بينما أنا جالس إلى كتابي أقرأ منه ما بدا لي من فصوله .. إذ عرضت لي هذه الفكرة فقلت لنفسي : إنما أقرأ الآن لأقضي وقت الفراغ وأحاربه لا للقراءة ذاتها كما كنت أفعل من قبل ..
كنت أجد في نفسي كثيرا علي وعلى بني قومي عندما كان بعض من أرحامي يرجعون من سفر غير قاصد ليحكوا لي بعض عجائب البلاد وأهلها .. ولم تكن تهمني البلاد إذ لا عجب من خلق الله ، فعجيبة الصحراء كما عجيبة هي الغابة .. وعجيب هو الضب كما عجيب هو الغزال .. على فرق الجمال الذي يختلف في العيون والنفوس ..
ولكني كنت أعجب لأحوال الناس ، وأكثر من سؤال الراوي عن الناس قبل أن أكثر السؤال عن الطبيعة ، ويضيق الرواة بي في أغلب الأحيان لهذا ..
لقد كانوا يصفون لي من أحوالهم في تلك البلاد البعيدة في المطارات والأسواق والقطارات ما يثير التفكير ويحفز إلى النقد مباشرة .. وإني لأعترف بأنه يصيبني ما يصيب بقية أبناء قومي من عارض النقد اللاذع وحب إخراج المساوئ والمقارنة بيننا وبين أولئك مقارنة تتسم في أوضح مظاهرها بالحدة والغلظة والتهور والسبق إلى التنبيه إلى المثالب والعيوب قبل المحاسن والمثل ..
وتلك عادة نفسية سيئة بكل المقاييس ، ولقد اقتنعت بأن أكثر من يتكلم هو أكثر من لا يحقق شيئا ..
المهم .. أنني اهتممت بهذه الفكرة كثيرا ، وعلقت من أحاديث بعض أبناء العمومة بتلك الصور التي كانوا يحكونها عن أهل ألمانيا وفرنسا ومن جاورها ، من أنهم كثيروا القراءة ، يندر أن تجد فيهم من لا يمسك بيده طرفا من كتاب أو جريدة ليقرأ خلال رحلة القطار أو الحافلة أو الطائرة مهما تطول مدتها أو تقصر ..
ولقد علمت منهم أيضا ، أنه يصدف أن يشاهدوا خلال مشاويرهم كثيرا من العرب الذين يسكنون تلك المدن ، يقصد بعضهم إلى الدراسة ، ويقصد بعضهم الآخر على التجارة ، ويقصد أكثرهم إلى الحياة في تلك البلاد وابتغاء الوظائف التي تتاح لهم للأسف في الغربة ولا تتاح لهم في أوطانهم الأصلية ..
وهم يرون من أغلب أبناء اللغة والدين ربما ، تميزا غريبا عن بقية الناس ، يصل أكثره إلى الحد الأقصى في كل الوجوه .. في الأشكال والسحنات والعادات والطرق ، وأنهم يعتقدون أن سكناهم بين القوم لم يعلمهم قليلا أو كثيرا ، ولم ينلهم من حظهم العظيم في الحضارة والتمدن قدرا بسيطا أو معقدا ..
ويرون في مثالنا هذا الكثير من الغرابة التي تثير التساؤل والحيرة ، وتسقط الواحد منهم في النقد اللاذع إسقاطا ، وتحضه عليه حضا .. فيرون في صورة من ذكرياتهم التي يحكونها بحماس وتعجب شديدين .. ألمانيين أو فرنسيين في القطار أو الطائرة جالس بعضهم وواقف بعضهم الآخر ، لا يكاد أحدهم يضيع وقته في النظر أو الصفير ، لتجده ممسكا بكتاب يصغر حجمه ويكبر بين الصغار والكبار والنساء والرجال جميعهم ، والكل يقرأ في صمت غريب ، حتى لتحس أنك ارتدت مكتبة من المكتبات العامة لا وسيلة من وسائل المواصلات ..
ولتجد إخوانك في أغلب الأحيان لا أخواتك من العرب يذيقون أنفسهم ألوانا من الترفيه الجذاب للأنظار والأسماع ، ولتجد شبابهم بين صفير وغناء ، وأطفالهم بين لهو ولعب ، وشيوخهم يطلعون الناس في وجوههم على آثار الزمان المضنية القاسية وهم لا يقصدون ..
كل تلك العادات وخلافها .. تقودني إلى النقد وتقودني إلى الإسراف فيه ..
ولست أريد أن أكون مسرفا هنا في هذه السطور كما لا أحب أن أكون في كل أفكاري ، لولا أن الإسراف والعجلة في الحكم وصف أستحقه إذ كنت إنسانا ، وإذ كنت من أنا عليه اليوم ..
ولكني أحب أن تعينوني على تقويم رأيي في حال تجتمعون فيها معا ، لتدلوا بأفكاركم جميعا حول موضوع كبير في ظاهره ، أود لو نحدده ونصغره ونتبسط فيه لنتكلم على السجية ونبحث حول عنوان واحد ..
كيف نتأثر ولا نتأثر بعادات نرى فيها الحضارة ؟
كنت أجد في نفسي كثيرا علي وعلى بني قومي عندما كان بعض من أرحامي يرجعون من سفر غير قاصد ليحكوا لي بعض عجائب البلاد وأهلها .. ولم تكن تهمني البلاد إذ لا عجب من خلق الله ، فعجيبة الصحراء كما عجيبة هي الغابة .. وعجيب هو الضب كما عجيب هو الغزال .. على فرق الجمال الذي يختلف في العيون والنفوس ..
ولكني كنت أعجب لأحوال الناس ، وأكثر من سؤال الراوي عن الناس قبل أن أكثر السؤال عن الطبيعة ، ويضيق الرواة بي في أغلب الأحيان لهذا ..
لقد كانوا يصفون لي من أحوالهم في تلك البلاد البعيدة في المطارات والأسواق والقطارات ما يثير التفكير ويحفز إلى النقد مباشرة .. وإني لأعترف بأنه يصيبني ما يصيب بقية أبناء قومي من عارض النقد اللاذع وحب إخراج المساوئ والمقارنة بيننا وبين أولئك مقارنة تتسم في أوضح مظاهرها بالحدة والغلظة والتهور والسبق إلى التنبيه إلى المثالب والعيوب قبل المحاسن والمثل ..
وتلك عادة نفسية سيئة بكل المقاييس ، ولقد اقتنعت بأن أكثر من يتكلم هو أكثر من لا يحقق شيئا ..
المهم .. أنني اهتممت بهذه الفكرة كثيرا ، وعلقت من أحاديث بعض أبناء العمومة بتلك الصور التي كانوا يحكونها عن أهل ألمانيا وفرنسا ومن جاورها ، من أنهم كثيروا القراءة ، يندر أن تجد فيهم من لا يمسك بيده طرفا من كتاب أو جريدة ليقرأ خلال رحلة القطار أو الحافلة أو الطائرة مهما تطول مدتها أو تقصر ..
ولقد علمت منهم أيضا ، أنه يصدف أن يشاهدوا خلال مشاويرهم كثيرا من العرب الذين يسكنون تلك المدن ، يقصد بعضهم إلى الدراسة ، ويقصد بعضهم الآخر على التجارة ، ويقصد أكثرهم إلى الحياة في تلك البلاد وابتغاء الوظائف التي تتاح لهم للأسف في الغربة ولا تتاح لهم في أوطانهم الأصلية ..
وهم يرون من أغلب أبناء اللغة والدين ربما ، تميزا غريبا عن بقية الناس ، يصل أكثره إلى الحد الأقصى في كل الوجوه .. في الأشكال والسحنات والعادات والطرق ، وأنهم يعتقدون أن سكناهم بين القوم لم يعلمهم قليلا أو كثيرا ، ولم ينلهم من حظهم العظيم في الحضارة والتمدن قدرا بسيطا أو معقدا ..
ويرون في مثالنا هذا الكثير من الغرابة التي تثير التساؤل والحيرة ، وتسقط الواحد منهم في النقد اللاذع إسقاطا ، وتحضه عليه حضا .. فيرون في صورة من ذكرياتهم التي يحكونها بحماس وتعجب شديدين .. ألمانيين أو فرنسيين في القطار أو الطائرة جالس بعضهم وواقف بعضهم الآخر ، لا يكاد أحدهم يضيع وقته في النظر أو الصفير ، لتجده ممسكا بكتاب يصغر حجمه ويكبر بين الصغار والكبار والنساء والرجال جميعهم ، والكل يقرأ في صمت غريب ، حتى لتحس أنك ارتدت مكتبة من المكتبات العامة لا وسيلة من وسائل المواصلات ..
ولتجد إخوانك في أغلب الأحيان لا أخواتك من العرب يذيقون أنفسهم ألوانا من الترفيه الجذاب للأنظار والأسماع ، ولتجد شبابهم بين صفير وغناء ، وأطفالهم بين لهو ولعب ، وشيوخهم يطلعون الناس في وجوههم على آثار الزمان المضنية القاسية وهم لا يقصدون ..
كل تلك العادات وخلافها .. تقودني إلى النقد وتقودني إلى الإسراف فيه ..
ولست أريد أن أكون مسرفا هنا في هذه السطور كما لا أحب أن أكون في كل أفكاري ، لولا أن الإسراف والعجلة في الحكم وصف أستحقه إذ كنت إنسانا ، وإذ كنت من أنا عليه اليوم ..
ولكني أحب أن تعينوني على تقويم رأيي في حال تجتمعون فيها معا ، لتدلوا بأفكاركم جميعا حول موضوع كبير في ظاهره ، أود لو نحدده ونصغره ونتبسط فيه لنتكلم على السجية ونبحث حول عنوان واحد ..
كيف نتأثر ولا نتأثر بعادات نرى فيها الحضارة ؟














تعليق