الإسلام والصحة النفسية ( حلقات )

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • أبو الجمال
    عضو متميز
    • Dec 2004
    • 208

    #1

    الإسلام والصحة النفسية ( حلقات )

    الحلقة الأولى

    الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، إيّاه نعبد وإليه نحفد وعليه نتوكل وبه نستعين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ، وعلى آله وأزواجه وذريته وأصحابه أجمعين ، ثم أما بعد :
    أحييكم بتحية الإسلام الخالدة ، ( السلام ) فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، ومغفرته وطيب صلواته 00
    شهركم مبارك ، ورمضان مبارك ، ويتقبل الله من الجميع الصيام والقيام وصالح الأعمال 0
    أثر الإيمان في حياة الأمة :
    لقد ظهر جليًا ما خلفته مدنية المادة ، وحضارة المتع والشهوات من علل وأمراض في مجتمعاتنا ، وما أحدثته من تخريب للأفراد والأسر ، وانحسار لكثير من القيم ، والأخلاق الإسلامية والمقاييس الربانية ، وانتشار ألوان شتى من الفساد ، وصار لزامًا على العقلاء والغيورين أن يبحثوا عن العلاج بعد تشخيص الداء 0
    الإيمان في الحقيقة هو الحياة بالنسبة للإنسان ، وبغيره يكون كالميت : قال تعالى :{ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} (الأنعام: من الآية122) 0-
    الإيمان يولد في نفس صاحبه معاني العزة والقوة ، والثقة بالله والاطمئنان إلى جنب الله ، والأمل في نصر الله ، ودفاعه عن عباده المؤمنين ، ورد كيد الظالمين عنهم 0 قال تعالى : { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } 0 المنافقون: من الآية8 0
    وقال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا } 0الحج: من الآية38 0
    الإيمان يفجر في نفس المؤمن طاقات كبيرة ، تدفع صاحبها إلى الجهاد والتضحية ، والصبر والتحمل ،وعمل الخير ، وتعينه عل تخطى العقبات ، مهما طال الطريق ، ومهما كثرت العقبات قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}0آل عمران:200 0
    الإيمان ينير الطريق يحقق الطمأنينة والراحة النفسية ،ويباعد بين المؤمن والقلق والحيرة والهم والحزن ، والتمزق داخل النفس 0 قال الله تعالى : { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} الرعد:28 0 وقال تعالى : { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } الحج: من الآية31 0
    كناية عن التمزق الداخلي ، وعن التيه والضياع 0الإيمان ينير الطريق لصاحبه ، فيهتدي إلى الصراط المستقيم ، ويتجنب الانحراف عنه 0 قال تعالى : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} الأنعام:153 0 وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}الحديد:28 0
    الإيمان يعصم صاحبه من المعاصي ، وارتكاب الكبائر والفواحش ويمنعه من إيذاء الغير، سواء بالسب أو الغيبة أو النميمة ، أو غير ذلك من صور الإيذاء 0 ويدعو إلى البر والإحسان ، بين المواطنين ، وإن اختلفت عقائدهم وأديانهم 0
    ويدعو إلى إنصاف الذميين وحسن معاملتهم 0 ولا يدعو إلى فرقة عنصرية ولا إلى عصبية طائفية 0 الإيمان يثمر المودة والرحمة ، والحب والإيثار بين المؤمنين ، ويحول دون الفرقة والتنازع 0 قال تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} 0التوبة:الآية71 0 وقال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة}الحجرات: من الآية10 0 وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه ، تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم )0 وقال تعالى : { وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }الحشر:9 0 وقال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (لأنفال:46 0
    الإيمان يدفع إلى الاهتمام بأمور المسلمين وقضاياهم ، والدفاع عنهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) 0
    الإيمان يقوى عزم المؤمنين ويزيل أي أثر للغثائية والوهن والشعور بالضعف ، ويمنع الخوف من غير الله ، ويدعو إلى حسن التوكل على الله 0 قال الله تعالى :{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } آل عمران : 173-175 0 وقال تعالى : { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} 0 وقال تعالى : { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} 0
    التسلح بسلاح الإيمان ، هو العامل الأساسي لتحقق وعد الله بالنصر والتمكين لعباده المؤمنين ، من الأخذ بأسباب إعداد القوة ، قال تعالى : { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ } 0 وقال تعالى : { الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} النساء : 76 0
    الإيمان يثمر حب الأوطان ويدعو إلى العمل المنتج المتقن ؛ للارتقاء بالوطن ، وتحقيق الاكتفاء الذاتي 0 ويدفع إلى حسن استغلال الوقت في النافع المفيد ، وتسخير ماله فيما يعود بالنفع والخير على الناس 0 قال تعالى : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ) ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاًّ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } 0
    الإيمان يولد الصبر والرضا ، والاطمئنان إلى عدل الله ، وأنه ليس بغافل عما يعمل الظالمون وأنه لهم بالمرصاد ، قال تعالى : { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ } 0 كما أن المؤمن يرضى بقضاء الله وقدره وإن بدا أنه شر ، قال تعالى : { وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } 0وقال تعالى : { وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 0وقال تعالى : { مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } 0 وقال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ } 0وقال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} 0
    الإيمان يحقق السعادة والحياة الطيبة في الدنيا ، والنعيم والنجاة من النار في الآخرة : قال تعالى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } 0 وقال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ } 0
    والإيمان يجعل صاحبه في معية الله ، ومن كان الله معه لم يفقد شيئاً ، ومن تخلى الله عنه ، لن يجد إلا الضياع والضلال 0 قال الله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ }
    وقال تعالى : { وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ 0 هكذا نرى أثر الإيمان وعلاجه للعلل والأمراض ، التى تثمرها المادية ، 0 فإلى الإيمان الصادق وإلى العمل الصالح وإلى الربانية .
  • صقرالنوايف
    عضو متميز

    • Jun 2005
    • 25677

    #2
    الرد: الإسلام والصحة النفسية ( حلقات )

    حياك الله اخي ابو الجمال وكل عام وانت بخير
    ونحن سنتابع معك هذا الموضوع وفقك الله
    تحياتي

    تعليق

    • أبو الجمال
      عضو متميز
      • Dec 2004
      • 208

      #3
      الرد: الإسلام والصحة النفسية ( حلقات )

      الحلقة الثانية :
      الإيمان والسعادة
      السعادة هي جنة الأحلام التي ينشدها كل بشر، من الفيلسوف في قمة تفكيره وتجريده، إلى العامي في قاع سذاجته وبساطته0 ومن الملك في قصره المشيد، إلى الصعلوك في كوخه الصغير 0 ولا نحسب أحداً يبحث عن الشقاء لنفسه ، أو يرضى بتعاستها 0
      أين السعادة؟
      ولكن السؤال الذي حير الناس من قديم هو: أين السعادة ؟ لقد طلبها الأكثرون في غير موضعها، فعادوا كما يعود طالب اللؤلؤ في الصحراء، صفر اليدين، مجهود البدن، كسير النفس، خائب الرجاء! أجل لقد جرب الناس في شتى العصور ألوان المتع المادية، وصنوف الشهوات الحسية، فما وجدوها ـ وحدهاـ تحقق السعادة أبداً، وربما زادتهم ـ مع كل جديد منها ـ هماً جديداً 0
      هل السعادة في النعيم المادي؟
      لقد ظن ذلك قوم ، فحسبوا السعادة في الغنى ، وفي رخاء العيش ، ووفرة النعيم ، ورفاهية الحياة، لكن البلاد التي ارتفع فيها مستوى المعيشة، وتيسرت فيها لأبنائها مطالب الحياة المادية، من مأكل ومشرب، وملبس ومسكن ومركب، مع كماليات كثيرة، لا تزال تشكو من تعاسة الحياة 0 فكثرة المال ليست هي السعادة ، ولا العنصر الأول في تحقيقها، بل ربما كانت كثرة المال أحياناً وبالاً على صاحبها في الدنيا قبل الآخرة، لذا قال الله في شأن قوم من المنافقين : { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا}(التوبة: 55) 0
      والعذاب هنا هو المشقة والنصب والألم والهم والسقم، فهو عذاب دنيوي حاضر، على نحو ما ورد في الحديث الشريف : (السفر قطعة من العذاب ) وهذا ما نشاهده بأعيننا في كل من جعل المال والدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، ومنتهى أمله، فهو دائماً معذب النفس، متعب القلب، مثقل الروح، لا يغنيه قليل، ولا يشبعه كثير 0 وفي الحديث الذي رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، تصوير لهذه النفسية المعذبة قال : ( من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ) رواه الترمذي من حديث أنس، وروى ابن ماجه وغيره قريباً منه من حديث زيد بن ثابت 0
      ومن أبلغ العذاب في الدنيا كما قال ابن القيم (في كتابه إغاثة اللهفان) تشتيت الشمل وتفريق القلب، وكون الفقر نصب عينيه لا يفارقه، ولولا سكرة عشاق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا العذاب00 على أن أكثرهم لا يزال يشكو ويصرخ منه 0
      ومن أنواع العذاب: عذاب القلب والبدن بتحمل أنكاد الدنيا ومحاربة أهلها إياه، ومقاساة معاداتهم، كما قال بعض السلف: "من أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب" ومحب الدنيا لا ينفك عن ثلاث :
      هم لازم، وتعب دائم، وحسرة لا تنقضي 0
      وذلك أن محبها لا ينال منها شيئاً إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه كما في الحديث الشريف : ( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالث ) 0 وقد مَثَّل عيسى ابن مريم عليه السلام محب الدنيا بشارب الخمر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً 0
      هل السعادة في الأولاد؟
      حقيقة إن الأولاد زهرة الحياة، وزينة الدنيا، ولكن كم من أولاد جروا على آبائهم الويل وجازوهم بالعقوق والكفران بدل البر والإحسان، بل كم من آباء ذاقوا حتفهم على يد أولادهم طمعاً في ثرواتهم، أو لوقوفهم في سبيل شهواتهم 0 بعض من الآباء يقول لولده آسفاً آسياً :
      غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً
      تعل بما أسدى إليك وتنهـل
      إذا ليلة تابتك بالشجو لم أبت
      لبلواك إلا ساهراً أتملمــل
      فلما بلغت الغاية التي
      إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
      جعلت جزائي غلظة وفظاظة
      كأنك أنت المنعم المتفضــل
      وكم رأينا في الحياة صور غريبة، وسمعنا أحاديث أغرب، عن عقوق الأبناء وتعاسة الآباء، وهذا ما جعل الآباء ما برحوا على مر العصور، يشدون شعرهم حنقاً من جحود أبنائهم، حتى أن الملك "لير" صرخ على لسان شكسبير قائلاً: "ليس أشد إيلاماً من ناب حية رقطاء، غير ابن جحود" 0 وما جعل شاعراً في الشوق يصرخ ويقول :
      أرى ولد الفتى ضرراً عليه
      لقد سعد الذي أمسى عقيماً
      فإمـــا أن يربيه عدواً
      وإمـا أن يخلفه يتيمـــاً
      وإمـــا أن يوافيه حمام
      فيترك حزنه أبداً مقيمـــاً
      ثم ما حيلة الذين حرموا من الأولاد؟ أحكم عليهم بالشقاء المؤبد والتعاسة الدائمة 0
      السعادة في داخل الإنسان :
      السعادة إذن ليست في وفرة المال ، ولا سطوة الجاه ، ولا كثرة الولد ، ولا نيل المنفعة ، ولا في العلو المادي 0السعادة شيء معنوي لا يرى بالعين ، ولا يقاس بالكم ، ولا تحتويه الخزائن ، ولا يشترى بالدينار ، أو بالجنيه أو الدولار 0 السعادة شيء يشعر به الإنسان بين جوانحه صفاء نفس ، وطمأنينة قلب ، وانشراح صدر ، وراحة ضمير 0
      السعادة شيء ينبع من داخل الإنسان ولا يستورد من خارجه 0حدثوا أن زوجاً غاضب زوجته فقال لها متوعداً : لأشقينك ، فقالت الزوجة في هدوء : لا تستطيع أن تشقيني ، كما لا تملك أن تسعدني 0 فقال الزوج في حنق : وكيف لا أستطيع ؟ فقالت الزوجة في ثقة : لو كانت السعادة في راتب لقطعته عني ، أو زينة من الحلي والحلل لحرمتني منها، ولكنها في شيء لا تملكه أنت ولا الناس أجمعون ! فقال الزوج في دهشة : وما هو ؟ فقالت الزوجة في يقين : إني أجد سعادة في إيماني ، وإيماني في قلبي ، وقلبي لا سلطان لأحد عليه غير ربي ! هذه هي السعادة الحقة ، السعادة التي لا يملك بشر أن يعطيها ، ولا يملك أن ينتزعها ممن أوتيها ، السعادة التي شعر بنشوتها أحد المؤمنين الصالحين فقال : إننا نعيش في سعادة لو علم بها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف ! وقال آخر وهو ثمل بتلك اللذة الروحية التي تغمر جوانبه : إنه لتمر علي ساعات أقول فيها : لو كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه الآن لكانوا إذن في عيش طيب ! والذين رزقوا هذه النعمة يسخرون من الأحداث وان برقت ورعدت، ويبتسمون للحياة وان هي كشرت عن نابها ، ويفلسفون الألم ، فإذا هو يستحيل عندهم إلى نعمة تستحق الشكر، على حين هو عند غيرهم مصيبة تستوجب الصراخ والشكوى 0 كأنما عندهم غدد روحية خاصة، مهمتها أن تفرز مادة معينة تتحول بها كوارث الحياة إلى نعم 0
      القدر المادي اللازم لتحقيق السعادة :
      ولا نجحد أن للجانب المادي مكاناً في تحقيق السعادة، كيف؟ وقد قال رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم : ( من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة ، والمسكن الصالح، والمركب الصالح)رواه أحمد بإسناد صحيح من حديث سعد بن أبي وقاص 0
      بيد أنه ليس المكان الأول ولا الأفسح، والمدار فيه على الكيف لا على الكم، فحسب الإنسان أن يسلم من المنغصات المادية التي يضيق بها الصدر، من مثل: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء، وأن يمنح الأمن والعافية، ويتيسر له القوت في غير حرج ولا إعنات. وما أصدق وأروع الحديث النبوي الشريف ( من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي وقال: حسن غريب، وابن ماجه 0
      وإذا كانت السعادة شجرة منبتها النفس البشرية، والقلب الإنساني، فإن الإيمان بالله وبالدار الآخرة هو ماؤها وغذاؤها، وهواؤها وضياؤها 0 لقد فجر الإيمان في قلب الإنسان ينابيع للسعادة، لا يمكن أن تغيض، ولا أن تتحقق السعادة بغيرها 0 تلك هي ينابيع السكينة، والأمن، والأمل، والرضا، والحب، وسنخص كلا منها بالحديث فيما يلي من الصفحات 0

      وأختم بقول الشاعر :
      ولست أرى السعادة جمع مال
      ولكن التقي هو السعيد

      تعليق

      • عادل البدري
        مساعد المدير العام لشؤون المنتدى

        • May 2004
        • 9587

        #4
        الرد: الإسلام والصحة النفسية ( حلقات )

        بوركت أخي الفاضل
        تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال
        تحياتي

        تعليق

        • أبو الجمال
          عضو متميز
          • Dec 2004
          • 208

          #5
          الرد: الإسلام والصحة النفسية ( حلقات )

          الحلقة الثالثة :
          مفهوم الصحة النفسية في القران الكريم والحديث الشريف :
          إن علماء النفس المحدثين، في محاولتهم لفهم شخصية الإنسان والعوامل المحددة لها، قد عنوا بدراسةأثر كل من العوامل البيولوجية والاجتماعية والثقافية في الشخصية ، وفي دراستهم لتأثير العوامل البيولوجية على الشخصية، قد اهتموا بدراسة أثر كل من الوراثة والتكوين البدني، وطبيعة تكوين الجهاز العصبي، والجهاز الغدي وما يفرزه من هرمونات متعددة، وفي دراستهم لتأثير العوامل الاجتماعية والثقافية على الشخصية، فقد اهتموا بدراسة تأثير خبرات الطفولة وخاصة في الأسرة وطريقة معاملة الوالدين، كما اهتموا بدراسة تأثير الطبقات الاجتماعية، والثقافات الفرعية المدرسة، المؤسسات الاجتماعية المختلفة، وجماعات الرفاق والأصدقاء 0غير أن علماء النفس المحدثين قد أغفلوا في دراستهم للشخصية تأثير الجانب الروحي من الإنسان في شخصيته وسلوكه، مما أدى إلى قصور واضح في فهمهم للإنسان وفي معرفتهم للعوامل المحددة للشخصية السوية وغير السوية ، كما أدى إلى عدم اهتدائهم إلى مفهوم واضح دقيق للصحة النفسية 0 وأدى ذلك بالتالي إلى عدم اهتدائهم إلى الطريقة المثلى في العلاج النفسي لاضطرابات الشخصية0
          وقد لاحظ اريك فروم المحلل النفسي قصور علم النفس الحديث وعجزه عن فهم الإنسان فهما صحيحا بسبب إغفاله دراسة الجانب الروحي في الإنسان 0 ويبدو ذلك واضحا من قوله : "إن التقليد الذي يعد السيكولوجيا دراسة لروح الإنسان دراسة تهم بفضائله وسعادته ـ هذا التقليد نبذ تماماً ، وأصبح علم النفس الأكاديمي في محاولته لمحاكاة العلوم الطبيعية والأساليب المعملية في الوزن والحساب ـ أصبح هذا العلم يعالج كل شيء ماعدا الروح ، إذ حاو ل ، هذا العلم أن يفهم مظاهر الإنسان التي يمكن فحصها في المعمل ،وزعم أن الشعور ـ وأحكام القيمة، ومعرفة لخير والشر، ما هي إلا تصورات ميتا فيزيقية تقع خارج مشكلات علم النفس 0 وكان اهتمامه ينصب في أغلب الأحيان على مشكلات تافهة تتمشى مع منهج علمي مزعوم، وذلك بدلا من أن يضع مناهج جديدة لدراسة مشكلات الإنسان الهامة 0 وهكذا أصبح علم النفس علما يفتقر إلى موضوعه الرئيسي وهو الروح، وكان معنياً بالميكانيزمات،وتكوينات ردود الأفعال والغرائز، دون أن يعنى بالظواهر الإنسانية المميزة أشد التمييز للإنسان: كالحب والعقل والشعور والقديم "0وهذا القصور في فهم علماء النفس المحدثين للإنسان قد دفع أبرا هام ماسلو أيضا إلى اقتراح تصنيف جديد لدوافع الإنسان! يشمل الدوافع الروحية التي يغفلها عادة علماء النفس المحدثون قي دراستهم لدوافع الإنسان . إننا لا نستطيع أن نفهم الإنسان فهما واضحاً دقيقاً ، كما لا نستطيع أن نكون مفهوماً دقيقاً وسليما عن صحته النفسية دون أن نفهم جميع العوامل المحددة لشخصية الإنسان، سواء أكانت عوامل بيولوجية أم روحية أم اجتماعية أم ثقافية .
          تكوين الإنسان:
          يتكون الإنسان كما أخبرنا القرآن الكريم من جسم وروح، وروح الإنسان قبسة من روح الله سبحانه وتعالى ، تميز بها عن سائر الحيوان ، وهي التي خصته بالاستعداد لمعرفة الله والإيمان به وعبادته وتحصيل العلوم وتسخيرها في عمارة الأرض، والتمسك بالقيم والمثل العليا، وبلوغ أعلى مراتب الكمال الإنساني، وهي التي تؤهله لخلافة الله سبحانه وتعالى في الأرض0
          ولكل من الجسم والروح حاجات، ويشارك الإنسان الحيوان في حاجاته البدنية التي يتطلبها حفظ الذات وبقاء النوع، وما تثيره فيه من دوافع فسيولوجية مختلفة كالجوع والظمأ والدافع الجنسي إلى غير ذلك من الدوافع الفسيولوجية الأخرى، غير أن للإنسان أيضا حاجاته الروحية التي تشمل في تشوقه الروحي إلى معرفة الله سبحانه وتعالى والإيمان به وعبادته . وهذه الحاجة فطرية في الإنسان ، فالإنسان يشعر في أعماق نفسه بدافع يدفعه إلى البحث والتفكير في خالقه وخالق الكون، وإلى عبادته والالتجاء إليه، وطلب العون منه 0 وترى بعض آيات القرآن الكريم إلى أن دافع التدين فطري في الإنسان. قال تعالى: { فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون }0
          ففي هذه الآية الكريمة إشارة واضحة إلى أن في فطرة الإنسان استعدادا لمعرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيده وعبادته0قال الله تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين }0
          وتبين هذه الآية أن الله جل شأنه أخرج من صلب آدم وبنيه ذريتهم نسلاً بعد نسل على هيأة ذر، وأشهدهم على أنفسهم بربوبيته تعالى حتى لا يقولوا يوم القيامة إنهم كانوا عن هذا التوحيد غافلين وجاء في الحديث الشريف أيضاً ما يؤكد أن دافع التدين فطري في الإنسان. فقد جاء في صحيح مسلم عن عباس ابن عمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله: ( إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم )0وجاء في حديث رواه الإمام أحمد وأخرجه النسائي في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة ، فما تزال عليه حتى يبين عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها) 0
          الصراع بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان:
          يتضمن الإنسان إذن في شخصيته صفات الحيوان التي تتمثل في حاجاته البدنية التي يتوقف على إشباعها حفظ ذاته وبقاء نوعه، كما يتضمن في شخصيته أيضاً صفات الملائكة التي تتمثل في تشوقه الروحي إلى معرفة الله تعالى والإيمان به وعبادته 0 وقد يحدث بين هذين الجانبين من شخصية الإنسان صراع ، فتجذبه أحياناً حاجاته البدنية ومطالب الحياة الدنيوية الأخرى، وتجذبه أحياناً حاجاته وأشواقه الروحية ومطالب الاستعداد للحياة الأخرى الباقية 0 ويشير القرآن الكريم إلى هذا الصراع النفسي بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان، وذلك في قوله تعالى: { فأما من طغى واثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى }0
          ويشير القرآن الكريم أيضا إلى الصراع بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان في وصفه تعالى لخروج قارون على قومه في زينته، مما جعل بعض كل الناس يتمنون أن يكون لهم مثل ما لقارون من ثروة، فيرد عليهم البعض الآخر من ذوي العلم والتقوى بأن ما عند الله خير وأبقى .
          قال تعالى : { فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا ياليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذوحظ عظيم () وقال الذين أتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاهاإلا الصابرون }0
          وتشير آيات أخرى كثيرة إلى هذا الصراع في الإنسان بين الجانبين المادي والروحي. ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون }0
          وقوله تعالى : { إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجرعظيم }0
          إن الصراع النفسي بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان هو الصراع النفسي الأساسي الذي يعانيه الإنسان في هذه الحياة وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك فيقوله تعالى : { لقد خلقنا الإنسان في كبد }
          إن إغفال المطالب الروحية للإنسان، يجعل حياة الإنسان خالية من المعاني السامية التي تجعل للحياة قيمة، وتفقده شعوره برسالته الكبرى في الحياة كخليفة لله تعالى في الأرض، فتضيع منه الرؤية الواضحة لأهدافه الكبرى في الحياة وهي عبادة الله0والتقرب إليه، ومجاهدة النفس في سبيل بلوغ الكمال الإنساني 0 ويتملك الإنسان في هذه الحالة الشعور بالضياع ويصبح فريسة للقلق وقد صور القرآن الكريم حالة الصراع والقلق التي تنتاب الإنسان الذي يفقد إيمانه بالله سبحانه وتعالى بالحالة التي يشعر بها الإنسان الذي يخر من السماء فتتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق ، قال تعالى : { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق }0
          ويصور النبي عليه الصلاة والسلام الصراع بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان تصويراً واقعياً بقوله عليه الصلاة والسلام : ( مثلي كمثل رجل استوقد ناراً فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها وجعل، يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها،قال: فذلكم مثلي أو مثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار فتغلبوني وتقحمون فيها )0 رواه مسلم 0
          ففي هذا الحديث الشريف تصوير بارع للصراع بين الشهوات الحسية ومغريات الحياة الدنيوية، وبين الوازع الديني الذي يمنع الناس من الانغماس في ملذاتهم وشهواتهم 0ولعل مشيئة الله تعالى قد اقتضت أن يكون أسلوب الإنسان في حل هذا الصراع بين الجانبين المادي والروحي في شخصيته هو الاختبارالحقيقي الأساسي الذي وضعه الله جل شأنه للإنسان في هذه الحياة 0 يقول تعالى:
          { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً }0
          وقال الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى : ( إن الدنيا خضرة حلوة وان الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فان أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ) رواه مسلم 0
          وقال عليه الصلاة والسلام أيضا : ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني )0 رواه الترمذي وأحمد والحاكم.
          فمن استطاع أن يوفق بين الجانبين المادي والروحي في شخصيته، وأن يحقق بينهما أكبر قدر مستطاع من التوازن، فقد نجح في هذا الاختبار، واستحق أن يثاب على ذلك بالسعادة في الدنيا والآخرة.
          وأما من انساق وراء شهواته البدنية وأغفل مطالبه الروحية، فقد فشل في هذا الاختبار، واستحق أن يجازى على ذلك بالشقاء في ا لدنيا والآخرة: قال تعالى : { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى }0
          وقال تعالى : { والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر }0
          وقد كان من رحمة الله سبحانه وتعالى بالإنسان، ومن نعمه العظيمة عليه، أن أمده بجميع الإمكانات اللازمة لحل هذا الصراع، واجتياز هذا الاختبار الصعب، بأن وهبه العقل ليميز بين الخير والشر، وبين الحق والباطل 0 كما أمده سبحانه بحرية الإرادة والاختيار ليستطيع أن يبت في أمر هذا الصراع وأن يختار الطريق الذي يريده لحل هذا الصراع 0 وأن حرية إرادة الإنسان في اختيار الطريق الذي يحل به هذا الصراع إنما يمثلان مسئوليته وحسابه ، كما أنهما يضعان الأساس سعادته وشقائه قال تعالى : { وهديناه النجدين }0
          وقال تعالى : {إناهديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا }
          وقال تعالى : { وقل الحق ، من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر }
          وقال تعالى : { ونفس وما سواها () فألهمها فجورها وتقواها () قد أفلح من زكاها () وقد خاب من دساها}0

          تعليق

          • أبو الجمال
            عضو متميز
            • Dec 2004
            • 208

            #6
            الرد: الإسلام والصحة النفسية ( حلقات )

            الحلقة الرابعة :
            حالات النفس الثلاث:
            حينما يتغلب الجانب المادي في حياة الإنسان، فينساق وراء أهوائه وشهواته، ويهمل مطالبه الروحية، فإنه يصبح في معيشته أشبه بالحيوان، بل أضل سبيلا لأنه لم يستخدم عقله الذي ميزه الله سبحانه وتعالى به على الحيوان : قال تعالى : { أرأيت من أتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن كثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا }0
            والإنسان الذي يعيش هذا النوع من المعيشة يكون غير ناضج الشخصية، ويكون أشبه بالطفل الذي لا يهمه إلا إشباع حاجاته ورغباته، ولم تقو إرادته بعد، ولم يتعلم كيف يتحكم في أهوائه وشهواته، ويصبح خاضعاً لترجيه "نفسه الأمارة بالسوء ! " قال تعالى : { وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم }0
            وحينما يبلغ الإنسان مرتبة أعلى من النضوج والكمال، يبدأ ضميره في الاستيقاظ، فيستنكر ضعف أرادته وانقياده لأهوائه وشهواته وملذات الحياة الدنيوية مما يوقعه في الخطيئة والمعصية، فيشعر بالذنب، ويلوم نفسه ويتجه إلى الله سبحانه وتعالى مستغفراً ، فإنه يصبح في هذه الحالة تحت تأثير" النفس اللوامه " 0قال تعالى : { لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة }0
            وإذا أخلص الإنسان بعد ذلك في توبته، وأخلص في تقربه لله تعالى بالعبادات والأعمال الصالحة، والابتعاد عن كل ما يغضب الله، وتحكم تحكما كاملا في هوائه وشهواته وقام بتوجيهها إلى الإشباع بالطريقة التي حددها الشرع فحقق بذلك التوازن التام بين مطالبه البدنية ومطالبه الروحية، فإنه يصل إلى أعلى مرتبة من النضوج والكمال الإنسانية، وهي المرتبة التي تكون فيها النفس الإنسانية في حالة اطمئنان وسكينة، وينطبق عليها وصف " النفس المطمئنة" قال تعالى : { يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي}
            ويمكن أن نتصور هذه المفاهيم الثلاثة للنفس، وهي النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة على أنها حالات تتصف بها شخصية الإنسان في مستويات مختلفة من النضج التي تمر بها أثناء صراعها الداخلي بين الجانبين المادي والروحي من طبيعة تكوينها 0 فحينما تكون شخصية الإنسان في أدنى مستوياتها الإنسانية بحيث تسيطر عليها الأهواء والشهوات الملذات البدنية والدنيوية، فإنها تكون في حالة ينطبق عليها وصف النفس الأمارة بالسوء ، وحينما تبلغ الشخصية أعلى مستويات النضج والكمال الإنساني حيث يحدث التوازن التام بين المطالب البدنية والروحية فإنها تصبح في الحالة التي، ينطبق عليها وصف النفس المطمئنة 0 وبين هذين المستويين مستوى آخر متوسط بينهما يحاسب فيه الإنسان نفسه على ما يرتكب من أخطاء، ويسعى جاهداً للامتناع عن ارتكاب ما يغضب الله ويسبب به تأنيب الضمير، ولكنه لا ينجح دائمـاً في مسعاه، فقد يضعف أحياناً ويقع في الخطيئة ، ويطلق إلى الشخصية في هذا المستوى النفس اللوامة 0
            الشخصية السوية :
            إن الحل الأمثل للصراع بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان هو التوفيق بينهما، بحيث يقوم الإنسان بإشباع حاجاته البدنية في الحدود التي أباحها الشرع، وتقوم في الوقت نفسه بإشباع حاجاته الروحية 0 ومثل هذا التوفيق بين حاجات البدن وحاجات الروح يصبح أمراً ممكناً إذا التزم الإنسان في حياته بالتوسط و- الاعتدال ، وتجنب الإسراف والتطرف سواء في إشباع دوافعه البدنية أو الروحية. فليس في الإسلام رهبانية تقاوم إشباع الدوافع البدنية وتعمل على كبتها 0 كما ليس في الإسلام إباحة مطلقة تعمل على الإشباع التام للدوافع البدنية دون ضبط وتحكم، وإنما ينادي الإسلام بالتوفيق بين دوافع كل من البدن والروح، واتباع طريق وسط يحقق التوازن رين الجانبين المادي والروحي في الإنسان 0 وفي هذا المعنى يقول القرآن الكريم: { وابتغ في آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا }0
            ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى أيضا: ( إن الرهبانية لم تكتب علينا )0 رواه أحمد 0
            وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ، قد غفر له ما تقدم من ذنب وما تأخر، فقال أحدهم : أما أنا فإني أقوم الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا ،أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأقوم وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني رواه الشيخان والنسائي 0
            وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : ( أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار) ، قلت: إني أفعل ذلك قال: ( فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك ونفهت نفسك وإن لنفسك عليك حقا ولأهلك حقا فصم وأفطرا وقم ونم )0 رواه الشيخان 0
            وحينما يتحقق التوازن بين البدن والروح تتحقق ذاتية الإنسان في صورتها الكاملة السوية، والتي تمثلت في شخصية النبي صلوات الله عليه وسلامه- التي توازنت فيها القوة الروحية الشفافة، والحيوية الجسمية الفياضة، فكان يعبد ربه حق عبادته في صفاء وخشوع تامين، كما كان يعيش حياته البشرية مشبعا لدوافعه البدنية في الحدود التي رسمها الشرع 0 ولذلك فهو يمثل الإنسان الكامل، والشخصية السوية النموذجية الكاملة التي توازنت فيها جميع القوى الإنسانية البدنية منها والروحية 0 وفي الحديث الشريف : ( حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة )0 روإه النسائي وأحمد والحاكم 0
            إن الشخصية السوية في الإسلام هي : الشخصية التي يتوازن فيها البدن والروح ، وتشبع فيها حاجات كل منهما 0 إن الشخصية السوية هي التي تعني بالبدن وصحته وقوته ، وتشبع حاجاته في الحدود التي رسمها الشرع، والتي تتمسك في نفس الوقت بالإيمان بالله ، وتؤدي العبادات، وتقوم بكل ما يرضي الله تعالى، وتتجنب كل ما يغضبه 0 فالشخص الذي ينساق وراء أهوائه وشهواته شخص غير سوي0 وكذلك فإن الشخص الذي يكبت حاجاته البدنية، ويقهر جسمه ويضعفه بالرهبانية المفرطة والتقشف الشديد، وينزع إلى إشباع حاجاته وأشواقه الروحية فقط ، هو أيضا شخص غير سوي وذلك لأن كلا من هذين الاتجاهين المتطرفين يخالف الطبيعة الإنسانية، ويعارض فطرتها 0 وحينما يتحقق التوازن بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان تتحقق ذاتية الإنسان في صورتها الكاملة السوية، والتي ينعم فيها الإنسان بكل من الصحة البدنية والنفسية، ويشعر فيها الإنسان بالأمن النفسي والطمأنينة والسعادة 0
            والتوازن وشخصية الإنسان بين البدن والروح ليس إلا مثالا للتوازن الموجود في الكون بأكمله 0 فقد خلق الله سبحانه وتعالى كل شيء بمقدار وميزان 0 قال تعالى : { والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون } 0
            وقال تعالى : { وكل شيء عنده بمقدار }0
            وقال تعالى : { إنا كل شيء. خلقناه بقدر }0
            وقال تعالى : { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } 0

            إن الصحة النفسية تهدف إلى تنمية الفرد وجعله قادرا على نشاط مثمر وربط علاقات سوية مع الغير مع التمتع بإرادة ثابتة وعقيدة مثلى ليعيش في سلام وسعادة مع نفسه وذويه والمجتمع بصفة عامة. وإن الصراعات الباطنية التي يخوضها المرء طيلة حياته من شأنها أن تتسبب في اضطرابات نفسية شديدة إن لم يقع حلها بصفة مرضية وأخطر الصراعات تتمثل في الأنانية المفرطة والرغبات الملحة لتحقيق الشهوات مهما كانت الطرق والحيل المستعملة لهذا الغرض. وقد أجمع الكثير من العلماء على أن الخطأ هو في الذنب والألم الذي يشربه الإنسان نتيجة ما ارتكبه من أعمال سيئة وقذرة. وتعتبر هذه العقدة كعنصر أساسي لتكوين العصابات يعني الأمراض العصبية باعتبار أن مظاهر سوء التوافق النفسي تمثل أمراض الضمير بل هي حيلة دفاعية للهروب من تأنيب الضمير. ومن أهم الأعراض النفسية المرضية مشاعر القلق والحصر والشعور بالذنب والخطأ أو بالعكس العدوان الظلم والسلوك المضطرب، والمنحرف الخارج عن الإقليم والمقاييس الاجتماعية 0 وتحث القيم الدينية على التحكم في الدوافع والتغلب عليها بسيطرة النفس الفاضلة الضمير وهو الأنا الأعلى عند فرويد . ونفهم إذن كيف في مجتمعنا العربي الإسلامي ، أن نتماشى مع هذه القيم الدينية الأصيلة التي لا تزال قائمة في النفوس بشكل من الأشكال، وتعالج عادة الفرد من الصراع الذي يتخبط فيه انطلاقا من هذه المقاييس 0 والمريض يفهم خطابنا هذا ولا يفهم كلاما آخر مثل الكلام الغامض المعقد الذي نستخرجه من بعض النظريات شبه العلمية الغربية المصدر والتي لا تنفك باقية يوما بعد يوم عرضة إلى الانتقاد والمراجعة في المجتمع الغربي نفسه 0 زد على ذلك كشرط تقني أساسي للتشخيص والعلاج، ضرورة فهم المريض من الداخل والتماشي معه يعني مع اعتقاداته وقيمه وإجمالا مع قواعد شخصيته الأساسية وهو السبيل الأفضل لمعاينته الدقيقة ولتركيز تشخيص مرضه بصفة قويمة ثابتة 0 هذا وإن الدين الإسلامي يكون وسيلة لتحقيق الإيمان والسلام النفسي وهو إيمان وأخلاق وعمل صالح وهو الطريق إلى سيطرة العقل وإلى المحبة والسبيل القويم إلى القناعة والارتياح والطمأنينة والسعادة والسلام 0وقد كتب وحلل وألف الكثير من الأطباء والعلماء المسلمين في مجال السعادة النفسية، وإن كل المذاهب الفلسفية الإسلامية التي تعرضت إلى فهم الروح وتحليل جوهرها وماهيتها قد أتت كما هو معلوم بتعاليم قيمة لتحقيق الاطمئنان للأفراد والجماعات، عبر الزمان والمكان 0

            تعليق

            • أبو الجمال
              عضو متميز
              • Dec 2004
              • 208

              #7
              الرد: الإسلام والصحة النفسية ( حلقات )

              أخوتي الأفاضل أعتذر لكم عن إكمال الحلقات بسبب ظروف خارجة عن إرادتي ، ويمكنكم متابعتها في الرابط التالي ، وشكرا لكم ..

              الإسلام والصحة النفسية ( حلقات ) - ملتقى المملكة الخمرية

              تعليق

              • ساندروز
                المدير العام

                • Sep 2000
                • 12032

                #8
                الرد: الإسلام والصحة النفسية ( حلقات )

                شكرا لك ابوالجمال على الحلقات المتميزة.

                ولكن لماذا لم تكملها ووضعت رابط لمنتدى آخر؟


                هاتف:
                0055-203 (715) 001
                0800-888 (715) 001

                تعليق

                • أبو الجمال
                  عضو متميز
                  • Dec 2004
                  • 208

                  #9
                  الرد: الإسلام والصحة النفسية ( حلقات )

                  اضيف في الأساس بواسطة ساندروز
                  شكرا لك ابوالجمال على الحلقات المتميزة.

                  ولكن لماذا لم تكملها ووضعت رابط لمنتدى آخر؟

                  كما قلت لظروف أبعدتني عن جميع المنتديات ووضعت الرابط لأنها مكتملة فيه قدمتها في سنوات ماضية ولما رجعت بعد شهر رمضان فصعب علي أن أقدمها دفعة واحدة أو حلقات
                  هذه السياسة ( حذف روابط منتديات أخرى ) لا تعجبني
                  فليس شرطا أن أقدمها وهي جاهزة في منتديات .. ولولا الظروف لكنت أكملتها كل يوم من أيام رمضان بحلقة .
                  أما وقد حذفت الرابط فأنتم الخاسرون .

                  تعليق

                  • ساندروز
                    المدير العام

                    • Sep 2000
                    • 12032

                    #10
                    الرد: الإسلام والصحة النفسية ( حلقات )

                    شكرا ابوالجمال على التوضيح.

                    وستعاد الإضافة المحذوفة.

                    تحياتي


                    هاتف:
                    0055-203 (715) 001
                    0800-888 (715) 001

                    تعليق

                    مواضيع مرتبطة

                    Collapse

                    جاري العمل...