
(( وقفة مع نظرية التطوّر ))
في مُجمل العلوم وفي مختلف الحضارات على مرِّ الأزمان , لوحِظ أن تطور النظرية بُنيَ على أساس
التحاور العقلاني ودراسة ماهيّة النظرية وأبعادها وأهدافها , وتنوُّع البراهين على النظرية واستخلاص
الفائدة منها بإسلوب علمي , سواءً كانت نظرية حسابية أو فلسفية أو سياسية أو عقائدية .
ولوحظ أن إعمال العقل والتفكير في النظرية وفق نظرية تدوير الزوايا , كان له الأثر الإيجابي في
نشوء الثقافات والعلوم , وتفَجُّر الثورة الفكرية والصناعية وكل ما له علاقة بنشوء العالم الحديث .

(( ماهيّة الحوار ))
الحوار هو أسلوب بحث الموضوع عن طريق التحادُث المباشر , وسرد الأفكار بطريقة هادئة ولينة
حتى وصول أحد الأطراف المتحاورة إلى مرحلة الإقناع , وهو إيصال الفكرة لذهن الطرف الآخر
وإلغاء قناعاته , كُليّاً أو جزئياً ...

(( الحوار في الإسلام ))
فكان سيد الأنبياء ( محمد صلى الله عليه وسلم ) , البادئ في هذا اللون الراقي في التعامل الفكري
والسياسي مع خصومه وحُلفائه على حدٍّ سواء , وكان ذلك عِبر إرسال الرسل إلى ملوك فارس والروم
حيث انتهج الرسول الكريم طريقة طرح فكرة الرسالة الإلهية بشكل هادئ وبعيد عن الإنفعال , وكذلك
الطريقة الديبلوماسية مع يهود المدينة , ومع أسياد قريش , وأثمر عن ذلك جملة من التفاهمات التي
أعطت المجال للمسلمين لتهيئة أنفسهم وبناء دولتهم العظيمة ..
وفي القرآن الكريم ,,, قال تعالى :
(( قال له صاحبه وهو يحاوره اكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا )) الكهف
وهنا نلاحظ هذا الحوار القرآني الرائع , وكيف أن هذا الصاحب يطرح فكرته من باب المناصحة
وليس من باب التنفير , ( يااخي هلّا عدت لرشدك , هل تكفر بالله جل وعلى , وهو من انعم عليك )
ثم إلى قصة موسى والعبد الصالح عليهما السلام , وما ورد عن الحوار بين رب العزة وسيدنا ابراهيم
حين طلب أن يريَه كيف يُحيي الموتى ,, إلخ ...

(( جدوى الحوار ))
نتبيّن مما سبق , جدوى هذا الإسلوب الحضاري الراقي , في التداول الفكري والنقاش المهذب في حل
المعضلات الشائكة , والوصول إلى التطور العلمي وتوسيع إطار الإدراك العقلي والنفسي ..

(( نجاح ومعوّقات الحوار ))
1- الحضور الذهني والذكاء وسرعة البديهة
2- الإلمام بجوانب الموضوع الواقع تحت ضوء المناقشة
3- النيّة الصادقة في الوصول إلى الهدف من الحوار
4- اللباقة والتهذيب
5- التواضع وعدم التعالي في الكلام وعدم التكلّف
6- وجود مايكفي من الثقافة ودقة التعبير
7- الأمانة والصدق في سوق المعلومات والشواهد
8- طيب الخلق والسماحة عند الحاجة
فيجب أن يكون الهدف من الحوار هو المنفعة المتبادلة واستكشاف المعرفة واختبار الثقافة وجدواها
وقد يكتشف الطرفين عدم وضوح الفكرة لديهم وتبيان الضعف في بعض معتقداتهم , وبالتالي تطور
مالديهم من معرفة ( وهذا هو سبب نشوء الحضارات وتطورها ) ,,
وليس الغرض من الحوار إبراز العضلات والإستعلاء وإظهار براعة المتحاورين وثقافاتهم .
هُنا يدخل صفاء النية وسلامة القصد في مختلف جوانب الحياة , والتطلّع نحو الأفضل لتنمية الموهبة
وبمقدار احتواء ماسبق من آداب الحوار تلك , فإن طرفي الحوار سيكون الطريق أمامهما ممهّداً
للوصول لنتيجة مُرضِية , وتتكلل جهودهما بالنجاح في ميلاد فكرة أعمق وأنجع ...
وعلى النقيض من ذلك ,, فإن
التسرّع , الأنانية , الصوت الحاد , الإنفعال , ال******* بالفكرة , الجهل بصلب الموضوع
كلها عوامل كفيلة بإفشال الحوار وتحويله لصراع محموم والخوض بدائرة مفرغة ومضيعة للوقت
أي التحول لمفهوم الجدال العقيم ,,
وقد حذر القرآن والسنة من ذلك بمواطن كثيرة ,,
فقال تعالى في كتابه العزيز : (( ومن الناس من يجادل في الله بغير علمٍ ولا هدى ولا كتاب منير ))

ْْْ نصائح ْْْ
لنتحاور بشكل متحضر , فلن تتولد المعرفة وتنمو بغير حوارٍ سليم
لنُصغي إلى الطرف الآخر باهتمام ونتدبّر حديثه وننظر بعيداً إلى ما يرمي إليه
لنرسُم الابتسامة على وجوهنا , ونستبقل الطرف الآخر بصدر رحب
لِنصفَح ونعفو عن الأخطاء والعثرات , فيُعاملنا الطرف الآخر بالمثل
لنبتعد عن العصبيات القبلية والقومية , ونتعامل مع البشر على قدم المساواة فلا فرق بيننا سوى بالتقوى
لنتحاور لنستمتع بالحوار ونستشكف ثقافة الغير
ليَكون الهدف من حواراتنا , المنفعة والتطوير , المناصحة والإرشاد , تذليل العقبات وليس إرساءها
لنستمع دائما لصوت العقل والمنطق , ونستعد لتغيير القناعات البالية والأفكار الخاطئة
لِنصمت ,, لِنصمت ,, لِنصمت , إذا لم نكن على دراية بالموضوع , فالسكوت هنا من ذهب
~~~ بالنتيجة ~~~
{{{ ليس عيباً أن تكون مُخطئاً ,, والعيب أن تجادل على خطأ }}}
أرجو أن يروق لكم
<<< بـقـلـم جـــار الــقــمـــر >>>










تعليق