الجزء الاول

30 ألف ليبيي يخضعون للإعتقال السياسي
النظام الليبي ارتكب ضد الشعب الليبي والعرب رزنامة جرائم
350 مليار دولار أنفقها القذافي على تنظيم المؤامرات الإرهابية
القذافي انتهج سياسة عدوانية تآمرية قلقة متقلبة ضد الجيران والعرب
نفذت المخابرات الليبية 127 عملية تخريب وانقلاب فاشل و اغتيلات فردية
هناك مقولة بدهية معروفة، هي موضع اتفاق، ليس بين الليبيِّين جميعهم فحسب، ولكن بين البشر جميعاً.. هذه المقولة مفادها أنّ لكلّ فعل فاعلاً.. وأنّ وراء كلّ جريمة مقترفاً لها أو مرتكباً.. وأنّ لكلّ جريمة عقوبة وقصاصاً. وسوف أتّخذ من هذه المقولة محوراً وأساساً لهذه المقالة.
فما هي الجريمة التي أعنيها؟
ومن هو مقترف هذه الجريمة ومرتكبها؟ أو من هو المسؤول عنها؟ وما هو الموقف من هذا الجاني/ المسؤول عن هذه الجريمة؟ أو ما هو جزاؤه؟ وما نوع القصاص الذي ينبغي أن يلحق به؟
مظاهر وملامح المأساة
خضعت ليبيا حتى الآن للسلطة التي أقامها النظام الانقلابي بقيادة الضابط معمر القذافي نحواً من أربع وثلاثين سنة..
فماذا كان حصاد هذه السنوات؟ وماذا كانت المحصّلة النهائية للسياسات والمواقف والممارسات التي انتهجها هذا النظام على امتداد هذه السنوات؟!
قبل أن ننطلق في البحث عن إجابة لهذا السؤال، نرى ضرورة تنبيه القارئ إلى جملة من الحقائق ذات الصلة وهي:
* أنّ ليبيا لم تتعرّض على امتداد هذه السنوات لأيّة كوارث أو نوازل طبيعية.
*وأنّ عدد سكان ليبيا ظلّ في حالة نموّ طبيعي إلى أن بلغ في نهاية هذه الحقبة نحو (5) ملايين نسمة.
* وأنّ جميع مقدّرات وثروات ليبيا وإمكاناتها ظلّت تحت تصرّف هذا النظام، وكان في مقدّمتها عائداتها النفطية التي جاوزت وحدها ما يربو عن (350) مليار دولار حسب أقلّ التقديرات.
ولنعد بعد هذا إلى السؤال الذي طرحناه..ماذا كان الحصاد النهائي والمحصلة الختامية لنهج النظام الانقلابي ولسياساته؟!
نحسب أنّ هناك إجماعاً بين الليبيّين في الداخل كما في الخارج، بل بين كثير من المحسوبين على النظام الانقلابي، بأنّ الشعب الليبي يعيش الآن وفي ظلّ هذا النظام حالة مأساوية كارثية. وهي حالة بدأت مع السنوات الأولى لهذا النظام وازدادت مع مضيّ السنوات سوءاً وتفاقماً. وهي حالة بلغت غاية البشاعة والزراية، كما أنّها غير مبرّرة بأيّ منطق لا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار ما كانت عليه أوضاع ليبيا من تقدّم وازدهار قبيل مجيء هذا النظام، وأخذنا في الاعتبار الحجم الهائل لثروات وعائدات ليبيا النفطية خلال هذه الحقبة، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أيضاً ما استطاعت دول أخرى أن تنجزه وأن تحقّقه خلال الحقبة ذاتها بإمكانات وثروات أقل وبثقل سكاني وأعباء أكبر.
من مظاهر هذه المأساة الكارثة التي تعيشها ليبيا:
أولاً: على الصعيد الداخلي
1- ألغى انقلابيو سبتمبر دستور البلاد الصادر في عام 1951 وأبقوها طوال هذه الحقبة بلا دستور ينظّم علاقة الحاكم بالمحكوم، ويقدّم الضمانات القانونية التي تكفل وتصون حرّيات المواطنين وحقوقهم الأساسية. وأبقوا البلاد بلا مؤسسات دستورية ثابتة تحدّد اختياراتها وترسم سياساتها وتقرّر مواقفها وفقاً لما يراه شعبها. وأصبحت شؤون البلاد كلّها رهن مزاج وهوى الانقلابيين.
2- ألغى انقلابيو سبتمبر الحياة البرلمانية التي عرفتها ليبيا، دون توقّف أو انقطاع، منذ حصولها على الاستقلال في عام 1951. واستبدل الانقلابيون مجلسي الشيوخ والنواب بهياكل هزيلة جوفاء كانت مهمّتها الأساسية تزييف إرادة الشعب الليبي.
3- اعتدى الانقلابيون على السلطة القضائية وهيمنوا عليها وأفقدوها كافّة مظاهر الاستقلالية والحيدة والنزاهة والعدالة.
4- فرض انقلابيو سبتمبر (الكتاب الأخضر) على الشعب الليبي وقنّنوا مقولاته السقيمة العقيمة. واستصدروا عدداً من القرارات والقوانين التي صادروا بموجبها حرّية العمل السياسي وألغوا كافة منابر التعبير الحر، وأمّموا الصحافة، وأخضعوا حركة المواطن الليبي لهذه المقولات ولجملة من المكبّلات والعوائق في شتى مجالات الحياة، ارتكست به إلى ما دون خطّ الآدمية.
5- أخضع انقلابيو سبتمبر هياكل الدولة ومؤسساتها الإدارية، وأجهزة التخطيط والرقابة والمحاسبة التي ورثوها عن العهد الملكي، لسلسلة متواصلة من التعديل والتبديل والفكّ وإعادة التركيب تحت شتى المسمّيات، الأمر الذي أدّى إلى إرباك عملها بل وشلّه وأدّى في النهاية بأجهزة الدولة كافّة إلى حالة من الفوضى الشاملة المتواصلة. كما أخضع انقلابيو سبتمبر العاملين بالدولة إلى جملة من الإجراءات والقرارات المربكة والمعاملات المذلّة المهينة وليس أقلّها الإبقاء على مرتّباتهم وأجورهم عند المستوى الذي كانت عليه في عام 1981، وتعمّد تأخير صرف هذه المرتبات والأجور (التي يفترض أن تكون شهرية) إلى ما يجاوز الستة أشهر في بعض الأحيان.
6- أخضع الانقلابيون البلاد لعمليات تجريب سياسي متواصلة أسهمت، مع ما تعرّضت له الأجهزة الإدارية من تعديلات مستمرّة، في إرباك مسيرة الدولة وبإهدار جزء كبير من وقت وجهد ثروتها البشرية فضلاً عن المادية.
7- أقام الانقلابيون (منظومة إرهاب داخلي) قوامها اللجان الثورية والأجهزة الأمنية والمحاكم الخاصّة والثورية واستصدروا لها القرارات ووفّروا لها الأموال وكافّة المستلزمات البشرية والمادية. ومارست هذه الأجهزة الإرهاب والقمع والفتك بالمواطنين الليبيين بشكل متواصل ومتعاظم، في الخفاء وفي العلن بعلم وبتعليمات الانقلابيين.
8- مارس انقلابيو سبتمبر عبر الأجهزة واللجان التي أقاموها وبموجب القرارات والقوانين التي استصدروها، استباحة كاملة لحقوق وحريات المواطنين، واعتدوا بشكل متواصل ومبرمج ومتعمّد على حرّياتهم وحتى على حياتهم. ولا بدّ في هذا الصدد من تسجيل وقوع الجرائم والانتهاكات التالية خلال هذه الحقبة:
* تعرّض ما لا يقلّ عن (30) ألف ليبي للاعتقال السياسي بأسلوب تعسّفي وغير قانوني.
* تعرّض عدد كبير من المعتقلين السياسيين لأبشع أنواع التعذيب النفسي والبدني ووفاة أعداد منهم تحت التعذيب.
* قيام النظام بقتل ما يزيد عن (500) مواطن ليبي إمّا عن طريق الاغتيال العلني أو تحت التعذيب أو بالإعدام السرّي أو العلني دون محاكمة أو عقب محاكمات صورية أمام محاكم خاصّة أو ثورية. هذا فضلاً عن ضحايا مجزرة (سجن أبي سليم) في عام 1996 الذين يقدّر عددهم بما يربو عن ألف قتيل. * اختفاء العشرات من المواطنين الليبيّين وغيرهم اختفاءً قسرياً في ليبيا، ومن أبرز حالات الاختفاء القسري من الليبيّين الشيخ أحمد البشتي والدكتور عمرو خليفة النامي وجاب الله حامد مطر وعزّات يوسف المقريف ومنصور رشيد الكيخيا.
9- فرض انقلابيو سبتمبر على البلاد سياسات اقتصادية فاشلة وعقيمة لا صلة لها بمعطيات الواقع الليبي، وتجاهلوا بشأنها أخذ آراء الخبراء والاختصاصيين. كما أقاموا مشروعات صناعية وزراعية فاشلة بتكاليف باهظة استنزفت ثروات البلاد المائية وأسهمت في إفلاس خزانتها، ولم تحقّق أيّ هدف من الأهداف المعلنة لها سواء في مجال تحقيق الاكتفاء الذاتي أو تزويد البلاد بمصادر دخل بديلة للنفط. كما أهمل الانقلابيون الاهتمام بصيانة البنية الاقتصادية التحتية التي ورثوها عن العهد الملكي.
10- تعمّد انقلابيو سبتمبر إهمال الإنفاق على قطاعات التعليم والصحة والإسكان والرعاية الاجتماعية وشؤون البيئة بحجج وذرائع واهية. وقد ترتّب على هذا الإهمال أن أصبحت حياة الليبيّين معرّضة لشتى أنواع الأخطار كما تدنّت مستويات معيشتهم إلى مستويات الشعوب الفقيرة المعدمة التي لا تملك بلادها أيّة ثروات. ولا بدّ من التأكيد على أنّ الانقلابيين قاموا عن عمد بانتهاج سياسة تعليمية فرضت على الناس الجهل وبلغت بالتعليم أحطّ مستوياته.
11- أنفق الانقلابيون ما لا يقلّ عن %40 من عائدات ليبيا النفطية على شراء السلاح وتكديسه وعلى الإنفاق العسكري. وتجمع التقارير على أنّ (العبء العسكري) في ليبيا في ظلّ النظام الانقلابي بلغ خلال الثمانينات ضعف المعدل العالمي. وفضلاً عن أنّ هذا الإنفاق لم يكن مبرّراً بأيّة حسابات أمنية أو استراتيجية وطنية أو حتى قومية، فقد كان على حساب خطط وبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية في ليبيا خلال هذه الحقبة، كما أنّه أغرى الانقلابيين بالإقدام على مغامراتهم وتدخلاتهم العسكرية في شؤون شتى الدول الأفريقية والعربية بكلّ نتائجها المأساوية. ومن المعروف أنّ الجزء الأكبر من هذا السلاح قد أكله الصدأ والبلى.
12- استخدم الانقلابيون جملة من السياسات، ومنذ مرحلة مبكّرة، استهدفت إفساد المؤسسة العسكرية وإلهاءها عن مهامها المعروفة، وفي النهاية تدميرها.
13- شجّعت السياسات التي انتهجها الانقلابيون وبخاصّة فيما يتعلّق بتعطيل دور أجهزة المحاسبة والرقابة المالية والإدارية على استباحة المال العام وانتشار الفساد المالي على أوسع نطاق. وقد مارس انقلابيو سبتمبر وأبناؤهم وأقاربهم عملية سطو ونهب سافرة لأموال الدولة بل ولأموال المواطنين الخاصّة.
14- السياسات التي انتهجها الانقلابيون على انتشار الفاحشة والرذيلة وشيوع التفسّخ الاجتماعي والانحلال الأخلاقي وانتشار الجريمة والمخدرات.
هذه هي أهم ملامح الكارثة التي أصابت ليبيا وشعبها على امتداد الأربع والثلاثين سنة الماضية جرّاء سياسات النظام الانقلابي وممارساته.. ولا نحسب أنّ هناك من يحجم أو يتردّد في وصف هذه الكارثة بالجريمة.. فهي ليست مجرّد أخطاء أو تجاوزات.. إنّها جريمة بل هي رزنامة جرائم.
ماذا كان شعبنا وأمّتنا يتوقعان من النظام الانقلابي أن يقوم به وطنياً وعلى كافة الأصعدة الخارجية عربياً وإسلامياً وعالمياً، أخذاً في الاعتبار إمكانات ليبيا وثرواتها، وفي ضوء الميراث الطيّب من العلاقات الخارجية الحسنة التي خلّفها العهد الملكي؟ العقل والمنطق والمعطيات كلّها؛ المحلية والقومية والدولية، كانت توجب على النظام الانقلابي:
* أن يوظّف إمكانات ليبيا الهائلة ابتداءً من أجل خير شعبها كلّ شعبها، ومن أجل رفاهيته وتطويره وتنميته، ثمّ من أجل خير جيرانها وأمّتها وقارّتها.
* أن يقيم أوثق علاقات التعاون والتبادل والتضامن عربياً وإفريقياً وإسلامياً وعالمياً بما يخدم:
- قضايا التحرّر والوحدة والتكامل والنهضة عربياً.
- قضايا التنمية والتحرّر والتضامن إفريقياً وإسلامياً.
- قضايا السلم والتعاون والتبادل الثقافي والتجاري والتقني عالمياً.
غير أنّ رأس النظام الانقلابي الضابط معمر القذافي فاجأ الليبيّين (بمن فيهم زملاؤه من أعضاء مجلس قيادة الانقلاب) وفاجأ العرب وسواهم بأنّه يعتبر نفسه:
* وريث الناصرية وأمين القومية العربية.
* أنّه مفكّر أممي وصاحب نظرية تملك حلّ كافّة مشاكل البشرية وإنقاذ العالم أجمع.
* أنه الوصيّ على الثورة العالمية، وأنّه يملك الحقّ في تصدير الثورة إلى شتى أنحاء الكرة الأرضية، وأنّه المكلّف بتثوير العالم.
ولم يكتفِ النظام الانقلابي بأقوال الضابط القذافي فسارع إلى اتّخاذ كافّة الإجراءات والخطوات التي من شأنها توظيف ثروات ليبيا وإمكاناتها وعلاقاتها من أجل خدمة هذه الأوهام والادّعاءات.
فتمّ ترجمة (الكتيّب الأخضر) إلى كافّة لغات الدنيا وطبعه وتوزيعه مجاناً على حساب خزانة الشعب الليبي، كما أقيمت عشرات الندوات والملتقيات المدفوعة الثمن من أموال الشعب الليبي، كما جرى فتح كافّة منافذ ليبيا الجوية والبرية لاستقبال شتى أنواع المرتزقة من كلّ مكان، مرتزقة الكلمة ومرتزقة السلاح ومن هم على شاكلتهم، كما تمّت استضافة ورعاية شتى الحركات والجماعات والهيئات التحرّرية وغير التحرّرية من كلّ أصقاع العالم وأجناسه، وفُتحت معسكرات التدريب العسكري لهؤلاء الوافدين في كثير من أرجاء التراب الليبي، تمّ تكديس مختلف أنواع السلاح والذخيرة والألغام من شتى المصادر الغربية والشرقية كما جرى إقامة مصانع لإنتاج المتفجرات والمواد المفخخة بإشراف عملاء المخابرات المركزية السابقين وغيرهم، شرع النظام منذ مرحلة مبكّرة في بذل المساعي من أجل اقتناء قنبلة ذرّية (ولو صغيرة) ثمّ شرع فيما بعد في اتّخاذ الخطوات لاقتناء وإنتاج الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.
وفضلاً عن ذلك فقد تمّ إعادة تنظيم أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية والدبلوماسية وأعيد النظر في أولوياتها وأهدافها بما يخدم هذه الأوهام، كما وضعت الترتيبات التي تكفل تمويل هذه النشاطات من الخزانة الليبية دون تقتير أو تعطيل ودون أيّ رقابة أو محاسبة.
وقد أورد الرائد عبد السلام جلود في خطاب ألقاه بمدينة سرت خلال ما عُرف بعيد الوفاء الذي أقيم في الذكرى العشرين للانقلاب أنّ النظام أنفق منذ قيام الانقلاب وحتى ذلك التاريخ ما نسبته 22% من عائدات ليبيا النفطية (أي نحو 44 مليار دولار) على تمويل ودعم ومساندة حركة الثورة العالمية وحركات التحرر.
غير أن الضابط القذافي لم يكن سعيداً بإنفاق هذا المبلغ فقط على حركات التحرّر. لقد بدا هذا المبلغ الضخم زهيداً في نظره.. فقال وبالحرف الواحد خلال اللقاء الذي أجرته معه إذاعة لندن ال(بي. بي. سي. البريطانية) خلال الذكرى نفسها، ونشرته صحيفة (الزحف الأخضر) الرسمية في عددها الصادر يوم 25-9-1989 ما نصّه:
(إنّنا نتأسف لأننا لم ننفق ثروتنا كما ينبغي.. كان يجب أن ننفق حتى على حساب الصناعة والزراعة الليبية.. على حركات التحرّر في العالم.. إنّني متأسف جداً لأنّني لم أنفق المليارات على حركات التحرّر.. وهذا خطأ.. إذ كان يجب أن ننفق ثروتنا على هذه الحركات حتى يهزم ال******* والصهيونية في كل مكان).
لقد انتهج النظام الانقلابي في ظلّ هذه الأوهام التي استبدت برأس الضابط القذافي تجاه جيران ليبيا وأشقائها ومع بقية دول العالم، سياسات عدوانية نزقة، قلقة ومتقلّبة..
* تبدأ بالبذاءة الكلامية التي لا تعرف الحدود.
* وتمرّ بتسفيه الاختيارات السياسية والإيديولوجية لها جميعاً..
* وتصل إلى حدّ العدوان والتآمر السافر على بعضها وبالحروب مع بعضها..
* وتنتهي إلى القطيعة السياسية والدبلوماسية مع معظمها


تعليق