خـــوف السـر شرك الأكبر
الشرك نوعان :
شرك اكبر وشرك أًصغر والشرك الأكبر ينافي التوحيد ويخرج من الملة وله أنواع كثيرة ومنها :
أ ـ الشرك في الخوف 0 والخوف كما عرفه العلماء توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة وهو ثلاثة أقسام :
الأول: خوف السر وهو أن يخاف من غير الله من وثن أو طاغوت أو ميت أو غائب من جن أو انس أن يصيبه بما يكره كما قال الله تعالى عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ{54} مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ { 55} سورة هود 0 وقد خوف المشركون رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم من أوثانهم كما قال تعالى { وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} الزمر 36، وهذا الخوف من غير الله هو الواقع اليوم من عبّاد القبور وغيرها من الأوثان يخافونها ويخوفون بها أهل التوحيد اذا أنكروا عبادتها وأمروا بإخلاص العبادة لله ، وهذا النوع من الخوف من أهم أنواع العبادة يجب إخلاصه لله وحده ، قال تعالى {َفلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{175} آل عمران0 وقال تعالى فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ {3} المائدة
وهذا الخوف من أعظم مقامات الدين وأجلها فمن صرفه لغير الله فقـد أشرك بالله الشرك الأكبر والعياذ بالله 0
الثانيمن أنواع الخوفأن يترك الإنسان مايجب عليه خوفا من بعض الناس وهذا محرم وهو شـرك أصغر وهذا مذكور في قوله تعالى {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ{173} فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ{174} إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{175} آل عمران 0 وهذا أيضا هو الخوف المذكور في الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لايحقر أحدكم نفسـه ، قالوا يارسول الله ! كيف يحقر أحدنا نفسه ؟ قال " يرى أمرا لله عليه فيه مقال ثم لايقول فيه ، فيقول الله عز وجل له يوم القيامه مامنعك أن تقول في كذا وكذا ؟ فيقول خشية الناس فيقول الله عز وجل فإياي كنت أحق أن تخشى "
الثالث من أنواع الخوف هو الخوف الطبيعي وهو الخوف من عدو أو سبع وغير ذلك فهذا ليس بمذموم كما قال تعالى في قصة موسى عليه السلام {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ } القصص 21 أما النوع الأول خوف السر فهو من أعظم أنواع العبادة فيجب إخلاصه لله تعالى وكذلك النوع الثاني فهو من حقوق العبادة ومكملاتها ، ومعنى قوله تعالى {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ أي يخوفكم بأوليائه فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }. آل عمران 175.نهى من الله تعالى للمؤمنين أن يخافوا غيره ,أمْرْ لهم أن يقصروا خوفهم عليه فإذا أخلصوا الخوف وجميع أنواع العبادة أعطاهم مايريدون وأمنهم مما يخافون قال تعالى { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ{36} الزمر 36 0 قال الامام ابن القيم رحمه الله " ومن كيد عدو الله أن يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه لئلا يجاهدونهم ولا يأمروهم بمعروف ولا ينهوهم عن منكر وأخبر تعالى أن هذا من كيد الشيطان وتخويفه ونهانا ان نخافهم فكلما قوي إيمان العبد زال منه خوف أولياء الشيطان وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم 0
وقال تعالى {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} التوبه 18 فأخبر سبحانه وتعالى أن مساجد الله لايعمرها الا أهل الايمان بالله واليوم الآخرالذين آمنوا بقلوبهم وعملوا بجوارحهم وأخلصوا له الخشية دون سواه فأثبت لهم عمارة المسجد بعد أن نفاها المشركين لأن عمارة المساجد لاتكون الا بالطاعة والعمل الصالح والمشرك وان عمل فعمله{ َسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء} النور39 أو { كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِف } ابراهيم 18، وما كان كذلك فالعدم خير منه 0 فلا تكون المساجد عامرة عمرانا صحيحا الا بالعمل الصالح المؤسس على الإخلاص والتوحيد والعقيدة الصحيحة الخالية من الشرك والبدع والخرافات وليس عمارتها بالطين والزخرفة وفخامة البناء فقط أو إشادتها على القبور فقد النبي صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك 0 وقوله تعالى (لم يخش الا الله ) قال ابن عطية يريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة ولا محالة أن الانسان يخشى المحاذير الدنيوية وقد كتب معاوية رضي الله عنه الى أم المؤمنين عرضي الله عنها يطلب منها أن تكتب له كتابا توصيه فيه ولا تكثر عليه فكتبت له رضي الله عنها مانصه ( الى معاوية ـ سلام عليك أما بعد : فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مئونة الناس ، ومن التمس رضى الناس بسخط الله وكله الله الى الناس " والسلام 0 رواه ابو نعيم في " الحلية " ورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ " من التمس رضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ، ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس "
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله " وكتبت عائشة الى معاوية وروي أنها رفعته " من أرضى الله بسخط الناس كفاه مئونة الناس ، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئاً " هذا اللفظ مرفوع ولفظ الموقوف " من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذامـا " وهذا من اعظم الفقه في الدين فان من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقـاه وكان عبده الصالح والله يتولى الصالحين والله كاف عبده { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً{2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} الطلاق الآيات 2 و3
ومن هذا يتبين لنا أن الإنسان اذا كان يطلب بعمله إرضاء الله بما يسخط الناس حصل على مصلحتين عظيمتين رضي الله ورضى الناس ومن كان بالعكس يطلب بعمله إرضاء الناس بسخط الله حصل له مضرتان سخط الله وسخط الناس 0
ويجب علينا ان نعلم أن الخوف من الله سبحانه وتعالى يجب أن يكون مقرونا بالرجاء والمحبة بحيث لايكون خوفا باعثا على القنوط من رحمة الله تعالى فالمؤمن يسير الى الله بين الخوف والرجاء بحيث لايذهب مع الخوف فقط حتى يقنط من رحمة الله ولا يذهب مع الرجاء فقط حتى يأمن من مكر الله لأن القنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله ينافيان التوحيد قال تعالى{ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ{99}الاعراف 99 وقال تعالى { وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون } يوسف 87 0ـاـا
مما قرأت لكم من كتاب ـ
الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد
الطبعة الرابعة /جماد الثاني 1420
معالي الشيخ الدكتور
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الأستاذ بالمعهد العالي للقضاء وعضو هيئة كبار العلماء
الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد
الطبعة الرابعة /جماد الثاني 1420
معالي الشيخ الدكتور
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الأستاذ بالمعهد العالي للقضاء وعضو هيئة كبار العلماء



تعليق