6 درر من أصول أهل الأثر

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • مجاهدة
    عضو فعال
    • Aug 2004
    • 418

    #1

    6 درر من أصول أهل الأثر

    (1) الطريق واحد
    اعلم ـ رحمك الله! ـ أن الطريق الذي يضمن لك نعمة الإسلام واحد لا يتعدد؛ لأن الله كتب الفلاح لحزب واحد فقط فقال:{أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُون وكتب الغلبة لهذا الحزب وحده فقال:{وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغالِبُون}.

    ومهما بحثتَ في كتاب الله وسنة رسوله e، فلن تجد تفريق الأمة إلى جماعات وتحزيبها في تكتلات إلا مذموماً، قال الله تعالى: {ولاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِين فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُون}، وكيف يُقِر ربنا U أمة على التشتت بعدما عَصَمَها بحبله، وهو يُبرِّيء نبيّه e منها حين تكون كذلك وتوعَّدها عليه فيقول:{إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْءٍ إنَّما أَمْرُهُمْ إلى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهمْ بِما كانُوا يَفْعَلُون}.



    وعن ابن مسعود t قال: " خطَّ لنا رسول الله e خطا، ثم قال: هذا سبيل الله ، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ، ثم قرأ: {وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}" رواه أحمد وغيره وهو صحيح.



    فدلّ هذا الحديث بنصه على أن الطريق واحد، قال ابن القيم: " وهذا لأن الطريق الموصل إلى الله واحد، وهو ما بَعث به رسله وأنزل به كتبه، ولا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق، ولو أتى الناسُ من كل طريق واستفتحوا من كل باب، فالطرق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة، إلا من هذا الطريق الواحد، فإنه متّصل باالله موصل إلى الله "([1]).



    قلت: ولكن كثرة بُنَيّاته العاديات تشكك فيه وتُخذِّل عنه، وإنما انحرف عنه من انحرف من الفرق استئناساً بالتَّعدُّد، وتوحُّشاً من التفرُّد، واستعجالاً للوصول، وجُبْناً عن تحمّل الطول؛ قال ابن القيم: " من استطال الطريق ضعُف مشيُه "([2]).

    والله المستعان.
    (2)
    طريق الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح
    إن الذي لم يختلف فيه المسلمون قديماً وحديثاً هو أن الطريق الذي ارتضاه لنا ربنا هو طريق الكتاب والسنة، فإليه يردون ومنه يصدرون، وإن اختلفوا في وجوه الاستدلال بهما.


    ذلك؛ لأن الله ضمن الاستقامة لمتبع الكتاب فقال على لسان مؤمني الجن: ﴿يا قَوْمَنا إنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوْسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِيْ إِلى الحَقِّ وإِلى طَرِيْقٍ مُسْتَقِيْمٍ﴾.


    كما ضمنها لمتبع الرسول صلى الله عليه وسلّم الذي قال له ربه: ﴿وإِنَّكَ لَتَهْدِيْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيْمٍ﴾.


    لكن الذي جعل الفرق الإسلامية تنحرف عن الصراط هو إغفالها ركناً ثالثاً جاء التنويه به في الوحيين جميعاً، ألا وهو فهم السلف الصالح للكتاب والسنة. وقد اشتملت سورة الفاتحة على هذه الأركان الثلاثة في أكمل بيان:


    فقوله تعالى :﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيْمَ﴾ اشتمل على ركني الكتاب والسنة، كما سبق.


    وقوله :﴿صِراط الَّذِيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ اشتمل على فهم السلف لهذا الصراط، مع أنه لا يشك أحد في أن من التزم بالكتاب والسنة فقد اهتدى إلى الصراط المستقيم، إلا أنه لما كان فهم الناس للكتاب والسنة منه الصحيح ومنه السقيم، اقتضى الأمر ركناً ثالثاً لرفع الخلاف، ألا وهو تقييد فهم الخلاف بفهم الأسلاف؛ قال ابن القيم:" وتأمل سراً بديعاً في ذكر السبب والجزاء للطوائف الثلاثة بأوجز لفظ وأخصره؛ فالإنعام عليهم يتضمن الإنعام بالهداية التي هي العلم النافع والعمل الصالح."


    وقال:" فكل من كان أعرف للحق وأتبع له كان أولى بالصراط المستقيم، ولا ريب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ورضي الله عنهم هم أولى بهذه الصفة من الروافض ... ولهذا فسر السلف الصراط المستقيم وأهله بأبي بكر وعمر وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ...".


    وفي هذا تنصيص منه -رحمه الله- على أن أفضل من أنعم الله عليه بالعلم والعمل هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم؛ لأنهم شهدوا التنزيل، وشاهدوا من هدي الرسول الكريم ما فهموا به التأويل السليم، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه :" من كان منكم مُسْتَنَّاً فلْيستنَّ بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم."



    وقال أيضاً :" إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلّم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، ,فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيّء".


    إذاً فالمسلمون المقصودون لابن مسعود هم الصحابة رضي الله عنهم؛ قال الإمام أحمد -رحمه الله- " أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم والاقتداء بهم".


    ومن حظي برضى الله من بعدهم فلاقتدائه بهديهم، قال الله تعالى :﴿ والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِيْنَ والأَنْصارِ والَّذِيْنَ اتَّبَعُوْهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ الّلهُ عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ﴾.


    وقد جاء تحديد زمن السلف الذين لا تجوز مخالفتهم بإحداث فهْم لم يفهموه، في حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :"خيرُ الناسِ قرْني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قومٌ تسبقُ شهادةُ أحدهم يمينَه، ويمينُه شهادتَه" متفق عليه.


    ولهذا الأصل نظائر وأدلة من الكتاب والسنة، منها قول الله تعالى:﴿ومَنْ يُشاقِقِ الرَّسُوْلَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيْلِ المُؤْمِنِيْنَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيْراً﴾، والشاهد هنا في ضم مجانبة سبيل المؤمنين إلى مشاقة الرسول لاستحقاق هذا الوعيد الشديد، مع أن مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلّم وحده كفيلة بذلك كما قال تعالى:﴿إِنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيْلِ الّلهِ وشاقُّوا الرَّسُوْلَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى لَنْ يَضُرُّوا الّلهَ شَيْئَاً وسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ﴾.


    ومنها ما رواه عبد الله بن لحي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام فينا فقال: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قام فينا فقال:" ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة" رواه أبو داود وغيره وهو صحيح.


    والشاهد هنا في وصف الفرقة الناجية بالجماعة، والعدول عن إضافتها إلى الكتاب والسنة، مع أنها لا يمكن أن تخرج عنهما قط؛ والسر في ذلك يكمن في التنبيه على الجماعة التي فهمت نصوص الوحيين وعملت بهما على مراد الله ورسوله، ولم يكن يومئذ جماعة إلا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولذلك صحح أهل العلم -في الشواهد- اللفظ الآخر الوارد في هذا الحديث من رواية الحاكم وغيره وهو قوله صلى الله عليه وسلّم في وصف الفرقة الناجية :" ما أنا عليه اليوم وأصحابي".


    ومنها ما رواه أبو داود وغيره بسند صحيح لغيره عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم موعظة بليغة، ذرَفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأنها موعظة موَدع فماذا تعهد إلينا؟ فقال:" أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشيّاً؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ".


    والشاهد هنا في الجمع بين اتباع السنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، ثم تأمل كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلّم كلمته هذه وصية لأمته من بعده لتعلم صدق القول بأصالة هذا المنهج، ثم تأمل كيف قابل الاختلاف بالتزام هذا المنهج لتعلم أن ضابط (فهْم السلف الصالح) سبب النجاة من التفرُّق، قال الشاطبي رحمه الله:" فقرن عليه السلام -كما ترى- سنّة الخلفاء الراشدين بسنّته، وأن مِنَ اتباع سنّته اتّباع سنّتهم، وأن المحدثات خلاف ذلك، ليست منها في شيء؛ لأنهم رضي الله عنهم فيما سنُّوا: إمّا متَّبِعون لسنّة نبيّهم عليه السلام نفسها، وإمّا متبعون لما فهموا من سنّته صلى الله عليه وسلّم في الجملة والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثلُه، لا زائدة على ذلك".

    تطبيق
    لبيان ضرورة تقييد فهم الكتاب بالسنة، وتقييد فهم الكتاب والسنة بما كان عليه السلف الصالح، أُورد هنا قصة جرَت أيام محنة الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ؛ لأبيِّن بها المقصودَين في آنٍ واحد، قال الآجرّي ـ رحمه الله ـ: " بلغني عن المهتدي ـ رحمه الله تعالى ـ أنه قال: ما قطع أَبي ـ يعني الواثق ـ إلا شيخ جيء به من المصيصة، فمكث في السجن مدة، ثم إن أبي ذكره يوما فقال: علي بالشيخ، فأُتي به مقيَّدا، فلما أُوقف بين يديه سلَّم عليه، فلم يرُدَّ عليه السلام، فقال له الشيخ: يا أمير المؤمنين! ما استعملتَ معي أدب الله تعالى ولا أدب رسوله صلى الله عليه وسلّم؛ قال الله تعالى: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أو رُدُّوها﴾، وأمر النبي صلى الله عليه وسلّم بردّ السلام؟! فقال له: وعليك السلام. ثم قال لابن أبي دُؤاد: سَلْهُ، فقال: يا أمير المؤمنين! أنا محبوس مقيَّد، أُصلّي في الحبس بتيمم، مُنِعتُ الماء، فمُر بقيودي تُحَلّ، ومر لي بماء أتطهر وأصلي، ثم سَلْني، قال: فأمر فحُلَّ قيده، وأمر له بماء، فتوضأ وصلى، ثم قال لابن أبي دؤاد: سلْهُ، فقال الشيخ: المسألة لي، تأْمُره أن يجيبني، فقال: سل، فأقبل الشيخ على ابن أبي دؤاد يسأله فقال: أخبرني عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه، أشيء دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟ قال: لا! قال: فشيء دعا إليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعده؟ قال: لا! قال: فشيء دعا إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعدهما؟ قال: لا! قال الشيخ: فشيء دعا إليه عثمان بن عفان رضي الله عنه بعدهم؟ قال: لا! قال: فشيء دعا إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعدهم؟ قال: لا! قال الشيخ: فشيء لم يدعُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي رضي الله تعالى عنهم تدعو أنت الناس إليه ؟! ليس يخلو أن تقول: علِموه أو جهِلوه؛ فإن قلتَ: علِموه وسكتوا عنه، وسِعَنا وإياك ما وَسِع القوم من السكوت، فإن قلتَ: جهِلوه وعلِمتُه أنا، فيا لُكَعُ بن لكع! يجهل النبي صلى الله عليه وسلّم والخلفاء الراشدون رضي الله تعالى عنهم شيئا وتعْلمه أنت وأصحابك؟! قال المهتدي: فرأيتُ أبي وثب قائماً ودخل الحيرى، وجعل ثوبه في فيه يضحك، ثم جعل يقول: صدق، ليس يخلو من أن نقول: جهلوه أو علموه، فإن قلنا: علِموه وسكتوا عنه، وسِعَنا من السكوت ما وسِع القوم، وإن قلنا: جهلوه وعلمته أنت، فيا لكع بن لكع! يجهل النبي صلى الله عليه وسلّم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم شيئا تعلمه أنت وأصحابك؟! ثم قال: يا أحمد! قلت: لبيك، قال: لستُ أعنيك، إنما أعني ابن أبي دُؤاد، فوثب إليه فقال: أعط هذا الشيخ نفقةً وأخرجه عن بلدنا ".


    وفي رواية أوردها الذهبي في السير : " .. وسقط من عينه ابن أبي دُؤاد، ولم يَمتحن بعدها أحداً "، وفي رواية: " قال المهتدي: فرجعتُ عن هذه المقالة، وأظن أن أبي رجع عنها منذ ذلك الوقت".


    قلت: تأمل! فإن ردَّ الشيخ هذا الأمرَ العظيمَ إلى سيرة السلف الصالح رفع الخلاف مباشرة وكان سبب هداية الواثق والمهتدي إلى ما جاء ذكره في القصة، فهذا يدلّك على أنه تأصيل دقيق، فاحفظه!

    تنبيه
    إذا اختلف سلفنا الصالح في مسألة ما كان تحكيم الدليل من الكتاب والسنة هو المسلك الوحيد، لقول الله تعالى: ﴿فإن تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾، وكلمة ﴿شَيْءٍ﴾ هنا نكرةٌ في سياق الشَّرط، فتَعُمّ كل اختلاف التضاد في الأصول والفروع، كما أشار إليه العلاّمة محمد الأمين الشنقيطي.


    وقال ابن القيم: " ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيانُ حُكْمِ ما تنازَعوا فيه ولم يكن كافياً، لم يَأمر بالرَّدِّ إليه؛ إذ مِن الممتنِع أن يَأمر تعالى بالرَّدّ عند النزاع إلى مَن لا يوجَدُ عنده فَصْلُ النزاع".

    آخر تعديل بواسطة مجاهدة; 17-09-2004, 08:28 AM.














  • مجاهدة
    عضو فعال
    • Aug 2004
    • 418

    #2
    الرد: 6 درر من أصول أهل الأثر

    (3)نيل السؤدد بالعلم


    هذا الأصل من أنفس الأصول؛ لأن الغرض منه هو تبيان أصل العمل الذي ينبغي أن تُكرَّس له الجهود، فإن قوما رأوا النشاط الرهيب الذي تجتهد فيه قُوى الكفر والضلال، فظنوا أن سيادتهم ترجع إليهم بمجرد مقابلة نشاطهم بنشاط أقوى منه، فوَجَّهوا كل ما يملكون من وسائل لمجاراتهم، وأهملوا العلم الشرعي إهمالاً فاحشاً! والحقيقة أنهم مهما أحكموا التنظيم وأحسنوا التدبير وكثَّفوا النشاط وحفظوا من مكائد العدوّ، فلن يُكتَب لهم سؤدد ولا رِفعة حتى يُؤَسِّسوا عملهم على العلم ويعرفوا له ولأهله قدره؛ قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ ءامَنُوا مِنكُم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ} وقال: {نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشَاءُ}، قال مالك ـ رحمه الله ـ: " بالعلم "([1]).



    وهذه الرِفعة تكون في الدنيا قبل الآخرة؛ كما قال الله تعالى عن اصطفائه طالوت لسيادة الملأ من بني إسرائيل: {وقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قَال إنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطةً في العِلْمِ وِالجِسْمِ واللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.



    وفي صحيح مسلم عن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعُسْفان، وكان عمر يستعمله على مكة([2])، فقال: مَن استعملتَ على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومَن ابن أبزى؟ قال: مَوْلى([3]) مِن موالينا، قال: فاستخلفتَ عليهم مولى؟! قال: إنه قاريء لكتاب الله U وإنه عالم بالفرائض([4])، قال عمر: أمَا إن نبيّكم e قال: (( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين)).



    ولذلك أخبر الله U أنه رفع الربانيين من بني إسرائيل حتى جعلهم حكّاماً عليهم ينفِّذون فيهم أمر الله فقال: {إنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء}.



    وهؤلاء الربانيون الممَكَّن لهم جاء وصفهم بالعلم والتعليم، قال الله تعالى: {مَا كانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤتِيَهُ اللهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّـينَ بِما كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُون}.



    وفي كتاب الله U آيتان تشابهتا في اللفظ، يقول الله في الأولى عن إبراهيم e: {وتِلْكَ حُجَّتُنا ءَاتَيْنَاها إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌوفي الثانية يقول عن يوسف e: {نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ وفي هذا سرٌّ بديعٌ من أسرار الكتاب العزيز، ذكره ابن تيمية في كلام نفيسٍ جدًّا، حيث يقول:

    " ذَكَر اللهُ أنه يرفع درجات من يشاء في قصة مناظرة إبراهيم وفي قصة احتيال يوسف، ولهذا قال السلف: بالعلم؛ فإن سياق الآيات يدلّ عليه، فقصة إبراهيم في العلم بالحجة والمناظرة لدفع ضرر الخصم عن الدين، وقصة يوسف في العلم بالسياسة والتدبير لتحصل منفعة المطلوب، فالأول: علم بما يدفع المضار في الدين، والثاني: علم بما يجلب المنافع.

    أو يقال: الأول: هو العلم بما يدفع المضرة عن الدين ويجلب منفعته، والثاني: علم بما يدفع المضرة عن الدنيا ويجلب منفعتها.

    أو يقال: قصة إبراهيم في علم الأقوال النافعة عند الحاجة إليها، وقصة يوسف في علم الأفعال عند الحاجة إليها، فالحاجة جلب المنفعة ودفع المضرة قد تكون إلى القول، وقد تكون ...([5])



    ولهذا كان المقصِّرون عن علم الحجج والدلالات وعلم السياسة والأمارات مقهورين مع هذين الصنفين، تارة بالاِحتياج إليهم إذا هجم عدوّ يفسد الدين بالجدل أو الدنيا بالظلم، وتارة بالاحتياج إليهم إذا هجم على أنفسهم من أنفسهم ذلك، وتارة بالاحتياج إليهم لتخليص بعضهم من شرّ بعض في الدين والدنيا، وتارة يعيشون في ظلهم في مكان ليس فيه مبتدع يستطيل عليهم ولا والٍ يظلمهم، وما ذاك إلا لوجود علماء الحجج الدامغة لأهل البدع، والسياسة الدافعة للظلم ..."([6]).



    فدار أمر الرئاسة الدينية والدنيوية على العلم؛ لأنه أصل لهما، ولذلك قال ابن تيمية ـ أيضا ـ: " وذلك أن الله يقول في كتابه: {لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنَا بِالبَيِّناتِ وأَنزَلْنَا مَعَهمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ وأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالغَيْبِفأخبر أنه أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنه أنزل الحديد كما ذكره.

    فقوام الدين بالكتاب الهادي والسيف الناصر {وكَفَى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً}، والكتابُ هو الأصلُ، ولهذا أول ما بعَث اللهُ رسولَه أنزل عليه الكتاب، ومكث بمكة لم يأمره بالسيف حتى هاجر وصار له أعوانٌ على الجهاد "([7]).



    إذن فالذين يتصوّرون قيام دولة الإسلام بمجرد عاطفةٍ إسلامية، وفكرٍ مجـرّد عن حـجّـة الشـرع يسمّونـه فكـراً إسلاميًّا! ونتفٍ من العلم يسمونها ( ثقافةً إسلاميةً!)، وأن التعليم مرحلة قادمة بعدها، فهؤلاء طالبو سراب؛ لأنهم يتخيَّلونها بلا قوة ولا أسباب، وأُولى القوّتين قوةُ الدين الذي عليه وعد الله المؤمنين بالنصر فقال: {وكان حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِين}؛ ولهذا قال ابن القيم: " ولما كان جهادُ أعداء الله في الخارج فرعاً على جهاد العبد نفسَه في ذات الله، كما قال النبي e: ((المجاهِدُ من جاهَدَ نفسَه في طاعة الله، والمهاجِرُ من هجَرَ ما نهى اللهُ عنه)) ([8])، كان جهادُ النَّفْس مُقَدَّماً على جهاد العدوّ في الخارج وأصلاً له؛ فإنه مَن لم يجاهد نفسَه أولاً لتفعل ما أُمِرَت به وتترك ما نُهيَت عنه ويحارِبْها في الله، لم يمْكِنْهُ جهادُ عدوِّه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوِّه والانتصاف منه، وعدوُّه الذي بين جنبيه قاهرٌ له، متسلِّطٌ عليه، لم يجاهده ولم يحاربه في الله؟! بل لا يمكنه الخروج إلى عدوِّه حتى يجاهد نفسه على الخروج.



    فهذان عدوّان قد امتُحِن العبدُ بجهادهما، وبينهما عدوٌّ ثالثٌ، لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقفٌ بينهما يُثبِّطُ العبدَ عن جهادهما ويُخذِّلُه ويُرجِف به، ولا يزال يخيِّل له ما في جهادهما من المشاقِّ وترك الحظوظ وفَوْت اللذات والمشتهيات، ولا يمكنه أن يجاهد ذَيْنك العدوَّيْن إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما، وهو الشيطان، قال تعالى: {إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}، والأمر باتخاذه عدوًّا تنبيهٌ على استفراغ الوُسْع فيمحاربته ومجاهدته، كأنه عدوٌّ لا يفْتُر ولا يقصر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس "([9]).



    هذا الكلام في غاية الجودة والوضوح، وهو تصحيح لمنهج الذين يرمون غيرهم بالحجارة وبيوتهم من زجاج! وفي الوقت نفسه يُعَظّمون الأسباب المادية حتى يروا أن عدوّهم تمكَّن لقوّته، والحق أنه لا يدخل عليهم العدوُّ بيوتَهم إلا إذا وَهَى بنيانُها؛ أي لا ينهزم المسلمون لقوّة عدوّهم ولكن لضعف إيمانهم، حتى ولو عَرِيَت أيديهم من الأسباب ـ بعد بذل الوسع ـ كفاهم الله ما نابهم، قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: " ومن سنة الله أن من لم يُمْكن المؤمنون أن يعيذوه([10]) من الذين يؤذون الله ورسوله؛ فإن الله سبحانه ينتقم منه لرسوله ويكفيه إياه، كما قدّمنا بعض ذلك في قصة الكاتب المفتري، وكما قال سبحانه: {فاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِين. إنَّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِين} "([11]).

    وقال ابن القيم: " تالله! ما عَدَا عليك العدوُّ إلا بعد أن تَوَلَّى عنك الوَلِيُّ، فلا تظنّ أن الشيطان غَلَبَ ولكن الحافظ أَعْرَض "([12]).

    وقد عرفتَ أنك تُحْرَم ولاءَ ربك إذا تركتَ المأمور وركبتَ المحظور، كما أنك منصور بحفظك اللهَ في أمره ونهيه، فعاد الأصل إلى العلم؛ لأنه لا يُعرَف الأمر والنهي إلا به.




    لطيفة
    روى البخاري ومسلم عن الزبير بن عدي قال: دخلنا على أنس بن مالك قال: فشكونا إليه ما نَلقى من الحَجَّاج، فقال: ما مِن عامٍ إلاَّ والَّذي بعده شرٌّ منه حتى تَلْقَوْا ربَّكم ، سمعتُ هذا من نبيّكم.

    قال ابن حجر: " وقد استُشكل هذا الإطلاق مع أن بعض الأزمنة تكون في الشرّ دون التي قبلها، ولو لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز، وهو بعد زمن الحجاج بيسير، وقد اشتهر الخير الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز ... وأجاب بعضهم أن المراد بالتفضيل تفضيل مجموع العصر على مجموع العصر، فإن عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة في الأحياء، وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده لقوله e: (( خير القرون قرني ... )) وهو في الصحيحين "([13]).

    ثم قال: " ثم وجدت عن عبد الله بن مسعود التصريح بالمراد وهو أولى بالاتباع، فأخرج يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة عن زيد بن وهب قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: " لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شرّ من اليوم الذي قبله حتى تقوم الساعة، لست أعني رخاء من العيش يصيبه، ولا مالاً يفيده، ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقلّ علماً من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس، فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون "، ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه قال: " لا يأتي عليكم زمان إلا وهو شرّ مما كان قبله، أمَا إني لا أعني أميراً خيراً من أمير، ولا عاماً خيراً من عام، ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفاء، ويجيء قوم يُفتون برأيهم "([14]).



    قلت: رفعُ الإشكال بالأثر هو قرة عيون أهل الأثر، خاصة وهو جارٍ على الأصول؛ لأن غالب الخلق لِرَحم المال والسلطان وَصول، ألم تسمع الله تعالى يخبر عن أهل الشمال حسرتهم قائلين: {ما أَغْنَى عَنِّي مالِيَه. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَه}.



    ولو تأمَّلتَ فتنةَ الحركات الإسلامية - فضلاً عن غيرها - لوجدتَها مجموعة في هاتين النعرتين: تصوُّرُ أن خيريَّة أمة على أخرى تابعة لخيريَّة حكّامها، أو وفرة اقتصادها؛ ألا ترى أن أكثرهم لا يرُدّون من عرش الملك يَدَ لامِس، ولو كانت طَماعة من ديمقراطية الوساوس! وآخرين يرون أن عودة عزّ المسلمين مرهونة بالتفوق الحضاري، ولذلك لا يبْرَحون عليه عاكفين!



    وهذا يبيِّن لك سرّ عناية ابن مسعود بمعالجتهما دون غيرهما، وتالله إنه لفقه النفس الذي فتح الله به عليه، فلْتعرف ـ أخا الإسلام ـ للسلف فضلهم، واستمسك بغرزهم تسترح من شبهات بُنَيّات الطريق.



    وأخيراً: إلى العلم! يا من ينشد عز الإسلام، فعن تميم الداري قال: تطاول الناس في البناء في زمن عمر، فقال عمر: " يا معشر العريب! الأرضَ الأرضَ! إنه لا إسلام إلا بجماعة، ولاجماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة، فمن سوَّده قومه على الفقه كان حياة له ولهم، ومن سوَّده قومه على غير فقه كان هلاكاً له ولهم "([15]).



    وعن الحسن قال: " كانوا يقولون: موت العالم ثُلْمة في الإسلام لا يَسُدُّها شيء ما اختلف الليل والنهار "([16]).

    وعن هلال بن خباب قال: سألت سعيد بن جبير قلت: يا أبا عبد الله! ما علامة هلاك الناس؟ قال: " إذا هلك علماؤهم "([17]).

    يتبع.
















    تعليق

    • مجاهدة
      عضو فعال
      • Aug 2004
      • 418

      #3
      الرد: 6 درر من أصول أهل الأثر

      (4)صِمَام الأمان من الكفر والهزيمة

      باتِّباع الكتاب والسنة


      ولست أعني بهذا الفصل ظاهره المتبادر إلى الذهن فحسب؛ لأنه شيء معلوم للمسلمين عِلما نظريًّا على الأقل، ولكنه كلمة إلى أولئك الذين لم يقنعوا بدعوة الكتاب والسنة، حين رأوا تألُّب قُوَى الكفر والنفاق على ديار المسلمين، من يوم الأندلس وفلسطين الفقيدتين، إلى يوم البوسنة والهرسك الجريحتين، وازداد المسلمون وهنًا على وهن حين قلَّت عنايتهم بمصدر قوّتهم: الكتاب والسنة، وهانوا على الله حين ساء ظنهم بهما، إذ تصوَّروا ضعف أثرهما في النفوس، وأن دعوة المسجد قاصرة عن بعث الأمة إلا ببطء لا يكافيء النشاط الرهيب والمتنوّع الوسائل الذي يقوم به الشيوعيون واليهود والنصارى ...



      وهذه الدعوى ـ إن كان فيها حق ـ فيكفي أصحابها إثما أن صرفوا وجوه النشء عن العكوف على الوحيين حفظا وتعلُّما وتعليما، ولئن حبسوا أنفسهم لتعليم الناس دينهم، فقلَّما ينزعون بآية أو حديث إلا تبرُّكا، وإلا فحسن ظنهم بكلامهم زهَّدهم في كلام الله وكلام رسوله e، ووالله ثم والله ثم والله إن أحدهم ليجد في أُنشودة من الخشوع، ما يفقده مع كلام ربّ الأرباب، ولو كانت الطير لكانت محشورة كل له أوّاب.

      أين هم الذين يعلّمون القرآن بتفسيره الأثري؟

      أين هم الذين أحيوا طريقة السلف في تسميع الحديث النبوي والتقليل من الكلام البشري؟

      ألا تعلمون أن الكفار لا يقدرون عليكم ما دمتم تتلُون الوحيين؟ قال الله تعالى: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ ءامَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتلَى علَيْكُمْ ءَاياتُ اللهِ وفِيكُمْ رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِم ِباللهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وفي هذا السياق الكريم فائدتان هما:

      الأولى: عصمة أتباع الوحيين من الكفر، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:

      " يعني أن الكفر بعيدٌ منكم وحاشاكم منه؛ فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلاً ونهاراً، وهو يَتْلوها عليكم ويُبلِّغها إليكم "([1]).

      والثانية: أن الله تعالى اقتصر على ذكر أعظم كيد يدبِّره الكفار للمسلمين وهو إرادة تكفيرهم، كما قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾، فكأن الله يقول: مهما كان مكرهم الكبار الذي تزول منه الجبال قال تعالى: ﴿وإن كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ﴾، فإن إيمانكم لا يزول ما أقمتم على تلاوة الوحي كتابا وسنة.



      وليس هذا غريبا على من أيقن بقلبه أن الله جعل معين الحياة في الوحي فقال: ﴿يَأَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.

      وأعظم الحياتَيْن حياةُ القلب، وأحيا الناس أَتْبَعُهم للوحي، وهو آمَنُهم من الضلال، وبهذا يَدِقّ فهمك لقول الرسول e: تركتُ فيكم شيئين لن تَضلّوا بعدهما: كتابَ الله وسنتي، ولن يتفرَّقا حتى يَرِدا علي الحوض رواه الحاكم ومالك وهو حسن.

      وقال أبو بكر الصديق t: " لستُ تاركا شيئا كان رسول الله e يعمل به إلا عملتُ به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ " رواه البخاري ومسلم.

      فهذا صدِّيق الأمة يخشى على نفسه الانحراف عن الصراط المستقيم إن هو فرَّط في شيء من هدي النبي e ـ مع أنه كان شديد التمسك بما دَقَّ وجَلَّ من سنة نبيِّه e ـ فكيف قرَّت أعْيُن المبتدعة وهدأت جفونهم، وقد روى الشيخان عن أبي هريرة أنه قال: لما توفِي رسول الله e واستُخلِف أبو بكر بعده، كفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله e: أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ، فقال:

      " والله! لأقاتلنّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عَناقاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله e لقاتلتهم على منعه "، فقال عمر: " فوالله! ما هو إلا أن رأيتُ الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفتُ أنه الحق".

      فتأمل هذا الحرص الشديد على أداء الواجب بكل تفاصيله التي كانت على عهد رسول الله e، ولو كانت في تقديم أحقر شيء.

      ولما كان الرسل عليهم الصلاة والسلام أتبع الخلق للوحي اقترن بهم مِن تأييد الله أكمله، كما قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ وقال: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا المُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ. وإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ﴾ وقال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ ءَاَمُنوا في الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ([2]).

      ومن كان لهم متَّبِعاً كان له مِثْلُ ما لهم من التأييد والنصرة، قال الله تعالى لموسى وهارون صلى الله عليهما وسلم ولأتباعهما: ﴿أَنتُمَا ومَن اتَّبَعَكُمَا الغَالِبُون، وقال لعيسى e ولأتباعه: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ.

      قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: " فلما كان للنصارى نَصيبٌ ما مِن اتِّباعه كانوا فوق اليهود إلى يوم القيامة، ولما كان المسلمون أَتْبَع له من النصارى كانوا فوق النصارى إلى يوم القيامة "([3]).

      وقال ابن تيمية: " ولهذا كل من كان متّبعا للرسول كان الله معه بحسَب هذا الاتباع، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَك مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، أي حسْبك وحسْبُ مَن اتَّبعك، فكلُّ مَن اتَّبَع الرسولَ مِن جميع المؤمنين فالله حسْبه، وهذا معنى كون الله معه، والكفاية المطلقة مع الاتِّباع المطلق، والناقصة مع الناقص، وإذا كان بعض المؤمنين به المتبعين له قد حصَل له مَن يعاديه على ذلك فالله حسْبُه، وهو معه وله نصيب من قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾، فإن هذا قَلْبُه موافِقٌ للرسول وإن لم يكن صحِبَه ببدنه، والأصل في هذا القلب، كما في الصحيحين عن النبي e أنه قال:

      (( إنّ بالمدينة رجالاً ما سِرْتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلاَّ كانوا معكم ))، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: (( وهم بالمدينة، حبَسهم العذرُ ))([4])، فهؤلاء بقلوبهم كانوا مع النبي e وأصحابه الغزاة، فلهم معنى صُحبته في الغزاة، فالله معهم بحسَب تلك الصحبة المعنوية "([5]).

      وقد صدق ـ رحمه الله ـ؛ فإن في القرآن ما يدل على أنهم صحبوهم بباطنهم، وذلك أنهم حين أَتَوا ليحملهم النبي e معه إلى الجهاد ردَّهم؛ لأنه لا يملك ما يحملهم عليه، رجعوا وقلوبهم متحرِّقة وعيونهم دامعة على ذلك حتى وصفهم الله بقوله: ﴿ولاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ.



      ثم قال ـ رحمه الله ـ: " ولو انفرد الرجل في بعض الأمصار والأعصار بحق جاء به الرسول، ولم تنصُرْه الناس عليه، فإن الله معه، وله نصيب من قوله: ﴿إلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الغَاِر إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾، فإن نصر الرسول هو نصر دينه الذي جاء به حيث كان ومتى كان، ومن وافقه فهو صاحبه عليه في المعنى، فإذا قام به ذلك الصاحب كما أمر الله فإن الله مع ما جاء به الرسول ومع ذلك القائم به، وهذا المتبع له: حسْبُه الله، وهو حسْبُ الرسول كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ "([6]).



      وعن ابن مسعود قال: صلى رسول الله e العشاء ثم انصرف فأخذ بيد عبد الله بن مسعود حتى خرج به إلى بطحاءِ مكةَ فأجلسه ثم خَطَّ عليه خطا ثم قال: لا تَبْرَحَنَّ خطك فإنه سينتهي إليك رجالٌ، فلا تكلمهم فإنهم لا يكلمونك ، قال: ثم مضى رسول الله e حيث أراد، فبينا أنا جالس في خطي إذ أتاني رجال كأنهم الزُّطُّ([7]):أشعارهم وأجسامهم، لا أرى عورة ولا أرى قشرا، وينتهون إليّ لا يجاوزون الخط، ثم يَصدرون إلى رسول الله e، حتى إذا كان من آخر الليل، لكن رسول الله e قد جاءني وأنا جالس، فقال: لقد أراني([8]) منذ الليلة ، ثم دخل علي في خطي فتوسَّد فخذي فرقد، وكان رسول الله e إذا رقد نفخ، فبيْنا أنا قاعد ورسول الله e متوَسد فخذي، إذا أنا برجال عليهم ثياب بيض، الله أعلم ما بهم من الجمال، فانتهوا إلي، فجلس طائفة منهم عند رأس رسول الله e وطائفة منهم عند رجليه، ثم قالوا بينهم: ما رأيْنا عبدا قط أوتي مثل ما أوتي هذا النبيّ: إنّ عينيه تنامان وقلبه يقظان، اضربوا له مثلا مَثَلَ سيِّد بنى قصرا، ثم جعل مأدبة فدعا الناس إلى طعامه وشرابه، فمن أجابه أكل من طعامه وشرب من شرابه، ومن لم يجبْه عاقبه أو قال عذّبه، ثم ارتفعوا، واستيقظ رسول الله e عند ذلك فقال:

      (( سمعتَ ما قال هؤلاء؟ وهل تدري من هؤلاء؟ )) قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: (( هم الملائكة، فتدري ما المثل الذي ضربوا؟ )) قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: (( المثل الذي ضربوا: الرحمن تبارك وتعالى بنى الجنة ودعا إليها عباده، فمن أجابه دخل الجنة، ومن لم يجبه عاقبه أو عذّبه ))([9]).



      فأنت ترى في هذه القصة العظيمة أن استجابة ابن مسعود لرسول الله e حين أمره بلزوم مكانه دفعت عنه شر قوم جاؤوه في أبشع صورة، مع أنه لم يكن بينه وبينهم سوى خطّ لو جاءت عليه الريح لعفى أثره، لكنه ليس كبقية الخطوط، إنه خط السنة: من لزمه كفاه الله ما نابه.



      وإذ قد بيَّنتُ أدلة تثبيت الله لأمة المتابعة ونصره إياها، فلا بأس أن أسوق هنا قصة تشهد للأمرين جميعا، وفيها منقبة عظيمة لأبي بكر الذي حفظ الله به الدين ونصره بعد رسول الله e، حتى قال أبو هريرة t:

      " والله الذي لا إله إلا هو لولا أبو بكر استُخلف ما عُبد الله "، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، فقيل له: مه يا أباهريرة! فقال: " إن رسول الله e وَجَّه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قُبض رسول الله e وارتدت العرب حول المدينة، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله e فقالوا: يا أبا بكر! رُدَّ هؤلاء، تُوجِّه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدَّت العرب حول المدينة؟! فقال: " والذي لا إله غيره، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله e ما رددتُ جيشا وجَّهه رسول الله e، ولا حلَلْتُ لواء عَقَده رسولُ الله "، فوجَّه أسامة، فجعل لا يمرّ بقبيلٍ يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أنَّ لهؤلاء قوة ما خرج مِثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندَعهم حتى يَلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام "([10]).



      هذا هو تمسك أبي بكر بالسنة على الرغم من فاجعة موت رسول الله e وفاقرة ارتداد العرب، أضف إليهما تثبيط الناس له انطلاقا من العقل الذي يقضي بما قضوا به، ولكن الشرع الذي تعلَّمه أبو بكر من النبي e هو الذي هداه إلى ما شحَّت به قرائحُهم؛ ألا وهو خوفُه t من تأخير ما قدَّمه رسول الله e، فكانت عاقبة التمسك بالسنة الانتصار على العدو والثبات على الإسلام.



      تنبيه:

      قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ـ رحمه الله ـ: " وقد حقق العلماءُ أن غلبة الأنبياء على قسمين: غلبة بالحجة والبيان، وهي ثابتة لجميعهم، وغلبة بالسيف والسنان، وهي ثابتة لخصوص الذين أُمروا منهم بالقتال في سبيل الله ..."([11]).



      ولهذا قرر العلماء أن المؤمنين المستضعفين اليوم في مجتمعاتهم؛ الذين لا يؤمرون بالقتال، هم منتصرون بالحجة العلمية التي تدمغ كل باطل وجدال، وأما الذين لهم القوة والسلطان فيؤمرون به لتتأيَّد الحجة بالسنان، وعلى هذا فالحجة العلمية غالبة في كل زمان، والحمد لله على هذا.



      ولما كان أهل الحديث أقوى الناس حجة؛ لأنهم أعلمهم بالقرآن كما قال عمر بن الخطاب: " إن ناسا يجادلونكم بشُبَه القرآن، فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله U "([12])، ولما كانوا أعلمهم بهدي النبي e، كانوا أتبعهم للكتاب والسنة، فلا يستغرِبنّ خلفيّ أن تجتمع كلمة أهل العلم على تفسير الطائفة المنصورة بأهل الحديث في قوله e: من يُرِد الله به خيرا يفقِّهه في الدين ... ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ... ))([13])، مع أنه لا يخفى على الحصيف ارتباط الجملة الأولى ـ التي هي الفقه في الدين ـ بالأخرى ـ التي هي انتصار هذه الطائفة ـ وهو من جوامع كلمه e([14]).





      تهديد مخالف الرسول بالزيغ أو الكفر
      ما دام قد كتب الله لأتباع نبيّه e الثبات على الدين، فقد جعل مخالفيه على خطر من دينهم فقال: ﴿وإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً. فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾، قال ابن القيم: " توَعَّدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم وأموالهم بسبب إعراضهم عما جاء به الرسول وتحكيم غيره والتحاكم إليه كما قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْاعتذَروا بأنهم إنما قصدوا الإحسان والتوفيق ..."([15]).



      وثالثة الأثافي أن هذه المصيبة قد تصيب من دين المرء مقتلا حتى يكفر، قال ابن تيمية عند قول الله U: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ : " أمر مَن خالف أَمْرَه أن يحْذَر الفتنة، والفتنة: الرِّدة والكفر، قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ... قال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد: " نظرتُ في المصحف فوجدتُ طاعة الرسول e في ثلاثة وثلاثين موضعا "، ثم جعل يتلو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وجعل يكررها ويقول: " وما الفتنة؟ الشرك، لعله إذا رَدَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبُه فيهلكه "، وجعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.



      وقال أبو طالب المشكاني: وقيل له : إن قوما يدَعون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان، فقال: " أعجب لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته، يدَعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره، قال الله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ! وتدري ما الفتنة؟ الكفر، قال الله تعالى: ﴿والفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾، فيدَعون الحديثَ عن رسول الله e وتغلبهم أهواؤُهم إلى الرأي، فإذا كان المخالف عن أمره قد حُذِّر من الكفر والشرك أو من العذاب الأليم، دلّ على أنه قد يكون مفضياً إلى الكفر أو العذاب الأليم ... "([16]).



      ومن الكلمات السائرة عند السلف قولهم: " أسرع الناس رِدَّة أصحابُ الأهواء "([17]).

      ولما كان أصل كفر أهل الكتاب من جهة مخالفة الرسل قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِن دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَم، وفي هذا السياق الكريم فائدتان:

      الأولى: أن سبب كفرهم هو تعظيمهم علماءهم حتى غضّوا من حق الله ورسوله في التحاكم إليهما، فعن عدي بن حاتم قال: أتيتُ النبي e وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عديّ! اطرح عنك هذا الوثن ، وسمعته يقرأ من سورة براءة ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِن دُونِ اللهِ﴾، قال:(( أمَا إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أَحلُّوا لهم شيئا استحلّوه، وإذا حرَّموا عليهم شيئا حرَّموه ))([18]).

      والثانية: أن في الاقتصار على التنديد بصنيع اليهود والنصارى تنبيها على قسمي المخالفة للرسل لا ثالث لهما، وهما:

      ـ التفريط: الذي هو النصيب الأوفر لليهود مؤذي الأنبياء وقتَلَتِهم.

      ـ الإفراط: الذي هو النصيب الأوفر للنصارى ذوي الغلوّ.

      وهذا من إعجاز القرآن العظيم. وقد جاء التحذير منهما مقترنين في حديث واحد، هو قول الرسول e: دعوني ما تركتكم؛ فإنما هلك مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأْتوا منه ما استطعتم متفق عليه.

      فقوله: بكثرة سؤالهم في الإفراط والغلو.

      وقوله: واختلافهم على أنبيائهم في التفريط والتقصير.

      ولذلك أورده البخاري في " كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة "([19])، وهو من جوامع كلمه e.

      ولما كانت المتابعة بهذه الدقة لم يمدح الله تعالى المؤمنين بمجردها، بل بإحسانها فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينِ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، أي هي متابعة ظاهرة وباطنة، ومن كان كذلك فأخذ منه الشيطان نصيبا من الطاعة، أسرع الأَوْبة ونفعته التوبة؛ كما وصف الله المهاجرين والأنصار بذلك؛ لأن مخالفتهم لم تكن متأصِّلة في قلوبهم، وسرّ هذه العناية الربانية بهم ما عُرِفوا به من المتابعة التامة، فتأمَّل إخبار الله عن حفظ قلوبهم من الزيغ بسبب صدقهم في المتابعة في وقت العسرة قال الله U: ﴿لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيَّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في سَاعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾، فلْيحذر الذين هم على ظاهر السنة دون باطنها، وكذا العكس.






















      تعليق

      • ماهر1398
        عضو متألق

        • Jul 2004
        • 3766

        #4
        الرد: 6 درر من أصول أهل الأثر

        بارك الله فيك على هذه الفوائد
        واقر الله عينك برؤياه

        تعليق

        • مجاهدة
          عضو فعال
          • Aug 2004
          • 418

          #5
          الرد: 6 درر من أصول أهل الأثر

          (5)الردّ على المخالف

          من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر



          ولمّا كان جلّ الأحزاب الإسلامية يعمل على وَأْد ما يسمّى ( بالنّقد الذّاتيّ )، وإجهاض الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وإخلاء أعظم ثغور المسلمين من مرابط، بحجّة السّتر على المسلمين تارة، وجمع الكيد للكافرين تارة أخرى، وغيرها من الحجج العاطفيّة التي تجعل العقول تُتخطّف من أصحابها في زمن الوهن العلميّ، كان لابدّ من ردّ الحق إلى نصابه {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}.



          " والذين يَلْوُون ألسنتهم باستنكار نقد الباطل وإن كان في بعضهم صلاح وخير، ولكنّه الوهن وضعف العزائم حينا، وضعف إدراك مدارك الحق والصّواب أحيانا، بل في حقيقته من التّولي يوم الزحف عن مواقع الحراسة لدين الله والذّب عنه، وحينئذ يكون الساكت عن كلمة الحق كالنّاطق بالباطل في الإثم، قال أبو علي الدّقاق: " الساكت عن الحق شيطان أخرس، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق ". والنبيّ e يخبر بافتراق هذه الأمّة إلى ثلاث وسبعين فرقة، والنّجاة منها لفرقة واحدة على منهاج النّبوّة، أيريد هؤلاء اختصار الأمّة إلى فرقة وجماعة واحدة مع قيام التّمايز العقديّ المضطرب؟!. أم أنها دعوة إلى وحدة تصدِّع كلمة التّوحيد، فاحذروا.

          وما حجّتهم إلا المقولات الباطلة :

          لاتصدِّعوا الصفّ من الدّاخل!

          لا تثيروا الغبار من الخارج!

          لا تحرّكوا الخلاف بين المسلمين!

          " نلتقي فيما اتّفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه !" وهكذا.

          وأضعف الإيمان أن يقال لهؤلاء : هل سكت المبطلون لنسكت، أم أنهم يهاجمون الاعتقاد على مرأى ومسمع، ويُطلب السّكوت؟ اللهمّ لا...



          ونُعيذ بالله كل مسلم من تسرّب حجّة اليهود، فهم مختلفون على الكتاب، مخالفون للكتاب، ومع هذا يظهرون الوحدة والاجتماع، وقد كذّبهم الله تعالى فقال سبحانه : {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وقُلُوبُهُمْ شَتَّى}، وكان من أسباب لعنتهم ما ذكره الله بقوله :{كانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ}"([1]).

          " ولهذا فإذا رأيت من ردّ على مخالف في شذوذ فقهيّ أو قول بدعيّ، فاشكر له دفاعه بقدر ما وَسِعه، ولا تخذِّله بتلك المقولة المهينة ( لماذا لا يردّ على العلمانيّين؟! )، فالناس قدرات ومواهب، وردّ الباطل واجب مهما كانت رتبته، وكل مسلم على ثغر من ثغور ملّته "([2]).



          وأصل هذا الباب النّصوص الواردة في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر كقوله تعالى: {ولْتَكُن مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} قال ابن تيمية: " والأمر بالسنّة والنّهي عن البدعة هو أمرٌ بمعروف ونهيٌ عن منكر، وهو من أفضل الأعمال الصالحة ... "([3])، ولا ينبغي للجماعات الإسلامية اليوم أن تضيق صدورها بالنّقد؛ لأنّه من القيام بالقسط والشّهادة لله الّلذين أمرنا بهما ولو مع أنفسنا وأهل ملّتنا كما قال تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِين آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِين إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} واللَّيّ هو الكذب، والإعراض هو الكتمان كما قال ابن تيمية([4])، فكيف يطيب لمؤمن دعوةٌ مع كتمان الأخطاء تستّراً بالمجاملات السياسية بعد هذا؟!

          إنتبه!!!!!

          ولا شكّ أنّ الغيرة التي أودعها الله في قلب كلِّ مؤمن على محارمه هي التي تحرّكه إلى القيام بهذا الواجب، كما قال النبي e: (( إنّ الله تعالى يغار، وإنّ المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرّم الله عليه )) متفق عليه. وإذا كان كلما أراد المؤمن أن يقوِّم المسار قيل له: ليس ذا الوقت والكفار متربّصون! فمتى يعرف أخطاءه؟ ومتى يحجم عنها؟ ومتى يصحّ المريض ويُقوَّى الضعيف؟ وقد روى أبو هريرة عن رسول الله e قال: (( المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يَكُفُّ عليه ضَيْعتَه، ويَحُوطُه من ورائه ))([5]). وليس من المولاة للمؤمنين في شيء أن تنصُر أخاك في باطله محتجّا بمواجهته الشيوعيّين، فعن أنس أن رسول الله e قال: ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما ))، قيل: يا رسول الله! هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ قال: ((تمنعه من الظلم ))، رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم من طريق جابر بلفظ:((إن كان ظالما فلينهه؛ فإنه له نصر )).



          قال ابن تيمية في هذا المعنى: " ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم أو ذبّ عنهم أو أثنى عليهم أو عظّم كتبهم أو عُرِف بمساعدتهم ومعاونتهم أو كره الكلام فيهم أو أخذ يعتذر لهم، بأنّ هذا الكلام لا يُدرَى ما هو؟ أو من قال إنّه صنّف هذا الكتاب؟ وأمثال هذه المعاذير التي لا يقولها إلا جاهل أو منافق، بل تجب عقوبة كل من عَرَف حالهم ولم يعاون على القيام عليهم، فإنّ القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات لأنهم أفسدوا العقول والأديان على خلق من المشايخ والعلماء والملوك والأمراء، وهم يسعون في الأرض فسادا ويصدُّون عن سبيل الله "([6]).

          إنتبه أكثر!!!!!

          وفي الردّ على المخالف دفاع عن الإسلام من جبهتين:

          " الأولى: الخطر الخارجيّ وهو الكافر المتمحِّض، الذي لم يعرِف نور الإسلام، بما يكيده للإسلام والمسلمين من غزو يحطِم في مُقَوِّماتهم العقديّة والسّلوكيّة والسياسية والحكميّة ...

          الثانية: مواجهة التّصدُّع الدّاخليّ في الأمة بفشُوِّ فِرق ونحل طاف طائفها في أفئدة شباب الأمّة ... إذ التّصدُّع الدّاخليّ تحت لباس الدين يمثِّل انكسارا في رأس المال : المسلمين، وقد كان للسّالكين في ضوء الكتاب والسنّة ـ الطّائفة المنصورة ـ الحظّ الوافر والمقام العظيم في جبر كسر المسلمين بردّهم إلى الكتاب والسنّة، وذلك بتحطيم ما قامت عليه تلك الفرق المفرّقة من مآخذ باطلة في ميزان الشرع "([7]).



          ومن ضنائن العلم ما قرأته لابن تيمية في التّمييز بين معاملة الخوارج ومعاملة الكفار، وهو يرفع اللّبس المتبادر إلى الأذهان الكليلة من بعض الأحاديث التي يظهر منها أنّ الخوارج شرّ من الكفار مطلقا، مع أنّ الصّحابة لم يكفّروهم، قال ـ رحمه الله ـ: " وما زالت سيرة المسلمين على هذا، ما جعلوهم مرتدّين كالذين قاتلهم الصدّيق t، هذا مع أمر رسول الله e بقتالهم في الأحاديث الصحيحة، وما رُوِيَ من أنهم شرّ قتلى تحت أديم السماء، خير قتيل من قتلوه في الحديث الذي رواه أبو أمامة، رواه التّرمذيّ وغيره([8])؛ أي أنهم شرٌّ على المسلمين من غيرهم؛ فإنّهم لم يكن أحد شرّا على المسلمين منهم: لا اليهود ولا النّصارى؛ فإنّهم كانوا مجتهدين في قتل كل مسلم لم يوافقهم([9]) مستحلين لدماء المسلمين وأموالهم وقتل أولادهم، مكفِّرين لهم، وكانوا متديّنين بذلك لعظم جهلهم وبدعتهم المضلّة ..."([10]) أي أنّ الخوارج أقلّ جريمة من الكفار في الميزان العامّ الأخير، يكفي أنهم " من الكفر فرّوا "، لكن بالنسبة لما يعاني منهم المسلمون وما يوقعون بهم من المحن والبلايا فهم أعظم شرّا من الكفار، بل لا يخلص الكفار إلى المسلمين كما يخلص إليهم هؤلاء، ولذلك قد تُقَدَّم عقوبتهم في الدنيا قبل غيرهم، وتأمّل فقه ابن تيمية حين قال بعد كلامه السّابق بصفحتين: " والعقوبة في الدنيا تكون لدفع ضرره عن المسلمين، وإن كان في الآخرة خيرا ممّن لم يُعاقَب، كما يُعَاقَب المسلم المُتَعَدِّي للحدود ولا يُعَاقَب أهل الذِّمّة من اليهود والنّصارى، والمسلم في الآخرة خير منهم ".



          فاحفظ هذا، وعضَّ عليه بالنّواجذ تتهاوى بين يديك عساكر الباطل المعطّلة لمجاهدة البدع وأهلها، كأولئك القائلين: " إن لم تكونوا معنا فأنتم معهم!! "، أو كأولئك القائلين: " تُوَجِّهون سهامكم إلى إخوانكم، والعلمانيون والشيوعيون أنشط ما يكونون في نشر الخلافات بينكم؟! ".



          قال ابن تيمية([11]): " إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء، وقد قال النبي e: (( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم،وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ))([12]) ... ".






          لماذا عُنِيَت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالرد على الفرق المنحرفة ـ كالطرق الصوفية ـ أكثر من عنايتها بالرد على الإلحاد، مع وجود ال******* الفرنسي؟

          هذه شبهة تَرِد كثيرا على لسان من لم يتضلَّع بمنهج السلف يجيب عنها الشيخ محمد البشير الإبرهيمي ـ رحمه الله ـ بقوله: " وإنك لا تُبْعِد إذا قلت: إن لفشوِّ الخرافات وأضاليل الطرق بين الأمة أثرا كبيرا في فشوّ الإلحاد بين أبنائها المتعلمين تعلُّما أوروباويا الجاهلين بحقائق دينهم، لأنهم يحملون من الصغر فكرة أن هذه الأضاليل الطرقية هي الدين، وأن أهلها هم حملة الدين، فإذا تقدم بهم العلم والعقل لم يستسغها منهم علم ولا عقل، فأنكروها حقا وعدلاً، وأنكروا معها الدين ظلما وجهلاً، وهذه إحدى جنايات الطرقية على الدين. أرأيت أن القضاء على الطرقية قضاء على الإلحاد في بعض معانيه وحسم لبعض أسبابه. وقد قرأت في هذه الأيام لكاتب تونسي مقالاً ينعى فيه على جمعية العلماء إهمالها لهذه الجهة من جهات الفساد وهي الإلحاد، واعتذر عن علماء جامع الزيتونة بأنهم ـ وإن قعدوا في نواحي الإصلاح التي تخبّ فيها جمعية العلماء وتضع ـ قاموا في حرب الإلحاد بما شكرهم عليه، ولكنه حصر عملهم في هذا السبيل في خطب جمعية ينددون فيها بالإلحاد ويحذرونه، وفات هذا الكاتب الفاضل أن جمعية العلماء لم تسكت عن الإلحاد، بل هاجمته في أمنع معاقله، ونازلته في أضيق ميادينه، كما فاته أن صرعى الإلحاد لايغشون المساجد، فما تأثير الخطب الجمعية التي تلقى على المصلين؟ وهل يداوَى المريض بتحذير الأصحاء من المرض أو أسباب المرض؟ إلا أن العالم المرشد كالطبيب لا ينجح في إنقاذ المريض من الموت إلا بغشيان مواقع الموت ومباشرة جراثيم الموت "([13]).

          فالله أكبر ما أقوى المنهج السلفي! وما أبخس الأحزاب لقدره!



          إذن فمواجهة هؤلاء حماية لديار المسلمين من أن تُغتال من تحتها، بجهاد المنافقين الذين يتسللون الصفوف لِواذا، قال الله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ} قال ابن القيم: " وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بتبليغ الحجة .. " إلى أن قال: " فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواصّ الأمة وورثة الرسل. والقائمون به أفراد في العالم، والمشاركون فيه والمعاونون عليه ـ وإن كانوا هم الأقلِّين عدداً ـ فهم الأعظمون عند الله قَدْراً .. "([14]).



          ولما كان هؤلاء منضوين تحت صفوف المسلمين، فإن أمرهم قد يخفى على كثير من الناس، فكان بيان حالهم ـ لمن ولاؤنا لهم فرض علينا ـ آكد، ولذلك قال ابن تيمية: " وإذا كان أقوام ليسوا منافقين ولكنهم سمّاعون للمنافقين، قد التبس عليهم أمرهم حتى ظنوا قولهم حقا، وهو مخالف للكتاب، وصاروا دعاة إلى بدع المنافقين، كما قال تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}، فلا بد من بيان حال هؤلاء، بل الفتنة بحال هؤلاء أعظم، فإن فيهم إيمانا يوجب موالاتهم، وقد دخلوا في بدع من بدع المنافقين التي تفسد الدين، فلا بد من التحذير من تلك البدع، وإن اقتضى ذلك ذِكْرُهم وتعيينُهم، بل ولو لم يكن قد تَلَقَّوْا تلك البدعة عن منافق، لكن قالوها ظانِّين أنها هدى وأنها خير وأنها دين، ولو لم تكن كذلك لوجب بيان حالهم "([15]).



          وأما مواجهتهم من الخارج؛ فلأن العدو لا يدخل عليك بيتك إلا إذا كانت منافذه مفتوحة أو ضعيفة، والفرق الإسلامية المنحرفة عن الناجية هم منافذ الكفار، وهل يجهل المسلمون أثر المتصوفة في ******* البلاد الإسلامية وإعانتهم الكفار على ذلك؟ وقد قال ابن تيمية في الشيعة الروافض: " وهم يستعينون بالكفار على المسلمين، وقد رأينا ورأى المسلمون أنه إذا ابتُلي المسلمون بعدوّ كافر كانوا معه على المسلمين، كما جرى لجنكزخان ملك التتر الكفار، فإن الرافضة أعانته على المسلمين، وأما إعانتهم لهولاكو ابن ابنِه لما جاء إلى خراسان والعراق والشام فهذا أظهر وأشهر من أن يخفى على أحد، فكانوا بالعراق وخراسان من أعظم أنصاره ظاهرا و باطنا، وكان وزير الخليفة ببغداد الذي يقال له ابن العلقمي منهم، فلم يزل يمكر بالخليفة والمسلمين، ويسعى بقطع أرزاق عسكر المسلمين وضعفهم، وينهى عن قتالهم ويكيد أنواعا من الكيد، حتى دخلوا فقتلوا من المسلمين ما يقال: إنه بضعة عشر ألف ألف إنسان أو أكثر أو أقل ... ولما انكسر المسلمون سنة غازان أخذوا الخيل والسلاح والأسرى وباعوهم للكفار النصارى بقبرص، وأخذوا من مرَّ بهم من الجند، وكانوا أضر على المسلمين من جميع الأعداء ..."([16]).



          قلت: ولذلك كان أئمتنا أفقه من أن يداهنوا المنحرفين عن منهج السلف، بل رأوا جهادهم أكبر الجهادين، كما قال يحيى بن يحيى شيخ البخاري ومسلم: " الذبّ عن السنة أفضل من الجهاد "([17])،رواه الهرويُّ بسنده إلى نصر بن زكريا قال سمعتُ محمد بن يحيى الذهلي يقول سمعتُ يحيى بن يحيى يقول: " الذّبُّ عن السُّنّة أفضلُ من الجهاد في سبيل الله، قال محمد: قلتُ ليحيى: الرجلُ ينفِقُ مالَه ويُتْعِبُ نفسَه ويجاهد، فهذا أفضلُ منه؟! قال: نعم بكثير! "([18]).



          وقال الحميدي شيخ البخاري : " والله! لأن أغزو هؤلاء الذين يَرُدُّون حديث رسول الله e أحبُّ إلي من أن أغزو عِدَّتهم من الأتراك "([19])، يعنيبالأتراك:الكفار.وقد وجدتُ مثل هذا عند من هو أعلى طبقةً من الحميدي؛ قال عاصم بن شُمَيْخ: فرأيتُ أبا سعيد ـ يعني الخدري ـ بعد ما كبِر ويداه ترتعش يقول: " قتالهم ـ أي الخوارج ـ أجلّ عندي من قتال عِدَّتهم من الترك "([20]).



          قلت: ولذلك قال ابن هبيرة في حديث أبي سعيد في قتال الخوارج: " وفي الحديث أن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين؛ والحكمة فيه أن قتالهم حفظ رأس مال الإسلام، وفي قتال أهل الشرك طلب الربح؛ وحفظ رأس المال أولى "([21]).

          وقال أبو عبيد القاسم بن سلاّم: " المتبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من الضرب بالسيوف في سبيل الله "([22]).
          إنتباه شديد هنا على هذه المقولة الرائعة لإبن القيم:
          وقال ابن القيم: " والجهاد بالحجة واللسان مقدَّم على الجهاد بالسيف والسنان "([23]).


          يتبع ان شاء الله














          تعليق

          • مجاهدة
            عضو فعال
            • Aug 2004
            • 418

            #6
            الرد: 6 درر من أصول أهل الأثر

            استعمال الشدة في الإنكار على المبتدعة لا يعني الولاء للكفار
            الأصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللين والرفق كما قال الله تعالى: {ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وقال لموسى وهارون صلى الله عليهما وسلم: {اذْهَبَا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}، وقال النبي e: ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع الرفق من شيء إلا شانه رواه مسلم. إنتبه
            لكن إذا كان المنكر لا يغيَّر إلا بنوع من الخشونة فلا بأس باستعماله، ولو كان مع المسلمين، ألا ترى أن الله أباح القتال لذلك، وليس فوق القتال خشونة، فقال سبحانه: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ}. وقد يشتد المؤمن في إنكاره على أخيه أكثر منه مع عدوّه، ألم تر كيف لاَنَ موسى e مع فرعون، واشتد على أخيه هارون e، حتى كان منه ما قصه الله تعالى بقوله: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ}، فهل لأحد أن يحتج عليه بالولاء والبراء، متهِما له بأنه يبسط لسانه ويده على أخيه ويلطف بالطواغيت؟!



            بل ربما كان النبي e يُعنِّف العلماء من أصحابه إذا أخطأوا أكثر من غيرهم، وخذ على سبيل المثال قوله لمعاذ حين أطال الصلاة بالناس: أفتّان أنت يا معاذ؟! متفق عليه، ويقابله تلطفه بالأعرابي الذي بال في المسجد كما في صحيح البخاري وغيره. وقال لأسامة بن زيد حين قَتل في المعركة مشركا بعد أن نطق بكلمة التوحيد : يا أسامة! أقتلته بعدما قال:لا إله إلا الله؟! قال أسامة: " فما زال يكررها حتى تمنيتُ أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم ".



            وقد استفاد أسامة من هذا التعنيف في النصح أيام الفتنة التي كانت بعد مقتل عثمان t، فأورثه توَرُّعا عن دماء المسلمين، قال الذهبي ـ رحمه الله ـ: " انتفع أسامة من يوم النبي e، إذ يقول له : كيف بلا إله إلا الله يا أسامة؟! فكفَّ يده، ولزم بيته، فأحسن "([24]).



            قلت: الله أكبر! ما أعظم التربية النبوية! وما أحقر التربية الحزبية! التي مِن يوم أن حرَّمت أصل ( الرد على المخالف ) وأبناؤها لا يتورَّعون عن دماء المسلمين، اتَّخذوها هدرا باسم الجهاد، ولا تكاد تقوم فتنة إلا وهم وَقودها أو موقدوها، هذه نتيجة مداهنة بعضهم بعضا لوهْم الاشتغال بالكفار!! ولذلك قال ابن تيمية: " المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نَحمد معه ذلك التخشين "([25]). إذن فهذا اللين الذي تستعمله كثير من الجماعات الإسلامية مع أفراد أو جماعات من حمقى المتهوِّرين ـ الذين كثيرا ما يتسببون في استعداء الأعداء على المسلمين ـ ليس من الولاء في شيء؛ لأنه يزيدهم إغراقا في ضلالهم لعدم شعورهم بعظم الجناية.ثم إن الشدة المسلوكة مع المسلمين أحيانا، باعثها الغيرة عليهم من أن يُرَوا ملطخين بشيء من القاذورات، والسعي في تمتين الصف وسدّ خروقه حتى لا يُؤتى من قبله، فليُعلم. ولهذا قال العلامة عبد العزيز بن باز تحت عنوان: الأدلة الكاشفة لأخطاء بعض الكتّاب : " ولا شك أن الشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بالتحذير من الغلوّ في الدين، وأمرت بالدعوة إلى سبيل الحق بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، ولكنها لم تهمل جانب الغلظة والشدّة في محلّها حيث لا ينفع اللين والجدال بالتي هي أحسن؛ كما قال سبحانه: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} وقال تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ} وقال تعالى: {وَلاَ تُجادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}الآية، أما إذا لم ينفع واستمرّ صاحب الظلم أو الكفر أو الفسق في عمله ولم يبال بالواعظ والناصح، فإن الواجب الأخذ على يديه ومعاملته بالشدة وإجراء ما يستحقه من إقامة حدّ أو تعزير أو تهديد أو توبيخ حتى يقف عند حدّه وينزجر عن باطله "([26]).



            مع أن الذي يظهر من مجاملات الأحزاب الإسلامية لأهل البدع والسكوت عن أخطائهم هو أنهم لما حصروا طريق عودة عزّ المسلمين في صندوق الانتخابات تذمّروا من النقد، لأنه ربما أتلف لهم الأصوات، وهكذا السيئة تتبعها أخوات.



            هذا ومن أجل أن الله فرض علينا قَدَراً وجود المخالف ـ الذي يُحسب على الإسلام ـ سلكنا طريق التصفية؛ لأن الله فرض علينا شَرْعاً الرد عليه ـ كما بيَّنته في هذا الأصل ـ، ومن أجل أن الله كتب الرفعة لأهل العلم والتعليم ـ كما بيَّنته في الأصلين اللذين قبل هذا ـ سلكنا طريق التربية، وشرحه يأتي في الأصل التالي.

















            تعليق

            • مجاهدة
              عضو فعال
              • Aug 2004
              • 418

              #7
              الرد: 6 درر من أصول أهل الأثر

              (6)التصفية والتربية



              إذا تبيَّنا أن رفعة الأمة مرهونة بالعلم والعمل، وأن الأمة قد اختلفت فيهما اختلافاً كثيراً، وأنه قد علق بالإسلام ما ليس منه، وأنه لا سبيل إلى التخلص من الذل المضروب علينا من قرون إلا بالرجوع إلى الدين الصحيح، كما روى ابن عمر عن النبي e أنه قال: إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلا لاينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ([1])،وجب المسارعة إلى تحقيق ما يرفع عنا الذل، وهو الرجوع إلى صفاء الوحيين: الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح: أهل القرون الثلاثة الأولى.



              وإذ قد امتدت يد التحريف إلى صفاء الإسلام حتى لوَّثته، وإلى جماله حتى شوَّهته، كانت تصفيته من كل دخيل من أوجب الواجبات، ما دام الحق الذي بعث الله به نبيه e مضمون البقاء إلى يوم تبدل الأرض والسماوات، بضمان الله القائل: {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.



              وإذا دبّ التحريف إلى قوم، وشحَّت مناهجهم عن التصفية، أصابتهم حيرة لا يفرّقون معها بين حلال وحرام، كما روى مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله e قال ذات يوم في خطبته: ألا إن ربي أمرني أن أُعلِّمكم ما جهلتم مما علَّمني يومي هذا: كل مالٍ نَحَلْتُه عبدا حلالٌ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجْتالتهم عن دينهم، وحرَّمَت عليهم ما أحللْتُ لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم: عربَهم وعجمَهم، إلا بقايا من أهل الكتاب .



              ولما كانت الجاهلية على هذا الوصف الذي في الحديث، بعث الله نبيه محمدا e مخلِّصا لها دينها من الشوائب، ومربيا لها على الإسلام الذي ارتضاه لها ربها، وعلى قاعدة (التصفية والتربية) وإن شئت قل (التخلية والتحلية) كانت دعوة الإسلام، ففي التوحيد لا يتربى المرء عليه سليما حتى يتخلص من رواسب الشرك، ولذلك قال الله تعالى:{فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لها}، وفي التشريع لا يتربَّى المرء عليه سليماً حتى يتخلَّص من البدع، ولذلك كان النبي e في كل خطبة جمعة يأمر بلزوم الدين الصحيح المتمثل في الكتاب والسنة ويحذّر مما يَغشُّه ويُكَدِّر صفاءه وهو البدع؛ فقد روى مسلم عن جابر قال: كان رسول الله e إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش، يقول: صبّحكم ومسّاكم ، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة ، وتكراره لهذه الجملة دليل تأصيلها وشدّ العناية إليها. وخلاصة هذه القاعدة أنها تعني تصفية الإسلام من كل دخيل، وتربية الناس على هذا الإسلام الأصيل؛ أي تصفية التوحيد من الشرك، والسنة من البدعة، والفقه من الآراء الحادثة المرجوحة، والأخلاق من سلوك الأمم الهالكة المقبوحة، والأحاديث النبوية الصحيحة من الأحاديث المكذوبة المفضوحة ... وهكذا([2]).



              تطبيق:
              اجتمع الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بعلي بن حاج القائد الروحي ـ كما يقولون ـ للحزب الجزائري: الجبهة الإسلامية للإنقاذ وكان الشيخ على دراية دقيقة بحوادثهم، وبلغه أن مؤيِّديهم يُعَدُّون بالملايين، فكان مما سأله عنه ما أُثبتُه هنا اختصارا أن قال له الشيخ: " أَكُلُّ الذين معك يعرفون أن الله مستوٍ على عرشه؟ " وبعد أخذ وردّ، وتهرّب وصدّ، قال المسئول: نرجو ذلك! قال له الشيخ: " دَعْك من الجواب السياسي! "، فأجابه بالنفي، فقال الشيخ: " يكفيني منك هذا! "([3]).



              هذا السؤال تفرضه قاعدة التصفية والتربية التي هي أدق ميزان تعرف به الدعوات الجهادية اليوم؛ لأن من عجز عن تصفية عقائد مؤيِّديه ومحبيه وتربيتهم على العقيدة السليمة، يكون أعجز عن تصفية ثمراتها من أخلاق وأحكام أمة فيها مبغضوه ومحاربوه، فكيف بتربيتهم بعد ذلك؟! والله يقول: {إنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنفُسِهِمْثم الجهاد نفسه لا يكون إلا بأمة مؤتلفة القلوب؛ لأن الائتلاف رافد النصر كما قال الله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}، والقلوب إن لم تجتمع على العقيدة السلفية كان أصحابها في شقاق لايجبره اجتماعهم في صناديق الاقتراع، قال الله U مخاطباً أصحاب النبي e: {فَإِنْ ءَامَنُوا بمِثْلِ ما ءَامَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ في شِقَاقٍ}. ومهما تكن عليه الغثائية السياسية من تجميع، فإن بداية أمر عقيدتها إلى تمييع، ونهاية تجميعها إلى تفرّق وتبديع؛ لأن اجتماع الأبدان لن يكون إلا مؤقَّتاً، إذا كان عقد القلوب مشتَّتاً، ولم أجد لهؤلاء أصدق وصف من قول الله تعالى في اليهود: {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جمِيعاً وَقُلُوبُهم شتَّى}.



              وجماع الأمر أن الله وعد بالاستخلاف الحسن من عبده وحده بلا إشراك فقال: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِلنَّهُم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً}، ولا يجوز أن يُدفع في صدر هذا النص بضرب الأمثال التاريخية على نقضه؛ لأن المسلم وقّاف عند النص، وقد قال الله تعالى: {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثالَ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ وأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}.



              وأما تحديد الشيخ سؤاله في مسألة الاستواء؛ فلأنها مفترق الطرق بين أهل السنة وأصحاب الأهواء، ولأنها العقيدةُ السهلة التي كان يعرفها مجتمع النبي e الذي فتح الدنيا وقاد الأمم، حتى الجواري من رعاة الغنم. وامتحان الشيخ بها جبهة الإنقاذ، مسلك سلفي وإن رغم أنف كل خلْفي، فقد روى مسلم وغيره عن معاوية بن الحكم السلمي قال: كانت لي غنم بين أُحد والجوانية فيها جارية لي، فاطلعتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة، وأنا رجل من بني آدم، فأسفت، فصككتها، فأتيت النبي e فذكرت ذلك له، فعظَّم ذلك عليَّ، فقلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: (( ادعها ))، فدعوتها فقال لها: (( أين الله؟ )) قالت: " في السماء "، قال: (( من أنا؟ )) قالت: " أنت رسول الله "، قال: (( أعتِقْها؛ فإنها مؤمنة )).



              فتأمل ـ يرحمك الله ـ هذا المجتمع الذي كان يجاهد به النبي e؛ اكتمل في عقيدته حتى عند رعاة الغنم الذين تقلُّ صحبتهم للنبي e ـ كهذه الجارية!ـ وتأمل حقيقة المجتمعات الإسلامية اليوم التي يُطمَع تسلُّق عرش الحكم بها، لتدرك البون الشاسع بين جهاد أولئك وجهاد هؤلاء، فهل استطاعت الدعوات الجهادية أن تجمع الأتباع، فضلاً عن الرعاع على أين الله؟ أم هو سؤال أضحى أُضحوكةً تتندَّر بها الأحزاب في زمن تأثير الحضارات، ومحل سخرية عند منَظِّري الجماعات؟ أم أنهم فهموا ضرورة الحكم بما أنزل الله ولو أنهم ضيَّعوا الله؟! فمتى يأذن الله بعتق رقابهم ممن استذلوهم، كما عتقت الجارية بعد أن عرفت الله؟ {واللهُ غالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون}.



              لكن حقيقة هذا السؤال هي استخراج حقيقة الدعوات، وتبيّن مدى خلوص النيات؛ لأن في الاهتمام بالحكم بالشريعة، وفي الاهتمام بمسألة الاستواء اهتماما بحق الله تعالى، لكن بين الأولى والثانية فرق، وهو أن للعبد في الأولى حظًّا لنفسه، وهو ما يتكرر على الألسن من استرجاع المظالم واستيفاء الحقوق، والعيش الرغد الموعود به حقًّا في قول الله تعالى: {ولو أنَّ أَهْلَ القُرَى ءَامَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّمَآءِ والأَرْضِ} أي أن حظّ العبد خالط حقَّ الرب، وأما الاهتمام بصفة الاستواء لله فهو اهتمام بحق الله الخالص، ليس للداعي إليها أدنى نصيب من حظّ نفسه، فتأمل هذا الفرق تدرك عزّة الإخلاص؛ لأن الدندنة حول قضية الحكم بما أنزل الله، مع إهمال قضايا صفات الرب الخالصة أو تأخيرها أو تهميشها ـ وهي أشرف ما أنزله الله؛ إذ شرف العلم بشرف المعلوم ـ لأكبر دليل على أن في الأمر شائبة، تؤكد ضرورة الرجوع إلى دعوة الأنبياء الذين قالوا لقومهم: {اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه}، فقدَّموا الاهتمام بشرك القبور على الاهتمام بشرك القصور ـ إن صح هذا التعبير ـ، لهذا لم تكن الإمامة من أصول الإيمان([4]).















              تعليق

              • ماهر1398
                عضو متألق

                • Jul 2004
                • 3766

                #8
                الرد: 6 درر من أصول أهل الأثر

                نتمنى منك مشكورة
                ان تضيفي هذه الكلمات
                في موضوع الطريق الى السلفية
                بارك الله فيك

                تعليق

                مواضيع مرتبطة

                Collapse

                جاري العمل...