الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف مبعوث للعالمين، حبيبنا محمد المصطفى وآله الطيّبين الطاهرين، ومن أخلص من الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. وبعد:
1ـ عن أبي سعيد الخدري قال: أصبح علي بن أبي طالب عليه السلام ذات يوم ساغباً فقال: يا فاطمة هل عندك شيء تغذينيه؟ قالت: لا، والذي أكرم أبي بالنبوة وأكرمك بالوصية ما أصبح الغداة عندي شيء وما كان شيء أطعمناه مذ يومين إلا شيء كنت أؤثرك به على نفسي وعلى ابني هذين الحسن والحسين، فقال علي: يا فاطمة ألا كنت أعلمتيني فأبغيكم شيئاً؟ فقالت: يا أبا الحسن إني لأستحي من إلهي أن أكلف نفسك ما لا تقدر عليه(1).
2ـ دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على علي، فوجده هو وفاطمة عليهما السلام يطحنان في الجاروش، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أيكما أعيى؟ فقال علي: فاطمة يا رسول الله، فقال لها: قومي يا بنية، فقامت، وجلس النبي صلى الله عليه وآله موضعها مع علي عليه السلام فواساه في طحن الحب(2).
3ـ عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: تقاضى علي وفاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في الخدمة، فقضى على فاطمة بخدمة ما دون الباب، وقضى على علي بما خلفه، قال: فقالت فاطمة: فلا يعلم ما دخلني من السرور إلا الله بإكفائي رسول الله تحمل رقاب الرجال.
قال العلامة المجلسي (ره) في بيانه: تحمل رقاب الرجال أي تحمل أمور تحملها رقابهم من حمل القرب والحطب. ويحتمل أن يكون كناية عن التبرز من بين الرجال، أو المشي على رقاب النائمين عند خروجها ليلاً للاستقاء أي التحمل على رقابهم، ولا يبعد أن يكون أصله (ما تحمل)، فأسقطت كلمة (ما) من النساخ(3).
4ـ عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يحتطب ويستقي ويكنس، وكانت فاطمة عليها السلام تطحن وتعجن وتخبز(4).
1ـ عن أبي سعيد الخدري قال: أصبح علي بن أبي طالب عليه السلام ذات يوم ساغباً فقال: يا فاطمة هل عندك شيء تغذينيه؟ قالت: لا، والذي أكرم أبي بالنبوة وأكرمك بالوصية ما أصبح الغداة عندي شيء وما كان شيء أطعمناه مذ يومين إلا شيء كنت أؤثرك به على نفسي وعلى ابني هذين الحسن والحسين، فقال علي: يا فاطمة ألا كنت أعلمتيني فأبغيكم شيئاً؟ فقالت: يا أبا الحسن إني لأستحي من إلهي أن أكلف نفسك ما لا تقدر عليه(1).
2ـ دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على علي، فوجده هو وفاطمة عليهما السلام يطحنان في الجاروش، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أيكما أعيى؟ فقال علي: فاطمة يا رسول الله، فقال لها: قومي يا بنية، فقامت، وجلس النبي صلى الله عليه وآله موضعها مع علي عليه السلام فواساه في طحن الحب(2).
3ـ عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: تقاضى علي وفاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في الخدمة، فقضى على فاطمة بخدمة ما دون الباب، وقضى على علي بما خلفه، قال: فقالت فاطمة: فلا يعلم ما دخلني من السرور إلا الله بإكفائي رسول الله تحمل رقاب الرجال.
قال العلامة المجلسي (ره) في بيانه: تحمل رقاب الرجال أي تحمل أمور تحملها رقابهم من حمل القرب والحطب. ويحتمل أن يكون كناية عن التبرز من بين الرجال، أو المشي على رقاب النائمين عند خروجها ليلاً للاستقاء أي التحمل على رقابهم، ولا يبعد أن يكون أصله (ما تحمل)، فأسقطت كلمة (ما) من النساخ(3).
4ـ عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يحتطب ويستقي ويكنس، وكانت فاطمة عليها السلام تطحن وتعجن وتخبز(4).
مجعولات المعاندين طعناً على أمير المؤمنين عليه السلام
عن علي عليه السلام في حديث: فو الله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها الله عز وجل، ولا أغضبتني، ولا عصت لي أمراً، ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عني الهموم والأحزان(5).
سبحان الله! ما أطيب نفسهما، وأكرم شأنهما، وأعظم خلقهما! بلى هما والله كذلك، لأنهما مثلان من الإنسانية الكاملة، ولهما أسوة فيمن له الخلق العظيم، ولكن الجاهلين بعلو شأنهما، والمعاندين لعلي عليه السلام لأغراضهم الفاسدة تمسكوا بأمور مجعولة موضوعة طعناً بها على أمير المؤمنين وسيد الوصيين، ورميه بالإساءة إلى بضعة النبي صلى الله عليه وآله. وما أشد عنادهم بوصي الرسول صلى الله عليه وآله ومن هو نفسه وناطق القرآن وعدله! هلم معي أيها القارئ أتلو عليك ما جاء في هذا الموقف.
قال شيخ الطائفة وعميد الملة (ره): فإن قيل: أليس قد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قد خطب بنت أبي جهل بن هشام في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله حتى بلغ ذلك فاطمة عليها السلام فشكته إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقام على المنبر قائلاً: (إن علياً آذاني بخطبة بنت أبي جهل بن هشام ليجمع بينها وبين فاطمة، وليس يستقيم الجمع بين بنت ولي الله وبين بنت عدو الله. أما علمتم معشر الناس أن من آذى فاطمة فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى)؟ فما الوجه في ذلك؟
قيل: هذا خبر باطل موضوع غير معروف ولا ثابت عند أهل النقل، وإنما ذكره الكرابيسي(6) طاعناً به على أمير المؤمنين عليه السلام ومعارضاً بذكره لبعض ما تذكره الشنعة من الأخبار في أعدائه، وهيهات أن يشتبه الحق بالباطل. ولو لم يكن في ضعفه إلا رواية الكرابيسي له واعتماده عليه ومن هو في العداوة لأهل البيت والمناصبة لهم والإزراء عليهم والإنكار لفضائلهم ومآثرهم ـ على ما هو المشهور ـ لكفى.
ـ (قلت): وخلاصة ما أورده السيد المرتضى في ذلك الكتاب:
(أ) إنّ هذا الحديث منحصر بالعامّة وليس له ولا طريق واحد صحيح عندنا.
(ب) إنّ الاسلام أباح للرجل أن يتزوّج أربعة نساء، فكيف ينكر النبيّ ذلك ـ على فرض صحته ـ، ويعلن بذلك على المنابر؟!
(ج) إنّ هذا الخبر بنفسه يدلّ على بطلانه، إذ أنّ زواج عليّ بفاطمة إنّما كان بأمر الله سبحانه، ومعلوم إنّ الله لا يختار لفاطمة من يؤذيها ويغمّها.
(د) إنّه لم يعهد من أمير المؤمنين خلاف على الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولا كان بحيث يكره الرسول قطّ على طول الصحبة، فكيف يتصوّر منه مخالفته في هذا الموضوع.
على أن هذا الخبر قد تضمن ما يشهد ببطلانه، ويقضي على كذبه، من حيث ادعى فيه أن النبي صلى الله عليه وآله ذم هذا الفعل وخطب بإنكاره على المنابر.
ومعلوم أن أمير المؤمنين عليه السلام لو كان فعل ذلك ـ على ما حكي ـ لما كان فاعلاً لمحظور في الشريعة، لأن نكاح الأربع على لسان نبينا صلى الله عليه وآله مباح، والمباح لا ينكره الرسول صلى الله عليه وآله ويصرح بذمه وبأنه يؤذيه، وقد رفعه الله تعالى عن هذه المنزلة، وأعلاه مــــن كل منقصة ومذمة. ولو كان صلى الله عليه وآله نافراً من الجمـــع بين بنتـــــه وبين غيرها(7) بالطباع التي تنفر من الحسن والقبيح لما جاز أن ينكره بلسانه، ثم ما جاز أن يبالغ في الإنكار ويعلن على المنابر وفوق رؤوس الأشهاد ولو بلغ من إيلامه كل مبلغ في ما هو صلى الله عليه وآله من الحلم وكظم الغيظ، ووصفه الله تعالى به من جميل الأخلاق وكريم الآداب ينافي ذلك ويحيله ويمنع من إضافته إليه وتصديقه عليه. أو ليس ما يفعله مثله عليه السلام في هذا الأمر إذا ثقل على قلبه أن يعاتب عليه سراً، ويتكلم في العدول عنه خفياً على وجه جميل بقول لطيف؟
وهذا المأمون الذي لا قياس بينه وبين الرسول صلى الله عليه وآله قد أنكح أبا جعفر محمد بن علي الرضا عليهما السلام بنته ونقلها إليه وأنفذها معه إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله، لما كاتبته بنته تذكر أنه قد تزوج عليها أو تسرى، فيقول مجيباً لها ومنكراً عليها: ( إنا ما أنكحناه لنحظر عليه ما أباحه الله له) والمأمون أولى بالامتعاض من غيره لبنته، وحاله أحمل للمنع من هذا الباب والإنكار له.
والله إن الطعن على النبي صلى الله عليه وآله بما تضمنه هذا الخبر الخبيث أعظم من الطعن على أمير المؤمنين عليه السلام، وما صنع هذا الخبر إلا ملحد قاصد إلى الطعن عليهما، وناصب معاند لا يبالي أن يشفي غيظه بما يهدم أصوله، على أنه لا خلاف بين أهل النقل: أن الله تعالى هو الذي اختار أمير المؤمنين عليه السلام لنكاح سيدة النساء عليها السلام، وأن النبي صلى الله عليه وآله رد عنها جملة أصحابه وقد خطبوها، وقال صلى الله عليه وآله: (إني لم أزوج فاطمة حتى زوجها الله تعالى من سمائه). ونحن نعلم أن الله تعالى لا يختار لها من بين الخلائق من يضيرها ويؤذيها ويغمها، وأن ذلك من أول (أدل) دليل على كذب الراوي.
وبعد، فإن الشيء إنما يحمل على نظائره ويلحق بأمثاله، وقد علم كل من سمع الأخبار أنه لم يعد لأمير المؤمنين عليه السلام خلاف على الرسول صلى الله عليه وآله ولا كان بحيث يكره على اختلاف الأحوال وتقلب الزمان وطول الصحبة، ولا عاتبه على شيء من أفعاله، مع أن أحداً من أصحابه لم يخل من عتاب على هفوة، ونكير لأجل زلة، فكيف خرق بهذا الفعل عادته وفارق سجيته وسنته لولا تخرص الأعداء.
وبعد، فأين كان أعداؤه عليه السلام من بني أمية وشيعتهم عن هذه الفرصة المنتهزة؟ وكيف لم يجعلوها عنواناً لما يتخرصونه من العيوب والقروف؟(8) وكيف تمحلوا الكذب، وعدلوا عن الحق؟ وفي علمنا بأن أحداً من الأعداء متقدماً لم يذكر ذلك دليل على أنه باطل موضوع(9).
وعن ابن شهاب، عن علي بن حسين حدثه أنهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية مقتل حسين بن علي رحمة الله عليه لقيه المسور بن مخرمة فقال له: هل لك إلي حاجة تأمرني بها؟ (وساق الكلام إلى أن قال) إن علي بن أبي طالب خطب ابنة أبي جهل على فاطمة عليها السلام، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم، فقال: (إن فاطمة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها) ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه قال: (حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي... والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله أبداً)(10).
أقول: يا للأسف والعجب من البخاري كيف يجيب الله ورسوله، وهو لم يكن يحتج بأحاديث العترة عليهم السلام إلا في هذا المورد الذي فيه طعن على أمير المؤمنين وسيد الوصيين، وتعريض لمن هو عدل القرآن، ونعوذ بالله مما في هذا الحديث من أن النبي صلى الله عليه وآله أثنى في خطبته على أبي العاص في مصاهرته له ثناء جميلاً بقوله: (إنه حدثني فصدقني...) فإن هذا الكلام تعريض ليعسوب الدين وإمام المتقين، وتفضيل لأبي العاص عليه. والمراد من تصديقه له صلى الله عليه وآله أن أبا العاص حدثه فصدقه ووعده في ابنته زينب بعد وقعة بدر أن يرسلها إليه، وهو في البدر مع المشركين، فأسره المسلمون ثم أطلقوه بدون الفداء لشفاعة النبي صلى الله عليه وآله.
وراوي الخبر هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الذي عده ابن أبي الحديد في شرحه ج4، ص102 من المنحرفين عن علي عليه السلام. فلاحظ الجزاف والزور والافتراء في هذا الحديث، أليس علي أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله وصدقه في جميع أقواله، ووفى له بكل ما لديه؟ هل يجوز أن يفضل رسول الله صلى الله عليه وآله أبا العاص على علي عليه السلام مع إحرازه هذه المقامات؟ وهل كان المسور بن مخرمة أعرف بعلي المرتضى وفاطمة الزهراء عليهما السلام من زين العابدين وسيد الساجدين حتى يحدثه عليه السلام بأن علياً خطب ابنة أبي جهل؟ لا، ولكن الشيطان اتخذ معاندي أهل البيت لأمره ملاكاً، فباض وفرخ في صدورهم، ودب ودرج في حجورهم، ونطق بألسنتهم ونظر بأعينهم.
ثم انظر ما قاله بعض من علماء العامة في هذا المورد: قال ابن حجر: ووقع في (صحيح مسلم) من حديثه في خطبة علي لابنة أبي جهل، قال المسور: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وأنا محتلم يخطب الناس فذكر الحديث، وهو مشكل المأخذ، لأن المؤرخين لم يختلفوا أن مولده كان بعد الهجرة وقصة خطبة علي كانت بعد مولد المسور بنحو من ست سنين أو سبع سنين، فكيف يسمى محتلماً؟ فيحتمل أنه أراد الاحتلام اللغوي وهو العقل، والله تعالى أعلم(11).
وقال ابن أبي الحديد: ذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي رحمه الله أن معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلاً يرغب في مثله. فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير... وأما أبو هريرة فروي عنه الحديث الذي معناه أن علياً عليه السلام خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله فأسخطه فخطب على المنبر وقال: (لا هالله، لا تجتمع ابنة ولي الله وابنة عدو الله أبي جهل، إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها، فإن كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي وليفعل ما يريد) أو كلاماً هذا معناه. والحديث مشهور من رواية الكرابيسي.
قلت: هذا الحديث أيضاً مخرج في صحيحي مسلم والبخاري، عن المسور بن مخرمة الزهري، وقد ذكره المرتضى في كتابه المسمى (تنزيه الأنبياء والأئمة) وذكر أنه رواية حسين الكرابيسي وأنه مشهور بالانحراف عن أهل البيت وعداوتهم والمناصبة لهم... وعندي هذا الخبر لو صح لم يكن على أمير المؤمنين فيه غضاضة ولا قدح، لأن الأمة مجتمعة على أنه لو نكح ابنة أبي جهل مضافاً إلى نكاح فاطمة عليها السلام لجاز، لأنه داخل تحت عموم الآية المبيحة للنساء الأربع(12).
وقال أيضاً: وكان الزهري من المنحرفين عنه عليه السلام. وروى جرير بن عبد الحميد، عن محمد بن شيبة قال: شهدت مسجد المدينة فإذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان يذكران علياً عليه السلام فنالا منه، فبلغ ذلك علي بن الحسين عليهما السلام فجاء حتى وقف عليهما ـ الخ(13).
وأيضاً عن المسور بن مخرمة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول وهو على المنبر: (إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم على بن أبي طالب، فلا آذن ثم فلا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما هي بضعة مني، يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها)(14).
وقد جاء حديث خطبة علي عليه السلام ابنة أبي جهل اللعين في الجزء الخامس منه في كتاب بدء الخلق، باب إصهار النبي صلى الله عليه وآله، ص28. ورواه مسلم بطرق وألفاظ مختلفة في باب فضائل فاطمة عليها السلام، وابن ماجه في سننه، باب الغيرة، من كتاب النكاح، وابن حنبل في مسنده، في أحاديث المسور(15).
ومن المعاندين الذين ذكروا هذا الحديث الموضوع هو مروان بن أبي حفصة شاعر الرشيد. قال الخطيب في ترجمة مروان: مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة، كان أبو حفصة مولى مروان بن الحكم، أعتقه يوم الدار، لأنه أبلى يومئذ بلاء حسناً، واسمه يزيد، وقيل: إنه كان يهودياً طبيباً أسلم على يد عثمان بن عفان... قدم مروان بن أبي حفصة بغداد، ومدح المهدي والرشيد، وكان يتقرب إلى الرشيد بهجاء العلوية(16).
وقال ابن أبي الحديد: ولشياع هذا الخبر وانتشاره ذكره مروان بن أبي حفصة في قصيدة يمدح بها الرشيد، ويذكر فيها ولد فاطمة عليهم السلام، وينحي عليهم ويذمهم، وقد بالغ حين ذم علياً عليه السلام ونال منه، وأولها:
سـلام على جمل وهيهات مـن جمل ويا حبذا جـــمل وإن صرمت حبلي
يقول فيها:
علـي أبـــــــــوكم كــــــان أفضل منكـم أباه ذوو الشورى وكــانوا ذوي الفضل
وســــاء رســــــول اللـه إذ سـاء بنتـه بخطبته بنت اللعـــــين أبـــــي جــــهل
فذم رسـول اللـه صــــــهـر أبــــــــيـكم على منبر بالمنــــــطق الصادع الفصل
وحــــــكـم فـــــيـها حـــــاكميـن، أبوكم هما خلعاه خـــــلع ذي النعـــــــل للنعل
وقـــــــد بــاعها مـن بعده الحسن ابنـه فقد أبطلت دعــــــواكم الــــرثة الحــبل
وخليتمـوهـــــا وهـــــي فـي غير أهلها وطــــالبتموها حــين صارت إلى أهل(17)
وقد رد على هذا المعاند الكافر اللعين هذه الأكذوبة رداً مبيناً سيد الأعلام ومولى فضلاء الإسلام، علامة دهره وزمانه، ووحيد عصره وأوانه، صاحب المكرمات الباهرات، المؤيد من الله الملك الحي القيوم، المشهور في الآفاق ببحر العلوم، آية الله العظمى السيد المهدي الطباطبائي (ره)، مصرحاً بكفره وبغضه وعداوته، فلعنة الله على المادح والممدوح فيها، وسلام الله على المطعون عليه. وهي قصيدة تناهز ثلاثمائة بيت، أولها:
ألا عـــد عـن ذكـرى بثينـة أو جمل فما ذكرها عنـدي يـمر ولا يحلـي(18)
ولا أطربتنـي البيض غير صحائــف محــبـرة بالفضل مـا برحت شغلـي
إلى قوله:
وقــــل لـــلذي خاض الضلالة والعمـى ومن خبط العشواء في ظلمة الجـــــهل
ومـن بــــاع بالأثــــمان جوهرة الهـدى كما باع بالخسران جـــــوهـرة الـعقـل
هجوت أناساً فـي الــــكتاب مــــديحهـم وفي العقل بان الفضل منهم وفي النقل
ولفقـت زوراً كادت السبع تـــــــنطـوي لـه والجبال الـــشم تهوي إلـى السفل(19)
علــــوا حسباً عن أن يصابـوا بوصمـة فــــيـدفع عـــــــن أحسابهم أنا ومثلـي
إلى قوله:
عــــــــلـي أبـــونـا كــــان كالطهـر جدنـا لـــــه مـــــا لـــه إلا النــبـوة مـن فضـل
وذو الفضل محسود لذي الجهل والعمى لـــــذا حـــــسد الهادي النبـي أبو جهـل
إلى قوله:
لئـــــن كـــــــانت الــــشـورى أبتـه وقبلـها سقيفــــتـهم أصـــــل المفـــاسـد والخـــتـل
فــــقــد كــــان أهـــــل الــــرحلتيـن وندوة أبو قبــــلها مـــــن جهلهم ســيد الــــرسـل
وحـــــاربـه أهـــــــل الــــكتـاب لبــــغيهــم وكانوا بـه يستــــفتحون لــــدى الـــــوهـل
وقــــــد كــــــذب الــــرسل الكرام وقوتلـوا فما ضرهم خــــذلان قـــــوم ذي جـــــهـل
ولــــــو كـــــانت الشـورى لقـوم ذي فضل لما عدلـــــوا بالأمـر يــــوماً إلــــــى الرذل
أبـــــوا حيــــــدراً إذ لــــــم يكونـوا كمثلـه وما الــــناس إلا مـــائلـــــــون إلـــى المثـل
أبـــــــوه ويـــــأبـى اللــــه إلا الـــذي أتـوا وهل بعـد حكم اللـه لذي عــــــدل إلى قوله
وزوجــــــــه المخــــــتار بضــــعتــه ومــا لها غيـــره فــــي الناس مـــــــن كفة عـدل
وإن إلــــــــه العـــرش رب العـــلـى قضـى بذا وتولـى الأمــــر والعقد مـــــــن قـــبلـي
وكــــــم خـــــاطب قــــد رد فيها ولم يجـب وكـم طــــالب صـــهراً ومـــــا كـان بالأهـل
ولــــــولا علــــي مـــــــا استجيبت لخـاطب ولا كانــــت الــــزهـراء تـــــزف إلـى بعـل
فـــــأعظـم بـــــزوجيـن الإلـــــه ارتضاهمـا جليلين جــــلاً عـــــن شبـــــيه وعـن مثـل
لـــــذلـك مــــــا هــــــم الـــوصـي بخطبــة حيـــــاة البــــتـول الطاهر فــــــاقـدة المثـل
بـــــذا أخــــبـر المــــختـار والصـدق قولـه أبو حســـــن ذاك المــصــــــدق فـي النقـل
فــــــأضحـى بـــــريئـاً والــــرسـول مبـرئـاً قـد أبــــطـلا دعــــــواكمــــــا الرثة الحبـل
بــــــذلك فــــــاعلـم جهـــــل قــوم تحدثـوا بخـــــطبـة بـــــنـت الــلعيــــــن أبـي جهـل
نـــــعـم رغـــــبت مــــخزوم فيـه وحـاولت بذلك فــــضلاً لـــو أجيــــــــبت إلـى الفضل
فـــــلما أبــــى الصــهر الوصـي و لـم يجب رمتـه بمــــا رامــت ومــــــالـت إلـى العذل
وســـــاعدهـا الــــرجسـان فـــيــه و حاولا إثارة بغضـاء مـــــن الحــــــــقد فـي الأهل
وقـــــد جــــــاء تــــحريـم النـــكـاح لحيـدر علـى فــــاطم فــــيمـا الــــرواة لـــه تملـي
فـــــإن كـــــان حقـاً فـــــالوصـي أحـق من تجنـب محظـوراً مــــــن القــــــول والفعل
وكيــــــف يـــــظن الــسـوء بالطهـر حيـدر و رب الـــعلى فـي ذكـــــــــره فضله يعلـي
وكـــــيـف يـــــحوم الــــوهـم حـول مطهـر من الرجس في فصل من القـــــول لا هزل
فـــــمـا كـــــانت الــزهـراء ليسخطهـا الذي بــــه اللـه راض حـــــاكم فــيــــــه بالعـدل
ومـــــا ســـاء خـــير الناس غــير شرارهم كعجل بنـي تيـــــم وصــــاحبـه الــــــــرذل
ومــــا ضر شـــأن المـــرتضـى ظلمـهم لـه و لا فلتــــة مـنهم وشورى ذوي خــــــذل
ولا ضـــــره جهل ابـــــن قيس وقــد هوى ودلاه ابـن العاص فـي المدحــــض الــــزل
وقـــد بان عجز الأشعري (وعزه) وضعفه ومـا كــــان بـــالمرضـي والحـــكم الـــعـدل
نهاهـــــم عـــــن التــحكيم والحكم بالـهوى فلم ينــــتهوا حتـــــى رأوا آيــــة الـــجهـل
أيـعزل منصــوب الإلــــــه بـــــعزلـــــــهـم إذاً فلــــهـم عـــــزل النــبيـــــــين والرسـل
ومــــا شــــان شــأن المجتبـى سبـط أحـمد مصالحة البــــاغي الغــوي عــــــلـى ذخـل
فـــقـد صــــــالح المـختار مـن صـالح ابنـه وصد عـن البــــيت الحـــرام إلـــــــى الحـل
وقـــــد قــــال فــــي السـبطيـن قولاً جهلتم معــــانيه لــــكن قـد وعاه ذوو الــفضـــــل
إمــــــامـان إن قـــــامـا وإن قـــــــعـدا فمـا يـضرهما خــــــذلان مـــــن هـــــم بالخـذل
لئــــــن كـــــنتـم أنـــــكرتم حســـن ما أتـى بـه الحســـــــن الأخــــلاق و الخيم والعقل
لفــــــي مـــــثـلهـا ذم الـــــذميــم محـــمـداً علـى صــــلحـــــه كــــفار مــكة مـــن قبل
ولـــــولاهـم مــــــا كـــــان شـورى ونعثـل ولا جمــــل والقــــــاســــطون ذوو الدخـل
ولا كـــــان مخـــــضـوبـاً عـــــلـي بضربـة لأشقـى الأنــــــام الـــكافـر الــــفاجر الوغل
ولا سيـــــئـت الـــــزهـراء و لا ابـتـز حقها ولا دفنـت ســـــراً ولا يــــقتـــــــل الطــفل
ولا جـــــنـح الســـــبـط الـــزكـي ابـن أحمد لسلم ابــــن حـرب حرب كل أخـــــي فضل
ولا كــــــان بــــالطــف الحـــــسيــن مجدلاً ولا رأسـه للشــــام يـــهـدى إلـى الــــــنذل
زعـــــمتـم بـــــنـي العـــبـاس عقـدة أمرها ومـا صلحوا للعـــــقـد يـــومــــاً ولا الــحل
وجــــــدهم قــــــد كــــــان أفـــضـل منهـم ومـا أدخـــــل الـشورى ولا عــــد لــلفضل
لــــقـد ظـــــلمـوا العــــبـاس إن كان أهلهـا وإن لـم يكـــــن أهلاً فـــما الـــولد بـــالأهل
فـــــمـا بـــــالكـم صـــــيـرتمـوهـا لـــولـده وأثــبتمـوا للــــفـرع مـا ليــــــس للأصـل(20)
تعليق