تشير المعلومات إن برنامج الفضاء الصهيوني بدأ عام 1959 مواكبا لبرنامج مصري مشابه في عهد حكومة رئيس الوزراء بن جوريون الذي كان يطمح لبرنامج فضاء ونووي معا طموح يضمن به التفوق على العرب؛ حيث أنشئت "اللجنة القومية لأبحاث الفضاء" لدراسة إمكانية إقامة برنامج فضاء إسرائيلي، وتلا ذلك إنشاء معهد بحوث الفضاء بجامعة تل أبيب.
وفي عام 1969 توجهت إسرائيل للولايات المتحدة بطلب لمساعدتها في إقامة محطة لرصد الأقمار الصناعية، ثم قامت بتوحيد مراكز البحوث في مجال الفضاء تحت قيادة واحدة من أجل البدء في تنفيذ برنامج موحد.
وظلت الحكومات الصهيونية المتعاقبة تشرف على البرنامج وترعاه، فيما توقف البرنامج المصري لأسباب عديدة، ولم تكن هناك برامج عربية أخرى طموحة، وبلغ التفوق الصهيوني في هذا المجال -بعد 18 سنة من بدء البرنامج- أنهم بحلول 1977 حققوا خطوات هامة في برنامجهم دفعت المنظمة الدولية لعلوم الفضاء لعقد اجتماعها في تل أبيب.
وكان لهزيمة الصهاينة في حرب أكتوبر 1973 دور في تسريع وزيادة الاهتمام بتكنولوجيا الأقمار الصناعية؛ حيث نجحوا عبر أقمار التجسس الأمريكية في اكتشاف ثغرة الدفرسوار بين الجيشين الثاني والثالث، فقرروا التحرك بسرعة أكبر للإمام للاعتماد على الذات في هذا المضمار.
ويشير موقع وزارة العلوم الإسرائيلية على الإنترنت إلى أن مشروع إطلاق أقمار أفق -أو أوفيك- بدأ منذ عام 1982، وأن المشروع تطلب أبحاثا وبنى تحتية وتأهيل مهندسين وفنيين، والاعتماد على الذات في إطلاق الأقمار، وبناء مركز سيطرة وتحكم ومحطة استيعاب أرضية.
ولكن تم إطلاق أول قمر صناعي من هذا النوع المستخدم في التجسس "أفق 1" (19 سبتمبر عام 1988)، ثم تبعه "أفق 2" (3 إبريل عام 1990)، ثم "أفق 3" (إبريل عام 1995)، ثم "أفق 5" (عام 2002)، وفشل إطلاق أفق 4 عام 1998، ثم أفق 6 عام 2004.
ويمكن القول بأن برنامج الفضاء الصهيوني ينقسم منذ بداية إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: وتضمنت التعاون مع دول أخرى لإنتاج وإطلاق الأقمار والصواريخ التي تستخدم في إطلاقها؛ وهو ما حدث مع القمرين الأول والثاني خصوصا مع الولايات المتحدة.
المرحلة الثانية: وتضمنت الاعتماد على الذات في إنتاج الأقمار والصواريخ التي تطلقها معا بعد الوصول إلى نوع من التقدم في هذا المجال، وهذه شهدت إطلاق القمر أفق -3.
المرحلة الثالثة: وهي المرحلة الحالية منذ عام 1998، وتميزت ليس فقط بإنتاج وتطوير أقمار وصواريخ أكثر تقنية وأكثر تطورا، ولكن بالسعي لإنتاج أنواع أخطر من هذه الأقمار التي تعمل في مجال اعتراض الصواريخ الباليستية عابرة القارات أو طويلة المدى؛ حتى إن الصهاينة سعوا للدخول مع الأمريكان في برنامج أبحاث الفضاء، وشاركوا في مبادرة الدفاع الإستراتيجية المعروفة باسم "حرب النجوم"؛ بل وشاركوا ألمانيا في إنتاج أقمار استشعار عن بعد.
أيضا سعى الصهاينة لتطوير الصواريخ التي تحمل هذه الأقمار -وضمنها الصواريخ الحربية- في سياق صراعهم مع العالم العربي والإسلامي؛ حيث أنتجوا الصاروخ المتطور "شافيت" عام 1986 لحمل الأقمار، وصاروخ " next" وغيرها.
وقد وجد الصهاينة في كل مرحلة من مراحل تطوير صواريخهم وأقمارهم حججًا ومبررات يتمكنون من خلالها من فرض وجودهم على برامج التعاون المشترك مع مشروعات الفضاء الدولية المتقدمة، تارة باسم حماية الدولة الصهيونية من خطر الإبادة على يد العرب، وتارة أخرى -كما حدث في 28 مايو 2002 خلال إطلاق "أفق 5"- باسم مشاركة الدول الأوربية والولايات المتحدة في حربها ضد "الإرهاب"، وأهمية أن تقوم إسرائيل بمراقبة الحركات الإسلامية ورصد اتصالاتها، بالإضافة إلى التعاون في تحديد هذه الحركات، أو أي حركات أخرى معادية لما تسمى بعملية السلام في المنطقة، ورصد استخدام الإرهابيين والدول المتهمة بالإرهاب لأسلحة متطورة.
وعلى الرغم من إطلاق إسرائيل للقمر الصناعي الأول "أفق-1" فإنها استمرت في الاعتماد في مصادر معلوماتها على الأقمار الصناعية الأمريكية. وقد نجح "أفق-1" في المهمة الموكلة له، ولكن انتهت خدمته عام 1989 باحتراقه في الفضاء.
وعقب سقوط "أفق-1" أطلقوا "أفق-2" في إبريل 1990، إلا أنه لم يدُم طويلا؛ حيث احترق في الفضاء بعد 3 شهور من إطلاقه وسقط في يوليو 1990م؛ الأمر الذي حرم الصهاينة في الفترة بين عامي 1991 و1995م (اندلاع حرب الخليج الثانية) من معرفة شيء عن انطلاق صواريخ عراقية باتجاه إسرائيل، ودفعهم للانتقال لمرحلة الاعتماد على الذات بعدما فشلت الأقمار الصناعية الأمريكية أيضا في إيصال معلومات مبكرة لهم عن التهديد العراقي.
وقد احتفي الصهاينة بشدة بالقمر الصناعي للتجسس "أفق-3" الذي وفر الاكتفاء الذاتي للصهاينة في مجال المعلومات الاستخباراتية التي كانوا يحصلون عليها من خلال أقمار التجسس الأمريكية، وبالغوا بشدة في أهميته؛ حتى إنهم قالوا: إنه كان يرصد حركة الآلات العسكرية والصواريخ، والاتصالات السلكية واللاسلكية، ويعترض المكالمات الهاتفية ويسجلها، بل ويملك القدرة على قراءة أرقام السيارات في شوارع العاصمة العراقية بغداد، وقادر على تصوير الطاولة التي يفطر عليها أي زعيم عربي(!)
وفي عام 1998 تمت محاولة إطلاق "أفق 4"، إلا أنها باءت بالفشل، ولم يتم الإعلان عن أسباب فشل الإطلاق. إلا أن هذا دعا الصناعات العسكرية الإسرائيلية إلى العمل لتمديد وجود القمر الصناعي "أفق-3" في الفضاء، والذي كان من المفترض إنهاء مهمته عام 1998، وفعلا نجح الخبراء الإسرائيليون في تمديد وجوده في الفضاء لثلاث سنوات أخرى حتى عام 2001؛ حيث انتهى مخزون الغاز، وأصيبت المعدات بالعطل، وخلال الفترة من عام 2001 وحتى إطلاق القمر التجسسي "أفق-5" مايو 2002 اعتمدت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية على القمر الصناعي الإسرائيلي التابع للقطاع الخاص "إيروس".
وكان انطلاق "أفق 5" في مايو 2002 نقلة نوعية في الصناعات العسكرية الإسرائيلية لما يمتاز به من قدرات استخباراتية وتجسسية عالية تؤهله لكي يكون بداية لجيل جديد من أقمار التجسس؛ حتى إن إطلاق هذا القمر تحديدا كان بداية التحرك العربي الجاد لبحث مخاطر هذه الأقمار على العرب.
ففي 26 يونيو 2002 وبعد شهر واحد من إطلاق أفق-5 بحثت اللجنة الفنية التابعة للجامعة العربية المعنية بمتابعة النشاط الفضائي الإسرائيلي في اجتماعاتها بالقاهرة مخاطر النشاط الفضائي الإسرائيلي على الأمن القومي العربي، وقال مساعد الأمين العام بالجامعة للشئون السياسية محمد زكريا إسماعيل: "إن القمر الصناعي الإسرائيلي يركز نشاطه بصفة خاصة على الدول العربية المجاورة، وإنه يستطيع تصوير منطقة، مساحتها نصف متر مربع".
واعتبر إسماعيل أن إطلاق إسرائيل لأقمار من هذا النوع يؤذن ببداية سباق تسلح جديد، ودخول المنطقة عصر حرب النجوم أسوة بالمشروع الأمريكي الذي ترتبط معه إسرائيل باتفاق تفاهم وقع عام 1998 بين الرئيس بل كلينتون ورئيس حكومة إسرائيل السابق بينامين نتنياهو، وحذر مساعد الأمين العام للجامعة من خطورة ذلك بسبب إمكان ربط أقمار التجسس بالبرنامج النووي الإسرائيلي، مع احتمال استخدام الصاروخ الحامل لقمر التجسس "شافيت" لحمل رؤوس نووية إلى مدى بعيد.
وأضاف أن مخاطر النشاط الفضائي الإسرائيلي، وخصوصا "أفق- 5" تكمن في التغلب على مراكز الإنذار المبكر والاستشعار عن بعد في الدول العربية، سواء بالتشويش أو المتابعة أو التصنت.
ومقابل هذا البرنامج الصهيوني المتقدم لم يكن هناك برنامج فضائي عربي قوي باستثناء البرنامج المصري الذي توقف في الستينيات، ثم استؤنف في نهاية التسعينيات، ولكن بهدف مختلف تماما وبرامج تتعلق بإنتاج قمر تجاري لأغراض إعلامية بحتة يروج محطات فضائية تلفزيونية، وتبعت مصر دول أخرى لأغراض تجارية أيضا لا عسكرية أو تكنولوجية وبنظام تسليم المفتاح.
وأصبحت الفضائيات التي تتنافس فيها الدول العربية الآن هي فضائيات الفيديو كليب والأغاني فقط
لقد تحول العالم إلى غابة من أقمار التجسس، وهناك كثافة في عدد الأقمار الصناعية الغربية المحلقة في الفضاء، والبالغة زهاء 3 آلاف قمر صناعي، ودخل الصهاينة على الخط ببرامج فضاء، وأخرى نووية، وثالثة صاروخية، كلها متشابكة، وكل هذا الرقم الهائل للأقمار الصناعية يكشف أن هناك خططا *******ية وعدوانية لا أول لها ولا أخر.. فأين أقمار العرب الإستراتيجية لا أقمار الفيديو كليب؟ بتصرف !



تعليق