النبي لابد له من وصي
و الأنبياء و الرسل و أولو الشرائع نصبوا لهم أوصياء حين وفاتهم و انتقالهم من الدنيا ، فيجب أن يكون محمد صلى الله عليه و آله وسلم له وصي ينصبه بنص منه الذي هو نص من الله سبحانه لأن الله قال في حقه ( و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى ) .
فعلمنا أنه إذا نص على أحد بالوصية لا يكون ذلك إلا بنص من الله سبحانه و إلا قد نطق عن الهوى أحياناً و لم يكن كل كلامه وحياً يوحى ، و لقد نفاه الله سبحانه و حصر كلامه بالوحي . ثم كيف يمكن أن يدع رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم أمته مهملين بلا وصي مع ما وصفه الله سبحانه بقوله تعالى ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) .
و هل يكون من الرأفة و الرحمة أن يدع الخلق في حيرة شديدة يكلهم إلى اختيارهم حتى يختاروا الرئيس على أنفسهم غير نص من الله ولا تعيين من رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم والله سبحانه يقول ( وربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة ) حتى يعملوا بآرائهم و يتبعوا أهوائهم ليختلفوا في الدين و ليذهبوا إلى الشك و الظن و التخمين مع تمكنه من هدايتهم و جمعهم على الحق و الهدى و نصب دليل واضح و علم لائح .
ولا ريب أن هذا ليس شأن الرؤوف العطوف بالمؤمنين ولا شأن من هو على خلق عظيم ، بل ولا شأن من هو منسوب إلى الله رب العالمين ، لأن الله سبحانه يقول ( و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا ) .
فبين أن ما عند الله ليس فيه اختلاف ، فالذي جعل في الخلق اختلافاً حيث وكلهم إلى آرائهم و ميولات أنفسهم ليس من الله سبحانه . فحاشا رسول الله عن ذلك ، لأن الله سبحانه قرنه بنفسه و جعل طاعته طاعته و معصيته معصيته ثم وصفه بما لم يصف به أحد من الفضيلة و قال ( و إنك لعلى خلق عظيم ) . و صاحب الخلق العظيم لا يكل الخلق في الدين على شهوة أنفسهم و ميل إرادتهم لأن اتفاق الكل على شيء واحد لو لم يكن راجعاً إلى قاهر واحد يقهرهم على شيء واحد محال ، و هل رأيت في كل الدهر اتفاق الجميع على واحد ؟ و أما ضروريات الدين فذلك ما قهرهم عليه الرسول الأمين .
و أما ما ينسبون إلى رسول الله صلى الله عليه و آله من قوله ( لا تجتمع أمتي على ضلال ) ، فإن كان المراد منها جميع الأمة بحيث لا يشذ منهم أحد بحال من الأحوال فذلك ما يتفق فيما نحن فيه ، و إن كان ما يصدق عليه الأمة و لو بعض منهم كيف يجتمع هذا القول منه صلى الله عليه و آله و سلم مع قوله المتفق على صدوره منه و هو قوله صلى الله عليه و آله و سلم ( ستفترق أمتي على ثلاث و سبعين فرقة فرقة ناجية و الباقون في النار ) .
و بالجملة : فإهمال النبي رعاياه و عدم نصب وصي و ولي يقوم مقامه و يظهر شريعته و أحكامه ليس فعل من هو منسوب إلى الله الحكيم ، و يجل عن ذلك نبينا صلى الله عليه و آله و سلم الذي هو على خلق عظيم .
فوجب أن ينصب وصياً يقوم مقامه و يظهر أحكامه و ينشر أعلامه و يأخذ عنه جميع الشرائع و الأحكام و يتربى لديه في جميع الليالي و الأيام و الشهور و الأعوام .
من هو الوصي
فإذا ثبت أنه يجب على النبي نصب الوصي فيجب أن ننظر في أنه من هو و من يكون له قابلية لهذا الأمر العظيم و الخطب الجسيم ؟
فنقول : إنه ما ادعي لأحد من الأمة أن يكون منصوصاً بالوصية غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، و أما القائلون بأنه الخليفة الرابع ما ادعوا في سائر الخلفاء أنهم منصوصون بالخصوص عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم بل يثبتون خلافة الأول بالإجماع و خلافة الثاني بنص الأول عليه عند موته ، و خلافة الثالث بالشورى التي أسسها الثاني . و ما أدري الإجماع الذي مستندهم في خلافة الأول ما مستنده و ما دليله ؟
فإن كان زعمهم أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال ( لا تجتمع أمتي على خطأ ) فعلى فرض صحة هذا القول يجب أن يكون إجماع جميع الأمة بحيث لا يشذ منهم شاذ ولا نادر و متى وقع هذا الإجماع للأول ؟ لأن عند موت النبي ما حضرت السقيفة إلا أناس معدودون ، و لو فرضنا اتفاق جميع أهل المدينة فأين أهل مكة و المسلمون الذين بين الحرمين و أهل الطائف و أهل اليمن و سائر المسلمين المنتشرين في الأقطار ؟؟ و متى تحقق هذا الإجماع من جميع الأمة ؟ و هذا لا شك فيه و لا ريب يعتريه .
و أما اتفاقهم فيما بعد ذلك فممنوع و على مدعيه البيان ، و كذلك اتفاق ما عدا الحاضرين في السقيفة ، بل اتفاق كل من السقيفة ، فإن إنكار سعد بن عبادة معروف لا ينكر معلوم لا يستر .
و أما اتفاق بعض الأمة فيناقضه قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم ( ستفترق أمتي ...إلى قوله : فرقة ناجية و الباقون في النار ) . وذلك معلوم كالشمس في رابعة النهار .
و إن زعموا أن أكثر الأمة أجمعوا على الأول فإن الله تعالى ذم الكثرة و مدح القلة و قال تعالى ( بل أكثرهم لا يعقلون ) ، ( و لكن أكثرهم لا يعلمون ) ، ( و لقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن و الإنس ) ، ( و لكن أكثر الناس لا يشكرون ) ... و أمثالها من الآيات التي فيها ذم الكثرة .
فعلى هذا فأي اعتبار في كثرة المبايعين للأول بلا دليل ولا برهان ولا حجة ولا بيان؟ و الكثرة مذمومة بنص القرآن . و إن زعموا أن خلافة الأول استنبطوها من أمر النبي صلى الله عليه و آله سلم بالصلاة خلفه نقول لو صحت هذه الرواية و سلمتها الأمة لا يدل على خلافته لما عندهم من جواز الصلاة خلف كل بر و فاجر . فلو أن النبي صلى الله عليه و آله وسلم أمر بالصلاة خلف أبي بكر على ما يزعمون فقد صلى بزعمهم خلف عبدالرحمن بن عوف فهلا اتخذوه خليفة دون الأول و قلدوه أمر الأمة .
و بالجملة : فلا حجة لهم في إثبات خلافته ولا برهان فخلافته إنما كانت بلا هدى ولا علم ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل الناس بغير علم ، فإذا بطل أساس الأول فأي أثر يترتب على نصه على الثاني إذ لم يثبت أمره من الله ولا من رسوله حتى ينص فيه على غيره ( بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها آخر بعد مماته ) فكانت خلافة الثاني بناء على غير أساس محكم و هو منهدم البنيان مضمحل الأركان .
فإذا لم تثبت خلافته بعدم إثبات خلافة الناس عليه فالشورى التي أسسها فجعلها في ستة أي اعتبار لها و أي اعتماد عليها فإنها بناء على بناء على غير أساس و إنما دعاهم إلى ذلك الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس .
و أما مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فقد ذكرنا أنه ما ادعي في حق أحد النص الخاص من الرسول صلى الله عليه و آله وسلم سواه لأنا قد بينا سابقاً أنه تجب الوصية على النبي و يجب أن يوصي إلى شخص خاص و لم يدعى إلا في حق هذا الشخص الرباني و النور الشعشعاني و البشر الثاني . بل نقول : الوصية متعينة إليه ولا يجوز النص على غيره مع وجوده لأن الله سبحانه و تعالى نفس النبي صلى الله عليه و آله وسلم ولا يعقل شيء أقرب إلى شيء من نفسه ، و حيث أن الاتحاد في غير الاثنينية من جميع الكمالات و جميع الأحوال و الأفعال و الإضافات و معالي الدرجات إلا ما استثني من خصائصه صلى الله عليه و آله وسلم .
فإذا كان علي أمير المؤمنين عليه السلام نفس النبي و أقرب الخلق إليه في جميع الكمالات و الصفات الحسنة فأنى يعدل به عن نفسه و عن أقرب الخلق إليه و أشبههم به و أولاهم عليه و أطوعهم إلى الإنقياد إليه و أعلمهم بالأحكام و أقضاهم في الحلال و الحرام كل ذلك باتفاق من الفريقين . فلو عدل عنه إلى غيره و أوصى إلى غيره كان مخالفاً للحكمة و مرجحاً للمرجوح و مقدماً للمفضول و ذلك محال على الحكيم الذي هو على خلق عظيم .
و أيضاً نقول : أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم آخاه و الأخوة تنبئ عن المساواة كما هو صريح آية ( أنفسنا ) فالعدول عن المساوي إلى غيره مما هو دون رتبته في مقام النيابة و الوصاية مخالفة للحكمة و هو محال على الحكيم الذي هو على خلق عظيم .
و أيضاً قد نص الله سبحانه على طهارته عن الذنوب و عصمته من سائر العيوب بل طهره عن كل رجس و دنس و خبث في ظاهره و باطنه و سره و علانيته بقوله تعالى ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا ) ولا شك أن أمير المؤمنين عليه السلام داخل في هذه الآية بالإجماع و سوق الآية لأن قبلها كان الخطاب لنساء النبي و كان الخطاب بالضمير المؤنث ثن عدل عنهن و قال ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا ) و المخاطب فيه الذكور و هم أمير المؤمنين و الحسن والحسين عليهم السلام و فاطمة عليها السلام دخلت فيهم تغليباً إجماعاً .
و بالجملة : قد اتفق المسلمون على أن هؤلاء الأربعة هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و الطهارة عامة غير مختصة فتشمل ظاهرهم و باطنهم فهم المطهرون من درن الذنوب مطلقاً صغيرها و كبيرها و من النجاسات الظاهرة في أجسامهم و أجسادهم .
فالعدول عن هذا الطيب الطاهر إلى غيره مخالفة للحكمة و هي محال على رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم المبعوث بالرحمة والرأفة .
و أيضاً فإن أمير المؤمنين عليه السلام قد جمع من محامد الصفات و خوارق العادات و التصرف في الكائنات و التدبير في الموجودات و استسلام الأشياء له من الذوات و الصفات ما اشتبهت فيه الأوهام و توهمت الأحلام و ادعوا في حقه الألوهية و غلوا و قالوا هو الله .
و منهم من قال أن الله فوض إليه الأمور و التدابير .
و منهم من قال أنه – سبحانه و تعالى – جعله واسطة للفيوضات كلها و أنه باب الله إلى الخلق في جميع الإفاضات في التكوينات و التشريعات و باب الخلق إلى الله في الطلبات و المسألات و هو الواقف على التطنجين و السر في العالمين و النور الزاهر في المغربين و المشرقين و لم تحصل هذه العقائد فيه إلا لما ظهر منه عليه السلام من الكرامات و خوارق العادات و انفعال الأشياء له ما لم يحصل لغيره ، و قد قال ابن أبي الحديد في حقه عليه السلام :
تقيلت أفعال الربوبية التي
عذرت بها من شك أنك مربوب
فالعدول عنه مع هذه الكمالات و عجائب الأمور و الحالات مخالفة للحكمة و هي محال على الحكيم الذي هو على خلق عظيم .
و هل يساوى أو يرجح من يشك في إيمانه و كفره و عدالته و فسقه على من يشك في ربوبيته و عبوديته ؟
لا والله لا يخفى ذلك على من له أدنى روية و معرفة فكيف بمن عنده علم غيوب الأشياء و حقائقها ( و من عنده علم الكتاب ) و فصل الخطاب لا يكون ذلك أبداً .
ولا يفعله رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أما سمعت الله تعالى بعد أن نص على أن أمير المؤمنين عليه السلام نفس الرسول في الآية ( أنفسنا ) قال سبحانه ( ما كان لأهل المدينة و من حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله و لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) و لم يقل : ( عنه ) مع أنه أخصر . و إنما المراد نفسه التي هو أمير المؤمنين عليه السلام .
فالإعراض عن أمير المؤمنين عليه السلام هو التخلف عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و التخلف عن رسول الله هو المشاقة معه و هو قوله تعالى ( و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى و نصله جهنم و ساءت مصيرا ) .
و المؤمنون هم القليلون الذين أشار إليهم بقوله ( و ما آمن معهم إلا قليل ) ، ( و قليل من عبادي الشكور ) ، ( و قليل ما هم ) ، ( فشربوا منه إلا قليلاً منهم ) .
و الأكثرون هم الكافرون فإن الله تعالى يقول ( و أكثرهم الكافرون ) ، ( و لكن أكثرهم لا يشكرون ) ، ( بل أكثرهم لا يعلمون ) ، ( و أكثرهم لا يعقلون ) .
فثبت بالبرهان الواضح أنه يجب على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أن لا يدع الخلق مهملين بل ينصب لهم وصياً حقيقاً بالرئاسة عالماً بالسياسة جامعاً لجوامع الكمالات آتياً بخوارق العادات و الآيات و يجري فيهم جريان نفسه في جميع البريات ولا يجعلهم مهملي الناصية ليميلوا إلى ما عندهم من الشهوات و يوقعوا الإختلافات و يستحقوا غضب بارئ السماوات .
و إنه يجب عليه صلى الله عليه و آله و سلم أن لا ينصب وصياً إلا أمير المؤمنين عليه السلام لأنه نفسه فلا يكون شيء أقرب إلى شيء من نفسه . و أنه مطهر من الذنوب معصوم من العيوب محفوظ بعناية علام الغيوب قد تولى الله عصمته و طهارته و أذهب عنه الرجس و طهره تطهيرا فلا يجوز أن يوصل إليه غيره إذ لا يصل أحد إليه في كمال من الكمالات ولا في شيء من محاسن الصفات و معالي الدرجات . فلو اختار عليه غيره لم يكن بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً و قد وصفه الله كذلك و حاشا أن يخلف وصف الله و يخلف وعد الله .
فثبت أن أمير المؤمنين عليه السلام هو الوصي و الخليفة و المنصوص عليه من الله بالخصوص . و حديث ( غدير خم ) يدل على ذلك أكبر دلالة و يشهد أعظم شهادة و ذلك معلوم لمن راعى الإنصاف و جانب الإعتساف ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) .
فيما ذكرنا ثبتت خلافة أمير المؤمنين عليه السلام و وصايته بلا فصل و بطل خلافة من تقدمه إذ لم يقم عليها برهان ولا دليل بل البرهان على خلافه واضح السبيل .
و الأنبياء و الرسل و أولو الشرائع نصبوا لهم أوصياء حين وفاتهم و انتقالهم من الدنيا ، فيجب أن يكون محمد صلى الله عليه و آله وسلم له وصي ينصبه بنص منه الذي هو نص من الله سبحانه لأن الله قال في حقه ( و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى ) .
فعلمنا أنه إذا نص على أحد بالوصية لا يكون ذلك إلا بنص من الله سبحانه و إلا قد نطق عن الهوى أحياناً و لم يكن كل كلامه وحياً يوحى ، و لقد نفاه الله سبحانه و حصر كلامه بالوحي . ثم كيف يمكن أن يدع رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم أمته مهملين بلا وصي مع ما وصفه الله سبحانه بقوله تعالى ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) .
و هل يكون من الرأفة و الرحمة أن يدع الخلق في حيرة شديدة يكلهم إلى اختيارهم حتى يختاروا الرئيس على أنفسهم غير نص من الله ولا تعيين من رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم والله سبحانه يقول ( وربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة ) حتى يعملوا بآرائهم و يتبعوا أهوائهم ليختلفوا في الدين و ليذهبوا إلى الشك و الظن و التخمين مع تمكنه من هدايتهم و جمعهم على الحق و الهدى و نصب دليل واضح و علم لائح .
ولا ريب أن هذا ليس شأن الرؤوف العطوف بالمؤمنين ولا شأن من هو على خلق عظيم ، بل ولا شأن من هو منسوب إلى الله رب العالمين ، لأن الله سبحانه يقول ( و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا ) .
فبين أن ما عند الله ليس فيه اختلاف ، فالذي جعل في الخلق اختلافاً حيث وكلهم إلى آرائهم و ميولات أنفسهم ليس من الله سبحانه . فحاشا رسول الله عن ذلك ، لأن الله سبحانه قرنه بنفسه و جعل طاعته طاعته و معصيته معصيته ثم وصفه بما لم يصف به أحد من الفضيلة و قال ( و إنك لعلى خلق عظيم ) . و صاحب الخلق العظيم لا يكل الخلق في الدين على شهوة أنفسهم و ميل إرادتهم لأن اتفاق الكل على شيء واحد لو لم يكن راجعاً إلى قاهر واحد يقهرهم على شيء واحد محال ، و هل رأيت في كل الدهر اتفاق الجميع على واحد ؟ و أما ضروريات الدين فذلك ما قهرهم عليه الرسول الأمين .
و أما ما ينسبون إلى رسول الله صلى الله عليه و آله من قوله ( لا تجتمع أمتي على ضلال ) ، فإن كان المراد منها جميع الأمة بحيث لا يشذ منهم أحد بحال من الأحوال فذلك ما يتفق فيما نحن فيه ، و إن كان ما يصدق عليه الأمة و لو بعض منهم كيف يجتمع هذا القول منه صلى الله عليه و آله و سلم مع قوله المتفق على صدوره منه و هو قوله صلى الله عليه و آله و سلم ( ستفترق أمتي على ثلاث و سبعين فرقة فرقة ناجية و الباقون في النار ) .
و بالجملة : فإهمال النبي رعاياه و عدم نصب وصي و ولي يقوم مقامه و يظهر شريعته و أحكامه ليس فعل من هو منسوب إلى الله الحكيم ، و يجل عن ذلك نبينا صلى الله عليه و آله و سلم الذي هو على خلق عظيم .
فوجب أن ينصب وصياً يقوم مقامه و يظهر أحكامه و ينشر أعلامه و يأخذ عنه جميع الشرائع و الأحكام و يتربى لديه في جميع الليالي و الأيام و الشهور و الأعوام .
من هو الوصي
فإذا ثبت أنه يجب على النبي نصب الوصي فيجب أن ننظر في أنه من هو و من يكون له قابلية لهذا الأمر العظيم و الخطب الجسيم ؟
فنقول : إنه ما ادعي لأحد من الأمة أن يكون منصوصاً بالوصية غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، و أما القائلون بأنه الخليفة الرابع ما ادعوا في سائر الخلفاء أنهم منصوصون بالخصوص عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم بل يثبتون خلافة الأول بالإجماع و خلافة الثاني بنص الأول عليه عند موته ، و خلافة الثالث بالشورى التي أسسها الثاني . و ما أدري الإجماع الذي مستندهم في خلافة الأول ما مستنده و ما دليله ؟
فإن كان زعمهم أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال ( لا تجتمع أمتي على خطأ ) فعلى فرض صحة هذا القول يجب أن يكون إجماع جميع الأمة بحيث لا يشذ منهم شاذ ولا نادر و متى وقع هذا الإجماع للأول ؟ لأن عند موت النبي ما حضرت السقيفة إلا أناس معدودون ، و لو فرضنا اتفاق جميع أهل المدينة فأين أهل مكة و المسلمون الذين بين الحرمين و أهل الطائف و أهل اليمن و سائر المسلمين المنتشرين في الأقطار ؟؟ و متى تحقق هذا الإجماع من جميع الأمة ؟ و هذا لا شك فيه و لا ريب يعتريه .
و أما اتفاقهم فيما بعد ذلك فممنوع و على مدعيه البيان ، و كذلك اتفاق ما عدا الحاضرين في السقيفة ، بل اتفاق كل من السقيفة ، فإن إنكار سعد بن عبادة معروف لا ينكر معلوم لا يستر .
و أما اتفاق بعض الأمة فيناقضه قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم ( ستفترق أمتي ...إلى قوله : فرقة ناجية و الباقون في النار ) . وذلك معلوم كالشمس في رابعة النهار .
و إن زعموا أن أكثر الأمة أجمعوا على الأول فإن الله تعالى ذم الكثرة و مدح القلة و قال تعالى ( بل أكثرهم لا يعقلون ) ، ( و لكن أكثرهم لا يعلمون ) ، ( و لقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن و الإنس ) ، ( و لكن أكثر الناس لا يشكرون ) ... و أمثالها من الآيات التي فيها ذم الكثرة .
فعلى هذا فأي اعتبار في كثرة المبايعين للأول بلا دليل ولا برهان ولا حجة ولا بيان؟ و الكثرة مذمومة بنص القرآن . و إن زعموا أن خلافة الأول استنبطوها من أمر النبي صلى الله عليه و آله سلم بالصلاة خلفه نقول لو صحت هذه الرواية و سلمتها الأمة لا يدل على خلافته لما عندهم من جواز الصلاة خلف كل بر و فاجر . فلو أن النبي صلى الله عليه و آله وسلم أمر بالصلاة خلف أبي بكر على ما يزعمون فقد صلى بزعمهم خلف عبدالرحمن بن عوف فهلا اتخذوه خليفة دون الأول و قلدوه أمر الأمة .
و بالجملة : فلا حجة لهم في إثبات خلافته ولا برهان فخلافته إنما كانت بلا هدى ولا علم ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل الناس بغير علم ، فإذا بطل أساس الأول فأي أثر يترتب على نصه على الثاني إذ لم يثبت أمره من الله ولا من رسوله حتى ينص فيه على غيره ( بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها آخر بعد مماته ) فكانت خلافة الثاني بناء على غير أساس محكم و هو منهدم البنيان مضمحل الأركان .
فإذا لم تثبت خلافته بعدم إثبات خلافة الناس عليه فالشورى التي أسسها فجعلها في ستة أي اعتبار لها و أي اعتماد عليها فإنها بناء على بناء على غير أساس و إنما دعاهم إلى ذلك الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس .
و أما مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فقد ذكرنا أنه ما ادعي في حق أحد النص الخاص من الرسول صلى الله عليه و آله وسلم سواه لأنا قد بينا سابقاً أنه تجب الوصية على النبي و يجب أن يوصي إلى شخص خاص و لم يدعى إلا في حق هذا الشخص الرباني و النور الشعشعاني و البشر الثاني . بل نقول : الوصية متعينة إليه ولا يجوز النص على غيره مع وجوده لأن الله سبحانه و تعالى نفس النبي صلى الله عليه و آله وسلم ولا يعقل شيء أقرب إلى شيء من نفسه ، و حيث أن الاتحاد في غير الاثنينية من جميع الكمالات و جميع الأحوال و الأفعال و الإضافات و معالي الدرجات إلا ما استثني من خصائصه صلى الله عليه و آله وسلم .
فإذا كان علي أمير المؤمنين عليه السلام نفس النبي و أقرب الخلق إليه في جميع الكمالات و الصفات الحسنة فأنى يعدل به عن نفسه و عن أقرب الخلق إليه و أشبههم به و أولاهم عليه و أطوعهم إلى الإنقياد إليه و أعلمهم بالأحكام و أقضاهم في الحلال و الحرام كل ذلك باتفاق من الفريقين . فلو عدل عنه إلى غيره و أوصى إلى غيره كان مخالفاً للحكمة و مرجحاً للمرجوح و مقدماً للمفضول و ذلك محال على الحكيم الذي هو على خلق عظيم .
و أيضاً نقول : أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم آخاه و الأخوة تنبئ عن المساواة كما هو صريح آية ( أنفسنا ) فالعدول عن المساوي إلى غيره مما هو دون رتبته في مقام النيابة و الوصاية مخالفة للحكمة و هو محال على الحكيم الذي هو على خلق عظيم .
و أيضاً قد نص الله سبحانه على طهارته عن الذنوب و عصمته من سائر العيوب بل طهره عن كل رجس و دنس و خبث في ظاهره و باطنه و سره و علانيته بقوله تعالى ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا ) ولا شك أن أمير المؤمنين عليه السلام داخل في هذه الآية بالإجماع و سوق الآية لأن قبلها كان الخطاب لنساء النبي و كان الخطاب بالضمير المؤنث ثن عدل عنهن و قال ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا ) و المخاطب فيه الذكور و هم أمير المؤمنين و الحسن والحسين عليهم السلام و فاطمة عليها السلام دخلت فيهم تغليباً إجماعاً .
و بالجملة : قد اتفق المسلمون على أن هؤلاء الأربعة هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و الطهارة عامة غير مختصة فتشمل ظاهرهم و باطنهم فهم المطهرون من درن الذنوب مطلقاً صغيرها و كبيرها و من النجاسات الظاهرة في أجسامهم و أجسادهم .
فالعدول عن هذا الطيب الطاهر إلى غيره مخالفة للحكمة و هي محال على رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم المبعوث بالرحمة والرأفة .
و أيضاً فإن أمير المؤمنين عليه السلام قد جمع من محامد الصفات و خوارق العادات و التصرف في الكائنات و التدبير في الموجودات و استسلام الأشياء له من الذوات و الصفات ما اشتبهت فيه الأوهام و توهمت الأحلام و ادعوا في حقه الألوهية و غلوا و قالوا هو الله .
و منهم من قال أن الله فوض إليه الأمور و التدابير .
و منهم من قال أنه – سبحانه و تعالى – جعله واسطة للفيوضات كلها و أنه باب الله إلى الخلق في جميع الإفاضات في التكوينات و التشريعات و باب الخلق إلى الله في الطلبات و المسألات و هو الواقف على التطنجين و السر في العالمين و النور الزاهر في المغربين و المشرقين و لم تحصل هذه العقائد فيه إلا لما ظهر منه عليه السلام من الكرامات و خوارق العادات و انفعال الأشياء له ما لم يحصل لغيره ، و قد قال ابن أبي الحديد في حقه عليه السلام :
تقيلت أفعال الربوبية التي
عذرت بها من شك أنك مربوب
فالعدول عنه مع هذه الكمالات و عجائب الأمور و الحالات مخالفة للحكمة و هي محال على الحكيم الذي هو على خلق عظيم .
و هل يساوى أو يرجح من يشك في إيمانه و كفره و عدالته و فسقه على من يشك في ربوبيته و عبوديته ؟
لا والله لا يخفى ذلك على من له أدنى روية و معرفة فكيف بمن عنده علم غيوب الأشياء و حقائقها ( و من عنده علم الكتاب ) و فصل الخطاب لا يكون ذلك أبداً .
ولا يفعله رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أما سمعت الله تعالى بعد أن نص على أن أمير المؤمنين عليه السلام نفس الرسول في الآية ( أنفسنا ) قال سبحانه ( ما كان لأهل المدينة و من حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله و لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) و لم يقل : ( عنه ) مع أنه أخصر . و إنما المراد نفسه التي هو أمير المؤمنين عليه السلام .
فالإعراض عن أمير المؤمنين عليه السلام هو التخلف عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و التخلف عن رسول الله هو المشاقة معه و هو قوله تعالى ( و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى و نصله جهنم و ساءت مصيرا ) .
و المؤمنون هم القليلون الذين أشار إليهم بقوله ( و ما آمن معهم إلا قليل ) ، ( و قليل من عبادي الشكور ) ، ( و قليل ما هم ) ، ( فشربوا منه إلا قليلاً منهم ) .
و الأكثرون هم الكافرون فإن الله تعالى يقول ( و أكثرهم الكافرون ) ، ( و لكن أكثرهم لا يشكرون ) ، ( بل أكثرهم لا يعلمون ) ، ( و أكثرهم لا يعقلون ) .
فثبت بالبرهان الواضح أنه يجب على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أن لا يدع الخلق مهملين بل ينصب لهم وصياً حقيقاً بالرئاسة عالماً بالسياسة جامعاً لجوامع الكمالات آتياً بخوارق العادات و الآيات و يجري فيهم جريان نفسه في جميع البريات ولا يجعلهم مهملي الناصية ليميلوا إلى ما عندهم من الشهوات و يوقعوا الإختلافات و يستحقوا غضب بارئ السماوات .
و إنه يجب عليه صلى الله عليه و آله و سلم أن لا ينصب وصياً إلا أمير المؤمنين عليه السلام لأنه نفسه فلا يكون شيء أقرب إلى شيء من نفسه . و أنه مطهر من الذنوب معصوم من العيوب محفوظ بعناية علام الغيوب قد تولى الله عصمته و طهارته و أذهب عنه الرجس و طهره تطهيرا فلا يجوز أن يوصل إليه غيره إذ لا يصل أحد إليه في كمال من الكمالات ولا في شيء من محاسن الصفات و معالي الدرجات . فلو اختار عليه غيره لم يكن بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً و قد وصفه الله كذلك و حاشا أن يخلف وصف الله و يخلف وعد الله .
فثبت أن أمير المؤمنين عليه السلام هو الوصي و الخليفة و المنصوص عليه من الله بالخصوص . و حديث ( غدير خم ) يدل على ذلك أكبر دلالة و يشهد أعظم شهادة و ذلك معلوم لمن راعى الإنصاف و جانب الإعتساف ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) .
فيما ذكرنا ثبتت خلافة أمير المؤمنين عليه السلام و وصايته بلا فصل و بطل خلافة من تقدمه إذ لم يقم عليها برهان ولا دليل بل البرهان على خلافه واضح السبيل .




تعليق