وجه الحقيقة: وجه أمريكا المظلم موجود لمن أراد التمعن في النظر

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • ابو سلمان
    عضو متميز
    • Aug 2004
    • 3497

    #1

    وجه الحقيقة: وجه أمريكا المظلم موجود لمن أراد التمعن في النظر

    نتسأل كثيراًهل أمريكا بهذا الجمال والإحسان والخير الذي يصوره البعض؟ حقيقة نجدهم يتغزلون في أمريكا التي يعرفها العالم كله، فهي تلك الإمبراطورية التي قامت على أنقاض مليونين من البشر من ذوي البشرة الداكنة أبيدوا في سنوات كما تباد الصراصير والحشرات اليوم, فقط لأن البيض الأنجلوساكسونز رأوا أنَّهم شعبّ وحشيٌ لا يستحق الأرض أو العيش.
    أمريكا اليوم, هي أمريكا ذاتها التي ألقت قنابلها الذرية على نجازاكي وهيروشيما وأبادت عشرات الألوف من البشر من ذوي البشرة الصفراء. وهي ذاتها التي قتلت ثلاثة ملايين فيتنامي في حرب أكلت الأخضر واليابس.
    أمريكا اليوم, وفقط اليوم, تملك 733 منشأةً عسكريةً في أكثر من 130 دولة, ولا أظن منشآتها هذه وجدت من أجل توزيع نسخ الأفلام الهوليودية أو توزيع أجهزة الكمبيوتر المجانية, أو التبشير بالإنسانوية وقيمها.
    أمريكا,هي ذاتها أمريكا أبو غريب, هي ذاتها أمريكا جوانتانامو, هي ذاتها أمريكا الفيتو ضد كل قرار يدين إسرائيل.
    أمريكا هي ذاتها أمريكا التي ترفض التوقيع على المعاهدة الدولية لحظر الألغام الأرضية، وهي ذاتها أمريكا التي تنتهك يومياً بروتوكول كيوتو من أجل تخفيض الإنبعاثات الحرارية، بل والأدهى أن أمريكا هي الدولة الوحيدة ـ بالإضافة إلى الصومال ـ التي لم توقع على معاهدة الأمم المتحدة لحقوق الطفل, فيا لله وللرحمة الأمريكية بالطفولة.
    أعلم يقيناً أن في أمريكا من الحضارة والرقي ما هو أكثر من المصارعة الحرة والروك وأفلام جيم كاري، كما أنني أعلم أن الترفيه والفن والرياضة لم تكن في يوم دليلاً على السبق الحضاري, وبلد النسر العجوز يحوي من منتجات الحضارة الأمريكية في جانبيها المدني والقانوني ما يُغني عن هذه الأمثلة التي تأتي دائماً في آخر السلم الحضاري لدى علماء الاجتماع كما يعلم هذا أهل الفن.
    ولا تعبر هذه الأنواع من الفعاليات عن حقيقة حضارية يُحاكم رقي المجتمع ومدنيته وحضاريته على ضوئها. فلو أخذنا الرياضة مثلاً لوجدنا أن البرازيل تتقدم العالم في كرة القدم والطائرة, والصين تتقدمه في الجمباز وألعاب الهواء , وجاميكا وتيرينيداد في العدو القصير, وتنزانيا والمغرب في المسافات الطويلة والماراثون وهكذا سينتهي بنا الحال عائدين إلى مدرجات الدرجة الثانية وغوغائيتها ليغني كلٌ على ليلاه ووفق مزاجيته. مقياس الحضارة والرقي هو الإنسان، حريته, طمأنينته, خلاصه الروحي, عمارته للأرض بطريقة رشيدة.
    أمريكا مثيرة للدهشة والإعجاب فعلاً بطريقتها في السعي الحثيث للتجريب العلمي والجدة المنهجية والدقة والإحاطة والصرامة والحيوية التي أنزلت الإنسان على سطح القمر, وأرسلت المسابر تقمش في الفضاء, واخترعت الإنترنت، تلك أمريكا التي لا أحد يُنكر دورها.
    أمريكا تلك هي التي خرج ملايين البشر فيها بحيوية لا تخطئها عين رافضين للحرب على العراق. أمريكا تلك هي التي فاز مخرجها العالمي مايكل مور بجائزة مهرجان "كان" العالمي فندد مِن على منبر الجائزة وسخر وشتم وسخَّف رئيس حكومته, لا ينكر هذا سوى من أصابه مس في عقله, أو عمىً في عينيه.
    لكن أمريكا تلك هي أيضاً التي أصابها غرور القوة ومسَّها ما مسَّ قبلها من الطغاة, فتجبرت وتنمرت وظنت ألا غالب لها وألا راد لقضائها, فطفقت تقتل وتحتل وتهدد وتتوعد وتعلن وتلعن وتوزع صكوك المدنية والديمقراطية على من رضخ وعرائض التخلف والتشدد والإرهاب على من رفض وتُمحور الشر على ميزانها والخير على مزاجها. لا شك أن قرارات شن الحروب أو الغزو ليست بتلك البساطة, لكنها تغدو سهلة جداً حين تكون القوة في الخلفية التي تُنقش عليها هذه القرارات.
    المثقف العربي لا يجب أن يكون قاضياً, بل محامياً نزيهاً, ينظر في الوقائع, ويفكك بنى التخلف, ويترصد أدوات المعايرة السوسيولوجية, ويبحث عن طرق ثالثية تلتف على العوائق البيروقراطية في الذهنية العربية,وتُدعِّم الوعي, وترسل إشارات مُشجعة لإمكانية النهضة والخروج من عنق المأزق الحضاري.
    أما الشتم والسخرية والإقصاء وتحميق الناس وتغفيلهم والحط من شأنهم فيدعه المثقف للعنصريين المتيمين بالطبقية العرقية والدينية والمهووسين بتصنيف الآخرين ضاربين عرض الحائط بالمنهجية العلمية الإنثروبولوجية. لن أدافع عن العرب فلا أحسن الدفاع ضد الشتائم, ولستُ معنياً بالرد على أي خطابٍ عنصريٍ لأنني أرى أن الرد على العنصرية هو موافقة لها في أسسها العلمية, ولا يوجد اليوم أسخف وأضعف من الخطاب العنصري.
    يتحدث المطبلون عن انتهاء عصر ال******* وتدشين عصر العولمة..., ثم يبشرون بأن أمريكا هي القائد المرشد في عصر العولمة الذي سيوجهنا إلى بر الأمان والحضارة والمدنية، ويبدو أنهم لا يعرفون العولمة جيداً ولم تقرأ كتاب "فخ العولمة" الذي يُشرِّح العولمة ويُشير إلى خطورتها وخطورة أنساقها الثقافية التي تتخذ من النشوء والارتقاء بدعم الآلة الاقتصادية والإعلامية منهاجاً لكنس كل الهويات الثقافية والخصوصيات الأخرى.
    يقولون: إن العرب يشتمون أمريكا ويلعنونها, لكنها مشغولة بإكمال ما جاءت من أجله إلى الشرق الأوسط؟
    وأنا أسأل: ما الذي جاءت من أجله؟ هل جاءت لتحريرنا؟‍
    هذه هي أمريكا دون رتوش, أمريكا التي نفذت سهامها إلى قلوبنا كما نفذت إلى عقول بعضنا, فلم يعرفوا اليد التي لهم من اليد التي أثكلتهم كما قال أمل دنقل رحمه الله.
    عبدالله العجمي /جريدة الوطن السعودية

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...