لم أنتظره يوما ، أو ألهث وراءه بفضول حب تجربة أو بتعطش لمشاعر نحوي من طرف آخر ، لقد سمعت عنه الكثير كان الجميع يتكلمون عنه ، وفي كل مرة كنت أهز رأسي ، وأتمتم بسخرية ( هذا هراء ) .. ( كذب ) .. ( وهم ) ..
وكنت كلما أويت لفراشي ليلا أتسائل عن صحة ما يقولون ، عن العذابات والدموع والآلام ، أو حتى عن الفرح والسعادة والتحليق فوق النجوم ، هل يمكن لعلاقة يمكن أن نسميها ( نزوة ) أن تغير مسرى إنسان ما وتستطيع أن تكيفه معها بحيث تسلبه وجهته وتحصره في منطق غريب قد نسميه بلغتنا نحن ( التضحية ) .
أم أن هذه ( النزوة ) يمكننا حصرها في عدة مفاهيم تفننا في تسميتها ، فمنها ما قد يكون عنادا ، ومنها ما قد يكون تعودا ، أو ربما تكون حرمانا وتعطشا يزول بمجرد الارتواء .
يعجز عقلي عن فهم ما يدور ، أو حتى ما يشعر به الآخرون ممن نعتوا أنفسهم بالحب تارة وبالغرام تارة أخرى ، وأتمتم من جديد ( هذا هراء ) ، فأسحب الغطاء على وجهي لأحتضن الظلمة الضيقة التي بمثابة رحم أستعد للخروج منه للدنيا ، لأولد من جديد مع كل إشراقة شمس جديدة .
كل صباح يمر كمثيله ، وربما مع بعض التغيرات ( المعتاد ) عليها هي أيضا ، في صباح هذا اليوم كان الطقس رائعا ، فما المانع من التنزه أو التحضير لنشاط بدني مع الأصدقاء ، قد تكون تلك فكرة رائعة خصوصا أن الخمول والروتين أثرا سلبا على صحتي .
هذا ما كنت أخطط حين رأت عيناي ضوء الشمس يدخل من حاشية النافذة .
الساعات تمر بسرعة وكما تعودت دائما ، فإن عقلي يرتب الأولويات على مدى اليوم ، وفي نهاية اليوم أشعر أنه ذهب سدى دون أي فائدة ، لا أدري ما مصدر ذلك الشعور ، يمكن أن يكون ( الروتين ) قضى حتى على أي إحساس بأي إنجاز .
( إفراج ) هكذا قلت في عقلي حينما طرق أصدقائي الباب طالبين مني الخروج معهم في تلك السيارة المتواضعة ، ولهذه السيارة بالذات إحساس خاص ، فبرغم من أنها قديمة إلا أننا نتناوب على قيادتها بكل فخر ، ونحن نشعر وكأننا ملكنا الدنيا بما فيها ، ربما لأننا لا نملك سواها .......... الحمد لله .
نحن الآن في نزهة شبابية بحتة ، لا تخلو من الضحك وطبعا ( النميمة ) ، وتتبع أخبار باقي أفراد المجموعة من الشباب الغائبين ، ولكن في كل وردة ألف شوكة ، وكانت الألف شوكة هي أن أتلقى إتصالا هاتفيا على هاتفي المحمول في هذا الوقت ، ومن من ! من المنزل ............ أقولها بضحكة صفراء للأصدقاء .
- من ؟ متى وصلوا من السفر ؟! ........ أين أبي أليس في المنزل ؟ ..... هذه كارثة بكل ما في الكلمة من معنى ، وكعادتي صرت أتمتم
- ( هذا هراء ) ، ( فسدت النزهة ) .
الآن ظهر لي أقرباء ولم يكتفوا بالظهور بل إنهم في منزلنا الآن ، ويبدو أنني الوحيد المعنى باستقبالهم الآن .
وصلت للمنزل وسط نكد وهم ، فتح أخي الصغير الباب ، وكما تعودت استقبلت الأقرباء بابتسامة عريضة وترحاب مبالغ فيه ، سلمت عليهم واحدا واحدا ، ، و كان معهم ثلاث بنات ، لن أكذب عليكم فقد حاولت البحث في إحداهن عن شئ يشدني إلا أنني لم أجد الجديد بتاتا ، شكل عادي جمال لا بأس به .. ومن ثم لا شئ .
كانت الجلسات عائلية أي أن الرجال مع النساء مع انزواء كل فئة عن الأخرى في الجلوس ، وتجاذب أطراف الحديث كان بين الجميع ، كنت أتحاشى كثيرا التحدث مع الفتيات الثلاث ، وذلك لغريزة في نفسي تنفر من الحديث مع الفتيات فدائما كنت أفضل الصمت في هذه المواقف ، ولكن ( مجبر أخاك لا بطل ) كما يقولون .
أخيرا وصل والدي وأنقذني من هذه الورطة ، هربت فورا لخارج غرفة الاستقبال ، ولكن سرعان ما كان الانتشار في المنزل من قبل الفتيات ، خصوصا وأن أختي ( عقلها صغير ) .
دخلت غرفتي تاركا الباب مفتوحا خلفي ، وجلست على الكمبيوتر آملا أن أجد ما يسليني ، فدخلت المجموعة المرحة غرفتي أيضا بقيادة أختي الصغيرة ، ولكن كان هناك أمر غريب ، فقد لمحت أختي الصغيرة للبنت الوسطى من الثلاث بنات بأن تقول لي ، ولكن لا أدري ما الذي ستقوله ، فتقدمت في حياء زادها جمالا قائلا في خجل ( ممكن أرسل رسالة عبر البريد الإلكتروني ) ، فلم أكن أفضل منها حالا حينما قالت تلك الكلمات ، خصوصا بأنني خجول أيضا في مثل هذه المواقف ، فقلت لها ( طبعا طبعا .... تفضلي ) ... فجلست مكاني وخرجت خارج الغرفة مفسح لهن المجال ، ولكن لحقت بي أختي وقالت لي ( تعال .. تريد أن تسألك سؤال ) ، فعلا لم أكن مترددا ، ذهبت.... وسألت هي سؤالا بخصوص ( الإنترنت) فجاوب ، وسألت مرة أخرى .. فجاوبت ، وصارت تسأل و أنا أجاوب حتى دار بيننا حديث لطيف ، فما كان إلا بأختها الكبرى أن تدخلت أيضا ، ففتحت معهن ( خط مباشر ) كما يقولون .
قرر مجلس الوزراء المتمثل في ( أهلي والضيوف ) ، الذهاب إلى البحر حيث سنقضي سويا العطلة الصيفية هناك ، فقلت في نفسي ، ( هذا هراء ) ( هذا ما كان ينقصني ) ، ولكن ( حكم القوي على الضعيف ) كما يقولون ، فذهبت ، وكان ذهابي بداية رحلة المعرفة .
قضينا هناك أوقات ممتعة ، لكنها لم تخلو من الملل والضجر والوحدة ، إلا أنني في أغلب الأوقات كنت أتبادل أطراف الحديث مع الفتاتان الوسطى والكبرى وكان تصنيفي لهن في تلك العطلة بأن إحداهن ( وهي الوسطى ) قاسية وجامدة لا أعتقد أن ما في قلبها قد يظهر على لسانها بسهولة ، وكانت الكبيرة متعجرفة ومتسلطة بالذات على أخواتها التي يصغرنها في السن ، ولكن كنت حينما اختليت بالوسطى صرت أحكي لها أكثر وأحس أنني أقول كلامي لمن يقدر ويسمع ، لذلك كنت حريصا على كل كلمة أتفوه بها .
مرت الأيام بسرعة كبيرة ( كالعادة ) ، ففوجئت بصدمة ، ولم أتوقع أنها قد تصبح صدمة في يوم من الأيام ، وهي نهاية العطلة الصيفية ، وحان موعد رحيل الأقرباء .
لا أدري لما خفق قلبي بشدة حينما سمعت الخبر ، وأول ما خطر في بالي تلك الفتاة الوسطى ، فالتقيت بها في اللقاء العائلي ( مثل كل مرة ) ، وصرنا نتحدث عن أي شئ متجنبين الحديث عن الوداع أو الرحيل .
هربنا بعيدا وتحدثنا في كل شئ حتى وصلنا أخيرا ( لآخر نقطة ) ، وهي الرحيل .
قالت ( سنرحل غدا ... هل سمعت ) ، قلت لها ( نعم ... سمعت ) ، وكنت أحس أن هناك أمرا سيفضحني وهو الدموع القريبة التي فوجئت بأنها تصارع للخروج .
فقلت لها ( ماذا تفعلين حينما يهيجك البكاء أمام أى أحد ) فقالت ( ماذا تفعل أنت ؟) فقلت لها ( لا أحب أن يرى دموعي أحد ) فقالت ( أنا كذلك ..) فقلت آخر كلمات ( إذا دعيني أذهب حتى لا يرى دموعي الأخرين ) ، فذهبت ودخلت غرفتي وإنفجرت تحت غطائي بالبكاء ، ولكنه كان بكاء مقهورا بدون صوت ، إختلطت عليا حينها كل الأفكار ، حتى أجهدت كثيرا من التفكير وذرفت عيناي كل الدموع ، فغلبني النعاس فنمت أخيرا .
استيقظت صباحا وأنا أشعر أن هناك إحساس غريبا يختلج في صدري ، نظرت من النافذة فرأيت أصعب مشهد في حياتي ، إنهم يرحلون !!!!! ، نظرت الفتاة الوسطى من نافذة السيارة الخلفية على شرفة الغرفة ، فلم تزدني نظرتها إلا قهرا وحزنا ، وصرت تائها لا أعرف ماذا أريد وكيف أتصرف ، لدرجة أنني فكرت بجنون ( كيف سأقضي الأيام القادمة بدونها ) .
وعرفت حينها ما معنى ما كنت أسميه هراء ، ووهم ، وكذب ، وعناد ، وحرمان ، وتعود ..... الخ
يتبع ,,,,,,,,,,,,,,
العربي الفدائي .





, وبانتظار البقيه .......
تعليق