أشرف محمد كشك
باحث متخصص فى القضايا الخليجية
يمتلك الشيعة مجموعة من الآليات التى تمكنهم من التأثير فى المعادلة العراقية، وتنبع هذه الآليات من نسبتهم العددية بين السكان العراقيين، حيث تتراوح نسبتهم ما بين 52 إلى 60% من مجموع سكان العراق ويتركزون بالأساس فى الجنوب، كما يوجدون أيضًا فى الوسط، وعقب الغزو الأمريكى للعراق استطاع الشيعة التغلغل فى مؤسسات الدولة العراقية مما أثار الدول المجاورة، خاصة الدول الخليجية الست لعدة اعتبارات، أولها: تحتوى تلك الدول على نسب متفاوتة من الشيعة تتراوح فى أدناها بين 5% وأقصاها 70% ، وبالتالى أثيرت المخاوف لدى تلك الدول، انطلاقًا من معاناتها من المد الشيعى فى أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979، وهو الأمر الذى عبر عنه بوضوح وزير الخارجية السعودى سعود الفيصل، حيث حذر من تزايد النفوذ الشيعى الإيرانى فى العراق، وثانيها: تعد الدول الخليجية الست أكثر تأثرًا بما يحدث فى العراق، حيث ظل العراق لعقود أحد مصادر التهديد الرئيسية، وثالثها: ما يحدث فى العراق سيكون له تأثير بالغ على المنطقة ككل التى تعانى من خلل أمنى واضح.. وتستهدف تلك الرؤية بحث الصعود الشيعى فى العراق من حيث النفوذ الإيرانى والأثر الخليجي.
أولاً- الواقع الراهن للشيعة فى العراق وآليات تأثيرهم:
1- الواقع الراهن للشيعة فى العراق:
تعد الشيعة أكبر الطوائف العراقية، حيث تبلغ نسبتهم حوالى 60% من سكان العراق ويتركزون بالأساس فى جنوب ووسط العراق، وقد كانت تلك القوة العددية سببًا رئيسيًا فى اعتماد الولايات المتحدة عليهم بعد غزو العراق، وهو ما تلاقى مع الرغبة الشيعية ذاتها، حيث رأى الشيعة أنه ينبغى أن تكون لهم الأولوية فى إدارة العراق بعد حرمان وتهميش لعقود طويلة، ومن ثم فقد بدا تأثيرهم ووجودهم واضحًا سواء فى مجلس الحكم الانتقالي، حيث حصلوا على 13 مقعدًا بنسبة 56% كما نالوا 13 حقيبة فى تركيبة الحكومة العراقية المؤقتة فى مقابل 10 حقائب مناصفة بين السنة والأكراد، واثنين مناصفة بين التركمان والمسيحيين، وقد لوحظ تأثير الشيعة الواضح فى العراق من خلال اعتراضهم على كيفية اختيار الحكومة واللجنة الدستورية والمجلس التشريعى الانتقالي، فضلاً عن فوز قائمة الائتلاف العراقى الموحد (الشيعة) بأغلبية مقاعد الجمعية الوطنية المؤقتة خلال الانتخابات التى أُجريت فى يناير 2005، إضافة إلى ارتفاع نسبة مشاركة الشيعة فى الاستفتاء على الدستور، سواء فى محافظات الجنوب التى تقطن بها أغلبية شيعية أو فى الوسط، حيث تعدت نسبة الموافقة فى الكثير من الأحايين نسبة الـ90%، بالإضافة إلى ترشيح الكتلة الشيعية إبراهيم الجعفرى رئيسًا للوزراء فى تشكيل الحكومة الجديدة خلال شهر فبراير الماضي.
وتتمثل القوى الرئيسية فى العراق فيما يلي:
1- الحوزة العلمية: وقد تأسست فى النجف الأشرف وكربلاء وسامراء فى القرن الخامس الهجرى ويقودها حاليًا آية الله على السيستانى ويستمد مكانته من أمور ثلاثة، أولها: مكانة مدينة النجف الأشرف، وثانيها: شيعة العراق يمثلون الأغلبية السكانية، وثالثها: أموال الخمس التى تعطى للمراجع الدينية الأمر الذى يمنحهم استقلالاً اقتصاديًا عن الدولة.
2- المجلس الأعلى للثورة الإسلامية: وقد تأسس فى إيران فى عام1980 وترأسه محمد باقر الحكيم قبل اغتياله فى 29 أغسطس 2003، وهو ليس حركة سياسية بقدر ما هو تجمع نخبوى دون برنامج سياسى واضح.
3- الأحزاب والحركات المنظمة: ويأتى فى مقدمتها حزب الدعوة الإسلامية ومنظمة العمل الإسلامية وهى جماعات ليس لها جماهيرية وبها انشقاقات داخلية عدة.
4- تيار الصدر: ويقوده مقتدى الصدر بعد مقتل الصدر الأب عام 1999، وقد نجح هذا التيار فى إنشاء ميليشيات خاصة به، وله خلافات عدة مع تيار السيستانى وتيار الحكيم، ويلاحظ أن تلك التيارات ليست جبهة واحدة.
2- آليات تأثير شيعة العراق:
تعد دول مجلس التعاون الخليجى أكثر الدول تأثرًا بالعامل الشيعى فى العراق، خاصة أن تلك الدول تضم مجموعات شيعية مختلفة، وقد بدأ التشيع فى الظهور فى تلك الدول فى ظل سياسة شاه إيران رضا بهلوى المركزية التى تسببت فى تهجير عرب إيران إلى مناطق واسعة بالبصرة والكويت والسعودية والبحرين.
ولعل مصدر تأثير شيعة العراق فى نظرائهم بدول الخليج هو أن الأخيرة خالية من أى مرجع شيعى. ورجال الدين الكبار من الشيعة هم فى الأصل وكلاء للمراجع المقيمين فى النجف أو قم أو بيروت، وبالتالى فإن وجود دولة يهيمن عليها الشيعة أو دولة شيعية فى جنوب العراق قد يجعل الشيعة فى الدول الخليجية الست منجذبين إليها، ومن ثم فإن أى فتوى تصدرها الحوزة العلمية المقبلة ستكون دستورًا وقانونًا على سائر شيعة المنطقة، وسوف تستطيع تحريك الملايين من الشيعة بكل سهولة، لاسيما وأن الحوزة فى هذه الحالة سوف تعتبر مرجعًا دينيًا وربما سياسيًا لشيعة الخليج.
ويتطلب هذا الأمر التعرف على التنافس التقليدى بين مدينتى النجف العراقية وقم الإيرانية، حيث ظل هذا التنافس لعقود طويلة فى دائرة التنافس على المرجعية الشيعية، فقبل عام 1979 كانت مدينة النجف التى تبعد عن بغداد نحو مائة وستين كيلو مترًا تمثل المرجعية الشيعية، إلا أنه بعد انتصار الثورة الإسلامية فى طهران عام 1979 تزامنت معها إجراءات تعسفية مارستها الحكومة العراقية فى بغداد ضد النجف وعلمائها بلغت ذروتها باغتيال محمد باقر الصدر، وبالتالى بدأت مدينة قم الإيرانية تأخذ الدور الريادى للمرجعية، وذلك حتى سقوط النظام فى العراق عقب الغزو الأمريكى فى مارس 2003، مما أدى إلى إثارة قضية إمكانية انتقال المرجعية لمدينة النجف الأشرف مرة أخرى.. ويرتبط شيعة الخليج بالمراجع الشيعية من خلال تقديم أموال الخمس وهى واجبات مالية دينية وتقدر بمئات الملايين من الجنيهات.
وهنا تجدر الإشارة إلى الدور الإيرانى المهم فى صعود الشيعة فى العراق، حيث تشير أحد استطلاعات الرأى التى أُجريت فى العراق فى شهر مايو عام 2005 إلى دور إيران فى نشوب حرب أهلية فى العراق، فقد رأى 50.9% من المستطلعة آراؤهم أن إيران هى الدولة المجاورة التى يمكن أن تؤجج حرباً أهلية فى العراق. تليها سوريا بنسبة 17% وتركيا بنسبة 13.2%، بالإضافة إلى ما كشفته تقارير استخباراتية بريطانية من تدفق أطنان الأسلحة وسكان المنطقة الشيعية الأوسع فى جنوب العراق فى سعيها لقيام إقليم شيعى شبه مستقل يمتد من الحدود الجنوبية الأقصى مع الكويت حتى مناطق الكثافة الشيعية داخل العاصمة بغداد، ويدعم ما سبق تأكيد الشيخ ضياء الشكرجى العضو القيادى البارز فى حزب الدعوة الإسلامية بالعراق بالقول أن إيران هى الخطر الأول علينا.
ثانياً- واقع الشيعة فى دول مجلس التعاون الخليجى:
لا توجد إحصاءات رسمية خليجية حول عدد الشيعة فى دول مجلس التعاون الخليجي، وتشير التقديرات عمومًا إلى أن الشيعة يمثلون أغلبية السكان فى مملكة البحرين، حيث تتراوح نسبتهم ما بين 65-70%، وفى المملكة العربية السعودية يمثلون ما بين 15-25%، ويمثل الشيعة ما بين 15-20% من السكان فى الكويت، وفى الإمارات يمثلون ما بين 5-10%، بينما يأتى أقل الشيعة عددًا فى سلطنة عمان فيتراوحون بين 3-7%، وفى دولة قطر لا توجد أرقام محددة لعدد الشيعة.
ومما لاشك فيه أن التركيبة السياسية الجديدة فى حكومة العراق عكست صعود التيار الشيعي، فى مقابل تهميش وإقصاء السنة، وقد تعزز دور الشيعة مع تزايد النفوذ الإيرانى داخل العراق، وما تردد بشأن انفصال الشيعة فى جنوب العراق وتكوين دولة سيكون ولاؤها الأول لإيران، الأمر الذى أدى إلى تزايد المطالب الشيعية فى دول الخليج، خاصة فى دولتى الكويت والسعودية.
1- مطالب الشيعة فى الكويت:
على الرغم من أن الكويت تشهد حالة من الانفتاح السياسي، إلا أن أحداث غزو العراق كان لها تأثير على تزايد المطالب الشيعية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
- تأكيد بعض الناشطين على أن تغير الظروف الإقليمية ينبغى أن يصاحبه التفات أكثر لحقوق الشيعة، ومن ذلك ما صرح به الناشط السياسى الشيعى على المتروك بالقول: لقد حصلت تغييرات إقليمية ودولية يجب أخذها فى الحسبان والأمر أصبح مستحقًا (...) أرجو أن يكون هناك التفات أكثر للحقوق السياسية للشيعة فى الكويت، وأضاف: هذه ليست مطالب طائفية، بل وطنية ومن خلال الدستور، وتعكس تلك التصريحات مدى شعور هذه الطائفة بالتمييز وتتنوع مطالب هؤلاء ويمكن حصرها فيما يلي:
أ- المطالب السياسية: يطالب الشيعة فى الكويت بزيادة عدد الوزراء الشيعة فى مجلس الوزراء، وفى هذا الصدد قال السيد محمد باقر المهرى أمين عام تجمع علماء الشيعة فى الكويت الحكومة لا تفرق بين السنة والشيعة لكننا نريد أن يزيد عدد الشيعة فى المناصب السياسية بما فيها الوزراء، وأن يكون ذلك مبنيًا على الكفاءة لا الطائفية، وبلغ الأمر إلى إصدار مكتب السيد المهرى بياناً يحذر فيه الحكومة من تجاهل وإبعاد الشيعة عن المناصب السياسية والمؤسسات الدستورية، وتضمن البيان الحديث عن شرخ فى الوحدة الوطنية إذا لم تعين الحكومة وزيرًا شيعيًا أو تستخدم صلاحيتها فى تعيين نائب بالمجلس البلدى من الشيعة.
ب- المطالب الدينية: لم تقتصر المطالب الشيعية فى الكويت على المطالب السياسية، بل ظهرت مطالبات أخرى مثل إقامة أمانة جعفرية وتوظيف الشيعة فى بعض المؤسسات مثل بيت الزكاة والأمانة العامة للأوقاف وبعض المؤسسات المالية، وهو ما أشار إليه النواب الشيعة الخمسة فى مجلس الأمة، كما طالبوا بإعطائهم حق ترميم مساجدهم، وإنشاء حوزة عملية تدرس الفقه الجعفرى، وبناء المساجد والجامعات والمدارس، وتعيين قضاه شرعيين شيعة، فضلاً عن تعيين الشيعة فى النيابة.
وعلى الرغم من أن المطالب السابقة هى مطالب مشروعة وتأتى فى إطار تزايد المطالب بالإصلاح عقب الغزو الأمريكى للعراق، فإن هناك مأخذين على تلك المطالب:
أولهما: تجاوز المطالب الشيعية إلى حد الهجوم على الطائفة السنية، وهو ما يكرس للطائفية فى الدول الخليجية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، فى الكويت تم توزيع منشورات وشرائط كاسيت معادية للسنة، حيث قامت مكتبة شيعية خلال الثلث الأخير من عام 2003 بتوزيع شرائط كاسيت تحتوى على ترويج لأفكار شيعية متطرفة تتضمن الإساءة إلى بعض الصحف، وهو ما أثار احتجاج السنة فى الكويت، فضلاً عن تهديد عدد من علماء الشيعة بتحريك دعاوى قضائية ضد خطباء ودعاة السنة لقيامهم بالتعرض لآل البيت والسيدة فاطمة الزهراء، واعتبر بعض هؤلاء أن هناك من يكفر الشيعة، وأن هناك بعض الأشرطة التى تكفر عقائدهم وأفكارهم.
وثانيهما: أنه بالرغم من تأكيد الشيعة على أن مطالبهم ليس لها بعد طائفى وأنها تندرج ضمن الإطار الدستورى والقانوني، إلا أن الواقع عكس ذلك، حيث قام عدد من الشيعة الذين ينتمون إلى التحالف الإسلامى الوطنى (الشيعي) بالاجتماع مع ممثل عن خامنئى المرشد الأعلى لإيران فى مقر السفارة الإيرانية بالكويت ثلاث مرات، وذلك لتجاوز الخسارة التى مُنى بها التيار فى الانتخابات البرلمانية الكويتية والتى أسفرت عن سقوط جميع مرشحى التحالف، فضلاً عن تنسيق المواقف من أحداث العراق. وقد اعتبرت الحكومة هذا اللقاء تدخلاً فى شئونها الداخلية، ومن ثم استدعت القائم بالأعمال الإيرانى وأبلغته احتجاجها الرسمى على ذلك، حيث اعتبرت الخارجية الكويتية أن هذا الأمر يعد تجاوزًا للخطوط الحمراء.
حدود استجابة الحكومة الكويتية للمطالب الشيعية:
فى ظل تجربة الكويت الديمقراطية استطاع الشيعة أن يكون لهم دور فى الحياة السياسية، وفى هذا الصدد يمكن الإشارة إلى ما يلي:
1- الشيعة ممثلون فى مجلس الأمة بخمسة نواب، فضلاً عن إعلان الائتلاف الشيعى أنه سوف يخوض انتخابات عام 2007 بسبعة مرشحين بينهم سيدة.
2- استجابة الحكومة لطلبات الشيعة، حيث أشار وزير العدل السابق أحمد باقر فى 25/10/2003 إلى موافقة الحكومة على طلب النواب الشيعة بتشكيل محكمة تمييز لقضايا الأحوال الشخصية الجعفرية.
3- يستفيد الشيعة من حرية إقامة التجمعات السياسية، ومن ذلك ما حدث خلال شهر ديسمبر عام 2004، حيث تم تشكيل جبهة شيعية (سياسة اجتماعية دينية) فى مواجهة التحالف الإسلامى الوطنى (شيعي)، وقد ضمت الجبهة فى صفوفها تجمعًا جديدًا هو تجمع العدل والسلام يضم فى غالبيته أتباع الشيرازي، إضافة إلى تجمع علماء المسلمين الشيعة الذى يتزعمه السيد محمد باقر المهرى وجماعة الحساوية والجماعة المنتمية إلى العلامة اللبنانى محمد حسين فضل الله، وبعض التجمعات والجماعات الصغيرة مثل حركة الوفاق الوطني، إضافة إلى شخصيات شيعية مستقلة، ويلاحظ مما سبق أن الحكومة الكويتية حاولت إدماج الشيعة فى نسيح المجتمع الكويتى وتحرص دائمًا على الالتقاء بقادتهم بغرض ترسيخ مبادئ الوحدة الوطنية، وهنا ينبغى التأكيد على أمر مهم، وهو أن الحكومة الكويتية فى ظل تميز تجربتها السياسية لا تواجه الظواهر الطائفية بإجراءات قد تكرس لتلك الطائفية، وإنما تؤكد دائمًا على أهمية المجتمع المدنى ودولة القانون، بحيث تتاح الفرص للجميع وفق مبدأ تكافؤ الفرص، وليس أدل على هذا من عدم استجابة الشيخ صباح الأحمد الصباح رئيس مجلس الوزراء الكويتى للمطالب التى نادت بتعيين وزير شيعى بدلاً من د.محمد أبو الحسن وزير الإعلام الكويتى (شيعي) الذى قدم استقالته عقب تقديم استجواب له فى مجلس الأمة الكويتى فى عام 2004، ورأى الوزير أن التجاذب اتخذ منحنى طائفيًا، وهنا يلاحظ أن العديد من الاستجوابات التى قدمت فى الكويت قد اتخذت شكلاً طائفيًا، ومن ذلك استقالة وزير الصحة الكويتى على خلفية طلب بطرح الثقة فيه تقدم به نواب شيعة من قبيلة العوازم.
وقد كان للحكومة الكويتية موقف واضح من ظاهرة الطائفية يمكن تباينه من خلال تصريح الشيخ صباح الأحمد رئيس مجلس الوزراء -آنذاك- بالقول الفتنة إذا ظهرت واشتعلت سوف تحرقنا كلنا وتحرق البلد، وأضاف لا تهاون تجاه أى محاولة للمساس بالوحدة الوطنية وزرع بذور الفتنة بين أبناء المجتمع الكويتي، مشيرًا إلى أن الحكومة سوف تطبق القانون بشدة على كل مسيء للوحدة الوطنية.
2- مطالب الشيعة فى المملكة العربية السعودية:
بعد الغزو الأمريكى للعراق أضحت تلك القضية أحد أهم القضايا التى تستحوذ على اهتمامات الكتاب السعوديين، ومن ذلك ما كتبه كاتب سعودى بالقول الشيعة فى معظم الأوطان يعيشون كمواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، وأضاف أن هذا فضلاً عن كونه يتناقض مع فكر الدول فإنه يهيئ الأرضيات لوجود الثغرات التى يلج منها أعداء الأمة.
وواقع الأمر أن تلك الآراء وغيرها لم تكن سوى جزءً من مطالبات للشيعة فى المملكة العربية السعودية كنتيجة طبيعية لتداعيات احتلال العراق، ومن ذلك:
- عقب الإطاحة بالنظام العراقى السابق وفى 18 إبريل عام 2003 أصدرت 13 شخصية سعودية شيعية بيانًا رحبوا فيه بسقوط الدكتاتور العراقي وقد أعرب الشيخ حسن الصفار أحد كبار علماء الشيعة فى المملكة عن أمله فى أن تؤدى التغييرات فى العراق إلى تحسن أوضاع الشيعة السعوديين.
- وفى خطوة أخرى ذات دلالة قام وفد مكون من 18 شيخاً يمثلون الشيعة فى المملكة فى 30 إبريل 2003 بتقديم مذكرة موقعة من نحو 450 شيعيًا إلى الملك عبد الله بن عبد العزيز (ولى العهد آنذاك) بعنوان شركاء فى الوطن يطالبون فيها بتحسين أوضاعهم وأن تتاح لهم الفرص لتقلد مناصب عليا فى مجلس الوزراء والسلك الدبلوماسى والأجهزة العسكرية والأمنية ورفع نسبتهم فى مجلس الشورى، وتعد هذه الوثيقة تحولاً نوعيًا فى مطالب الشيعة بالمملكة لعدة اعتبارات، أولها: لم تقتصر على المطالب بحقوق معينة وإنما عكست التمييز ضد الشيعة، حيث طالب موقعو هذه الوثيقة بالتوقف عن وصف مذهبهم بالكفر والشرك والضلال والسماح بإدخال الكتب والمطبوعات الشيعية إلى البلاد. وثانيها: عبرت هذه الوثيقة عن مختلف الأطياف الشيعية، إذ إنها لم تقتصر على رجال الدين، فقد وقع عليها علمانيون وشيعيون وشخصيات عادية، وشهدت للمرة الأولى مشاركة شيعة المدينة المنورة فى العرائض، وثالثها: عكست وجود مساندة خارجية لتلك المطالب، وفى هذا الصدد قال عدنان الشخص أحد أعضاء الوفد الذى التقى مع ولى العهد السعودى إن الإخفاق فى تلبية المطالب الشيعية سوف يعرض المملكة لضغوط خارجية بحجة الدفاع عن حقوق الأقليات.
- ومن ناحية ثالثة: وفى تعبير عن التمييز ضد الشيعة قدم أحد الأشخاص ورقة بحثية خلال اللقاء الوطنى الثانى (الحوار الوطني) فى المملكة الذى ناقش قضية الغلو وأسبابه بعنوان مناهج التعليم الدينى فى السعودية: المسألة الشيعية، وقد تضمنت هذه الورقة توصيفًا لعناصر العملية التعليمية فى المناهج والسياسات التعليمية والمعلمين وموقفهم من الطائفة الشيعية، حيث تشير الورقة إلى أن أحد أبعاد مشكلة الشيعة فى المملكة هى أنهم موصومون بالكفر وأن عليهم أن يقبلوا مناهج تعليم دينية أحادية النظرة.
وهنا يلاحظ أن المطالب الشيعية فى المملكة وإن كانت أكثر حدة من مثيلتها فى الكويت بيد أنها لم تتعد حدود الوطن - على الرغم من تصريحات البعض إمكانية المساندة الخارجية- فيؤكد المطالبون أن مطالبهم هى جزء من مطلب عام يهم الوطن ككل، وتندرج ضمن المطالبة بالإصلاح وليست ذات طابع فئوى أو مذهبى وهو ما عبر عنه الشيخ حسن الصفار قائلاً كل المواطنين فى المملكة وفى البلاد العربية يشعرون بالحاجة إلى الإصلاحات السياسية، مؤكدًا أن المسألة لا ترتبط بالشيعة فقط.
انتهجت المملكة العربية السعودية آلية الإصلاح للاستجابة لمطالب الشيعة. ومن بين جوانب هذا الإصلاح تفعّيل المشاركة الشيعية فى الحياة العامة، وتدعيم مبادئ حقوق الإنسان وما يرتبط بها من حريات عامة وممارسات دينية مذهبية، وفى هذا الإطار يمكن الإشارة إلى ما يلي:
- فى شهر يونيو عام 2003 عقدت الدورة الأولى للحوار الوطنى بعنوان الطائفية فى المملكة وشارك فيها ممثلون عن الشيعة والسنة، وقد أكد الملك عبد الله - ولى العهد آنذاك - فى كلمته آنذاك على أن اختلاف الآراء وتنوع الاتجاهات وتعدد المذاهب أمر واقعى وطبيعى من طبائع البشر، وتعكس كلمة الملك عبد الله إدراكًا لطبيعة التنوع والاختلاف وضرورة احترام هذا الاختلاف، وعلى الرغم من أن انعقاد مثل هذا اللقاء يأتى فى سياق الإصلاحات السياسية التى تزايدت وتيرتها فى المملكة بعد احتلال العراق، والتى من المفترض أن تكون حوارات بين الحكومة والمجتمع السعودي، إلا أنه لوحظ أنه حوار سنى - شيعي، مما يعكس حالة الاحتقان التى سادت عقب صعود الشيعة فى العراق ورغبة الحكومة فى تجاوز تلك الحالة.
- ومن ناحية ثانية، شارك الشيعة فى الانتخابات البلدية التى أُجريت فى المملكة خلال عام 2005، فمن بين 12 مقعدًا كانت متاحة فى الإحساء والقطيف حصلوا على 11 مقعدًا، وهنا يشار إلى أن السلطات السعودية كانت قد وافقت على مطالب الشيعة بإقامة مجلس بلدى منفصل لبلدية القطيف والقرى المجاورة وهو ما يعد تحولاً مهمًا بالنسبة للشيعة.
- ومن ناحية ثالثة، تؤكد التصريحات الرسمية على المساواة بين المواطنين دون تفرقة مذهبية أو طائفية، ومن ذلك تصريحات الأمير بندر بن سلمان آل سعود مستشار العاهل السعودى الذى أكد على أن مطالبات الشيعة هى كباقى مطالبات المواطنين السعوديين مشددًا على أنهم لن يصلوا إلى ما سماه بـالتفرقة أو حتى القول بأن هناك مطالبات شيعية ببقاء الشيعى مواطنًا سعوديًا وهذا وطنه، وأضاف لكل مطالبه لكن فى النهاية نبقى جميعًا فى دائرة الإسلام وهى الدائرة الكبيرة التى تضمنا دينيًا وتحت سيادة دولة واحدة هى المملكة العربية السعودية.
ثالثًا- أثر الصعود الشيعى فى العراق على الدول الخليجية:
على الرغم من تباين مطالب الشيعة فى دول الخليج ابتداءً بالمطالب السياسة ومرورًا بالمطالب الدينية وانتهاءً بالمطالب الاجتماعية، فإن هناك عاملاً مشتركاً يجمع بين تلك المطالب وهو التحرك للاستفادة من الأوضاع الجديدة التى رتبها الاحتلال الأمريكى للعراق فى عام 2003، وعلى الرغم من مرور ثلاثة أعوام على هذا الاحتلال لا يزال هناك جدل حول الآثار التى يمكن أن تترتب على الصعود الشيعى فى العراق على دول الخليج الست، وفى هذا الصدد يبرز اتجاهان، الأول: يرى أن تحركات الشيعة لن تقف عند حد المطالب، إذ أنها سوف تستمر لتهدد الوحدة الوطنية لتلك الدول حتى لو استجابت حكوماتها لمطالبهم، أما الاتجاه الثاني: فيرى أن تواصل شيعة الخليج مع مناطق الوجود الشيعى لن يتعدى رابطة دينية تجمعهم مع نظرائهم فى تلك المناطق بما لا يهدد الوحدة الوطنية لتلك الدول، وفيما يلى عرض للاتجاهين وتقييم كل منهما:
الاتجاه الأول- المطالب الشيعية تهدد الوحدة الوطنية للدول الخليجية:
يرى أنصار هذا الاتجاه أن المطالب الشيعية تهدد الوحدة الوطنية للدول الخليجية، وذلك من خلال عدة مؤشرات هي:
1- سعى الشيعة للاستقلال:
على الرغم من سعى شيعة الخليج لتقديم كافة أشكال الولاء والطاعة لحكام الدول التى يقطنونها، إلا أن هذا لا ينفى تطلعهم لإقامة حكم ذاتى شيعى فى مناطق وجودهم كأغلبية أو قيام حكومة منفصلة شيعية على أبعد تقدير، وذلك انطلاقًا من ارتكاز توجهاتهم الدينية على مبدأ (التقية) ويعنى اتقاء القوى ومجاراته يعد مطلبًا دينيًا ومبدأ أساسيًا لهم، وهذا ما يؤكده رئيس تحرير إحدى الصحف الخليجية بالقول إنه مهما تواضعت مطالب الشيعة اليوم واندمجت فى إطار المطالب الوطنية العامة فلابد من الإقرار بأن شيئًا ما قد تغير بالفعل بعد كل الهزات السياسية والأمنية والثقافية التى عاشتها منطقة الخليج، وليس أقل التغييرات أن يأخذ الشيعة ثقلاً سياسيًا جديدًا بعد أن كانت إيران تحتضنهم عن بعد.
ومن ناحية أخرى، تزداد مخاوف الدول الخليجية بشأن ما يتردد عن تقسيم العراق فى ظل وجود العديد من المؤشرات الدالة على ذلك، حيث إن الدويلات التى سوف تنشأ على أنقاض الدولة العراقية هى دولة كردية فى الشمال، وسنية فى الوسط، وثالثة شيعية فى الجنوب، ستكون جميعها ضعيفة للغاية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الجنوب الشيعى يمثل مركز ثقل استراتيجياً بالنسبة لإنتاج النفط العراقي، حيث ينتج الجنوب وحقول الرميلة نصف إنتاج العراق من النفط، كما أن نمط العلاقات فيما تلك الدويلات سيكون سمته الصراع وليس التعاون، وقد تتجه إحدى هذه الدويلات إلى الاستعانة بطرف خارجي، الأمر الذى من شأنه أن يكون مقدمة لأتون حرب أهلية من شأنها أن تؤثر سلبًا على مجمل النظام الإقليمى فى الخليج، وفى هذا الإطار جاءت تصريحات وزير الخارجية السعودى الأمير سعود الفيصل فى 6/1/2004، حيث قال إن تقسيم العراق هو تهديد مباشر لأمننا وأمن دول الجوار معتبرًا أن أى نظام عراقى مبنى على أسس عرقية أو مذهبية لا يساعد على استقرار البلاد ووحدتها.
كما أن قيام دولة شيعية فى الجنوب سوف يؤدى لتمدد النفوذ الإيرانى فى منطقة الخليج العربى بما يعنيه ذلك من تداعيات خاصة فى ضوء استمرار بعض المشكلات بين إيران ودول المجلس والسعى الإيرانى للهيمنة على المنطقة باعتبارها قوة إقليمية مستندة إلى برنامجها التسليحى الكبير، وسوف تنجذب الأقليات الشيعية فى الخليج لهذه الدولة الجديدة التى سوف تضم مقدسات شيعية مهمة.
وبعيدًا عن هذا وذاك، يلاحظ أن ورقة الشيعة كأداة ضغط من جانب الولايات المتحدة تأتى دائمًا من جانب جماعات الضغط الصهيونية التى تقدم أنصارها بمشروع قانون للكونجرس أطلق عليه قانون محاسبة السعودية، فضلاً عما رددته تلك الجماعات من أن المملكة تسعى لامتلاك أسلحة دمار شامل، بالإضافة إلى دأب تقارير حقوق الإنسان السنوية التى تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية على انتقاد المملكة لممارساتها التمييز، واتهامها بالاتجار بالبشر فى إطار تعاملها مع العمالة الوافدة على أراضيها، فضلاً عما أورده تقرير وزارة الخارجية الأمريكية بشأن حقوق الإنسان فى العالم لعام 2003، حيث قال تقوم المملكة باعتقال وسجن وتعذيب علماء شيعة وعلماء دين بسبب آرائهم الدينية التى تخالف آراء الحكومة.
2- مطالب الشيعة تتيح التدخل فى الشئون الداخلية لدول الخليج:
وهنا يمكن التفرقة بين الشيعة المعتدلين والشيعة المتشددين، حيث إن وصول شيعة العراق المعتدلين الذين يؤمنون بالديمقراطية والتعددية إلى الحكم سوف يؤدى إلى تعزيز العلاقات بين الشيعة والسنة فى الكويت والسعودية، أما فى حالة سيطرة شيعة العراق المتشددين على السلطة فإن ذلك سوف يؤدى إلى خلق حالة من التوتر وعدم الثقة الناتجة عن التدخل فى الشئون الداخلية، ومما يؤكد صحة هذا الطرح التصريحات التى أطلقها مقتدى الصدر ضد الكويت وطالب فيها برحيل القوات الأمريكية عن أراضيها، مشيرًا إلى أن الخطر الذى يخشاه قد زال بعد سقوط صدام حسين، وقد كان لهذه التصريحات ردود فعل كويتية رسمية حادة، والتى اعتبرت أن تصريحات الصدر تعد تدخلاً فى الشئون الداخلية لدولة حرة مستقلة، وذلك من خلال تصريح وزير الخارجية الكويتى د.محمد الصباح السالم بالقول إن بقاء أو رحيل القوات الحليفة الموجودة على أرض البلاد هو من صميم السيادة الكويتية التى لا يسمح لأحد بالتدخل فيها أو المساس بها، وأضاف أن الكويت دولة حرة وذات سيادة ونحن الذين نحدد من نستضيف ومن نطرد ولا أحد يعلمنا من نستضيف ومن لا نستضيف.
3- ظهور الطائفية فى الدول الخليجية:
كان للصعود الشيعى فى العراق آثار واضحة على بداية ظهور مؤشرات للطائفية فى بعض الدول الخليجية ومنها دولة الكويت .. حيث ظهرت بعض الكتابات التى تناولت الوضع العراقى بالتركيز على ما يتعرض له السنة هناك على يد الشيعة، وفى هذا الصدد أشارت إحدى الصحف الإلكترونية التى تنطق بلسان إحدى الحركات الإسلامية السنية قائلة يذبح إخواننا أهل السنة فى العراق بخنجر الأحزاب الشيعة المتطرفة ويتعرضون فى الجنوب لأبشع المجازر بغية إجلائهم عن أراضيهم ليتسنى للدولة الساسانية فى إيران مد نفوذها، فضلاً عن قيام أحد المواطنين بطباعة مطوية والاتفاق مع بعض الصحف على توزيعها كإعلان مدفوع الأجر خلال شهر فبراير 2005، وقد تضمنت هذه المطوية مواعظ دينية تحذر من لطم الخدود وشق الجيوب فى إشارة إلى ما يقوم به الشيعة فى يوم عاشوراء، ولاشك أن ظهور الطائفية فى دولة الكويت يعد تهديداً لأمنها القومى بالنظر لصغر حجم الدولة ووجود خلل فى تركيبتها السكانية، نتيجة ارتفاع حجم العمالة الآسيوية وانقسام البلاد بين تيارين (إسلامى وليبرالي)، ووجود طائفتين إحداهما سنية والأخرى شيعية، ومما يؤكد هذا الأثر المباشر للطائفية أمران، أولهما: استقالة وزير الإعلام د.محمد أبو الحسن (شيعي) بسبب شعوره أن الاستجواب الذى كان مقدمًا ضده سوف ينحرف إلى مستوى طائفي. وثانيهما: تحذير رئيس مجلس الوزراء الكويتى الشيخ صباح الأحمد من مؤشرات سلبية تمس الوحدة الوطنية.
وفى المملكة العربية السعودية، على الرغم من محاولات الشيعة تحقيق مكاسب فى ظل التغيرات الجديدة، إلا أن الطائفية لم تتضح حتى الآن .. فقد ناقش الحوار الوطنى الأول الذى انعقد فى الرياض خلال شهر يوليو 2003 قضية الغلو والتشدد، وتم اللقاء بين رجال دين سنة وشيعة.
وتعكس التجارب التاريخية مدى تأثر شيعة الخليج بالخارج، ومن ذلك شيعة المملكة العربية السعودية فى المنطقة الشرقية الذين تبرعوا بالملايين للجمهورية الإسلامية فى إيران بعد انتصار الثورة عام 1979 من خلال الأخماس، وتوجد مواقف لا تحصى حتى أن النساء قمن ببيع حليهن للتبرع للثورة وقيام البعض بالاقتطاع من مصروف أطفاله اليومى لهذا الغرض.
الاتجاه الثانى- تواصل شيعة الخليج من الخارج لن يتعدى الرابطة الدينية:
ويؤكد أصحاب هذا الاتجاه على أن تواصل شيعة دول مجلس التعاون الخليجى مع مناطق الوجود الشيعي، لاسيما تلك التى توجد بها العتبات المقدسة لا يعنى تبعيتهم السياسية لمركز أو دولة معينة، حيث إن الأمر لا يتعدى رابطة دينية عامة تجمع الشيعة الذين قد يرغبون فى زيارة عتباتهم المقدسة فى العراق على سبيل المثال، وهذه مسألة شبيهة تمامًا بما يحدث لدى السنة من زيارتهم للأماكن المقدسة فى المملكة العربية السعودية، ويؤكدون على ذلك بعدة حجج وهى:
أولاً: التزام شيعة الخليج بانتماءاتهم الوطنية مؤكدين أنهم جزء من النسيج الوطنى الخليجي، كما أنهم لا يشكلون تحديًا سياسيًا، وهذا ما أشار إليه الدكتور منصور الجمرى رئيس تحرير صحيفة الوسط البحرينية الذى أشار إلى أن المستقبل الشيعى فى المنطقة مستقبل اندماج وليس انفصال، مؤكدًا على أن الشيعة فى الخليج يحملون انتماءً قويًا لوطنهم وليست لديهم أى انتماءات سياسية خارجية أو حتى طموحات داخلية من شأنها أن تؤثر على وحدة واستقرار النظم الخليجية.
وهو المعنى ذاته الذى أكده الشيخ حسن الصفار بالمملكة بالقول المواطنون السعوديون الشيعة يصرون على أنهم جزء لا يتجزأ من هذا الوطن ويدافعون عن وحدته، مؤكدًا على أن الشيعة لا يسعون إلى إقامة دولة خاصة بهم، وقد ترجم الشيعة السعوديون هذا التوجه ضمن وثيقة قدموها للملك عبد الله بن عبد العزيز، حيث أكدت على أن المواطنين الشيعة فى المملكة هم جزء أصيل لا يتجزأ من كيان هذا الوطن الغالي، هو وطنهم النهائى ولا بديل لهم عنه ولا ولاء لهم لغيره، وهو الأمر ذاته الذى أكد عليه شيعة الكويت، حيث شدد النواب الشيعة فى مجلس الأمة وعدد من الشخصيات الشيعية فى لقاء مع رئيس مجلس الوزراء الكويتى الشيخ صباح الأحمد الصباح فى شهر أبريل 2004 على أنهم مواطنون كويتيون قبل أن يكونوا من الطائفة الشيعية، وفى هذا الصدد استهجن النائب الشيعى حسين القلاف مقولات مفادها أن الشيعة سيأخذون حقوقهم من خلال ضغوط داخلية أو خارجية مؤكدًا أن الشيعة مواطنون بالأصالة ولهم من الحقوق ما لهم وعليهم من الواجبات ما عليهم، وهذا ما أكده أيضًا على المتروك وهو سياسى ورجل أعمال شيعى كويتي، حيث قال إن شيعة الخليج هم جزء أصيل من أى مجتمع خليجى وأنهم لا يستمدون العون من أى طرف خارجى سواء إيران أو غيرها للمطالبة بحقوقهم، وأوضح نحن ننطلق فى الحصول على حقوقنا من الدستور الذى لا يميز بين المواطنين.
ثانيًا: تؤكد السوابق التاريخية أن الشيعة لم يكونوا يومًا ما ضد الوحدة الوطنية .. فمن ناحية الأصول التاريخية ينحدر شيعة الخليج عمومًا من قبائل عربية أصيلة مثل قبائل ربيعة وقبائل حرب وجهينة وبنى يام، بالإضافة إلى قبائل عامر وتميم، وبالتالى فإن جذورهم تضرب فى الأعماق العربية وظلوا باقين فى الخليج دون محاولة التوجه للخارج، فضلاً عن الدور الذى لعبه شيعة المملكة العربية السعودية فى فتح منطقة الإحساء عام 1913، حيث أيد الشيعة الملك عبد العزيز آل سعود ومكنوه من دخول المنطقة دون حرب، وقام الملك المؤسس بترك الشيعة أهل المنطقة لإدارة شؤونهم عبر مؤسساتهم الدينية ومحاكمهم الشرعية، بالإضافة إلى أن شيعة المملكة لم يتأثروا بدعوات الثورة الإيرانية، وبالتالى فقد أخفقت كل محاولات اختراق دول الخليج العربية الست وزعزعة وحدتها الوطنية. ومن ناحية أخرى عندما غزا العراق دولة الكويت كانت بدايات المقاومة الكويتية من جانب الشيعة، وهذا ما أوضحه السيد محمد باقر المهرى فى بيان أصدره فى شهر ديسمبر عام 2003، حيث قال العدو البعثى حينما هاجم بلدنا لم نسمع بأن هناك فرقاً بين السنة والشيعة، بل كان المقياس هو الروح الوطنية، فمن كان مدافعًا عن الكويت ومقاومًا للاحتلال العراقى البغيض كان مصيره القتل أو الأسر شيعياً كان أم سنياً.
ثالثًا: لا يعدو الشيعة سوى تعبير كمى حيث إنهم - شأنهم شأن الطوائف الموجودة فى العالم العربى غير موحدين سياسيًا وفكريًا فهم منتمون لمدارس فقهية وسياسية وانتماءات متباينة، وبالتالى يصعب التقاؤهم على برنامج أو هدف سياسى معين، وقد أشار أحد المؤلفات إلى أن فرق الشيعة ثلاثون والبعض الآخر يرى أنهم يزيدون عن هذا العدد قليلاً، أبرزهم الكيسانية والناووسية والإسماعيلية والقطيمية والواقفية والزيدية والإثنا عشرية.
رابعًا: الفتاوى التى صدرت وتؤكد على الوحدة الوطنية وما لها من تأثير على الشيعة فى الخليج، ومن ذلك فتوى المرجع الشيعى العلامة السيد محمد حسين فضل الله بتحريم إثارة أى حديث مذهبى لاسيما بين السنة والشيعة فى الكويت، قائلاً إننا نقول لكل إخواننا فى الكويت لا تطالبوا بحقوق الشيعة، ولابد من أن تكون هناك أسرة كويتية واحدة.
باحث متخصص فى القضايا الخليجية
يمتلك الشيعة مجموعة من الآليات التى تمكنهم من التأثير فى المعادلة العراقية، وتنبع هذه الآليات من نسبتهم العددية بين السكان العراقيين، حيث تتراوح نسبتهم ما بين 52 إلى 60% من مجموع سكان العراق ويتركزون بالأساس فى الجنوب، كما يوجدون أيضًا فى الوسط، وعقب الغزو الأمريكى للعراق استطاع الشيعة التغلغل فى مؤسسات الدولة العراقية مما أثار الدول المجاورة، خاصة الدول الخليجية الست لعدة اعتبارات، أولها: تحتوى تلك الدول على نسب متفاوتة من الشيعة تتراوح فى أدناها بين 5% وأقصاها 70% ، وبالتالى أثيرت المخاوف لدى تلك الدول، انطلاقًا من معاناتها من المد الشيعى فى أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979، وهو الأمر الذى عبر عنه بوضوح وزير الخارجية السعودى سعود الفيصل، حيث حذر من تزايد النفوذ الشيعى الإيرانى فى العراق، وثانيها: تعد الدول الخليجية الست أكثر تأثرًا بما يحدث فى العراق، حيث ظل العراق لعقود أحد مصادر التهديد الرئيسية، وثالثها: ما يحدث فى العراق سيكون له تأثير بالغ على المنطقة ككل التى تعانى من خلل أمنى واضح.. وتستهدف تلك الرؤية بحث الصعود الشيعى فى العراق من حيث النفوذ الإيرانى والأثر الخليجي.
أولاً- الواقع الراهن للشيعة فى العراق وآليات تأثيرهم:
1- الواقع الراهن للشيعة فى العراق:
تعد الشيعة أكبر الطوائف العراقية، حيث تبلغ نسبتهم حوالى 60% من سكان العراق ويتركزون بالأساس فى جنوب ووسط العراق، وقد كانت تلك القوة العددية سببًا رئيسيًا فى اعتماد الولايات المتحدة عليهم بعد غزو العراق، وهو ما تلاقى مع الرغبة الشيعية ذاتها، حيث رأى الشيعة أنه ينبغى أن تكون لهم الأولوية فى إدارة العراق بعد حرمان وتهميش لعقود طويلة، ومن ثم فقد بدا تأثيرهم ووجودهم واضحًا سواء فى مجلس الحكم الانتقالي، حيث حصلوا على 13 مقعدًا بنسبة 56% كما نالوا 13 حقيبة فى تركيبة الحكومة العراقية المؤقتة فى مقابل 10 حقائب مناصفة بين السنة والأكراد، واثنين مناصفة بين التركمان والمسيحيين، وقد لوحظ تأثير الشيعة الواضح فى العراق من خلال اعتراضهم على كيفية اختيار الحكومة واللجنة الدستورية والمجلس التشريعى الانتقالي، فضلاً عن فوز قائمة الائتلاف العراقى الموحد (الشيعة) بأغلبية مقاعد الجمعية الوطنية المؤقتة خلال الانتخابات التى أُجريت فى يناير 2005، إضافة إلى ارتفاع نسبة مشاركة الشيعة فى الاستفتاء على الدستور، سواء فى محافظات الجنوب التى تقطن بها أغلبية شيعية أو فى الوسط، حيث تعدت نسبة الموافقة فى الكثير من الأحايين نسبة الـ90%، بالإضافة إلى ترشيح الكتلة الشيعية إبراهيم الجعفرى رئيسًا للوزراء فى تشكيل الحكومة الجديدة خلال شهر فبراير الماضي.
وتتمثل القوى الرئيسية فى العراق فيما يلي:
1- الحوزة العلمية: وقد تأسست فى النجف الأشرف وكربلاء وسامراء فى القرن الخامس الهجرى ويقودها حاليًا آية الله على السيستانى ويستمد مكانته من أمور ثلاثة، أولها: مكانة مدينة النجف الأشرف، وثانيها: شيعة العراق يمثلون الأغلبية السكانية، وثالثها: أموال الخمس التى تعطى للمراجع الدينية الأمر الذى يمنحهم استقلالاً اقتصاديًا عن الدولة.
2- المجلس الأعلى للثورة الإسلامية: وقد تأسس فى إيران فى عام1980 وترأسه محمد باقر الحكيم قبل اغتياله فى 29 أغسطس 2003، وهو ليس حركة سياسية بقدر ما هو تجمع نخبوى دون برنامج سياسى واضح.
3- الأحزاب والحركات المنظمة: ويأتى فى مقدمتها حزب الدعوة الإسلامية ومنظمة العمل الإسلامية وهى جماعات ليس لها جماهيرية وبها انشقاقات داخلية عدة.
4- تيار الصدر: ويقوده مقتدى الصدر بعد مقتل الصدر الأب عام 1999، وقد نجح هذا التيار فى إنشاء ميليشيات خاصة به، وله خلافات عدة مع تيار السيستانى وتيار الحكيم، ويلاحظ أن تلك التيارات ليست جبهة واحدة.
2- آليات تأثير شيعة العراق:
تعد دول مجلس التعاون الخليجى أكثر الدول تأثرًا بالعامل الشيعى فى العراق، خاصة أن تلك الدول تضم مجموعات شيعية مختلفة، وقد بدأ التشيع فى الظهور فى تلك الدول فى ظل سياسة شاه إيران رضا بهلوى المركزية التى تسببت فى تهجير عرب إيران إلى مناطق واسعة بالبصرة والكويت والسعودية والبحرين.
ولعل مصدر تأثير شيعة العراق فى نظرائهم بدول الخليج هو أن الأخيرة خالية من أى مرجع شيعى. ورجال الدين الكبار من الشيعة هم فى الأصل وكلاء للمراجع المقيمين فى النجف أو قم أو بيروت، وبالتالى فإن وجود دولة يهيمن عليها الشيعة أو دولة شيعية فى جنوب العراق قد يجعل الشيعة فى الدول الخليجية الست منجذبين إليها، ومن ثم فإن أى فتوى تصدرها الحوزة العلمية المقبلة ستكون دستورًا وقانونًا على سائر شيعة المنطقة، وسوف تستطيع تحريك الملايين من الشيعة بكل سهولة، لاسيما وأن الحوزة فى هذه الحالة سوف تعتبر مرجعًا دينيًا وربما سياسيًا لشيعة الخليج.
ويتطلب هذا الأمر التعرف على التنافس التقليدى بين مدينتى النجف العراقية وقم الإيرانية، حيث ظل هذا التنافس لعقود طويلة فى دائرة التنافس على المرجعية الشيعية، فقبل عام 1979 كانت مدينة النجف التى تبعد عن بغداد نحو مائة وستين كيلو مترًا تمثل المرجعية الشيعية، إلا أنه بعد انتصار الثورة الإسلامية فى طهران عام 1979 تزامنت معها إجراءات تعسفية مارستها الحكومة العراقية فى بغداد ضد النجف وعلمائها بلغت ذروتها باغتيال محمد باقر الصدر، وبالتالى بدأت مدينة قم الإيرانية تأخذ الدور الريادى للمرجعية، وذلك حتى سقوط النظام فى العراق عقب الغزو الأمريكى فى مارس 2003، مما أدى إلى إثارة قضية إمكانية انتقال المرجعية لمدينة النجف الأشرف مرة أخرى.. ويرتبط شيعة الخليج بالمراجع الشيعية من خلال تقديم أموال الخمس وهى واجبات مالية دينية وتقدر بمئات الملايين من الجنيهات.
وهنا تجدر الإشارة إلى الدور الإيرانى المهم فى صعود الشيعة فى العراق، حيث تشير أحد استطلاعات الرأى التى أُجريت فى العراق فى شهر مايو عام 2005 إلى دور إيران فى نشوب حرب أهلية فى العراق، فقد رأى 50.9% من المستطلعة آراؤهم أن إيران هى الدولة المجاورة التى يمكن أن تؤجج حرباً أهلية فى العراق. تليها سوريا بنسبة 17% وتركيا بنسبة 13.2%، بالإضافة إلى ما كشفته تقارير استخباراتية بريطانية من تدفق أطنان الأسلحة وسكان المنطقة الشيعية الأوسع فى جنوب العراق فى سعيها لقيام إقليم شيعى شبه مستقل يمتد من الحدود الجنوبية الأقصى مع الكويت حتى مناطق الكثافة الشيعية داخل العاصمة بغداد، ويدعم ما سبق تأكيد الشيخ ضياء الشكرجى العضو القيادى البارز فى حزب الدعوة الإسلامية بالعراق بالقول أن إيران هى الخطر الأول علينا.
ثانياً- واقع الشيعة فى دول مجلس التعاون الخليجى:
لا توجد إحصاءات رسمية خليجية حول عدد الشيعة فى دول مجلس التعاون الخليجي، وتشير التقديرات عمومًا إلى أن الشيعة يمثلون أغلبية السكان فى مملكة البحرين، حيث تتراوح نسبتهم ما بين 65-70%، وفى المملكة العربية السعودية يمثلون ما بين 15-25%، ويمثل الشيعة ما بين 15-20% من السكان فى الكويت، وفى الإمارات يمثلون ما بين 5-10%، بينما يأتى أقل الشيعة عددًا فى سلطنة عمان فيتراوحون بين 3-7%، وفى دولة قطر لا توجد أرقام محددة لعدد الشيعة.
ومما لاشك فيه أن التركيبة السياسية الجديدة فى حكومة العراق عكست صعود التيار الشيعي، فى مقابل تهميش وإقصاء السنة، وقد تعزز دور الشيعة مع تزايد النفوذ الإيرانى داخل العراق، وما تردد بشأن انفصال الشيعة فى جنوب العراق وتكوين دولة سيكون ولاؤها الأول لإيران، الأمر الذى أدى إلى تزايد المطالب الشيعية فى دول الخليج، خاصة فى دولتى الكويت والسعودية.
1- مطالب الشيعة فى الكويت:
على الرغم من أن الكويت تشهد حالة من الانفتاح السياسي، إلا أن أحداث غزو العراق كان لها تأثير على تزايد المطالب الشيعية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
- تأكيد بعض الناشطين على أن تغير الظروف الإقليمية ينبغى أن يصاحبه التفات أكثر لحقوق الشيعة، ومن ذلك ما صرح به الناشط السياسى الشيعى على المتروك بالقول: لقد حصلت تغييرات إقليمية ودولية يجب أخذها فى الحسبان والأمر أصبح مستحقًا (...) أرجو أن يكون هناك التفات أكثر للحقوق السياسية للشيعة فى الكويت، وأضاف: هذه ليست مطالب طائفية، بل وطنية ومن خلال الدستور، وتعكس تلك التصريحات مدى شعور هذه الطائفة بالتمييز وتتنوع مطالب هؤلاء ويمكن حصرها فيما يلي:
أ- المطالب السياسية: يطالب الشيعة فى الكويت بزيادة عدد الوزراء الشيعة فى مجلس الوزراء، وفى هذا الصدد قال السيد محمد باقر المهرى أمين عام تجمع علماء الشيعة فى الكويت الحكومة لا تفرق بين السنة والشيعة لكننا نريد أن يزيد عدد الشيعة فى المناصب السياسية بما فيها الوزراء، وأن يكون ذلك مبنيًا على الكفاءة لا الطائفية، وبلغ الأمر إلى إصدار مكتب السيد المهرى بياناً يحذر فيه الحكومة من تجاهل وإبعاد الشيعة عن المناصب السياسية والمؤسسات الدستورية، وتضمن البيان الحديث عن شرخ فى الوحدة الوطنية إذا لم تعين الحكومة وزيرًا شيعيًا أو تستخدم صلاحيتها فى تعيين نائب بالمجلس البلدى من الشيعة.
ب- المطالب الدينية: لم تقتصر المطالب الشيعية فى الكويت على المطالب السياسية، بل ظهرت مطالبات أخرى مثل إقامة أمانة جعفرية وتوظيف الشيعة فى بعض المؤسسات مثل بيت الزكاة والأمانة العامة للأوقاف وبعض المؤسسات المالية، وهو ما أشار إليه النواب الشيعة الخمسة فى مجلس الأمة، كما طالبوا بإعطائهم حق ترميم مساجدهم، وإنشاء حوزة عملية تدرس الفقه الجعفرى، وبناء المساجد والجامعات والمدارس، وتعيين قضاه شرعيين شيعة، فضلاً عن تعيين الشيعة فى النيابة.
وعلى الرغم من أن المطالب السابقة هى مطالب مشروعة وتأتى فى إطار تزايد المطالب بالإصلاح عقب الغزو الأمريكى للعراق، فإن هناك مأخذين على تلك المطالب:
أولهما: تجاوز المطالب الشيعية إلى حد الهجوم على الطائفة السنية، وهو ما يكرس للطائفية فى الدول الخليجية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، فى الكويت تم توزيع منشورات وشرائط كاسيت معادية للسنة، حيث قامت مكتبة شيعية خلال الثلث الأخير من عام 2003 بتوزيع شرائط كاسيت تحتوى على ترويج لأفكار شيعية متطرفة تتضمن الإساءة إلى بعض الصحف، وهو ما أثار احتجاج السنة فى الكويت، فضلاً عن تهديد عدد من علماء الشيعة بتحريك دعاوى قضائية ضد خطباء ودعاة السنة لقيامهم بالتعرض لآل البيت والسيدة فاطمة الزهراء، واعتبر بعض هؤلاء أن هناك من يكفر الشيعة، وأن هناك بعض الأشرطة التى تكفر عقائدهم وأفكارهم.
وثانيهما: أنه بالرغم من تأكيد الشيعة على أن مطالبهم ليس لها بعد طائفى وأنها تندرج ضمن الإطار الدستورى والقانوني، إلا أن الواقع عكس ذلك، حيث قام عدد من الشيعة الذين ينتمون إلى التحالف الإسلامى الوطنى (الشيعي) بالاجتماع مع ممثل عن خامنئى المرشد الأعلى لإيران فى مقر السفارة الإيرانية بالكويت ثلاث مرات، وذلك لتجاوز الخسارة التى مُنى بها التيار فى الانتخابات البرلمانية الكويتية والتى أسفرت عن سقوط جميع مرشحى التحالف، فضلاً عن تنسيق المواقف من أحداث العراق. وقد اعتبرت الحكومة هذا اللقاء تدخلاً فى شئونها الداخلية، ومن ثم استدعت القائم بالأعمال الإيرانى وأبلغته احتجاجها الرسمى على ذلك، حيث اعتبرت الخارجية الكويتية أن هذا الأمر يعد تجاوزًا للخطوط الحمراء.
حدود استجابة الحكومة الكويتية للمطالب الشيعية:
فى ظل تجربة الكويت الديمقراطية استطاع الشيعة أن يكون لهم دور فى الحياة السياسية، وفى هذا الصدد يمكن الإشارة إلى ما يلي:
1- الشيعة ممثلون فى مجلس الأمة بخمسة نواب، فضلاً عن إعلان الائتلاف الشيعى أنه سوف يخوض انتخابات عام 2007 بسبعة مرشحين بينهم سيدة.
2- استجابة الحكومة لطلبات الشيعة، حيث أشار وزير العدل السابق أحمد باقر فى 25/10/2003 إلى موافقة الحكومة على طلب النواب الشيعة بتشكيل محكمة تمييز لقضايا الأحوال الشخصية الجعفرية.
3- يستفيد الشيعة من حرية إقامة التجمعات السياسية، ومن ذلك ما حدث خلال شهر ديسمبر عام 2004، حيث تم تشكيل جبهة شيعية (سياسة اجتماعية دينية) فى مواجهة التحالف الإسلامى الوطنى (شيعي)، وقد ضمت الجبهة فى صفوفها تجمعًا جديدًا هو تجمع العدل والسلام يضم فى غالبيته أتباع الشيرازي، إضافة إلى تجمع علماء المسلمين الشيعة الذى يتزعمه السيد محمد باقر المهرى وجماعة الحساوية والجماعة المنتمية إلى العلامة اللبنانى محمد حسين فضل الله، وبعض التجمعات والجماعات الصغيرة مثل حركة الوفاق الوطني، إضافة إلى شخصيات شيعية مستقلة، ويلاحظ مما سبق أن الحكومة الكويتية حاولت إدماج الشيعة فى نسيح المجتمع الكويتى وتحرص دائمًا على الالتقاء بقادتهم بغرض ترسيخ مبادئ الوحدة الوطنية، وهنا ينبغى التأكيد على أمر مهم، وهو أن الحكومة الكويتية فى ظل تميز تجربتها السياسية لا تواجه الظواهر الطائفية بإجراءات قد تكرس لتلك الطائفية، وإنما تؤكد دائمًا على أهمية المجتمع المدنى ودولة القانون، بحيث تتاح الفرص للجميع وفق مبدأ تكافؤ الفرص، وليس أدل على هذا من عدم استجابة الشيخ صباح الأحمد الصباح رئيس مجلس الوزراء الكويتى للمطالب التى نادت بتعيين وزير شيعى بدلاً من د.محمد أبو الحسن وزير الإعلام الكويتى (شيعي) الذى قدم استقالته عقب تقديم استجواب له فى مجلس الأمة الكويتى فى عام 2004، ورأى الوزير أن التجاذب اتخذ منحنى طائفيًا، وهنا يلاحظ أن العديد من الاستجوابات التى قدمت فى الكويت قد اتخذت شكلاً طائفيًا، ومن ذلك استقالة وزير الصحة الكويتى على خلفية طلب بطرح الثقة فيه تقدم به نواب شيعة من قبيلة العوازم.
وقد كان للحكومة الكويتية موقف واضح من ظاهرة الطائفية يمكن تباينه من خلال تصريح الشيخ صباح الأحمد رئيس مجلس الوزراء -آنذاك- بالقول الفتنة إذا ظهرت واشتعلت سوف تحرقنا كلنا وتحرق البلد، وأضاف لا تهاون تجاه أى محاولة للمساس بالوحدة الوطنية وزرع بذور الفتنة بين أبناء المجتمع الكويتي، مشيرًا إلى أن الحكومة سوف تطبق القانون بشدة على كل مسيء للوحدة الوطنية.
2- مطالب الشيعة فى المملكة العربية السعودية:
بعد الغزو الأمريكى للعراق أضحت تلك القضية أحد أهم القضايا التى تستحوذ على اهتمامات الكتاب السعوديين، ومن ذلك ما كتبه كاتب سعودى بالقول الشيعة فى معظم الأوطان يعيشون كمواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، وأضاف أن هذا فضلاً عن كونه يتناقض مع فكر الدول فإنه يهيئ الأرضيات لوجود الثغرات التى يلج منها أعداء الأمة.
وواقع الأمر أن تلك الآراء وغيرها لم تكن سوى جزءً من مطالبات للشيعة فى المملكة العربية السعودية كنتيجة طبيعية لتداعيات احتلال العراق، ومن ذلك:
- عقب الإطاحة بالنظام العراقى السابق وفى 18 إبريل عام 2003 أصدرت 13 شخصية سعودية شيعية بيانًا رحبوا فيه بسقوط الدكتاتور العراقي وقد أعرب الشيخ حسن الصفار أحد كبار علماء الشيعة فى المملكة عن أمله فى أن تؤدى التغييرات فى العراق إلى تحسن أوضاع الشيعة السعوديين.
- وفى خطوة أخرى ذات دلالة قام وفد مكون من 18 شيخاً يمثلون الشيعة فى المملكة فى 30 إبريل 2003 بتقديم مذكرة موقعة من نحو 450 شيعيًا إلى الملك عبد الله بن عبد العزيز (ولى العهد آنذاك) بعنوان شركاء فى الوطن يطالبون فيها بتحسين أوضاعهم وأن تتاح لهم الفرص لتقلد مناصب عليا فى مجلس الوزراء والسلك الدبلوماسى والأجهزة العسكرية والأمنية ورفع نسبتهم فى مجلس الشورى، وتعد هذه الوثيقة تحولاً نوعيًا فى مطالب الشيعة بالمملكة لعدة اعتبارات، أولها: لم تقتصر على المطالب بحقوق معينة وإنما عكست التمييز ضد الشيعة، حيث طالب موقعو هذه الوثيقة بالتوقف عن وصف مذهبهم بالكفر والشرك والضلال والسماح بإدخال الكتب والمطبوعات الشيعية إلى البلاد. وثانيها: عبرت هذه الوثيقة عن مختلف الأطياف الشيعية، إذ إنها لم تقتصر على رجال الدين، فقد وقع عليها علمانيون وشيعيون وشخصيات عادية، وشهدت للمرة الأولى مشاركة شيعة المدينة المنورة فى العرائض، وثالثها: عكست وجود مساندة خارجية لتلك المطالب، وفى هذا الصدد قال عدنان الشخص أحد أعضاء الوفد الذى التقى مع ولى العهد السعودى إن الإخفاق فى تلبية المطالب الشيعية سوف يعرض المملكة لضغوط خارجية بحجة الدفاع عن حقوق الأقليات.
- ومن ناحية ثالثة: وفى تعبير عن التمييز ضد الشيعة قدم أحد الأشخاص ورقة بحثية خلال اللقاء الوطنى الثانى (الحوار الوطني) فى المملكة الذى ناقش قضية الغلو وأسبابه بعنوان مناهج التعليم الدينى فى السعودية: المسألة الشيعية، وقد تضمنت هذه الورقة توصيفًا لعناصر العملية التعليمية فى المناهج والسياسات التعليمية والمعلمين وموقفهم من الطائفة الشيعية، حيث تشير الورقة إلى أن أحد أبعاد مشكلة الشيعة فى المملكة هى أنهم موصومون بالكفر وأن عليهم أن يقبلوا مناهج تعليم دينية أحادية النظرة.
وهنا يلاحظ أن المطالب الشيعية فى المملكة وإن كانت أكثر حدة من مثيلتها فى الكويت بيد أنها لم تتعد حدود الوطن - على الرغم من تصريحات البعض إمكانية المساندة الخارجية- فيؤكد المطالبون أن مطالبهم هى جزء من مطلب عام يهم الوطن ككل، وتندرج ضمن المطالبة بالإصلاح وليست ذات طابع فئوى أو مذهبى وهو ما عبر عنه الشيخ حسن الصفار قائلاً كل المواطنين فى المملكة وفى البلاد العربية يشعرون بالحاجة إلى الإصلاحات السياسية، مؤكدًا أن المسألة لا ترتبط بالشيعة فقط.
انتهجت المملكة العربية السعودية آلية الإصلاح للاستجابة لمطالب الشيعة. ومن بين جوانب هذا الإصلاح تفعّيل المشاركة الشيعية فى الحياة العامة، وتدعيم مبادئ حقوق الإنسان وما يرتبط بها من حريات عامة وممارسات دينية مذهبية، وفى هذا الإطار يمكن الإشارة إلى ما يلي:
- فى شهر يونيو عام 2003 عقدت الدورة الأولى للحوار الوطنى بعنوان الطائفية فى المملكة وشارك فيها ممثلون عن الشيعة والسنة، وقد أكد الملك عبد الله - ولى العهد آنذاك - فى كلمته آنذاك على أن اختلاف الآراء وتنوع الاتجاهات وتعدد المذاهب أمر واقعى وطبيعى من طبائع البشر، وتعكس كلمة الملك عبد الله إدراكًا لطبيعة التنوع والاختلاف وضرورة احترام هذا الاختلاف، وعلى الرغم من أن انعقاد مثل هذا اللقاء يأتى فى سياق الإصلاحات السياسية التى تزايدت وتيرتها فى المملكة بعد احتلال العراق، والتى من المفترض أن تكون حوارات بين الحكومة والمجتمع السعودي، إلا أنه لوحظ أنه حوار سنى - شيعي، مما يعكس حالة الاحتقان التى سادت عقب صعود الشيعة فى العراق ورغبة الحكومة فى تجاوز تلك الحالة.
- ومن ناحية ثانية، شارك الشيعة فى الانتخابات البلدية التى أُجريت فى المملكة خلال عام 2005، فمن بين 12 مقعدًا كانت متاحة فى الإحساء والقطيف حصلوا على 11 مقعدًا، وهنا يشار إلى أن السلطات السعودية كانت قد وافقت على مطالب الشيعة بإقامة مجلس بلدى منفصل لبلدية القطيف والقرى المجاورة وهو ما يعد تحولاً مهمًا بالنسبة للشيعة.
- ومن ناحية ثالثة، تؤكد التصريحات الرسمية على المساواة بين المواطنين دون تفرقة مذهبية أو طائفية، ومن ذلك تصريحات الأمير بندر بن سلمان آل سعود مستشار العاهل السعودى الذى أكد على أن مطالبات الشيعة هى كباقى مطالبات المواطنين السعوديين مشددًا على أنهم لن يصلوا إلى ما سماه بـالتفرقة أو حتى القول بأن هناك مطالبات شيعية ببقاء الشيعى مواطنًا سعوديًا وهذا وطنه، وأضاف لكل مطالبه لكن فى النهاية نبقى جميعًا فى دائرة الإسلام وهى الدائرة الكبيرة التى تضمنا دينيًا وتحت سيادة دولة واحدة هى المملكة العربية السعودية.
ثالثًا- أثر الصعود الشيعى فى العراق على الدول الخليجية:
على الرغم من تباين مطالب الشيعة فى دول الخليج ابتداءً بالمطالب السياسة ومرورًا بالمطالب الدينية وانتهاءً بالمطالب الاجتماعية، فإن هناك عاملاً مشتركاً يجمع بين تلك المطالب وهو التحرك للاستفادة من الأوضاع الجديدة التى رتبها الاحتلال الأمريكى للعراق فى عام 2003، وعلى الرغم من مرور ثلاثة أعوام على هذا الاحتلال لا يزال هناك جدل حول الآثار التى يمكن أن تترتب على الصعود الشيعى فى العراق على دول الخليج الست، وفى هذا الصدد يبرز اتجاهان، الأول: يرى أن تحركات الشيعة لن تقف عند حد المطالب، إذ أنها سوف تستمر لتهدد الوحدة الوطنية لتلك الدول حتى لو استجابت حكوماتها لمطالبهم، أما الاتجاه الثاني: فيرى أن تواصل شيعة الخليج مع مناطق الوجود الشيعى لن يتعدى رابطة دينية تجمعهم مع نظرائهم فى تلك المناطق بما لا يهدد الوحدة الوطنية لتلك الدول، وفيما يلى عرض للاتجاهين وتقييم كل منهما:
الاتجاه الأول- المطالب الشيعية تهدد الوحدة الوطنية للدول الخليجية:
يرى أنصار هذا الاتجاه أن المطالب الشيعية تهدد الوحدة الوطنية للدول الخليجية، وذلك من خلال عدة مؤشرات هي:
1- سعى الشيعة للاستقلال:
على الرغم من سعى شيعة الخليج لتقديم كافة أشكال الولاء والطاعة لحكام الدول التى يقطنونها، إلا أن هذا لا ينفى تطلعهم لإقامة حكم ذاتى شيعى فى مناطق وجودهم كأغلبية أو قيام حكومة منفصلة شيعية على أبعد تقدير، وذلك انطلاقًا من ارتكاز توجهاتهم الدينية على مبدأ (التقية) ويعنى اتقاء القوى ومجاراته يعد مطلبًا دينيًا ومبدأ أساسيًا لهم، وهذا ما يؤكده رئيس تحرير إحدى الصحف الخليجية بالقول إنه مهما تواضعت مطالب الشيعة اليوم واندمجت فى إطار المطالب الوطنية العامة فلابد من الإقرار بأن شيئًا ما قد تغير بالفعل بعد كل الهزات السياسية والأمنية والثقافية التى عاشتها منطقة الخليج، وليس أقل التغييرات أن يأخذ الشيعة ثقلاً سياسيًا جديدًا بعد أن كانت إيران تحتضنهم عن بعد.
ومن ناحية أخرى، تزداد مخاوف الدول الخليجية بشأن ما يتردد عن تقسيم العراق فى ظل وجود العديد من المؤشرات الدالة على ذلك، حيث إن الدويلات التى سوف تنشأ على أنقاض الدولة العراقية هى دولة كردية فى الشمال، وسنية فى الوسط، وثالثة شيعية فى الجنوب، ستكون جميعها ضعيفة للغاية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الجنوب الشيعى يمثل مركز ثقل استراتيجياً بالنسبة لإنتاج النفط العراقي، حيث ينتج الجنوب وحقول الرميلة نصف إنتاج العراق من النفط، كما أن نمط العلاقات فيما تلك الدويلات سيكون سمته الصراع وليس التعاون، وقد تتجه إحدى هذه الدويلات إلى الاستعانة بطرف خارجي، الأمر الذى من شأنه أن يكون مقدمة لأتون حرب أهلية من شأنها أن تؤثر سلبًا على مجمل النظام الإقليمى فى الخليج، وفى هذا الإطار جاءت تصريحات وزير الخارجية السعودى الأمير سعود الفيصل فى 6/1/2004، حيث قال إن تقسيم العراق هو تهديد مباشر لأمننا وأمن دول الجوار معتبرًا أن أى نظام عراقى مبنى على أسس عرقية أو مذهبية لا يساعد على استقرار البلاد ووحدتها.
كما أن قيام دولة شيعية فى الجنوب سوف يؤدى لتمدد النفوذ الإيرانى فى منطقة الخليج العربى بما يعنيه ذلك من تداعيات خاصة فى ضوء استمرار بعض المشكلات بين إيران ودول المجلس والسعى الإيرانى للهيمنة على المنطقة باعتبارها قوة إقليمية مستندة إلى برنامجها التسليحى الكبير، وسوف تنجذب الأقليات الشيعية فى الخليج لهذه الدولة الجديدة التى سوف تضم مقدسات شيعية مهمة.
وبعيدًا عن هذا وذاك، يلاحظ أن ورقة الشيعة كأداة ضغط من جانب الولايات المتحدة تأتى دائمًا من جانب جماعات الضغط الصهيونية التى تقدم أنصارها بمشروع قانون للكونجرس أطلق عليه قانون محاسبة السعودية، فضلاً عما رددته تلك الجماعات من أن المملكة تسعى لامتلاك أسلحة دمار شامل، بالإضافة إلى دأب تقارير حقوق الإنسان السنوية التى تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية على انتقاد المملكة لممارساتها التمييز، واتهامها بالاتجار بالبشر فى إطار تعاملها مع العمالة الوافدة على أراضيها، فضلاً عما أورده تقرير وزارة الخارجية الأمريكية بشأن حقوق الإنسان فى العالم لعام 2003، حيث قال تقوم المملكة باعتقال وسجن وتعذيب علماء شيعة وعلماء دين بسبب آرائهم الدينية التى تخالف آراء الحكومة.
2- مطالب الشيعة تتيح التدخل فى الشئون الداخلية لدول الخليج:
وهنا يمكن التفرقة بين الشيعة المعتدلين والشيعة المتشددين، حيث إن وصول شيعة العراق المعتدلين الذين يؤمنون بالديمقراطية والتعددية إلى الحكم سوف يؤدى إلى تعزيز العلاقات بين الشيعة والسنة فى الكويت والسعودية، أما فى حالة سيطرة شيعة العراق المتشددين على السلطة فإن ذلك سوف يؤدى إلى خلق حالة من التوتر وعدم الثقة الناتجة عن التدخل فى الشئون الداخلية، ومما يؤكد صحة هذا الطرح التصريحات التى أطلقها مقتدى الصدر ضد الكويت وطالب فيها برحيل القوات الأمريكية عن أراضيها، مشيرًا إلى أن الخطر الذى يخشاه قد زال بعد سقوط صدام حسين، وقد كان لهذه التصريحات ردود فعل كويتية رسمية حادة، والتى اعتبرت أن تصريحات الصدر تعد تدخلاً فى الشئون الداخلية لدولة حرة مستقلة، وذلك من خلال تصريح وزير الخارجية الكويتى د.محمد الصباح السالم بالقول إن بقاء أو رحيل القوات الحليفة الموجودة على أرض البلاد هو من صميم السيادة الكويتية التى لا يسمح لأحد بالتدخل فيها أو المساس بها، وأضاف أن الكويت دولة حرة وذات سيادة ونحن الذين نحدد من نستضيف ومن نطرد ولا أحد يعلمنا من نستضيف ومن لا نستضيف.
3- ظهور الطائفية فى الدول الخليجية:
كان للصعود الشيعى فى العراق آثار واضحة على بداية ظهور مؤشرات للطائفية فى بعض الدول الخليجية ومنها دولة الكويت .. حيث ظهرت بعض الكتابات التى تناولت الوضع العراقى بالتركيز على ما يتعرض له السنة هناك على يد الشيعة، وفى هذا الصدد أشارت إحدى الصحف الإلكترونية التى تنطق بلسان إحدى الحركات الإسلامية السنية قائلة يذبح إخواننا أهل السنة فى العراق بخنجر الأحزاب الشيعة المتطرفة ويتعرضون فى الجنوب لأبشع المجازر بغية إجلائهم عن أراضيهم ليتسنى للدولة الساسانية فى إيران مد نفوذها، فضلاً عن قيام أحد المواطنين بطباعة مطوية والاتفاق مع بعض الصحف على توزيعها كإعلان مدفوع الأجر خلال شهر فبراير 2005، وقد تضمنت هذه المطوية مواعظ دينية تحذر من لطم الخدود وشق الجيوب فى إشارة إلى ما يقوم به الشيعة فى يوم عاشوراء، ولاشك أن ظهور الطائفية فى دولة الكويت يعد تهديداً لأمنها القومى بالنظر لصغر حجم الدولة ووجود خلل فى تركيبتها السكانية، نتيجة ارتفاع حجم العمالة الآسيوية وانقسام البلاد بين تيارين (إسلامى وليبرالي)، ووجود طائفتين إحداهما سنية والأخرى شيعية، ومما يؤكد هذا الأثر المباشر للطائفية أمران، أولهما: استقالة وزير الإعلام د.محمد أبو الحسن (شيعي) بسبب شعوره أن الاستجواب الذى كان مقدمًا ضده سوف ينحرف إلى مستوى طائفي. وثانيهما: تحذير رئيس مجلس الوزراء الكويتى الشيخ صباح الأحمد من مؤشرات سلبية تمس الوحدة الوطنية.
وفى المملكة العربية السعودية، على الرغم من محاولات الشيعة تحقيق مكاسب فى ظل التغيرات الجديدة، إلا أن الطائفية لم تتضح حتى الآن .. فقد ناقش الحوار الوطنى الأول الذى انعقد فى الرياض خلال شهر يوليو 2003 قضية الغلو والتشدد، وتم اللقاء بين رجال دين سنة وشيعة.
وتعكس التجارب التاريخية مدى تأثر شيعة الخليج بالخارج، ومن ذلك شيعة المملكة العربية السعودية فى المنطقة الشرقية الذين تبرعوا بالملايين للجمهورية الإسلامية فى إيران بعد انتصار الثورة عام 1979 من خلال الأخماس، وتوجد مواقف لا تحصى حتى أن النساء قمن ببيع حليهن للتبرع للثورة وقيام البعض بالاقتطاع من مصروف أطفاله اليومى لهذا الغرض.
الاتجاه الثانى- تواصل شيعة الخليج من الخارج لن يتعدى الرابطة الدينية:
ويؤكد أصحاب هذا الاتجاه على أن تواصل شيعة دول مجلس التعاون الخليجى مع مناطق الوجود الشيعي، لاسيما تلك التى توجد بها العتبات المقدسة لا يعنى تبعيتهم السياسية لمركز أو دولة معينة، حيث إن الأمر لا يتعدى رابطة دينية عامة تجمع الشيعة الذين قد يرغبون فى زيارة عتباتهم المقدسة فى العراق على سبيل المثال، وهذه مسألة شبيهة تمامًا بما يحدث لدى السنة من زيارتهم للأماكن المقدسة فى المملكة العربية السعودية، ويؤكدون على ذلك بعدة حجج وهى:
أولاً: التزام شيعة الخليج بانتماءاتهم الوطنية مؤكدين أنهم جزء من النسيج الوطنى الخليجي، كما أنهم لا يشكلون تحديًا سياسيًا، وهذا ما أشار إليه الدكتور منصور الجمرى رئيس تحرير صحيفة الوسط البحرينية الذى أشار إلى أن المستقبل الشيعى فى المنطقة مستقبل اندماج وليس انفصال، مؤكدًا على أن الشيعة فى الخليج يحملون انتماءً قويًا لوطنهم وليست لديهم أى انتماءات سياسية خارجية أو حتى طموحات داخلية من شأنها أن تؤثر على وحدة واستقرار النظم الخليجية.
وهو المعنى ذاته الذى أكده الشيخ حسن الصفار بالمملكة بالقول المواطنون السعوديون الشيعة يصرون على أنهم جزء لا يتجزأ من هذا الوطن ويدافعون عن وحدته، مؤكدًا على أن الشيعة لا يسعون إلى إقامة دولة خاصة بهم، وقد ترجم الشيعة السعوديون هذا التوجه ضمن وثيقة قدموها للملك عبد الله بن عبد العزيز، حيث أكدت على أن المواطنين الشيعة فى المملكة هم جزء أصيل لا يتجزأ من كيان هذا الوطن الغالي، هو وطنهم النهائى ولا بديل لهم عنه ولا ولاء لهم لغيره، وهو الأمر ذاته الذى أكد عليه شيعة الكويت، حيث شدد النواب الشيعة فى مجلس الأمة وعدد من الشخصيات الشيعية فى لقاء مع رئيس مجلس الوزراء الكويتى الشيخ صباح الأحمد الصباح فى شهر أبريل 2004 على أنهم مواطنون كويتيون قبل أن يكونوا من الطائفة الشيعية، وفى هذا الصدد استهجن النائب الشيعى حسين القلاف مقولات مفادها أن الشيعة سيأخذون حقوقهم من خلال ضغوط داخلية أو خارجية مؤكدًا أن الشيعة مواطنون بالأصالة ولهم من الحقوق ما لهم وعليهم من الواجبات ما عليهم، وهذا ما أكده أيضًا على المتروك وهو سياسى ورجل أعمال شيعى كويتي، حيث قال إن شيعة الخليج هم جزء أصيل من أى مجتمع خليجى وأنهم لا يستمدون العون من أى طرف خارجى سواء إيران أو غيرها للمطالبة بحقوقهم، وأوضح نحن ننطلق فى الحصول على حقوقنا من الدستور الذى لا يميز بين المواطنين.
ثانيًا: تؤكد السوابق التاريخية أن الشيعة لم يكونوا يومًا ما ضد الوحدة الوطنية .. فمن ناحية الأصول التاريخية ينحدر شيعة الخليج عمومًا من قبائل عربية أصيلة مثل قبائل ربيعة وقبائل حرب وجهينة وبنى يام، بالإضافة إلى قبائل عامر وتميم، وبالتالى فإن جذورهم تضرب فى الأعماق العربية وظلوا باقين فى الخليج دون محاولة التوجه للخارج، فضلاً عن الدور الذى لعبه شيعة المملكة العربية السعودية فى فتح منطقة الإحساء عام 1913، حيث أيد الشيعة الملك عبد العزيز آل سعود ومكنوه من دخول المنطقة دون حرب، وقام الملك المؤسس بترك الشيعة أهل المنطقة لإدارة شؤونهم عبر مؤسساتهم الدينية ومحاكمهم الشرعية، بالإضافة إلى أن شيعة المملكة لم يتأثروا بدعوات الثورة الإيرانية، وبالتالى فقد أخفقت كل محاولات اختراق دول الخليج العربية الست وزعزعة وحدتها الوطنية. ومن ناحية أخرى عندما غزا العراق دولة الكويت كانت بدايات المقاومة الكويتية من جانب الشيعة، وهذا ما أوضحه السيد محمد باقر المهرى فى بيان أصدره فى شهر ديسمبر عام 2003، حيث قال العدو البعثى حينما هاجم بلدنا لم نسمع بأن هناك فرقاً بين السنة والشيعة، بل كان المقياس هو الروح الوطنية، فمن كان مدافعًا عن الكويت ومقاومًا للاحتلال العراقى البغيض كان مصيره القتل أو الأسر شيعياً كان أم سنياً.
ثالثًا: لا يعدو الشيعة سوى تعبير كمى حيث إنهم - شأنهم شأن الطوائف الموجودة فى العالم العربى غير موحدين سياسيًا وفكريًا فهم منتمون لمدارس فقهية وسياسية وانتماءات متباينة، وبالتالى يصعب التقاؤهم على برنامج أو هدف سياسى معين، وقد أشار أحد المؤلفات إلى أن فرق الشيعة ثلاثون والبعض الآخر يرى أنهم يزيدون عن هذا العدد قليلاً، أبرزهم الكيسانية والناووسية والإسماعيلية والقطيمية والواقفية والزيدية والإثنا عشرية.
رابعًا: الفتاوى التى صدرت وتؤكد على الوحدة الوطنية وما لها من تأثير على الشيعة فى الخليج، ومن ذلك فتوى المرجع الشيعى العلامة السيد محمد حسين فضل الله بتحريم إثارة أى حديث مذهبى لاسيما بين السنة والشيعة فى الكويت، قائلاً إننا نقول لكل إخواننا فى الكويت لا تطالبوا بحقوق الشيعة، ولابد من أن تكون هناك أسرة كويتية واحدة.

تعليق