ابن تيمية ( رحمه الله ) .. كما تحدث عنه العلامة الفوزان
بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من اهل العلم يدعون من ضل الى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله عز وجل الموتى، ويبصرون بنور الله اهل العمى، فكم من قتيل لابليس قد احيوه. وكم من ضال تائه قد هدوه.
فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالبين، وانتحال المبطلين، وتأويل
الجاهلين الذين عقدوا الوية البدعة واطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون
عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله
عليه وعلى آله وأصحابه وبعد :
فمن المعلوم أنه كلما تأخر الزمان وبعد الناس عن آثار الرسالة حدثت البدع والخرافات وفشا الجهل واشتدت غربة الدين
وظن الناس أن ما وجدوا عليه اباءهم هو الدين وإن كان بعيدًا عنه، ولكن الله سبحانه لا يخلي الارض على الحق ظاهرين
لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى ياتي امر الله تعالى، واخبر صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابو داود
وصححه الحاكم وغيره حيث قال: ( إن الله يبعث لهذه الامة على راس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) .
قال المناوي في فيض القدير(2/282.281): (يبعث) اي يقيض لها. (على راس كل مائة سنة) اي من الهجرة او غيرها.
والمراد بالراس تقريبًا، (من) اي رجلًا او اكثر (يجدد لها دينها) اي يسبين السنة من البدعة ويكثر العلم وينصر اهله,
ويكسر أهل البدعة وبذلهم - قالوا : ولا يكون إلا عالمًا بالعوم الدينية الظاهر والباطنة, قال ابن كثير: قد ادعى كل قوم
في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث والظاهر أنه يعم جملة من العلماء من كل طائفة وكل صنف من مفسر ومحدث وفقيه
ونحوي ولغوي وغيرهم. انتهى.
أقول: وفي زمننا منح لقب التجديد لكل جاهل مدع يظهر على الناس بآراء شاذة وأقوال جاهلة. وهذه مغالطة وتضليل
إنما المجدد في الحقيقة هو العالم يشرع الله المستقيم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرد الناس الى
الهدى.
وقد وقع مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث , فلا يزال والحمد لله فضل الله على هذه الامة
يتوالى بظهور المجددين عهد اشتداد الحاجة اليهم ومن هؤلاء المجددين: الامام احمد بن حنبل في القرن الثالث, وشيخ
الاسلام ابن تيميه في اخر القرن السابع واول الثامن, وشيخ الاسلام محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر,
وغرضنا في هذه الكلمة الموجزة أن نبين الحقيقة ونزيل الشبه والتعميم اللذين روج لهما اعداء اللسنة ضد الامام الجليل
والمجدد الكبير, شيخ الاسلام ابن تيميه عند من لم تتوفر له المعلومات الكافية عنه وعن علمه الصافي الغزير, فان كثيرًا
من خصومه وحاسديه قديما وحديثا اختلفوا حوله الاكاذيب واتهموه زورًا وبهتانًا باتهامات كثيرة وكتبوا ضده كتابات
شوهت التاريخ وسرت اعداء الاسلام, ولكن والحمد لله طوى النسيان ذكرهم ومحي الحق ما كتبوه من ضلال. وبقي ذكر
شيخ الاسلام دائمًا عطرا في الاوساط العلمية وتتلمذ على كتبه الأفواج تلو الأفواج وأصبحت مؤلفاته نبراسًا وضاء لكل
من يريد الحق في كل زمان. وصدق الله العظيم حيث يقول سبحانه: {فَاَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَاَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ
فِي الاَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الاَمْثَالَ} [الرعد/ 17].
قال الإمام الشوكاني رحمة الله: إن الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلا فان الله سبحانه سيسحقه ويبطله
ويجعل العاقبة للحق وأهله - كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه الماء ويضمحل -. انتهى. وهذا المثل العظيم ينطبق على شيخ
الإسلام ابن تيميه رحمة الله مع خصومه فانهم حالوا الظهور عليه واستعدوا عليه السلطة في وقته وضايقوه وكتبوا ما
كتبوا ضده من التلبيس والتدليس, ولكن سرعان ما نسف الحق الذي معه ما روجوه من الباطل وبقي علمه النافع في كتبه
التي صار المسلمون ولله الحمد يتسابقون إلى نشرها واحيائها - وعفا الزمان على كتب خصومة ونسيها الناس فاصبح
في زوايا الاهمال والامتهان - وهذه سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
"التعريف بشيخ الاسلام ابن تيميه"
هو شيخ الاسلام الحافظ تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر
بن محمد بن تيميه الحراني الحنبلي .
ولد بحران يوم الاثنين عاشر ربيع الاول سنة احدى وستين وستمائة, وقدم به والده وبأخويه عند استيلاء التتار على
البلاد الى دمشق سنة 667هـ.
"مشايخه وتحصيله"
أخذ الفقه والأصول عن والده وسمع عن خلق كثير منهم الشيخ شمس الدين والشيخ زين بن المنجّا والمجد بن عساكر
وقرأ العربية على ابن عبد القوي, ثم أخذ كتاب سيبويه فتأمله وفهمه, وعنى بالحديث وسمع الكتب الستة والمسند
مرات, وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرز فيه, وأحكم أصول الفقه والفرائض والحساب والجبر والمقابلة وغير ذلك من
العلوم, ونظر في الكلام والفلسفة وبرز في ذلك. ورد على أكابر المتكلمين , والفلاسفة , وتأهل للفتوى والتدريس وله
دون العشرين من السنين, وتضلع في علم الحديث وحفظه وكان سريع الحفظ قوي الإدراك ، آية في الذكاء ، راسًا في
معرفة الكتاب والسنة والاختلاف ، بحرًا في النقابات , وكان له باع طويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين .
"اشتغاله في التدريس"
كان والده من كبار أئمة الحنابلة فلما مات خلفه في وظائفة وكان عمره تسع عشرة سنة فاشتهر أمره وبعد صيته في
العالم, وأخذ في تفسير القران الكريم أيام الجمع من حفظه, قال عنه الحافظ أبو حفص عمر بن على البراز , وكان من
معاصريه : لقد كان إذا قرئ في مجلسه آيات من القرآن العظيم شرع في تفسيرها فينقضي المجلس بجملته والدرس برمته
وهو في تفسير بعض آية منها , وقد منحه الله تعالى معرفة اختلاف العلماء ونوصهم وكثرة أقوالهم وإجتهادهم في
المائل وما روي عن كل واحد منهم من راجح ومرجوح ومقبول وردود , حتى كان إذا سئل عن شيء من ذلك كان جميع
المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والعلماء فيه من الأولين والآخرين متصور مسطور بإزائه وهذا قد
اتفق عليه كل من راه أو وقف على شيء من علمه ممن لم يغلظ عقله الجهل والهوى. انتهى.
وقال أيضًا: وما ذكر دروسه فقد كنت في حال اقامتي بدمشق لا افوتها, وكان لا يهيئ شيئًا من العلم ليلقيه ويورده بل
يجلس بعد أن يصلى ركعتين فيحمد الله ويثنى عليه ويصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم على صفة مستحسنة
مستعذبة لم اسمعها من غيره ثم يشرع فيفتح الله عليه إيراد علوم وغوامض ولطائف ودقائق وفنون ونقول واستدلالات
بآيات وأحاديث وأقوال العلماء ونقد بعضها وتبيين صحته أو تزييف بعضها وبايضاح حجته واستشهاد باشعار العرب
وربما ذكر ناظمها , وهو مع ذلك يجري كما يجري السيل ويفيض كما يفيض البحر , من غير تعجرف ولا توقف ولا لحن
بل فيض الهي حتى يبهر كل سامع وناظر فلا يزال كذلك الى ان يصمت, ويقع عليه اذ ذاك من المهابة ما يرعد القلوب
ويحير الأبصار والعقول - وكان لا يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قط الا ويصلى ويسلم عليه, ولا والله ما رأيت أحدًا
أشد تعظيمًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحرص على إتباعه ونصر ما جاء به منه , حتى إذا كان أورد شيئًا من
حديثه في مسألة ويرى أنه لم ينسخه شيء غيره من حديثه يعمل به ويفتي بمقتضاه, ولا يتلفت إلى قول غيره من
المخلوقين كائنًا من كان, وقال رضي الله عنه: كل قائل إنما يحتج لقوله لا به إلا رسول الله, وكان إذا فرغ من درسه
يقبل على الناس بوجه طلق بشيش وخلق دمث, وربما اعتذر إلى بعضهم من التقصير في المقال مع ذلك الحال, ولقد كان
درسه الذي يورده حينئذ قدر عدة كراريسي وهذا الذي ذكرته من أحوال درسه أمر مشهور يوافقني عليه كل حاضريه
وهم بحمد الله خلق كثير لم يحصر عددهم علماء ورؤساء وفضلاء من القراء والمحدثين والفقهاء والأدباء وغيرهم من
عوام المسلمين. انتهى. كلام البراز في كتاب الاعلام العلية عن حياة شيخ الاسلام ابن تيميه.
"مؤلفاته العظيمة"
لقد خلف رحمه الله للمكتبة الإسلامية ثروة ضخمة من المؤلفات القيمة التي تحمل التحقيق والتدقيق والتجديد لدين الله في
مختلف الفنون. والتي ترد الزيف والدخيل والدجل والتضليل. قال الحافظ الذهبي: وما أبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ
خمسمائة مجلد. وقال تلميذه ابن عبد الهادى: وللشيخ رحمه الله من المصنفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل
وغير ذلك من الفوائد ما لا يضبط وقال: ولا اعلم احدًا من متقدمي الائمة ولا متاخريها جمع مثل ما جمع ولا صنف نحو ما
صنف نحو ما صنف في الحبس وليس عنده ما يحتاج اليه من الكتب, فمن ذلك ما جمعه في تفسير القرآن العظيم. وما جمعه
من أقوال مفسري السلف الذين يذكرون الأسانيد في كتبهم. وذلك في أكثر من ثلاثين مجلدًا وقد يفوت أصحابه بعض
ذلك وكثيرًا منه لم يكتبوه. وكان رحمه الله يقول: ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مائة تفسير ثم أسأل الله الفهم
وأقول: يا معلم إبراهيم علمني. وقال العلامة ابن الزملكاني: ( لقد اعطى ابن تيميه اليد الطولى في حسن التصنيف
وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين. وقد ألان الله له العلوم كما الان لداود الحديد. وقال الشيخ عمر البزار: وأما
مؤلفاته ومصنفاته فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها , بل هذا لا يقدر عليه أحد.؛ لأنها كثيرة جدًا كبارًا وصغارًا.
وهي منتشرة في البلدان فقل بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه فمنها ما يبلغ عشرين مجلدًا كنقص التأسيس.
وما يبلغ خمس مجلدات كالجمع بين العقل والنقل. وما يبلغ أربع مجلدات . وما يبلغ ثلاث مجلدات كالرد على النصارى
وما يبلغ مجلدًا واحدًا فكثير جدًا فكتاب تفسير سورة الاخلاص مجلد وكتاب الكلام على قوله سبحانه: {الرَّحْمَنُ عَلَى
الْعَرْشِ اسْتَوَى} مجلد نحو خمس وثلاثين كراسة. والصارم المسلول على شاتم الرسول مجلد. وتنبيه الرجل العاقل على
تمويه المجادل الباطل مجلد. وكتاب المسائل الاسكندرية في الرد على الملاحدة الاتحادية. وله في الرد على الفلاسفة
مجلدات. قال: وبالجملة فذكر أسماء كتبه مما يطول وله من الرسائل والقواعد والتعاليق ما لا يمكن حصره وقد ذكر كثيرًا
منها الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه القواعد الدرية. وكان شيخ الاسلام رحمة الله انما يكتب على قدر الحاجة، اما
إجابة أو توضيح مشكل أو ردًا على مبطل ، فهو رحمه الله يقول: الفروع أمرها قريب ، فمن قلد فيها أحدًا من الأئمة
جاز له العمل بقوله ما لم يتبين خطأه. وأما الأصول فقد رأيت أهل البدع تجاذبوا فيها وأوقعوا الناس في التشكيك في
أصول دينهم ، ولذلك أكثرت من التصنيف في أمر الرد عليهم. وكان الشيخ سريع الحفظ. قال بعض من راه: حضرت مجلس
الشيخ رضي الله عنه وقد ساله يهودي عن مسالة في القدر قد نظمها شعرًا ثمانية أبيات فلما وقف عليها الشيخ فكر
لحظة يسيرة وأنشا يكتب جواها. وجعل يكتب ونحن نظن أنه يكتب نثرًا فلما فرغ تأمله من حضر من أصحابه وإذا هو
نظم من بحر أبيات السؤال وقافيتها تقرب من مائة وأربعة وثمانين بيتًا. وقد أبرز فيها من العلوم ما لو شرح لبلغ
مجلدين كبيرين. وهذا من جملة بواهره. قال ابن عبد الهادي: بلغني أن بعض مشايخ حلب قدم إلى دمشق وقال: سمعت
في البلاد بصبي يقال له احمد بن تيميه وانه كثير الحفظ وقد جئت قاصدًا لعل اراه. فقال له خياط: هذه طريق كتابه وهو
إلى الآن ما جاء. فاقعد عندنا. الساعة يمر ذاهبًا الى الكتاب. فلما مر قيل هاهو الذي معه اللوح الكبير. فناداه الشيخ
وأخذ منه اللوح وكتب من متون الحديث أحد عشر حديثًا. وقال له: اقرأ هذا فلم يزد على أن نظر فيه مرة بعد كتابته
إياه ، ثم كتب عدة أسانيد تحتها فنظر فيها كما فعل أول مرة فحفظها. فقام الشيخ وهو يقول: إن عاش هذا الصبي
ليكونن له شأن عظيم. فإن هذا لم ير مثله فكان كما قال .
وأما سرعته في الكتابة فقد ذكروا عنه الشيء العجيب وأنه كان يكتب من حفظه من غير نقل وذكروا أنه كتب مجلدًا
لطيفًا في يوم. وكتب غير مرة الاربعين ورقة في جلسة. ومن عجائب حفظه أنه لما سجن صنف كتبًا كثيرة وذكر فيها
الأحاديث والآثار وأقوال العلماء وأسماء المحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم وعزًا كل شيء من ذلك الى ناقليه وقائليه
باسمائهم وذكرت فيها تلك النقول والأقوال ومواضعها منها. كل ذلك من حفظة.
هذا والله أعلم , وصلى الله على نبينا محمد وعلى وآله وصحبه أجمعين
بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من اهل العلم يدعون من ضل الى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله عز وجل الموتى، ويبصرون بنور الله اهل العمى، فكم من قتيل لابليس قد احيوه. وكم من ضال تائه قد هدوه.
فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالبين، وانتحال المبطلين، وتأويل
الجاهلين الذين عقدوا الوية البدعة واطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون
عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله
عليه وعلى آله وأصحابه وبعد :
فمن المعلوم أنه كلما تأخر الزمان وبعد الناس عن آثار الرسالة حدثت البدع والخرافات وفشا الجهل واشتدت غربة الدين
وظن الناس أن ما وجدوا عليه اباءهم هو الدين وإن كان بعيدًا عنه، ولكن الله سبحانه لا يخلي الارض على الحق ظاهرين
لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى ياتي امر الله تعالى، واخبر صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابو داود
وصححه الحاكم وغيره حيث قال: ( إن الله يبعث لهذه الامة على راس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) .
قال المناوي في فيض القدير(2/282.281): (يبعث) اي يقيض لها. (على راس كل مائة سنة) اي من الهجرة او غيرها.
والمراد بالراس تقريبًا، (من) اي رجلًا او اكثر (يجدد لها دينها) اي يسبين السنة من البدعة ويكثر العلم وينصر اهله,
ويكسر أهل البدعة وبذلهم - قالوا : ولا يكون إلا عالمًا بالعوم الدينية الظاهر والباطنة, قال ابن كثير: قد ادعى كل قوم
في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث والظاهر أنه يعم جملة من العلماء من كل طائفة وكل صنف من مفسر ومحدث وفقيه
ونحوي ولغوي وغيرهم. انتهى.
أقول: وفي زمننا منح لقب التجديد لكل جاهل مدع يظهر على الناس بآراء شاذة وأقوال جاهلة. وهذه مغالطة وتضليل
إنما المجدد في الحقيقة هو العالم يشرع الله المستقيم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرد الناس الى
الهدى.
وقد وقع مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث , فلا يزال والحمد لله فضل الله على هذه الامة
يتوالى بظهور المجددين عهد اشتداد الحاجة اليهم ومن هؤلاء المجددين: الامام احمد بن حنبل في القرن الثالث, وشيخ
الاسلام ابن تيميه في اخر القرن السابع واول الثامن, وشيخ الاسلام محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر,
وغرضنا في هذه الكلمة الموجزة أن نبين الحقيقة ونزيل الشبه والتعميم اللذين روج لهما اعداء اللسنة ضد الامام الجليل
والمجدد الكبير, شيخ الاسلام ابن تيميه عند من لم تتوفر له المعلومات الكافية عنه وعن علمه الصافي الغزير, فان كثيرًا
من خصومه وحاسديه قديما وحديثا اختلفوا حوله الاكاذيب واتهموه زورًا وبهتانًا باتهامات كثيرة وكتبوا ضده كتابات
شوهت التاريخ وسرت اعداء الاسلام, ولكن والحمد لله طوى النسيان ذكرهم ومحي الحق ما كتبوه من ضلال. وبقي ذكر
شيخ الاسلام دائمًا عطرا في الاوساط العلمية وتتلمذ على كتبه الأفواج تلو الأفواج وأصبحت مؤلفاته نبراسًا وضاء لكل
من يريد الحق في كل زمان. وصدق الله العظيم حيث يقول سبحانه: {فَاَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَاَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ
فِي الاَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الاَمْثَالَ} [الرعد/ 17].
قال الإمام الشوكاني رحمة الله: إن الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلا فان الله سبحانه سيسحقه ويبطله
ويجعل العاقبة للحق وأهله - كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه الماء ويضمحل -. انتهى. وهذا المثل العظيم ينطبق على شيخ
الإسلام ابن تيميه رحمة الله مع خصومه فانهم حالوا الظهور عليه واستعدوا عليه السلطة في وقته وضايقوه وكتبوا ما
كتبوا ضده من التلبيس والتدليس, ولكن سرعان ما نسف الحق الذي معه ما روجوه من الباطل وبقي علمه النافع في كتبه
التي صار المسلمون ولله الحمد يتسابقون إلى نشرها واحيائها - وعفا الزمان على كتب خصومة ونسيها الناس فاصبح
في زوايا الاهمال والامتهان - وهذه سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
"التعريف بشيخ الاسلام ابن تيميه"
هو شيخ الاسلام الحافظ تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر
بن محمد بن تيميه الحراني الحنبلي .
ولد بحران يوم الاثنين عاشر ربيع الاول سنة احدى وستين وستمائة, وقدم به والده وبأخويه عند استيلاء التتار على
البلاد الى دمشق سنة 667هـ.
"مشايخه وتحصيله"
أخذ الفقه والأصول عن والده وسمع عن خلق كثير منهم الشيخ شمس الدين والشيخ زين بن المنجّا والمجد بن عساكر
وقرأ العربية على ابن عبد القوي, ثم أخذ كتاب سيبويه فتأمله وفهمه, وعنى بالحديث وسمع الكتب الستة والمسند
مرات, وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرز فيه, وأحكم أصول الفقه والفرائض والحساب والجبر والمقابلة وغير ذلك من
العلوم, ونظر في الكلام والفلسفة وبرز في ذلك. ورد على أكابر المتكلمين , والفلاسفة , وتأهل للفتوى والتدريس وله
دون العشرين من السنين, وتضلع في علم الحديث وحفظه وكان سريع الحفظ قوي الإدراك ، آية في الذكاء ، راسًا في
معرفة الكتاب والسنة والاختلاف ، بحرًا في النقابات , وكان له باع طويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين .
"اشتغاله في التدريس"
كان والده من كبار أئمة الحنابلة فلما مات خلفه في وظائفة وكان عمره تسع عشرة سنة فاشتهر أمره وبعد صيته في
العالم, وأخذ في تفسير القران الكريم أيام الجمع من حفظه, قال عنه الحافظ أبو حفص عمر بن على البراز , وكان من
معاصريه : لقد كان إذا قرئ في مجلسه آيات من القرآن العظيم شرع في تفسيرها فينقضي المجلس بجملته والدرس برمته
وهو في تفسير بعض آية منها , وقد منحه الله تعالى معرفة اختلاف العلماء ونوصهم وكثرة أقوالهم وإجتهادهم في
المائل وما روي عن كل واحد منهم من راجح ومرجوح ومقبول وردود , حتى كان إذا سئل عن شيء من ذلك كان جميع
المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والعلماء فيه من الأولين والآخرين متصور مسطور بإزائه وهذا قد
اتفق عليه كل من راه أو وقف على شيء من علمه ممن لم يغلظ عقله الجهل والهوى. انتهى.
وقال أيضًا: وما ذكر دروسه فقد كنت في حال اقامتي بدمشق لا افوتها, وكان لا يهيئ شيئًا من العلم ليلقيه ويورده بل
يجلس بعد أن يصلى ركعتين فيحمد الله ويثنى عليه ويصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم على صفة مستحسنة
مستعذبة لم اسمعها من غيره ثم يشرع فيفتح الله عليه إيراد علوم وغوامض ولطائف ودقائق وفنون ونقول واستدلالات
بآيات وأحاديث وأقوال العلماء ونقد بعضها وتبيين صحته أو تزييف بعضها وبايضاح حجته واستشهاد باشعار العرب
وربما ذكر ناظمها , وهو مع ذلك يجري كما يجري السيل ويفيض كما يفيض البحر , من غير تعجرف ولا توقف ولا لحن
بل فيض الهي حتى يبهر كل سامع وناظر فلا يزال كذلك الى ان يصمت, ويقع عليه اذ ذاك من المهابة ما يرعد القلوب
ويحير الأبصار والعقول - وكان لا يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قط الا ويصلى ويسلم عليه, ولا والله ما رأيت أحدًا
أشد تعظيمًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحرص على إتباعه ونصر ما جاء به منه , حتى إذا كان أورد شيئًا من
حديثه في مسألة ويرى أنه لم ينسخه شيء غيره من حديثه يعمل به ويفتي بمقتضاه, ولا يتلفت إلى قول غيره من
المخلوقين كائنًا من كان, وقال رضي الله عنه: كل قائل إنما يحتج لقوله لا به إلا رسول الله, وكان إذا فرغ من درسه
يقبل على الناس بوجه طلق بشيش وخلق دمث, وربما اعتذر إلى بعضهم من التقصير في المقال مع ذلك الحال, ولقد كان
درسه الذي يورده حينئذ قدر عدة كراريسي وهذا الذي ذكرته من أحوال درسه أمر مشهور يوافقني عليه كل حاضريه
وهم بحمد الله خلق كثير لم يحصر عددهم علماء ورؤساء وفضلاء من القراء والمحدثين والفقهاء والأدباء وغيرهم من
عوام المسلمين. انتهى. كلام البراز في كتاب الاعلام العلية عن حياة شيخ الاسلام ابن تيميه.
"مؤلفاته العظيمة"
لقد خلف رحمه الله للمكتبة الإسلامية ثروة ضخمة من المؤلفات القيمة التي تحمل التحقيق والتدقيق والتجديد لدين الله في
مختلف الفنون. والتي ترد الزيف والدخيل والدجل والتضليل. قال الحافظ الذهبي: وما أبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ
خمسمائة مجلد. وقال تلميذه ابن عبد الهادى: وللشيخ رحمه الله من المصنفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل
وغير ذلك من الفوائد ما لا يضبط وقال: ولا اعلم احدًا من متقدمي الائمة ولا متاخريها جمع مثل ما جمع ولا صنف نحو ما
صنف نحو ما صنف في الحبس وليس عنده ما يحتاج اليه من الكتب, فمن ذلك ما جمعه في تفسير القرآن العظيم. وما جمعه
من أقوال مفسري السلف الذين يذكرون الأسانيد في كتبهم. وذلك في أكثر من ثلاثين مجلدًا وقد يفوت أصحابه بعض
ذلك وكثيرًا منه لم يكتبوه. وكان رحمه الله يقول: ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مائة تفسير ثم أسأل الله الفهم
وأقول: يا معلم إبراهيم علمني. وقال العلامة ابن الزملكاني: ( لقد اعطى ابن تيميه اليد الطولى في حسن التصنيف
وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين. وقد ألان الله له العلوم كما الان لداود الحديد. وقال الشيخ عمر البزار: وأما
مؤلفاته ومصنفاته فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها , بل هذا لا يقدر عليه أحد.؛ لأنها كثيرة جدًا كبارًا وصغارًا.
وهي منتشرة في البلدان فقل بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه فمنها ما يبلغ عشرين مجلدًا كنقص التأسيس.
وما يبلغ خمس مجلدات كالجمع بين العقل والنقل. وما يبلغ أربع مجلدات . وما يبلغ ثلاث مجلدات كالرد على النصارى
وما يبلغ مجلدًا واحدًا فكثير جدًا فكتاب تفسير سورة الاخلاص مجلد وكتاب الكلام على قوله سبحانه: {الرَّحْمَنُ عَلَى
الْعَرْشِ اسْتَوَى} مجلد نحو خمس وثلاثين كراسة. والصارم المسلول على شاتم الرسول مجلد. وتنبيه الرجل العاقل على
تمويه المجادل الباطل مجلد. وكتاب المسائل الاسكندرية في الرد على الملاحدة الاتحادية. وله في الرد على الفلاسفة
مجلدات. قال: وبالجملة فذكر أسماء كتبه مما يطول وله من الرسائل والقواعد والتعاليق ما لا يمكن حصره وقد ذكر كثيرًا
منها الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه القواعد الدرية. وكان شيخ الاسلام رحمة الله انما يكتب على قدر الحاجة، اما
إجابة أو توضيح مشكل أو ردًا على مبطل ، فهو رحمه الله يقول: الفروع أمرها قريب ، فمن قلد فيها أحدًا من الأئمة
جاز له العمل بقوله ما لم يتبين خطأه. وأما الأصول فقد رأيت أهل البدع تجاذبوا فيها وأوقعوا الناس في التشكيك في
أصول دينهم ، ولذلك أكثرت من التصنيف في أمر الرد عليهم. وكان الشيخ سريع الحفظ. قال بعض من راه: حضرت مجلس
الشيخ رضي الله عنه وقد ساله يهودي عن مسالة في القدر قد نظمها شعرًا ثمانية أبيات فلما وقف عليها الشيخ فكر
لحظة يسيرة وأنشا يكتب جواها. وجعل يكتب ونحن نظن أنه يكتب نثرًا فلما فرغ تأمله من حضر من أصحابه وإذا هو
نظم من بحر أبيات السؤال وقافيتها تقرب من مائة وأربعة وثمانين بيتًا. وقد أبرز فيها من العلوم ما لو شرح لبلغ
مجلدين كبيرين. وهذا من جملة بواهره. قال ابن عبد الهادي: بلغني أن بعض مشايخ حلب قدم إلى دمشق وقال: سمعت
في البلاد بصبي يقال له احمد بن تيميه وانه كثير الحفظ وقد جئت قاصدًا لعل اراه. فقال له خياط: هذه طريق كتابه وهو
إلى الآن ما جاء. فاقعد عندنا. الساعة يمر ذاهبًا الى الكتاب. فلما مر قيل هاهو الذي معه اللوح الكبير. فناداه الشيخ
وأخذ منه اللوح وكتب من متون الحديث أحد عشر حديثًا. وقال له: اقرأ هذا فلم يزد على أن نظر فيه مرة بعد كتابته
إياه ، ثم كتب عدة أسانيد تحتها فنظر فيها كما فعل أول مرة فحفظها. فقام الشيخ وهو يقول: إن عاش هذا الصبي
ليكونن له شأن عظيم. فإن هذا لم ير مثله فكان كما قال .
وأما سرعته في الكتابة فقد ذكروا عنه الشيء العجيب وأنه كان يكتب من حفظه من غير نقل وذكروا أنه كتب مجلدًا
لطيفًا في يوم. وكتب غير مرة الاربعين ورقة في جلسة. ومن عجائب حفظه أنه لما سجن صنف كتبًا كثيرة وذكر فيها
الأحاديث والآثار وأقوال العلماء وأسماء المحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم وعزًا كل شيء من ذلك الى ناقليه وقائليه
باسمائهم وذكرت فيها تلك النقول والأقوال ومواضعها منها. كل ذلك من حفظة.
هذا والله أعلم , وصلى الله على نبينا محمد وعلى وآله وصحبه أجمعين
