بسم الله الرحمن الرحيم
’’المسعري المُعارض بين المُجازفة و التَّناقُض‘‘
الحمد لله، و بعد:
فقد وقفتُ على نصِّ حوارٍ للخارجي محمَّد المسعري أجرته معه’’جريدة الخبر‘‘-الجزائر-،نُشر في العدد(4168)بتاريخ(الأربعاء 2رجب1425هـ/الموافق لـ:18 /08/2004م) في(ص11)، فيه من المجازفات و التناقضات الشَّيء الكثير؛ ممَّا يحسن بنا الوقوف عند بعض عباراته؛ ردًّا على مجازفاته، و بيانًا لتناقضاته، و الله من وراء القصد.
[1]
عَنونَت الجريدة للحوار في صفحتها الأولى بقولها
زعيم المعارضة السُّعوديَّة في الخارج الدكتور محمَّد المسعري لـ"الخبر":النِّظام السُّعودي سيسقط بانتفاضةٍ شعبيَّة)، ثم صدَّر الصَّحفي الحوارَ بقوله
(يتوقَّع الدُّكتور محمَّد المسعري انهيار النِّظام السُّعودي بانتفاضةٍ شعبيَّة في الأمد القريب، و أنَّ الشَّعب أصبح يعي كلَّ ما تحاولُ الأسرة الحاكمة أن"تغرِّر به النَّاس".و كشف لـ"الخبر" عن أسرار رحلة بن لادن خارج السُّعوديَّة و التطوُّر الذي حصل له، حيث تطور فكرياًّ و عقائدياًّ، لكن أخطر ما قاله المسعري عن وجود أخطاء و زلاَّت في فكر ابن تيميَّة و ابن عبد الوهاب.و محمَّد المسعري (58عاماً)حاصل على دكتوراه في الرياضيات و الفيزياء من جامعة كولونيا في ألمانيا عام 1976م، و مارس المعارضة منذ منتصف الستِّينيَّات، أسَّس حزب التَّجديد الإسلامي الذي يطمح إلى إقامة دولةٍ إسلاميَّةٍ حقيقيَّةٍ، يُؤمن بالانفتاح و أنَّ كلَّ شيءٍ قابل للنِّقاش، تعرَّض ابنه للاعتقال في أمريكا و من هُنا كان حوارنا معه..))اهـ.
و لي مع هذه الكلمات بعض الوقفات:
1-توقُّع المسعري لسقوط النظام لا يَخرج عن كونِه من رجم الغيب، و لا يعدو أن يكون(خُرافة حَركي).
2- سقوط الدَّولة السَّلفيَّة في بلاد الحرمين لا شكَّ أنَّها من أكبر أماني أهل البدع و أهل الكفر على حدٍّ سواء، و الدُّكتور هنا لم ينطق إلاَّ بما يهواه قلبه، فاللِّسان تُرجمان القلب، و لا يُستبعد تعاون المسعري هذا مع كلِّ من يعمل سراًّ و علناً على تحقيق تلك الأمنية، و الأيَّام كفيلة بإثبات هذا الكلام.
3-لو تحدَّث المسعري عن التطور الذي حصل له فكرياَّ و عقائدياَّ، و حزبياًّ كذلك، لكان أصدق من حديثه عن التطوُّر الفكري و العقائدي لأسامة بن لادن؛ شريكه في المذهب، و قرينه في السُّلوك.
4-من العجيب أن الصَّحفي المُحاوِر وصف مُجازفات المسعري بوجود زلاَّت و أخطاء لدى شيخي الإسلام أحمد بن تيميَّة و محمَّد بن عبد الوهاب-رحمهما الله و أجزل لهما الأجر و الثواب-بأخطر ما قاله في الحوار، و لكنَّ المجرم الآثم و لا كأنَّه قال شيئاً عظيماً، أو احتمل إثماً و بُهتاناً مبيناً.و لكن "إذا لم تَستحِ [فقُلْ] ما شِئتَ".
5-لا أفهم في الحقيقة كيف لدكتور في الرياضيات و الفيزياء أن يصبح ناقداً لكبار أهل العلم في الإسلام، لا في عصره فحسب بل تعدى نقده القرون و الأجيال، و الله المستعان.
أشهدُ بأنَّ المسعريَّ هذا ممَّن قال فيهم رسولنا الكريم-صلَّى الله عليه و سلَّم- في الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجه
(سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب، و يُكذَّب فيها الصَّادق، و يُؤتمَن فيها الخائن، و يُخوَّن فيها الأمين، و ينطقُ فيها في الرُّويبضة))، قيل:و ما الرُّويبضة؟،قال
( الرَّجل التَّافه يتكلَّم في أمر العامَّة)).
و ممَّن قال فيه أيضاً رسول الله-صلَّى الله عليه و سلَّم-فيما رواه الإمام مسلم-رحمه الله-
(سيكونُ في آخر أمَّتي ناسٌ يُحدِّثونَكم بما لم تَسمعوا أنتُم و آباؤكم؛ فإيَّاكم و إيَّاهم)).
6-الملاحظ من مِشوار هذا الخارجي أنَّه قد حصل على شهادةٍ كبرى في المعارضة و الخروج على حكَّام بلده المسلمين(مُنتصف الستِّينيَّات) قبل أن يحصُل على دكتوراه الرياضيات و الفيزياء (عام1976م)، ثمَّ إنَّ بلده الكريم لم يَستفدْ بشهادته الثَّانية بقدرِ ما تضرُّر بشهادته الأولى.
7-المسعري بدأ نشاط المعارضة منذ مُنتصف الستِّينيَّات من القرن الماضي بالتَّاريخ الإفرنجي؛ أي قبل حرب الخليج و قبل مجيء قوَّات التَّحالف؛ و هو السبب المباشر الذي دفع بالشباب لحمل السلاَّح ضدَّ حكَّامهم المسلمين في المملكة العربيَّة السُّعوديَّة-حرسها الله من كلِّ سوء-كما هو تعليل(شيوخ الصَّحوة)، فهذا يدلُّك على أنَّ في الأمر شيءٌ بُيِّت بليلِ فانظر إلى مكر بني حرور، و غِشِّهم لوُلاة الأمور.
8-المسعري يسعى لإقامة دولةٍ (إسلاميَّةٍ حقيقيَّةٍ)، و يتغافل عن حكم الإسلام في إنشاء الأحزاب، الَّتي لا تزيد الأمَّة الإسلاميَّة إلاَّ تفرُّقاً و اختلافاً، أيَستقيمُ الظِّلُّ و العودُ أعوج.
9-في وصف المسعري دولته الخياليَّة بـ(الإسلاميَّة الحقيقيَّة)؛ تعريض بدولة التَّوحيد: المملكة العربيَّة السُّعوديَّة، و الَّتي هي بحقٍّ الدَّولة الإسلاميَّة الحقيقيَّة في هذا الزمان بتطبيقها لشرع الله المُطهَّر، و لله الحمد و المنَّة.
10-القول بأنَّ المسعري يُؤمن بالانفتاح و النِّقاش يحتاج إلى برهان و تدليل، إلاَّ إذا أُريد بالانفتاح؛ الانفتاح على الغرب، و بالنِّقاش؛ نقاش أهل البدع و الكفر، و إلاَّ أين انفتاحه و نِقاشه مع الحكَّام المسلمين في بلده، أمْ أنَّ الأمر إذا تعلَّق بالسُّلطة فلا مجال للمبادي، و الله الهادي.
مجازفة:
قال الصحفي المحاور:وليُّ العهد السُّعودي صرَّح أنَّ الإرهاب انتهى، و لم تبق إلاَّ جيوب يُمكن القضاء عليها؟
فأجاب المسعري بقوله
(أنتم تعرفون في الجزائر أنَّ هذا الكلام للاستهلاك المحلي، و هذه التَّصريحات محاولة للَّعب على عواطف المواطنين، و هو كلام مبني على مقدِّمات فاشلة، و عدم فهم لحقيقة الإشكاليَّة.و ما تصريحات وليّ العهد أنَّ هناك جيوب يُمكن القضاء عليها، تؤكِّد أنَّه لا يعرف شيئاً..)).
لو ترك المسعري الكلام عن وضع الجزائر لأبناء الجزائر لكان أحرى به؛ لأنَّهم بالتَّأكيد أعلمَ منه بواقع بلادهم، و أفقهَ منه لحال مُجتمعهم، و من هذا المنطلق أقول:
لا يخفى على كلِّ مُنصفٍ أنَّ بلاد الجزائر و مُنذ تطبيق سياسة الوئام المدني و وضعِ عددٍ كبيرٍ جداًّ ممَّن خرجوا على ولاة الأمر السلاَّح، و نبذوا وراء ظُهورِهم شرَّ كفاح، بعد أنْ وصلتْ إليهم فتاوى علماء أهل السنَّة و الجماعة بعدم شرعيَّة خُروجهم، و أنَّه لا فرق بينهم و بين الخوارج الأُوَل إلاَّ في زمن و مكان الخروج، قد تحسَّن فيها الوضع الأمني كثيراً و بشكلٍ ملموسٍ، و بما لا يحتاج فيه النِّظام الجزائري إلى اختلاق كلام(للاستهلاك المحلي)، و مع هذا لا زالتْ بعض الجماعات من الفئة الضالة تنشطُ، و لو بشكلٍ مُنحصرٍ عمَّا كانت عليه قبل سنواتٍ، و هو ما يُسمَّى في لغة الصَّحافة عندنا بـ
بقايا الإرهاب)، و هذا الواقع منقولٌ في الجرائد و الصُّحف المحليَّة و العالميَّة، و الدَّولة لم تُخفِ وجود مثل هذه الجيوب الإرهابيَّة؛ بل هي ساعيةٌ و عازمةٌ على القضاء عليها بنفس عزمها و إصرارها في بداية المحنة، فنسأل الله لها التَّوفيق في قتال أذناب الخوارج، و أن يوفق الله حكَّامها لتطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة في جميع مناحي الحكم و الحياة.
تناقض:
المسعري هُنا يردُّ تصريحات وليِّ العهد السُّعودي-وفَّقه الله-عن وضع الفئة الضَّالَّة في بلاد الحرمين، في محاولةٍ فاشلةٍ منه لإظهار سِعة إطَّلاعه و تتبعه لوضع الجماعة المسلَّحة، ثمَّ في نهاية الحوار و في جاوبه عن سؤال:هل لديكم علاقة مع قيادات تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربيَّة؟،قال
(أنا لا أعرف أيَّ واحدٍ منهم)).
فهو هنا لمكرِه و حيلته نفى أيَّ علاقةٍ له بخوارج الجزيرة، لأهدافٍ كثيرةٍ قد تخفى على كثيرٍ من القرّاء، من أهمِّها: أنَّه لمَّا رأى عامَّة النَّاس قد نبذت الخوارج و طريقة إصلاحهم المزعوم، فلا خِيار له إلاَّ نفي علاقتهِ بهم و علاقتهم به، و الكلُّ يعلم الدَّور المشئوم لمنشورات هذا الخارجي البريطاني في تنفير(بعض) الشَّباب السُّعودي عن ولاة الأمر؛ ممَّا دفع بفئةٍ ضالَّةٍ منهم لرفع راية الخوارج في بلادهم السَّلفيَّة، نسأل الله لنا و لهم الهداية.
و كما قال الشاعر:
أرى فتنةً هاجَت و باضَت و فرَّخَت***و لو تُرِكَت طارَت إليها فِراخُها
و قال آخر:
فإن لم تكُنْهُ أو يكُنْها فإنَّه******أخوها غَذَتْهُ أمُّه بلبانِها
مجزافة:
قال المسعري-كبته الله- و هو يتحدَّث عن وليِّ العهد-أعزَّه الله بنصره-
(و هو بتصريحاته يحاول أن يمتص غضب و نقمة الجماهير نتيجة للخداع الذي استمر أكثر من قرن كامل، حيث كانت نسبة الأميَّة في السابق في حدود 95بالمائة، أمَّا الآن فالوضع مختلف و النَّاس أصبحت تع جيِّداً ما عليها أن تفعله، و آل سعود طيلة عقودٍ مارسوا تجهيل الشَّعب من خلال الانغلاق على أيِّ نوعٍ من التطور، لكنَّ هذا الانغلاق لم يستمر بسبب دعوات الرئيس الرَّاحل جمال عبد الناصر لتعليم النَّاس و دفعهم نحو فهم الأشياء.أفكار عبد الناصر دفعت آل سعود لشقِّ الطرق و تعليم النَّاس...)).
القاريء هنا أمام كلامٍ غير معقولٍ ألبتة، لدكتور في علومٍ عقليَّةٍ بحتة، مُتخرِّج من جامعات الغرب العقلانيَّة، ربيب (حزب التَّحرير) ذي الاتجاه العقلاني، و ممَّن كان (مشايخ الصَّحوة) يقدِّمونه و يمجِّدونه حين أنشأ "لجنة الدِّفاع عن الحقوق الشَّرعيَّة"، و الَّتي تَفتقدُ لأدنى شرعيَّة.
فانظر إليه كيف يستخفُّ بعقول أتباعه، بل كيف لمثل هذا الرجل أنْ يكون مرجعيَّة؟؛ فالرَّجل بقدر بُعده عن الشَّرع ابتعدَ عن العقل، و لا ريب أنَّ كلَّ من كان أتْبَع للشَّرع؛ كان كلامُه أقرب للعقل و العكس صحيح، و كلام هذا الدكتور مثالٌ صريح.
فالمملكة العربيَّة السُّعوديَّة-حرسها الله-، و خاصَّةً مُنذ عهدها الثَّالث، و هي تسير بخطواتٍ كبيرةٍ نحو التطور في جميع المجالات؛ و منها التَّعليم باعتماد الطُّرق و الوسائل الحديثة، حيث تمَّ إنشاء المدارس و المعاهد و الجامعات في جميع أنحاء المملكة، بل لقد اعتُمد تعليم البنات؛ الأمر الذي أثار جدلاً كبيراً في وقته، لكنَّ مسيرة الإصلاح سارت على بركة الله، و التطور الذي تعيشه بلاد الحرمين أمرٌ لا يُنكره أحد إلاَّ من طمس الله بصره و بصيرته معاً.
ثمَّ إنَّ المملكة-حرسها الله- قامت بإنشاء"الجامعة الإسلاميَّة بالمدينة النبويَّة" على أن يكون 80بالمائة من طلاّبها من الأجانب، فكيف يُقال أنَّها مارست تجهيل الشَّعب طيلة عقود، و الله المستعان.
و أنا في الحقيقة لا أعرف الكثير عن تاريخ المملكة العربيَّة السعوديَّة-حرسها الله من جميع الأخطار-، و ما زبرتهُ لا يخرج عمَّا تواترتْ به الأخبار، و تناقلتْهُ الرُّكبان في الأسفار.
تناقض:
المسعري في تصريحه –و لو قلتَ تخريفه لما أبعدتَ النَّجعة-ذكر أنَّ الأميَّة كانت في حدود 95% ثمَّ الآن الوضع مُختلف، مع أنَّه اتَّهم الدَّولة بممارستها تجهيل الشَّعب طيلة عقودٍ، فلا أدري يكف يستقيم هذا مع هذا؟.
أضفْ إلى ما سبق أنَّ المسعري نفسه قد درس حتَّى وصل إلى الدِّراسات العُليا؛ فهذا الدكتور الكافر بالنِّعمة قد دَرَسَ في جامعات الغرب -بعد فضل الله- بفضل البعثات العلميَّة التي كانت تُرسلها المملكة إلى الخارج لتحصيل العلوم و الخبرات غير المتوفِّرة محلياًّ.
و أين المسعري من قول الله-تعالى-
(يا أيُّها الذين آمنوا كونوا قوَّامين لله شهداءَ بالقِسط و لا يَجرِمنَّكم شَنئانُ قومٍ على ألاَّ تَعدِلُوا اعدِلوا هو أقرَبُ للتَّقوَى))[المائدة:8]؟
تناقض:
قال المسعري مواصلاً تخريفاته-و لو قلتَ تحريفاته لأصبتَ كبدَ الحقيقة-
(و المؤسف أنَّ التعليم ليس إجبارياًّ في السُّعوديَّة، ممَّا يُؤدِّي إلى تسرُّبٍ مدرسيٍّ كبير، و هذا يُساعد آل سعود في استمرار الجهل في المجتمع السُّعودي، لكنَّ الآن الأمور مختلفة، فالقنوات الفضائيَّة دفعت النَّاس للفهم، كما أنَّ الطَّفرة البتروليَّة دفعتِ النَّاس للخروج إلى مصر و لبنان و بدأت تُقارن و تفهم ما يجري في السُّعوديَّة)).
مُقدِّمات المسعري تصلُ إلى نتائج غير منطقيَّة، فالعلم الذي يَتظاهر بالبكاء عليه بكاء شعراء الجاهليَّة على الأطلال لا يعدو أن يكون علم الفضائيَّات، نعم فهناك جامعة ’’الجزيرة‘‘ و معهد’’المُستقلَّة‘‘، و إن أدرت شهادةً عُليا فما عليك إلاَّ أنْ تُيَمِّم شطرَ القنوات الفضائيَّة الغربيَّة؛ فثمَّ حريَّة لا قيود لها، و هناك ديموقراطيَّة ترفع رايتها.
و قد أهمل المسعري-لمكره-ذِكر دول الكفر، و خاصَّة لندن-عش رُويبضات الزَّمن-، و دور سياساتها في تغيير أفكار شباب بلاد الحرمين نحو ولاتهم من آل سعود-أعزَّ الله بهم دينه-، و فغرضه من هذا إبعاد تُهمة تأثُّره الكبير بالغرب و سياسته، و هو الأمر الذي لن يُمكنه نَفيه إلاَّ بالرُّجوع إلى منهج السَّلف الصالح في السِّياسة الشَّرعيَّة، فهل يملك شجاعة الرجوع إلى الحقِّ، كما يملك جرأة التهجُّم على شيوخ الإسلام؟
’’المسعري المُعارض بين المُجازفة و التَّناقُض‘‘
الحمد لله، و بعد:
فقد وقفتُ على نصِّ حوارٍ للخارجي محمَّد المسعري أجرته معه’’جريدة الخبر‘‘-الجزائر-،نُشر في العدد(4168)بتاريخ(الأربعاء 2رجب1425هـ/الموافق لـ:18 /08/2004م) في(ص11)، فيه من المجازفات و التناقضات الشَّيء الكثير؛ ممَّا يحسن بنا الوقوف عند بعض عباراته؛ ردًّا على مجازفاته، و بيانًا لتناقضاته، و الله من وراء القصد.
[1]
عَنونَت الجريدة للحوار في صفحتها الأولى بقولها
زعيم المعارضة السُّعوديَّة في الخارج الدكتور محمَّد المسعري لـ"الخبر":النِّظام السُّعودي سيسقط بانتفاضةٍ شعبيَّة)، ثم صدَّر الصَّحفي الحوارَ بقوله
(يتوقَّع الدُّكتور محمَّد المسعري انهيار النِّظام السُّعودي بانتفاضةٍ شعبيَّة في الأمد القريب، و أنَّ الشَّعب أصبح يعي كلَّ ما تحاولُ الأسرة الحاكمة أن"تغرِّر به النَّاس".و كشف لـ"الخبر" عن أسرار رحلة بن لادن خارج السُّعوديَّة و التطوُّر الذي حصل له، حيث تطور فكرياًّ و عقائدياًّ، لكن أخطر ما قاله المسعري عن وجود أخطاء و زلاَّت في فكر ابن تيميَّة و ابن عبد الوهاب.و محمَّد المسعري (58عاماً)حاصل على دكتوراه في الرياضيات و الفيزياء من جامعة كولونيا في ألمانيا عام 1976م، و مارس المعارضة منذ منتصف الستِّينيَّات، أسَّس حزب التَّجديد الإسلامي الذي يطمح إلى إقامة دولةٍ إسلاميَّةٍ حقيقيَّةٍ، يُؤمن بالانفتاح و أنَّ كلَّ شيءٍ قابل للنِّقاش، تعرَّض ابنه للاعتقال في أمريكا و من هُنا كان حوارنا معه..))اهـ.و لي مع هذه الكلمات بعض الوقفات:
1-توقُّع المسعري لسقوط النظام لا يَخرج عن كونِه من رجم الغيب، و لا يعدو أن يكون(خُرافة حَركي).
2- سقوط الدَّولة السَّلفيَّة في بلاد الحرمين لا شكَّ أنَّها من أكبر أماني أهل البدع و أهل الكفر على حدٍّ سواء، و الدُّكتور هنا لم ينطق إلاَّ بما يهواه قلبه، فاللِّسان تُرجمان القلب، و لا يُستبعد تعاون المسعري هذا مع كلِّ من يعمل سراًّ و علناً على تحقيق تلك الأمنية، و الأيَّام كفيلة بإثبات هذا الكلام.
3-لو تحدَّث المسعري عن التطور الذي حصل له فكرياَّ و عقائدياَّ، و حزبياًّ كذلك، لكان أصدق من حديثه عن التطوُّر الفكري و العقائدي لأسامة بن لادن؛ شريكه في المذهب، و قرينه في السُّلوك.
4-من العجيب أن الصَّحفي المُحاوِر وصف مُجازفات المسعري بوجود زلاَّت و أخطاء لدى شيخي الإسلام أحمد بن تيميَّة و محمَّد بن عبد الوهاب-رحمهما الله و أجزل لهما الأجر و الثواب-بأخطر ما قاله في الحوار، و لكنَّ المجرم الآثم و لا كأنَّه قال شيئاً عظيماً، أو احتمل إثماً و بُهتاناً مبيناً.و لكن "إذا لم تَستحِ [فقُلْ] ما شِئتَ".
5-لا أفهم في الحقيقة كيف لدكتور في الرياضيات و الفيزياء أن يصبح ناقداً لكبار أهل العلم في الإسلام، لا في عصره فحسب بل تعدى نقده القرون و الأجيال، و الله المستعان.
أشهدُ بأنَّ المسعريَّ هذا ممَّن قال فيهم رسولنا الكريم-صلَّى الله عليه و سلَّم- في الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجه
(سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب، و يُكذَّب فيها الصَّادق، و يُؤتمَن فيها الخائن، و يُخوَّن فيها الأمين، و ينطقُ فيها في الرُّويبضة))، قيل:و ما الرُّويبضة؟،قال
( الرَّجل التَّافه يتكلَّم في أمر العامَّة)).و ممَّن قال فيه أيضاً رسول الله-صلَّى الله عليه و سلَّم-فيما رواه الإمام مسلم-رحمه الله-
(سيكونُ في آخر أمَّتي ناسٌ يُحدِّثونَكم بما لم تَسمعوا أنتُم و آباؤكم؛ فإيَّاكم و إيَّاهم)).6-الملاحظ من مِشوار هذا الخارجي أنَّه قد حصل على شهادةٍ كبرى في المعارضة و الخروج على حكَّام بلده المسلمين(مُنتصف الستِّينيَّات) قبل أن يحصُل على دكتوراه الرياضيات و الفيزياء (عام1976م)، ثمَّ إنَّ بلده الكريم لم يَستفدْ بشهادته الثَّانية بقدرِ ما تضرُّر بشهادته الأولى.
7-المسعري بدأ نشاط المعارضة منذ مُنتصف الستِّينيَّات من القرن الماضي بالتَّاريخ الإفرنجي؛ أي قبل حرب الخليج و قبل مجيء قوَّات التَّحالف؛ و هو السبب المباشر الذي دفع بالشباب لحمل السلاَّح ضدَّ حكَّامهم المسلمين في المملكة العربيَّة السُّعوديَّة-حرسها الله من كلِّ سوء-كما هو تعليل(شيوخ الصَّحوة)، فهذا يدلُّك على أنَّ في الأمر شيءٌ بُيِّت بليلِ فانظر إلى مكر بني حرور، و غِشِّهم لوُلاة الأمور.
8-المسعري يسعى لإقامة دولةٍ (إسلاميَّةٍ حقيقيَّةٍ)، و يتغافل عن حكم الإسلام في إنشاء الأحزاب، الَّتي لا تزيد الأمَّة الإسلاميَّة إلاَّ تفرُّقاً و اختلافاً، أيَستقيمُ الظِّلُّ و العودُ أعوج.
9-في وصف المسعري دولته الخياليَّة بـ(الإسلاميَّة الحقيقيَّة)؛ تعريض بدولة التَّوحيد: المملكة العربيَّة السُّعوديَّة، و الَّتي هي بحقٍّ الدَّولة الإسلاميَّة الحقيقيَّة في هذا الزمان بتطبيقها لشرع الله المُطهَّر، و لله الحمد و المنَّة.
10-القول بأنَّ المسعري يُؤمن بالانفتاح و النِّقاش يحتاج إلى برهان و تدليل، إلاَّ إذا أُريد بالانفتاح؛ الانفتاح على الغرب، و بالنِّقاش؛ نقاش أهل البدع و الكفر، و إلاَّ أين انفتاحه و نِقاشه مع الحكَّام المسلمين في بلده، أمْ أنَّ الأمر إذا تعلَّق بالسُّلطة فلا مجال للمبادي، و الله الهادي.
مجازفة:
قال الصحفي المحاور:وليُّ العهد السُّعودي صرَّح أنَّ الإرهاب انتهى، و لم تبق إلاَّ جيوب يُمكن القضاء عليها؟
فأجاب المسعري بقوله
(أنتم تعرفون في الجزائر أنَّ هذا الكلام للاستهلاك المحلي، و هذه التَّصريحات محاولة للَّعب على عواطف المواطنين، و هو كلام مبني على مقدِّمات فاشلة، و عدم فهم لحقيقة الإشكاليَّة.و ما تصريحات وليّ العهد أنَّ هناك جيوب يُمكن القضاء عليها، تؤكِّد أنَّه لا يعرف شيئاً..)).لو ترك المسعري الكلام عن وضع الجزائر لأبناء الجزائر لكان أحرى به؛ لأنَّهم بالتَّأكيد أعلمَ منه بواقع بلادهم، و أفقهَ منه لحال مُجتمعهم، و من هذا المنطلق أقول:
لا يخفى على كلِّ مُنصفٍ أنَّ بلاد الجزائر و مُنذ تطبيق سياسة الوئام المدني و وضعِ عددٍ كبيرٍ جداًّ ممَّن خرجوا على ولاة الأمر السلاَّح، و نبذوا وراء ظُهورِهم شرَّ كفاح، بعد أنْ وصلتْ إليهم فتاوى علماء أهل السنَّة و الجماعة بعدم شرعيَّة خُروجهم، و أنَّه لا فرق بينهم و بين الخوارج الأُوَل إلاَّ في زمن و مكان الخروج، قد تحسَّن فيها الوضع الأمني كثيراً و بشكلٍ ملموسٍ، و بما لا يحتاج فيه النِّظام الجزائري إلى اختلاق كلام(للاستهلاك المحلي)، و مع هذا لا زالتْ بعض الجماعات من الفئة الضالة تنشطُ، و لو بشكلٍ مُنحصرٍ عمَّا كانت عليه قبل سنواتٍ، و هو ما يُسمَّى في لغة الصَّحافة عندنا بـ
بقايا الإرهاب)، و هذا الواقع منقولٌ في الجرائد و الصُّحف المحليَّة و العالميَّة، و الدَّولة لم تُخفِ وجود مثل هذه الجيوب الإرهابيَّة؛ بل هي ساعيةٌ و عازمةٌ على القضاء عليها بنفس عزمها و إصرارها في بداية المحنة، فنسأل الله لها التَّوفيق في قتال أذناب الخوارج، و أن يوفق الله حكَّامها لتطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة في جميع مناحي الحكم و الحياة.تناقض:
المسعري هُنا يردُّ تصريحات وليِّ العهد السُّعودي-وفَّقه الله-عن وضع الفئة الضَّالَّة في بلاد الحرمين، في محاولةٍ فاشلةٍ منه لإظهار سِعة إطَّلاعه و تتبعه لوضع الجماعة المسلَّحة، ثمَّ في نهاية الحوار و في جاوبه عن سؤال:هل لديكم علاقة مع قيادات تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربيَّة؟،قال
(أنا لا أعرف أيَّ واحدٍ منهم)).فهو هنا لمكرِه و حيلته نفى أيَّ علاقةٍ له بخوارج الجزيرة، لأهدافٍ كثيرةٍ قد تخفى على كثيرٍ من القرّاء، من أهمِّها: أنَّه لمَّا رأى عامَّة النَّاس قد نبذت الخوارج و طريقة إصلاحهم المزعوم، فلا خِيار له إلاَّ نفي علاقتهِ بهم و علاقتهم به، و الكلُّ يعلم الدَّور المشئوم لمنشورات هذا الخارجي البريطاني في تنفير(بعض) الشَّباب السُّعودي عن ولاة الأمر؛ ممَّا دفع بفئةٍ ضالَّةٍ منهم لرفع راية الخوارج في بلادهم السَّلفيَّة، نسأل الله لنا و لهم الهداية.
و كما قال الشاعر:
أرى فتنةً هاجَت و باضَت و فرَّخَت***و لو تُرِكَت طارَت إليها فِراخُها
و قال آخر:
فإن لم تكُنْهُ أو يكُنْها فإنَّه******أخوها غَذَتْهُ أمُّه بلبانِها
مجزافة:
قال المسعري-كبته الله- و هو يتحدَّث عن وليِّ العهد-أعزَّه الله بنصره-
(و هو بتصريحاته يحاول أن يمتص غضب و نقمة الجماهير نتيجة للخداع الذي استمر أكثر من قرن كامل، حيث كانت نسبة الأميَّة في السابق في حدود 95بالمائة، أمَّا الآن فالوضع مختلف و النَّاس أصبحت تع جيِّداً ما عليها أن تفعله، و آل سعود طيلة عقودٍ مارسوا تجهيل الشَّعب من خلال الانغلاق على أيِّ نوعٍ من التطور، لكنَّ هذا الانغلاق لم يستمر بسبب دعوات الرئيس الرَّاحل جمال عبد الناصر لتعليم النَّاس و دفعهم نحو فهم الأشياء.أفكار عبد الناصر دفعت آل سعود لشقِّ الطرق و تعليم النَّاس...)).القاريء هنا أمام كلامٍ غير معقولٍ ألبتة، لدكتور في علومٍ عقليَّةٍ بحتة، مُتخرِّج من جامعات الغرب العقلانيَّة، ربيب (حزب التَّحرير) ذي الاتجاه العقلاني، و ممَّن كان (مشايخ الصَّحوة) يقدِّمونه و يمجِّدونه حين أنشأ "لجنة الدِّفاع عن الحقوق الشَّرعيَّة"، و الَّتي تَفتقدُ لأدنى شرعيَّة.
فانظر إليه كيف يستخفُّ بعقول أتباعه، بل كيف لمثل هذا الرجل أنْ يكون مرجعيَّة؟؛ فالرَّجل بقدر بُعده عن الشَّرع ابتعدَ عن العقل، و لا ريب أنَّ كلَّ من كان أتْبَع للشَّرع؛ كان كلامُه أقرب للعقل و العكس صحيح، و كلام هذا الدكتور مثالٌ صريح.
فالمملكة العربيَّة السُّعوديَّة-حرسها الله-، و خاصَّةً مُنذ عهدها الثَّالث، و هي تسير بخطواتٍ كبيرةٍ نحو التطور في جميع المجالات؛ و منها التَّعليم باعتماد الطُّرق و الوسائل الحديثة، حيث تمَّ إنشاء المدارس و المعاهد و الجامعات في جميع أنحاء المملكة، بل لقد اعتُمد تعليم البنات؛ الأمر الذي أثار جدلاً كبيراً في وقته، لكنَّ مسيرة الإصلاح سارت على بركة الله، و التطور الذي تعيشه بلاد الحرمين أمرٌ لا يُنكره أحد إلاَّ من طمس الله بصره و بصيرته معاً.
ثمَّ إنَّ المملكة-حرسها الله- قامت بإنشاء"الجامعة الإسلاميَّة بالمدينة النبويَّة" على أن يكون 80بالمائة من طلاّبها من الأجانب، فكيف يُقال أنَّها مارست تجهيل الشَّعب طيلة عقود، و الله المستعان.
و أنا في الحقيقة لا أعرف الكثير عن تاريخ المملكة العربيَّة السعوديَّة-حرسها الله من جميع الأخطار-، و ما زبرتهُ لا يخرج عمَّا تواترتْ به الأخبار، و تناقلتْهُ الرُّكبان في الأسفار.
تناقض:
المسعري في تصريحه –و لو قلتَ تخريفه لما أبعدتَ النَّجعة-ذكر أنَّ الأميَّة كانت في حدود 95% ثمَّ الآن الوضع مُختلف، مع أنَّه اتَّهم الدَّولة بممارستها تجهيل الشَّعب طيلة عقودٍ، فلا أدري يكف يستقيم هذا مع هذا؟.
أضفْ إلى ما سبق أنَّ المسعري نفسه قد درس حتَّى وصل إلى الدِّراسات العُليا؛ فهذا الدكتور الكافر بالنِّعمة قد دَرَسَ في جامعات الغرب -بعد فضل الله- بفضل البعثات العلميَّة التي كانت تُرسلها المملكة إلى الخارج لتحصيل العلوم و الخبرات غير المتوفِّرة محلياًّ.
و أين المسعري من قول الله-تعالى-
(يا أيُّها الذين آمنوا كونوا قوَّامين لله شهداءَ بالقِسط و لا يَجرِمنَّكم شَنئانُ قومٍ على ألاَّ تَعدِلُوا اعدِلوا هو أقرَبُ للتَّقوَى))[المائدة:8]؟تناقض:
قال المسعري مواصلاً تخريفاته-و لو قلتَ تحريفاته لأصبتَ كبدَ الحقيقة-
(و المؤسف أنَّ التعليم ليس إجبارياًّ في السُّعوديَّة، ممَّا يُؤدِّي إلى تسرُّبٍ مدرسيٍّ كبير، و هذا يُساعد آل سعود في استمرار الجهل في المجتمع السُّعودي، لكنَّ الآن الأمور مختلفة، فالقنوات الفضائيَّة دفعت النَّاس للفهم، كما أنَّ الطَّفرة البتروليَّة دفعتِ النَّاس للخروج إلى مصر و لبنان و بدأت تُقارن و تفهم ما يجري في السُّعوديَّة)).مُقدِّمات المسعري تصلُ إلى نتائج غير منطقيَّة، فالعلم الذي يَتظاهر بالبكاء عليه بكاء شعراء الجاهليَّة على الأطلال لا يعدو أن يكون علم الفضائيَّات، نعم فهناك جامعة ’’الجزيرة‘‘ و معهد’’المُستقلَّة‘‘، و إن أدرت شهادةً عُليا فما عليك إلاَّ أنْ تُيَمِّم شطرَ القنوات الفضائيَّة الغربيَّة؛ فثمَّ حريَّة لا قيود لها، و هناك ديموقراطيَّة ترفع رايتها.
و قد أهمل المسعري-لمكره-ذِكر دول الكفر، و خاصَّة لندن-عش رُويبضات الزَّمن-، و دور سياساتها في تغيير أفكار شباب بلاد الحرمين نحو ولاتهم من آل سعود-أعزَّ الله بهم دينه-، و فغرضه من هذا إبعاد تُهمة تأثُّره الكبير بالغرب و سياسته، و هو الأمر الذي لن يُمكنه نَفيه إلاَّ بالرُّجوع إلى منهج السَّلف الصالح في السِّياسة الشَّرعيَّة، فهل يملك شجاعة الرجوع إلى الحقِّ، كما يملك جرأة التهجُّم على شيوخ الإسلام؟

تعليق