هل تنتقل قيادة الموالاة إلى معراب؟
عندما قررت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة تعيين خلف لمدير الأمن العام المسجون اللواء جميل السيد، اصطدمت برفض رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي استطاع أن يمنعها من فرض خيار مختلف، وألزمها تعيين مدير شيعي للأمن العام محسوب عليه، هو اللواء وفيق جزيني.
في ذلك الوقت، لم تكن المعارضة في مثل قوتها الحالية، ولم تكن الموالاة في مثل ضعفها الحالي، إلا أن هذه الحقيقة لم يتلقفها «حكماء» الموالاة، ودخلت الحكومة في حقل ألغام تفجر بها وبقوى السلطة الاساسية، اذ ان من لم يستطع كسر إرادة الرئيس بري منفردا، كيف له أن يفتح معركة كسر عظم مع أهم ثلاث مرجعيات شيعية دفعة واحدة، ويفوز فيها. فهل الأمر مجرد غلطة شاطر أم ان في القضية لعبة معينة انطلت على أطراف السلطة والموالاة،
ما أوصل رموزها الى ما سبق أن جرى تحذيرهم منه وهو أنهم لن يتمكنوا من حزم حقائبهم والهرب، اذا ما تعدوا الخطوط الحمر التي رسمتها المعارضة.
لتوضيح هذا الجانب تطرح أوساط فاعلة ونافذة أسئلة عدة حول ما جرى، للوصول الى حقيقة ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية، وأدت الى تنفيذ المعارضة خطة حسم عسكري بحق الوجود الميداني لقوى الموالاة في العاصمة. وتسأل:
هل صحيح أن النائب وليد جنبلاط هو صاحب القرار الفعلي في ما أقدمت الحكومة عليه من تحدي «حزب الله»، والرئيس بري، ونائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ عبد الامير قبلان واستفزازهم، في ملفين منفصلين جرى جمعهما بطريقة «عبقرية» لا يتمناها للحكومة سوى أعدائها، هما قضية سلاح الاشارة ـ الاتصالات السلكية لحزب الله، وقضية تبديل قائد جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير، المقرب من الرئيس بري والشيخ قبلان في وقت واحد، وهو ابن بلدة الشيخ قبلان ميس الجبل الجنوبية. علما أن جنبلاط، حسب هذه الاوساط، أذكى من يرتكب مثل هذا الخطأ الكبير.
واذا كان جنبلاط هو صاحب الفكرة التي حولتها الحكومة الى قرارات، لماذا سارع الى الانسحاب من المعركة العسكرية في بيروت، وحيّد نفسه وحزبه، وترك «تيار المستقبل» وحيدا في المواجهة، كما سارع الى الموافقة على مبادرة التسوية التي تقدم بها النائب سعد الحريري.
واذا كان جنبلاط هو صاحب المبادرة تلك، لماذا كان الرئيس الاسبق أمين الجميل أسرع وأبرز الاصوات الموالية التي تضامنت مع هجمة جنبلاط الشعواء على القوى الثلاث.
أما السؤال الثالث والابرز، فهو عن مصادفة استغلال قائد حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع التطورات، ودعوته الموالاة الى عقد اجتماع في مقره في معراب، وهو الذي يعلم أن هذا أمر غير مرحب به من كثير من الموالين، ومن قسم كبير من جمهور الموالاة.
وتذكّر الأوساط الفاعلة المذكورة بما سبق لرمزي «الجبهة اللبنانية» الراحلين بيار الجميل وكميل شمعون، عندما بادرا الى نقل مقر الجبهة الى قرية الكفور الكسروانية، اثر قصف المعارضة في ذلك الحين القصر الجمهوري في بعبدا، مما مكنهما من التحكم بقيادة الجبهة، وبات القائد المفترض لها وهو رئيس الجمهورية في ذلك الوقت سليمان فرنجية ملحقا بهما.
وتتهم الاوساط المذكورة أحد الثنائي أمين الجميل وسمير جعجع، أو الاثنين معا، بأنهما قد يكونان لعبا على وتر حساسية جنبلاط تجاه ما يجري في مطار بيروت، اذ إن المطار طالما كان تقليديا منطقة نفوذ لجنبلاط، ويكفي تذكر كيف تولى جنبلاط تهريب المصرفي الشهير روجيه تمرز عن طريق المطار، من دون أن تتجرأ قوى السلطة في ذلك الوقت على اعتراض الموكب الجنبلاطي الذي تولى نقل تمرز عبر الجبل الى المطار. في حين أن المطار يخضع فعليا لسلطة ضابط أو أكثر لا يتبعان لجنبلاط، بل هما مقربان من رئيس المجلس النيابي، فكان أن اندفع جنبلاط في معركة غير محسوبة، دفع جنبلاط اليها، وساهم غباء الحكومة في الاندفاع فيها الى مكان أجبرت فيه المعارضة الى اتخاذ قرارها بالحسم، انطلاقا من يقين الجميل وجعجع باستحالة إجراء انتخابات رئاسية في الثالث عشر من الشهر الحالي، فعملا الى الدفع نحو معركة «عليّ وعلى أعدائي» بما يحجم دور قوى الموالاة الاخرى وموقعها، وينقل الدور الاول الى ساكن معراب المتحالف مع الرئيس الجميل.
