتَها وأعمارَها في خدمة هذه السُّنَّةِ الكريمة .!! الله أعلم كم تحمَّلوا من مشاق ومتاعب!! تغرَّبوا عن الأوطان وفارقوا الأهل والولدان حتى نحلت أجسادهم ، واصفرَّت ألوانهم ، ووجدوا من المشقة والعناء ، والضيقِ والبلاء ما لا يعلم قدره إلا اللهُ-Y- وكان الواحدُ منهم يتعب وينصب من أجل أن يسمع حديثاً عن رسول الله-r- وإذا وجد رجلاً من أهل السُّنَّة عضَّ عليه بناجذه فسمع منه ، ولازمه ، وأحبَّه ، وأخذ عنه ، واهتدى بهديه فما زالت هذه الأمة التى حفظت حديث رسول الله-r- محفوظهً من الهوى والردى بما حفظت من هدْيِه الكريم-r- وكان لهم عظيم البلاء في الدين حتى إنهم حفظوا هذه السُّنة فبلَّغها كلُّ جيلٍ إلى مَنْ بعدَه ، وكل رعيلٍ إلى مَنْ بعدَه ، فحُفِظت سُنَّـة رسول الله-r- على أكمل وأجمل ما يكون عليه الحفظ ولم يقتصر أمرهم عند ذلك بل إنهم حرصوا على معرفة الرواة الذين نقلوا حديث رسول الله-r- حفِظوا أسماءَهم ، وأنسابَهم وديارَهم ، وأحوالَهم ، وكذلك كانوا على أدقِّ ما يكون في تمييز من وقعت الشبهة في اسمه ونسبه حتى كان لهم في ذلك من البلاء ما الله به عليم ، وكلُّ مَنْ نظر في علم الرجال والجرح والتعديل أدرك عظيمَ بلائهم ، وَعَلِمَ جليل ما قدَّموا لهذه الأمة من صالح العمل مِمَّا نفع اللهُ به القرون من بعدِهم ، وكان علم الحديث علماً مميَّزاً لا يتقدم إليه كلُّ أحدٍ ، ولا يقومُ به كلُّ أحدٍ وإنمَّا يختصُّ به من عُرِف بالثقة والضبط والأمانة والعدالة والتحفظ فكانوا يُشدِّدون في النقل عن رسول الله-r- ولا يقبلون الرواية من كلِّ أحدٍ ، ولا يأخذونها من كُلِّ مُتكلِّمٍ وإنَّما اقتصروا على من عُرِف بالضبط والأمانة حتَّى عُرِفت الأحاديث وتميَّزت ، فكان صحيحُها وحسنُها وضعيفُها ثُمَّ قسَّموا الصحيحَ إلى مراتبه ، والحسن إلى مراتبه ، والضعيف إلى مراتبه فوضعوا بهذا الجهد وبهذا العمل العظيم كُلَّ شيءٍ في نصابه وضعوا الأمور في نصابها ، وعُرِف الصادقُ من الكاذِب ومن هو قوىُّ الضبط والحفظ ممَّن هَو دُون ذلك فكان لهم بذلك عظيمُ البلاء حتَّى اتضحت سُنَّةُ رسول الله-r- بكل وضوحٍ وجلاءٍ .

    وعِلْمُ الحديث يكون فيه جانبان :

    الجانب الأول : يعرفه العلماء أو يصفونه بجانب الرِّواية . والجانب الثاني : هو جانب الدِّراية .

    فأمَّا علم الحديث روايةً فإنَّه يتطلب العلمَ بالرواة ، وأحوالهم ، ومَنْ هو مقبول الرواية ، ومَنْ هو مردود الرواية ، مَنْ أُجمِع على قبول روايته ، ومن اختُلِف في قبول روايته ، وكذلك من أُجِمع على ترك روايته ، ومن اختُلف في ذلك ، ثُمَّ بعد ذلك يُبحث في مُتونِ الأحاديث -وهوعلمُ الحديث دِرَاية - وما اشتملت عليه من الدِّلالات .

    وهذا الكتاب الذي سندرسُه - إن شاء الله ونسأل الله بعزته وجلالِه ، وعظمتِه وكماله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن يكتب لنا العون منه والتوفيق والسداد وأن يُلهمنا فيه الصوابَ والرَّشاد - .

    هذا الكتاب ديوان من دواوين السُّنَّة وهو كتاب الإمام الحافظ أبى عيسى محمد بن عيسى بن موسى بن سَوْرة بن الضحَّاك الترمذي البُوْغىِّ ينتهي نسبُه إلى بنى سُلَيْم من قيس عَيْلان .

    إمامٌ من أئمة السلف ، وديوان من دواوين السُّنَّة .

    وُلد-رحمه الله- في أوائل القرن الثالث الهجرى ، وذكر الحافظ الذهبيُّ-رحمة الله عليه- أن مولده في حدود سنة عشرٍ ومائتين .

    هذا الإمام العظيم أجمع العلماء على إمامتِه ، وعلمه وفضله وجلالتِه ، وأنه إمامٌ من أئمة هذا العلم المبارك- أعني علمَ الحديث- .

    وُلِدَ-رحمه الله- ولم تتحدَّث المصادر عن بيئته ونشأتِه-رحمةُ الله عليه- ، ولكن تحدَّثت عن ذلك مآثِرُه الكريمة، وأعماله الجليلة العظيمة التى خدم بها سُنَّة رسول الله-r- ، وخدم بها هذا الدين بهذا الكتاب المبارك وغيرِه من المؤلفات الجامعة النافعة ، ارتحل-رحمه الله- بعد أن طلب العلم في بلده- تِرْمِذ- إلى الحجاز وأخذ عن الأئمة والعلماء ، وكذلك إلى العراق ، وتنقَّل-رحمه الله- وأخذ عن الشيوخ ، وأجمع العلماء-رحمهم الله- على أنَّه يُعَدُّ من كبار الحُفَّاظِ الأئمةِ المتقنين للحديث ، ولذلك ما ترجم له أحدٌ من الأئمة إلا وصفه بالحافظ ، وكان من عادة العلماء-رحمة الله عليهم- أنَّهم لا يصفون بهذا اللقب في الغالب إلاَّ مَنْ حفظ ما لا يقلُّ عن مائة ألف حديثٍ عن رسول الله-r- فهذا اللقب لقبٌ عظيم وهو لقب الحفظ مع ما أُثِنىَ عليه من لقب الإمامة والفضل ، عاصر الأئمة والأجلاء ، ومن أشهر وأنبغ وأفضل من لَقِي الإمامُ العظِيمُ أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخارى صاحب الصحيح التقى به الترمذي وأخذ عنه واستفاد منه وفي ذلك يقول الإمام البخاريُّ-رحمه الله- يُبَيِّنُ لنا عظيم فضل هذا الإمام الجليل ، يقول : " ما استفدتُه منك أكثر ممَّا استفدتَه منِّي ..!!" ما استفدتُه منك وأخذتُه عنك من الفوائد أكثر ممَّا أخذته مِنِّي .. ! وهذا يدلُّ على عُلُّوِّ شأنه ، وعظيم فضله فإن الإمام البخاري-رحمه الله- كان لا يملأ عينه كلُّ أحدٍ كان إماماً عظيماً لا يُمكن أن يُلقى بسمعه ، ولا يمكن أن يجلس لأحدٍ ليستفيدَ منه إلا إذا كان ذاك الرجل في علمه وفضله وضبطه واتقانه ، يقول لهذا الإمام : " ما استفدتُه منك " وبعضهم يقول " ما أفدته منك " أكثر مما استفدتَ منِّي" وحدَّث بحديثين سمعهما من الإمام الترمذي ، وقال بعضُهــم : ثلاثة أحاديث أخذها عن الإمام الترمذي ، وحدَّث عنه أيضاً الإمامُ الترمذي-رحمة الله عليه- .

    وأثنى عليه الأئمة ، وكان هذا الإمام -أعنى الإمام الترمذي- مشهوراً بالحفظ حتَّى إنه وقعت له حادثةٌ ذات مرَّة أنَّه كتب جُزأين من حديث شيخٍ من الشيوخ ، وأراد أن يأخذ بالسماع عن هذا الشيخ فشاء الله أنَّه في طريقه بين مكة والمدينة -أنه في طريقه إلى مكة- سمع بالشيخ أنَّه مرَّ به فذهب إليه لكي يعرض عليه هذين الجُزأين ، فلمَّا أقبل على هذا الشيخ ومعه الجُزآن وهِمَ الترمذي -وكان قد أخذ جُزأين يُشبهان الجزأين الَّلذَيْن كتبهما عن ذلك الشيخ- فجاء إلى هذا الشيخ وحدَّثه بما يرغب فيه منالسماع أعنى سماع الجُزأين -عليه فلمَّا شرع وجد أنه أخطأ في الجُزأين ، فنظر الشيخ فوجد البياض بين يدى الترمذي فقال للترمذي : أمَا تستحي .؟! أي حينما ذكر له أنه كتب الجُزأين فوجد أنه لم يصدُق -على ظاهر حالِه- وأنَّ الذي بين يديه ليست بالأجزاء التى هي له فقال الترمذي : "إني أحفظهما - يعني أحفظ الجزأين - وإن شئت أسمعتكهما فأمره أن يُسمعه الجزأين فحدَّث بالجزأين من حفظه -رحمة الله عليه- فانبهر الشيخ ، وعظُم في عينه ، وقال : ما رأيت مثَلك !! أي ما رأيتُ مثلك في الحفظ.

    وهذه رحمة من الله-I- جعلها لحديث رسوله-r- ، لو نقرأ تراجم العلماء والأئمة والحُفَّاظ كأنَّك تنظر إلى شيىءٍ أشبه بالخيال .!! ولكن يعلم الله أن أخبارهم نُقلت بأمانة وحفظ ، وأنهم في هذه المنـزلة ، وقد يكونوا في أكثر مِمَّا ذُكر عنهم من الحفظ والتحرِّى .

    شىءٌ إلهي من الحفظ والإتقان ..!! شُعبةُ إمامٌ في الحديث يقال له : أمير المؤمنين في الحديث ، يقول عن نفسه: ما خططتُ سوداء في بيضاء ، ولا سألتُ رجلاً أن يُعيد علىَّ حديثه مرَّتين بمُجرَّد أن يتحدث الرجل يحفظ كلامه كاملاً ، ولا يمكن أن يخرم منه حرفاً واحداُ .

    القومُ كانوا أقرب ما يكونون إلى الصلاح ، وهُم أهل خير واستقامةٍ وفلاح ، غضيضهٌ عن الشرِّ أعينُهم ،ثقيلةٌ عن الباطل أرجُلهم أنضاءُ عبادةٍ وأطلاح سَهَر أئمة مُلِئت قلوبهم بحُبّ الله- U- وحب رسول الله-r- فلا يمكن أن يُفرِّطوا في الحرف الواحد من كلام رسول الله-r- فلمَّا رأي جلالة الترمذي أثنى عليه بهذا الثناء العظيم ، وقال له : ما رأيتُ مثلك !! ثُمَّ أقبل عليه وحدَّثه بما شاء الله أن يُحدثه .
    شفت المسافه بين الجفنين لما تغمض العين
    ومثلهم بين الشفتين لما تبتسم يازين
    قلبي اقرب لقلبك منها

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...