بسم الله الرحمن الرحيم
ان اخواننا من اهل السنة ـاصلح اللّه شؤونهم ـ يستفظعون امر التقية , وينددون بها, ويعدونها وصـمـة فـي الشيعة , مع ان العمل بها عند الخوف على النفس او العرض اوالمال , مما حكم بوجوبه الشرع والعقل , واتفقت عليه كلمة اولي الالباب من المسلمين وغيرهم , فالتقية غير خاصة بالشيعة , وان تـوهم ذلك بعض الجاهلين , وقد هبط بهاالروح الامين , على قلب سيد النبيين والمرسلين (ص ) فـتـلا عـليه : (لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من اللّه في شـي ء الا ان تـتـقـوامنهم تقاة ويحذركم اللّه نفسه والى اللّه المصير) ((1)) . وتلا عليه مرة اخـرى : (مـن كـفـربـاللّه من بعد ايمانه الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرافعليهم غضب من اللّه ولهم عذاب عظيم ) ((2)) والـصـحـاح الـحـاكمة بالتقية عند الاضطرار اليها متواترة , ولا سيما من طريق العترة الطاهرة , وحسبك ما صح على شرط الشيخين , عن ابي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر, عن ابيه , قال : اخذ المشركون عمارا, فلم يتركوه حتى سب النبي (ص ) وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه , فلما اتى رسول اللّه (ص ) قـال : ((مـا وراءك ؟)) قـال : شـر يا رسول اللّه ماتركت حتى نلت منك , وذكرت آلهتهم بـخـيـر, قـال (ص ): ((كـيـف تـجـد قـلـبـك )) قـال : مـطمئن بالايمان , قال (ص ): ((ان عادوا فعد)) ((3)) .
وصح على شرط الشيخين ايضا عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى : (الا اءن تتقوا منهم تقاة ), قال : التقاة التكلم باللسان , والقلب مطمئن بالايمان , فلا يبسط يده فيقتل .الحديث ((4)) .
قلت : هذا حكم الشرع كتابا وسنة , والعقل بمجرده حاكم بهذا لو كانوا ينصفون .
وقـد مـنـي الـشـيـعة بملوك الجور, وولاة الظلم , فكانوا يسومونهم سوء العذاب , يقطعون ايديهم وارجـلـهـم , ويصلبونهم على جذوع النخل , ويسملون اعينهم , ويصطفون اموالهم ,كانت سياستهم الزمنية تقتضي هذه الجرائم , وكانوا يعولون في ارتكابها على الظن والتهمة , وكان قضاتهم من علماء السوء والتزلف , يتقربون اليهم بما يبيح لهم ما كانوايرتكبون , فاضطرت الشيعة وائمة الشيعة عندها الى التقية مخافة الاستئصال , جريا على قاعدة العقلاء والحكماء والاتقياء في مثل تلك الشدائد, وكان عـمـلـهم هذا دليلا على عقلهم وحكمتهم وفقههم , وما كان اللّه عز وجل ليمنعهم ـوالحال هذه ـ من الـتـقـية , وهوالقائل تبارك اسمه : (لا يكلف اللّه نفسا الا وسعها) ((5)) , (وما جعل عليكم في الـدين من حرج ) ((6)) , (يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ((7)) , (لا يكلف اللّه نـفـسـا الا مـاآتـاهـا) ((8)) وقـال رسـول اللّه (ص ): ((بـعـثـت بـالـحـنـيـفية السمحة السهلة )) ((9)) .
لـكـن اهـل البطر يعدون التقية من مساوى الشيعة ـفويل للشجي من الخلي ـ ولو ابتلوا بماابتلي به الـشـيعة لاخلدوا الى التقية , وقبعوا فيها قبوع القنفذ, كما فعل اهل السنة اذ اتقواشر جنگيز خان وهولاكو حقنا لدمائهم , وما يصنع الضعيف العاقل اذا ابتلي بالشديدالغاشم ؟ ولما دعا المامون الى القول بخلق القرآن , اجابه كثير من ابرار اهل السنة الى ذلك بالسنتهم ,وقلوبهم منعقدة على القول بقدمه , فاظهروا له خلاف ما يدينون به تقية منه .
كـما يفعله المسلمون اليوم في الحجاز, حيث لا يتظاهرون بالاقوال والاعمال التي لا تجوزشرعا فـي مـذهـب الـوهـابـيـة , كـزيـارة قبور الاولياء, وتقبيل الضريح النبوي الاقدس ,والتبرك به , وكالاستغاثة بسيد الانبياء, والتوسل به الى اللّه عز وجل في غفران الذنوب ,وكشف الكروب , فان الـحجاج وغيرهم من سنيين وشيعيين لا يتظاهرون بشي ء منهاتقية من الفتنة , وخوفا من الاذى , بل لا يـتـظـاهـرون بـالادعية المستحبة عندهم في تلك المواقف الكريمة والمشاهد العظيمة , عملا بالتقية .
وذكـر ابـن خلدون في الفصل الذي عقده لعلم الفقه من مقدمته الشهيرة مذاهب اهل السنة , وانتشار مـذهب ابي حنيفة في العراق , ومذهب مالك في الحجاز, ومذهب احمد في الشام وفي بغداد, ومذهب الشافعي في مصر, وهنا قال ما هذا لفظه : ثم انقرض فقه اهل السنة من مصر بظهور دولة الرافضة , وتـداول بها فقه اهل البيت , وتلاشى من سواهم ,الى ان ذهبت دولة العبيديين من الرافضيين على يد صلاح الدين يوسف بن ايوب ,ورجع اليهم فقه الشافعي ((10)) .
قـلت : من تامل بهذا علم ان اهل السنة في مصر اخذوا بالتقية ايام الفاطميين اكثر مما اخذبها الشيعة ايـام معاوية ويزيد وبني مروان والعباسيين والسلجوقيين والايوبيين والعثمانيين وغيرهم , وشتان بـين خوف اهل مصر من الفاطميين , وخوف الشيعة من تلك الدول , ولا سيما الدولة الاموية , فقد كان ملوكها وعمالها وعلماؤها ورؤساؤها والعامة باجمعها لا يتحملون ولا يطيقون ذكر الشيعة , وكانت الكلمة متفقة على سحقهم ومحقهم ,فلولا خلودهم الى التقية ما بقيت منهم هذه البقية .
فاي مسلم او غير مسلم يرتاب في جوازها لهم ؟ ولا سيما بعد ان صدع القرآن بها, ونص في آيتين مـحكمتين على اباحتها, ومن يشك في ذلك ؟ بعد ان قال رسول اللّه (ص ) لعمار
(ان عادوا فعد)), واذا جـاز لـعـمـار ان يـعود الى سب النبي (ص ) تقية , فاي شي ء بعد هذا لاتبيحه التقية ؟. على ان النفوس بفطرتها مجبولة عليها في مقام الخوف , كما لا يخفى على كل ذي نفس ناطقة .
وموسى جار اللّه ندد اولا بها ثم اعترف , فقال ما هذا لفظه : نعم التقية في سبيل حفظحياته وشرفه , وفي حفظ ماله وفي حماية حق من حقوقه واجبة على كل احد اماما كان او غيره ((11)) .
قـلت : تعالوا وانظروا بمن ابتلاني , كان الشيعة وائمتهم ياخذون بالتقية حيث لا خوف على حياتهم , ولا على شرفهم , ولا على مالهم , ولا على شي ء من حقوقهم , الحمد للّه الذي عافانا مما ابتلي به هذا الرجل من الحمق , ولو شاء لفعل .
واحـمـق مـن كلمته هذه تسوره على مقام الائمة من آل محمد9 اذ يقول : اما التقية بالعبادة بان يعمل الامـام عملا لم يقصد به وجه اللّه , وانما اتاه وهما خوفا من سلطان جائر,والتقية بالتبليغ بان يسند الامـام الـى الـشـارع حكما لم يكن من الشارع , فان مثل هذه التقية لا تقع ابدا اصلا من احد له دين , ويـمتنع صدورها من امام له عصمة وحمل رواية الامام وعبادة الامام على التقية طعن على عصمته , وطـعن على دينه ((12)) , الى آخر هذيانه في طغيانه , وكانه وجد مما تؤآخذ عليه ائمة العترة في عملهم بالتقية امرين : احدهما: انهم كانوا يعملون اعمالا لا يقصدون بها وجه اللّه , وانما يعملونها خوفا من الجائر.
والـجـواب : ان هذا خطا واضح , فانهم : كانوا يقصدون وجه اللّه في كل ما يعملون ,واخذهم بالتقية كان من افضل اعمالهم التي قصدوا بها وجه اللّه لانها السبب الوحيد في حياتهم وحياة شيعتهم , وبها كـان احـياء امرهم , وانتشار دعوتهم , ولو قلنا لحضرة هذاـالفيلسوف ـ دلنا على مورد من اعمالهم التي لم يقصد بها وجه اللّه لاحرجنا موقفه .
والـثـانـي : انـهم كانوا يسندون الى الشارع على سبيل التقية احكاما لم تكن صادرة منه على مذهبهم ومعتقدهم , وهذا مما لا تبيحه التقية لامام له دين .
والـجـواب : ان هـذا كـسابقه خطا واضح , فان ائمة اهل البيت اعدال الكتاب , وبهم يعرف الصواب , وكـانوا ذوي مذهب تلقوه عن جدهم رسول اللّه (ص ), وكان من مذهبهم ان التقية تبيح لهم بالمسائل الـخلافية ان يفتوا اهل الخلاف لهم بما جاء عن ائمتهم , ويفتواشيعتهم بما يرونه الحق في مذهبهم , فـتـعارض النقل عنهم بسبب ذلك , لكن العلماء من اوليائهم , العارفين باسرارهم , محصوا تلك الاحكام الـمـاثورة عنهم في الاخبار المتعارضة ,فعرفوا ما كان منها لمخالفيهم فصرحوا بحمله على التقية , وما كان منها لاوليائهم فتعبدوابه .
امـا ما اقترحه موسى جار اللّه على ائمة اهل البيت من السكوت عن الفتوى في مقام التقية , ففي غير مـحـلـه , لان اللّه عـز وجل اخذ على امثالهم ان يصدعوا باحكامه , ويبينواللناس ما اختلفوا فيه من شـرائعـه , وقـد فعلوا ذلك ببيانها لاوليائهم على ما يقتضيه مذهبهم , واضطروا الى بيانها لمن سالهم عـنـها من مخالفيهم على ما تقتضيه مذاهب المخالفين لهم , ولو لم يؤثر عنهم الثاني لحلت بهم اللاواء, ونـزل بـهـم البلاء, واذا اباحت التقية لعمار مااباحته من سب رسول اللّه وذكر الاوثان بخير كما سمعت , فبالاحرى ان تبيح للامام افتاءمخالفيه بما تقتضيه مذاهبهم , واي مانع من هذا يا مسلمون ؟.
قـال مـوسـى جـار اللّه : وعلي امير المؤمنين عليه وعلى اولاده السلام كان يحافظ على الصلوات , ويـراعـي الاوقات , ويحضر الجماعات ويصلي المكتوبات ويصلي صلاة الجمعة مقتديا خلف الاول والـثـانـي والـثـالـث كـان يـقـصد بها وجه اللّه فقط, ولم يكن يصلي صلاة الا تقربا وتقوى واداء الخ ((13)) .
قـلـت : حاشا امير المؤمنين ان يصلي الا تقربا للّه واداء لما امره اللّه به , وصلاته خلفهم ماكانت الا للّه خـالـصـة لوجهه الكريم , وقد اقتدينا به (ع ), فتقربنا الى اللّه عز وجل بالصلاة خلف كثير من ائمـة جـمـاعـة اهل السنة , مخلصين في تلك الصلوات للّه تعالى , وهذا جائز في مذهب اهل البيت , ويـثـاب الـمـصـلي منا خلف الامام السني , كما يثاب بالصلاة خلف الشيعي , والخبير بمذهبنا يعلم انا نـشترط العدالة في امام الجماعة اذا كان شيعيا, فلا يجوزالائتمام بالفاسق من الشيعة ولا بمجهول الحال , اما السني فقد يجوز الائتمام به مطلقا
---------------------------------------------------------------
1- آل عمران : 28.
2- النحل : 106.
3- الـمستدرك للحاكم 2: 357 و سير اعلام النبلاء 1: 411 ط . مؤسسة الرسالة ـ بيروت .
واخـرجـه الحاكم في تفسيرالاية من سورة آل عمران من مستدركه مصرحا بصحته على شرط الشيخين , واورده الذهبي في التلخيص مصرحابصحته على شرطهما ايضا ((منه (ره ))).
4- المصدر نفسه 2: 291.
5- البقرة : 286.
6- البقرة : 185.
7- الحج : 78.
8- الطلاق : 7.
9- الـنـهـاية لابن الاثير 1 : 451 ط . ايران قال : الحنفاء جمع حنيف : وهو المائل الى الاسلام الـثابت عليه والحنيف عند= =العرب : من كان على دين ابراهيم (ع ). ثم قال : ومنه الحديث ((بعثت بالحنيفية السمحة السهلة )).
10 - مقدمة تاريخ ابن خلدون : ص 567 ط . دار الفكر ـ بيروت .
11- الوشيعة لموسى جار اللّه : 116 ط . الكيلاني .
12- المصدر نفسه : 117.
13- الوشيعة : 117.
ممنوع وضع روابط لمنتدى اهل البدع
ان اخواننا من اهل السنة ـاصلح اللّه شؤونهم ـ يستفظعون امر التقية , وينددون بها, ويعدونها وصـمـة فـي الشيعة , مع ان العمل بها عند الخوف على النفس او العرض اوالمال , مما حكم بوجوبه الشرع والعقل , واتفقت عليه كلمة اولي الالباب من المسلمين وغيرهم , فالتقية غير خاصة بالشيعة , وان تـوهم ذلك بعض الجاهلين , وقد هبط بهاالروح الامين , على قلب سيد النبيين والمرسلين (ص ) فـتـلا عـليه : (لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من اللّه في شـي ء الا ان تـتـقـوامنهم تقاة ويحذركم اللّه نفسه والى اللّه المصير) ((1)) . وتلا عليه مرة اخـرى : (مـن كـفـربـاللّه من بعد ايمانه الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرافعليهم غضب من اللّه ولهم عذاب عظيم ) ((2)) والـصـحـاح الـحـاكمة بالتقية عند الاضطرار اليها متواترة , ولا سيما من طريق العترة الطاهرة , وحسبك ما صح على شرط الشيخين , عن ابي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر, عن ابيه , قال : اخذ المشركون عمارا, فلم يتركوه حتى سب النبي (ص ) وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه , فلما اتى رسول اللّه (ص ) قـال : ((مـا وراءك ؟)) قـال : شـر يا رسول اللّه ماتركت حتى نلت منك , وذكرت آلهتهم بـخـيـر, قـال (ص ): ((كـيـف تـجـد قـلـبـك )) قـال : مـطمئن بالايمان , قال (ص ): ((ان عادوا فعد)) ((3)) .
وصح على شرط الشيخين ايضا عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى : (الا اءن تتقوا منهم تقاة ), قال : التقاة التكلم باللسان , والقلب مطمئن بالايمان , فلا يبسط يده فيقتل .الحديث ((4)) .
قلت : هذا حكم الشرع كتابا وسنة , والعقل بمجرده حاكم بهذا لو كانوا ينصفون .
وقـد مـنـي الـشـيـعة بملوك الجور, وولاة الظلم , فكانوا يسومونهم سوء العذاب , يقطعون ايديهم وارجـلـهـم , ويصلبونهم على جذوع النخل , ويسملون اعينهم , ويصطفون اموالهم ,كانت سياستهم الزمنية تقتضي هذه الجرائم , وكانوا يعولون في ارتكابها على الظن والتهمة , وكان قضاتهم من علماء السوء والتزلف , يتقربون اليهم بما يبيح لهم ما كانوايرتكبون , فاضطرت الشيعة وائمة الشيعة عندها الى التقية مخافة الاستئصال , جريا على قاعدة العقلاء والحكماء والاتقياء في مثل تلك الشدائد, وكان عـمـلـهم هذا دليلا على عقلهم وحكمتهم وفقههم , وما كان اللّه عز وجل ليمنعهم ـوالحال هذه ـ من الـتـقـية , وهوالقائل تبارك اسمه : (لا يكلف اللّه نفسا الا وسعها) ((5)) , (وما جعل عليكم في الـدين من حرج ) ((6)) , (يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ((7)) , (لا يكلف اللّه نـفـسـا الا مـاآتـاهـا) ((8)) وقـال رسـول اللّه (ص ): ((بـعـثـت بـالـحـنـيـفية السمحة السهلة )) ((9)) .
لـكـن اهـل البطر يعدون التقية من مساوى الشيعة ـفويل للشجي من الخلي ـ ولو ابتلوا بماابتلي به الـشـيعة لاخلدوا الى التقية , وقبعوا فيها قبوع القنفذ, كما فعل اهل السنة اذ اتقواشر جنگيز خان وهولاكو حقنا لدمائهم , وما يصنع الضعيف العاقل اذا ابتلي بالشديدالغاشم ؟ ولما دعا المامون الى القول بخلق القرآن , اجابه كثير من ابرار اهل السنة الى ذلك بالسنتهم ,وقلوبهم منعقدة على القول بقدمه , فاظهروا له خلاف ما يدينون به تقية منه .
كـما يفعله المسلمون اليوم في الحجاز, حيث لا يتظاهرون بالاقوال والاعمال التي لا تجوزشرعا فـي مـذهـب الـوهـابـيـة , كـزيـارة قبور الاولياء, وتقبيل الضريح النبوي الاقدس ,والتبرك به , وكالاستغاثة بسيد الانبياء, والتوسل به الى اللّه عز وجل في غفران الذنوب ,وكشف الكروب , فان الـحجاج وغيرهم من سنيين وشيعيين لا يتظاهرون بشي ء منهاتقية من الفتنة , وخوفا من الاذى , بل لا يـتـظـاهـرون بـالادعية المستحبة عندهم في تلك المواقف الكريمة والمشاهد العظيمة , عملا بالتقية .
وذكـر ابـن خلدون في الفصل الذي عقده لعلم الفقه من مقدمته الشهيرة مذاهب اهل السنة , وانتشار مـذهب ابي حنيفة في العراق , ومذهب مالك في الحجاز, ومذهب احمد في الشام وفي بغداد, ومذهب الشافعي في مصر, وهنا قال ما هذا لفظه : ثم انقرض فقه اهل السنة من مصر بظهور دولة الرافضة , وتـداول بها فقه اهل البيت , وتلاشى من سواهم ,الى ان ذهبت دولة العبيديين من الرافضيين على يد صلاح الدين يوسف بن ايوب ,ورجع اليهم فقه الشافعي ((10)) .
قـلت : من تامل بهذا علم ان اهل السنة في مصر اخذوا بالتقية ايام الفاطميين اكثر مما اخذبها الشيعة ايـام معاوية ويزيد وبني مروان والعباسيين والسلجوقيين والايوبيين والعثمانيين وغيرهم , وشتان بـين خوف اهل مصر من الفاطميين , وخوف الشيعة من تلك الدول , ولا سيما الدولة الاموية , فقد كان ملوكها وعمالها وعلماؤها ورؤساؤها والعامة باجمعها لا يتحملون ولا يطيقون ذكر الشيعة , وكانت الكلمة متفقة على سحقهم ومحقهم ,فلولا خلودهم الى التقية ما بقيت منهم هذه البقية .
فاي مسلم او غير مسلم يرتاب في جوازها لهم ؟ ولا سيما بعد ان صدع القرآن بها, ونص في آيتين مـحكمتين على اباحتها, ومن يشك في ذلك ؟ بعد ان قال رسول اللّه (ص ) لعمار
(ان عادوا فعد)), واذا جـاز لـعـمـار ان يـعود الى سب النبي (ص ) تقية , فاي شي ء بعد هذا لاتبيحه التقية ؟. على ان النفوس بفطرتها مجبولة عليها في مقام الخوف , كما لا يخفى على كل ذي نفس ناطقة .وموسى جار اللّه ندد اولا بها ثم اعترف , فقال ما هذا لفظه : نعم التقية في سبيل حفظحياته وشرفه , وفي حفظ ماله وفي حماية حق من حقوقه واجبة على كل احد اماما كان او غيره ((11)) .
قـلت : تعالوا وانظروا بمن ابتلاني , كان الشيعة وائمتهم ياخذون بالتقية حيث لا خوف على حياتهم , ولا على شرفهم , ولا على مالهم , ولا على شي ء من حقوقهم , الحمد للّه الذي عافانا مما ابتلي به هذا الرجل من الحمق , ولو شاء لفعل .
واحـمـق مـن كلمته هذه تسوره على مقام الائمة من آل محمد9 اذ يقول : اما التقية بالعبادة بان يعمل الامـام عملا لم يقصد به وجه اللّه , وانما اتاه وهما خوفا من سلطان جائر,والتقية بالتبليغ بان يسند الامـام الـى الـشـارع حكما لم يكن من الشارع , فان مثل هذه التقية لا تقع ابدا اصلا من احد له دين , ويـمتنع صدورها من امام له عصمة وحمل رواية الامام وعبادة الامام على التقية طعن على عصمته , وطـعن على دينه ((12)) , الى آخر هذيانه في طغيانه , وكانه وجد مما تؤآخذ عليه ائمة العترة في عملهم بالتقية امرين : احدهما: انهم كانوا يعملون اعمالا لا يقصدون بها وجه اللّه , وانما يعملونها خوفا من الجائر.
والـجـواب : ان هذا خطا واضح , فانهم : كانوا يقصدون وجه اللّه في كل ما يعملون ,واخذهم بالتقية كان من افضل اعمالهم التي قصدوا بها وجه اللّه لانها السبب الوحيد في حياتهم وحياة شيعتهم , وبها كـان احـياء امرهم , وانتشار دعوتهم , ولو قلنا لحضرة هذاـالفيلسوف ـ دلنا على مورد من اعمالهم التي لم يقصد بها وجه اللّه لاحرجنا موقفه .
والـثـانـي : انـهم كانوا يسندون الى الشارع على سبيل التقية احكاما لم تكن صادرة منه على مذهبهم ومعتقدهم , وهذا مما لا تبيحه التقية لامام له دين .
والـجـواب : ان هـذا كـسابقه خطا واضح , فان ائمة اهل البيت اعدال الكتاب , وبهم يعرف الصواب , وكـانوا ذوي مذهب تلقوه عن جدهم رسول اللّه (ص ), وكان من مذهبهم ان التقية تبيح لهم بالمسائل الـخلافية ان يفتوا اهل الخلاف لهم بما جاء عن ائمتهم , ويفتواشيعتهم بما يرونه الحق في مذهبهم , فـتـعارض النقل عنهم بسبب ذلك , لكن العلماء من اوليائهم , العارفين باسرارهم , محصوا تلك الاحكام الـمـاثورة عنهم في الاخبار المتعارضة ,فعرفوا ما كان منها لمخالفيهم فصرحوا بحمله على التقية , وما كان منها لاوليائهم فتعبدوابه .
امـا ما اقترحه موسى جار اللّه على ائمة اهل البيت من السكوت عن الفتوى في مقام التقية , ففي غير مـحـلـه , لان اللّه عـز وجل اخذ على امثالهم ان يصدعوا باحكامه , ويبينواللناس ما اختلفوا فيه من شـرائعـه , وقـد فعلوا ذلك ببيانها لاوليائهم على ما يقتضيه مذهبهم , واضطروا الى بيانها لمن سالهم عـنـها من مخالفيهم على ما تقتضيه مذاهب المخالفين لهم , ولو لم يؤثر عنهم الثاني لحلت بهم اللاواء, ونـزل بـهـم البلاء, واذا اباحت التقية لعمار مااباحته من سب رسول اللّه وذكر الاوثان بخير كما سمعت , فبالاحرى ان تبيح للامام افتاءمخالفيه بما تقتضيه مذاهبهم , واي مانع من هذا يا مسلمون ؟.
قـال مـوسـى جـار اللّه : وعلي امير المؤمنين عليه وعلى اولاده السلام كان يحافظ على الصلوات , ويـراعـي الاوقات , ويحضر الجماعات ويصلي المكتوبات ويصلي صلاة الجمعة مقتديا خلف الاول والـثـانـي والـثـالـث كـان يـقـصد بها وجه اللّه فقط, ولم يكن يصلي صلاة الا تقربا وتقوى واداء الخ ((13)) .
قـلـت : حاشا امير المؤمنين ان يصلي الا تقربا للّه واداء لما امره اللّه به , وصلاته خلفهم ماكانت الا للّه خـالـصـة لوجهه الكريم , وقد اقتدينا به (ع ), فتقربنا الى اللّه عز وجل بالصلاة خلف كثير من ائمـة جـمـاعـة اهل السنة , مخلصين في تلك الصلوات للّه تعالى , وهذا جائز في مذهب اهل البيت , ويـثـاب الـمـصـلي منا خلف الامام السني , كما يثاب بالصلاة خلف الشيعي , والخبير بمذهبنا يعلم انا نـشترط العدالة في امام الجماعة اذا كان شيعيا, فلا يجوزالائتمام بالفاسق من الشيعة ولا بمجهول الحال , اما السني فقد يجوز الائتمام به مطلقا
---------------------------------------------------------------
1- آل عمران : 28.
2- النحل : 106.
3- الـمستدرك للحاكم 2: 357 و سير اعلام النبلاء 1: 411 ط . مؤسسة الرسالة ـ بيروت .
واخـرجـه الحاكم في تفسيرالاية من سورة آل عمران من مستدركه مصرحا بصحته على شرط الشيخين , واورده الذهبي في التلخيص مصرحابصحته على شرطهما ايضا ((منه (ره ))).
4- المصدر نفسه 2: 291.
5- البقرة : 286.
6- البقرة : 185.
7- الحج : 78.
8- الطلاق : 7.
9- الـنـهـاية لابن الاثير 1 : 451 ط . ايران قال : الحنفاء جمع حنيف : وهو المائل الى الاسلام الـثابت عليه والحنيف عند= =العرب : من كان على دين ابراهيم (ع ). ثم قال : ومنه الحديث ((بعثت بالحنيفية السمحة السهلة )).
10 - مقدمة تاريخ ابن خلدون : ص 567 ط . دار الفكر ـ بيروت .
11- الوشيعة لموسى جار اللّه : 116 ط . الكيلاني .
12- المصدر نفسه : 117.
13- الوشيعة : 117.
ممنوع وضع روابط لمنتدى اهل البدع



تعليق