التوسل بأولياء الله
يُعتبر التوسّل بأولياء اللّه و أحبّائه من المسائل المعروفة بين المسلمين في كافة أنحاء العالم، و قد وَرَدَت أحاديث كثيرة في جوازه و استحبابه، فهو ليس ظاهرة غريبة، بل هو أمرٌ ديني تَعارَفَ عليه المسلمون منذ فجر الإسلام حتّى هذا اليوم، و لا تجد مسلماً ينكره.</FONT>
ولم ينكره أحد طوال أربعة عشر قرناً سوى ابن تيميّة و تلميذه ـ ابن القيم ـ في القرن الثامن الهجري، وجاء بعده محمّد بن عبدالوهّاب فاعتبر التوسل بأولياء اللّه بدعة ـ تارةً ـ و عبادة للأولياء ـ تارةً أُخرى ـ.</FONT>
لا شكّ أنّ عبادة غير اللّه شركٌ و حرام، و ليس البحث الآن عن العبادة و معناها و حقيقتها، لأنّه بحثٌ هامّ و حسّاس، و سوف نتحدّث عنه بالتفصيل في فصل خاصّ، إنّما البحث في التوسّل بأولياء الله فنقول:</FONT>
إعلم أنّ التوسّل بأولياء اللّه تعالى على صورتين:</FONT>
1ـ التوسّل بالأولياء أنفسِهم، كأن نقول:</FONT> ( 136 )
«اللّهُمَّ إنّي أتَوَسَّلُ إلَيْكَ بنبيّك مُحَمّد </FONT>ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنْ تَقْضِىَ حاجَتي».
2ـ التوسّل بمنزلة الأولياء و جاهِهم عند اللّه تعالى، كأن نقول:</FONT>
«الّلهُمَّ إنّي أتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِجاهِ مُحَمّد وَ حُرْمَتِهِ وَ حَقِّهِ أنْ تَقْضِىَ حاجَتي».</FONT>
أمّا الوهّابيّون فإنهم يُحرّمون الصورتين معاً، في حين أنّ الأحاديث الشريفة و سيرة المسلمين تشهدان بخلاف ما يدّعيه الوهّابيّون، و تؤكّدان جواز الصورتين معاً.</FONT>
و الآن... نذكر بعض تلك الروايات، واحدة تلو الأُخرى ثم نتناول الحديث عن سيرة المسلمين، و عند ذلك تتضح قيمة قول القائل بحرمة التوسّل و أنّه بدعة .</FONT>
إنّ الأحاديث الّتي تدلّ على جواز التوسّل بأولياء اللّه كثيرة جداً، و هي متواجدة في كتب التاريخ و الحديث، و فيما يلي نذكر نموذجاً منها:</FONT>
عن عثمان بن حنيف أنّه قال:</FONT>
«إنَّ رَجُلا ضَريراً أَتى إلى النبىّ</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فَقالَ: ادْعُ اللّه أنْ يُعافيَني.
فَقالَ</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إنْ شِئْتَ دَعوتُ، وَ إنْ شِئْتَ صَبَرتَ وَ هُوَ خَيْرٌ؟
قالَ: فَادْعُهُ، فَأمَرهُ</FONT> ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنْ يَتَوضَّأ فَيُحْسِنَ وُضُوءهُ وَ يُصَلّيَ ركْعَتيْنِ وَ يَدْعُو بِهذا الدُعاء: «الّلهُمَّ إنّي أسْألُكَ وَ أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ نَبِىِّ الرَّحْمَة، يا مُحَمّد إنّي أتَوجَّهُ ( 137 )
بِكَ إلى رَبّي في حاجَتي لِتُقْضى. الّلهُمَّ شَفِّعْهُ فِىَّ».</FONT>
قال ابن حنيف:</FONT>
«فَوَ اللّه ما تَفَرَّقْنا وَ طالَ بِنَا الحديث حَتّى دَخَلَ عَلَيْنا كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُر».</FONT>
لا كلام في صحة سَنَد هذا الحديث، حتّى أنّ إمام الوهّابيّين ـ ابن تيميّة ـ اعتبر هذا الحديث صحيحاً و قال بأنّ المقصود من ـ «أبي جعفر» الموجود في سَند الحديث هو أبو جعفر الخطمي و هو ثقة.(1)
يقول الرفاعي ـ الكاتب الوهّابىّ المعاصر الّذي يسعى دوماً إلى تضعيف الأحاديث الخاصّة بالتوسّل ـ حول هذا الحديث:</FONT>
«لا شكّ أنّ هذا الحديث صحيح و مشهور، و قد ثبت فيه ـ بلا شكّ و لا ريب ـ ارتداد بَصر الأعمى بدعاء رسول اللّه»(2) .</FONT>
و يقول:</FONT>
«لقد أورد هذا الحديث النسائي و البيهقي و الطبراني و الترمذي و الحاكم في مستدركه، ولكن الترمذي و الحاكم ذكرا جملة «اللّهمّ شفّعه فيه» بَدل جملة « شفّعه فىَّ».(3)
يقول زيني دحلان ـ مفتي مكّة ـ :</FONT> ــــــــــــــــــــــ
1. جاء في مسند أحمد: «أبو جعفر الخطمي» أمّا في سنن ابن ماجة ففيه «أبو جعفر» فقط.2. التوصّل إلى حقيقة التوسّل: 158.
3. المصدر السابق.
( 138 )
«ذكر هذا الحديث ـ مع أسانيد صحيحة ـ البخاري و ابن ماجة و الحاكم في مستدركه، و جلال الدين السيوطي في جامعه».</FONT>
و نحن نذكر هذا الحديث من المصادر التالية:</FONT>
1ـ سنن ابن ماجة، المجلّد الأوّل ص 441 رقم الحديث 1385، تحقيق محمّد فؤاد عبدالباقي، نشر دار إحياء الكتب العربية.</FONT>
و قد ذكر ابن ماجة عن أبي إسحاق أنّه قال:</FONT>
«هذا حديثٌ صحيح».</FONT>
ثم قال: «و قد رواه الترمذي في كتاب أبواب الأدعية و قال: هذا حديثٌ حقٌّ صحيحٌ غريب».</FONT>
2ـ مسند أحمد بن حنبل، المجلّد الرابع ص 138، عن مسند عثمان بن حنيف، طبْع المكتب الإسلامي، مؤسّسة دار صادر / بيروت. و قد روى هذا الحديث عن ثلاثة طُرق.</FONT>
3ـ مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري، المجلّد الأول ص 313 طبعة حيدر آباد / الهند. قال بعد ذكر الحديث:</FONT>
«هذا حديثٌ صحيح على شرط الشيخين، و لم يخرجاه».</FONT>
4 ـ الجامع الصغير للسيوطي، ص 59، عن الترمذي و الحاكم.</FONT>
5 ـ تلخيص المستدرك للذهبي (المتوفّى 748 هـ )، المطبوع بهامش المستدرك.</FONT>
6ـ التاج الجامع، المجلّد الأوّل ص 286، و هو كتاب جمع أحاديث الصحاح الخمسة باستثناء صحيح ابن ماجة.</FONT> ( 139 )
بعد هذا كلّه... لا مجال للمناقشة في سَند الحديث أو الطعن فيه.</FONT>
و أمّا دلالته، فلو قدَّمتَ هذا الحديث إلى من يُحسن اللُّغة العربية جيّداً و يتمتّع بصفاء فكر، بعيد عن مجادلات الوهّابيّين و شُبهاتهم حول مسألة التوسّل، ثم سألته: بماذا أمر النبىّ </FONT>ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ ذلك الأعمى عند ما علّمه ذلك الدعاء؟
فسيكون جوابه ـ فوراً ـ : لقد علَّمه النبي أن يتوسَّل إلى اللّه بنبيّه نبيِّ الرحمة، و يُشفِّعه فيه.</FONT>
و هذا المعنى هو بالضبط ما يُفهم من كلمات الحديث المذكور، و فيما يلي نُقسِّم الحديث إلى جُمل لمزيد التوضيح:</FONT>
أ: «اللّهُمَّ إنّي أسْألُكَ وَ أتَوَجَّهُ إلَيْكَ بِنَبِيِّكَ».</FONT>
إنّ كلمة «نبيِّك» تتعلَّق بما قبلها، أي «أسألُك» و «أتوجَّه إليك»، و بعبارة أوضح: إنّه يسأل اللّه تعالى بواسطة النبىّ </FONT>ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ كما أنه يتوجَّه إلى اللّه بجاه النبي و وسيلته أيضاً، و المقصود من «النبي» نفسه المقدّسة لا دعاؤه.
أمّا من يقدِّر كلمة «دعاء» ، في قوله: «أسألك بنبيِّك» اي بدعاء نبيّك .فهو يتحكّم بلا دليل و يدَّعي خلاف الظاهر، و السبب في هذا الادّعاء هو أنّه لا يعتقد بالتوسّل بنفس النبي، فيلجأ إلى تقدير «دعاء» ليقول: إنّ التوسّل بدعاء النبي لا إشكال فيه، و بهذا يُبرِّر باطلَه.</FONT>
ب: «مُحَمّد نبىّ الرحمة».</FONT> ( 140 )
لكي يتّضح أنّ المقصود هو سؤال اللّه بواسطة النبي و شخصيّته و حرمته فقد جاءت بعد كلمة «نبيّك» جملة «محمّد نبي الرحمة» لكي يتّضح الهدف أكثر.</FONT>
ج: إنّ جملة: «يا محمّد إنّى أتوجَّه بك إلى ربي» تدلّ على أنّ الرجل اتّخذ النبيَّ نفسَه وسيلة لدعائه، لا دعاءه </FONT>ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أي: أنّه توسّل بذات النبي لا بدعائه.
د: إنّ قوله: «و شفِّعه فىَّ» معناه: يا ربّ اجعل النبىّ</FONT> ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ شفيعي وتقبَّل شفاعته في حقّي.
أيّها القارىء الكريم: لقد اتّضح لك أنّ النقطة المركزيَّة في الدعاء كلّه هو شخص رسول اللّه </FONT>ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ و شخصيّته الكريمة، و لا ذِكر لدعائه أصلا.
و كلّ من يزعم أنّ ذلك الرجل الضرير قد توسّل بدعاء النبيّ لا بشخصه و شخصيّته، فإنّما تغافل عن نصوص الرواية و تجاهَلها.</FONT>
و أنت لو تأمَّلتَ قوله: «اللَّهُمَّ إنِّى أسألك و أتوجَّه إليك بنبيّك نبىّ الرحمة» و قوله «يا محمّد إنّى أتوجّه بك إلى ربي» لظَهر لك ـ بكلّ وضوح ـ أنّ التركيز إنّما هو على شخص رسول اللّه </FONT>ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ و لو كان الهدف هو دعاء النبي لكان الصحيح أن يقول: أسألك بدعاء النبي.
وعلى ما ذكرنا لا يبقى أىّ مجال للإشكالات الخمسة الّتي أوردها الكاتب الوهّابي في كتاب «التوصّل إلى حقيقة التوسّل»، و قد ذكرنا ـ بالتفصيل ـ تلك الإشكالات مع أجوبتها وردودها في كتابنا «التوسّل» من صحفة 147 إلى 153 فراجع.</FONT>





تعليق